صلوا على الحبيب المصطفى، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إهداء.
إلى كل ملتزم بكلمات الله، لا مغوٍ بفساد الشيطان.
وفقكم الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خطى خطواته بعيدًا عن الظلام المحيط به، منزله لا يغلفه سوى إنارة طفيفة من مصباح وحيد معتوم الضوء يتوسطه.
عفوًا؟ ! أقصد حجرة من حُجر منزلنا الواسع، مقسمة إلى حمام، ومطبخ، وغرفة للنوم صغيرة.
بالكاد تسع ثلاثة أمتار عرضًا، وطولًا.
ينام هو، وزوجته، وطفله البالغ من العمر أربع سنوات داخلها.
يرغب بحياة أفضل، ولو بالقليل ساعيًا بجعلها كذلك. لكنا الحياة مكبته على قلبه، مغلغلة داخله الحزن، والأسى.
لكن لن يستسلم سيحسن وضعه المادي؛ لجعل مستقبل ولده قبل بلوغه، وقبل مجيء طفله الثاني من بطن أمه أفضل من ماضيهم.
وأول ما سيفعله الخروج من هذا المكان أو جعله أفضل مما هو عليه.
اندفع لكسب رزقه، ممسكًا بالسلة بقوة؛ كي لا تقع من يده، ويسقط منها حلوى التفاح، ويضيع ما دفعه من مال وقتها، وتأتي عليه بخسارة فادحة.
زوجته الداعمة له، أيذهب تعبها هباءًا؟ لم تذم فقره يومًا، لكنه لا يرى نفسه فقيرًا، بل مسكينًا؛ لأنه أحسن من غيره، ألا يكفي قدرته على سد جوعهم؟ حتى وإن لم يجلب اللحوم باستمرار، يحمد ربه أن أهل بيته مكتفون بما لديه.
لم يتمرد ولده عليه يومًا، وكان هذا كفيلًا. يتمنى لو كان مولوده القادم ذو حظ سعد عليهم.
وقف في أحد شوارع القاهرة الواسعة، بخلاف أمام منزله، شارع ضيق بالكاد تمر داخله دراجة نارية.
مرَّ هنا وهناك، ينادي بعلو صوته، علّ أحدٌ يشتري منه ولو واحدة قبل مغيب الشمس، و يا لحظ سعده إذا انتهى منهم، ثم عاد أدراجه لجلب المزيد.
مر الوقت، وقاربت على المغيب، وكان الحظ حليفه، وكرم الله وعطائه لا يسعه من السعادة؛ فلم يتبقى سوى حلوتان فقط.
كأن قبول الدعوات كانت مستجابة
وقتها! !
نظر إلى السلة عساه يتأكد، ليرى أنه قارب على انتهائها حقًا.
زفر بإرهاق، مع ابتسامة راضية على شفتيه، رافعًا كف يده اليسرى؛ مكففًا على جبينه، يزيل حبات العرق الساقطة، الواقفة من غير حراك، تتكبر عليه بعدم إكمال السير من غير مساعدته.
عاد ببهجة جلية، ينادي على زوجته، خرجت له مهلهلة؛ لرؤية السعادة على وجهه، وهي لا تراها في عودته إلا قليلًا:
- عساه خيرًا.
لتكمل بتساؤل ممزوج بقلق، بعد وضعه للسلة على الأرضية:
- لِمَ عدت باكرًا؟ هل حدث مكروه لك!
أجابها مغرسًا كف يده اليسرى بجيب بنطاله، يخرج لها الأموال ويضعها بين يديها:
- كلا، لا تقلقي لم يحدث شيء، كل ما في الأمر أني انهيت بيعهم مبكرًا، ها هي الأموال لتجلبي ما ينقصنا من زاد.
وكيف لا تقلق وقد أعطاه الله زوج راضي بما قسمه الله له، لم يثور على قلة معيشته، بل يحمد ربه على كرمه معه.
شكرت ربها كثيرًا لوقوعها نصيبه، قبل بها كزوجة، بالكاد تعرف الكتابة والقراءة، بعد انهاءها المرحلة الابتدائية خرجت من التعليم؛ فالمال لدى عائلتها رحمهم الله غير كافي لإكمالها. لم تتذمر بل رضت بذلك، كانت وحيدة عائلتها ومع ذلك كان المال قليل معهم، رضي بها رغم أنه أغنى مالًا حتى ولو بالقليل.
نظر في أرجاء المكان، يضيق حاجبيه، مستغربًا عدم خروج ولده مندفع إليه:
- أين حسين.
- يلعب مع الأولاد في الشارع، أتريدني أن أُناديه لك؟
- كلا اتركيه يمرح قليلًا.
وضعت يدها على ظهرها، والأخرى على بطنها. تزم شفتيها تكبت الألم داخلها، مانعه خروج الصياح من فمها.
رمقها بقلق، ابتعد جالبًا الكرسي تجلس عليه، وضعه جوارها، أمسك بها يجلسها برفق:
- هل الحمل يتعبك سناء؟
ردت مبتسمة مملسة بيديها على بطنها البارزة:
- أجل، ابنتك شقية يا عزيزي، ليمهلني الله الصبر معها. وهي داخلي تفعل بي هذا، فماذا سيحدث بعد خروجها ورؤيتها للحياة. حقًا أشعر أنها ستغلبني كثيرًا، لن تكون هادئة مثل أخاها، يا اللهي.
قهقه مجيبًا بما يعتريه داخله، وما يتمناه من الله:
- لتفعل ما يحلو لها يكفي أنها قطعة منك، أتمنى أن تكون فتاة حقًا مثلما تشعرين، لن تسعني السعادة وقتها.
رمقته تبتسم بحنان، كانت تدعو الله أن يرزقها بزوج لا يفرق بين الذكر والأنثى مثل والدها.
كان لهم جار فيما مضى، يرزقه الله بأنثى فكان يثور على زوجته- كثور حقيقي- متناسيًا أنها لا ذنب لها، وأنهم رزق من الله تعالى، حتى رزقه الله بولد أرهقه جعله يتمنى الموت، ليعلم أن التكبر على رزق الله إثم. وها هو زوجها لم يكن مثله، كم تحبه بصدق:
- ألتلك الدرجة تتمنى أن يرزقك الله بفتاة؟
- فتاة أم صبي كل ما يأتي من الله خير، ولكني أتمنى فتاة فكما يقولون انهن رزق ويأتي معهم.
ردت مستغربة طريقته، بعد حديثه برضى ممزوج بالتعب:
- ماذا تقصد يا إبراهيم.
تنهد مخرجًا زفيرًا عاليًا:
- لا أعلم ماذا سيحدث بعد مجيئه، نحن بالكاد نستطيع العيش. تعلمين أني لا أبيع سوى سلة واحدة في اليوم، وقليلًا ما يكون إثنين مثل اليوم، سيزيد الحمل عليّ ولا أعرف ماذا أفعل.
رتبت على وجنتيه برفق، تهتف له بدعم:
- لا تقلق سيكون كل شيء بخير، إن الله معنا ولن يضع حمل ثقيل على كاحلنا. هيا قف لنصنع المزيد من حلواتنا اللذيذة، وقد يرزقنا الله من حيث لا نحتسب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماء، وسكر، وليمون، ولون أحمر، هكذا يصنع الصوص؛ ليضعه على التفاح.
جلب الإناء وبدأ بخلط المكونات معًا.
سكب الماء، تبعه وضع السكر، عصر عدة ليمونات، ثم أضاف قطرات من اللون الأحمر؛ حتى يصل للون أحمر قاطم. أمسك معلقة بيده، يمزجهم معًا قبل وضعهم على النار.
بعد أن انتهى نضجه، ووصل إلى قوامه المناسب، غير سائل، تماسك محكم.
أمسك قطع التفاح من زوجته، بعد أن أحكمت عيدان الخشب داخله. انغمس التفاح داخل الكراميل الأحمر، أخرجه بعد مزيجه بالكامل، يضعه بالأكياس المخصصة له. بعد انهائهم من الثمار المتواجدة في المنزل، اندفع إلى الخارج؛ لأجل كسب عيشه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توالت الأيام، والشهور.
زاد الحمل عليه، وازداد السواد أسفل عيناه، الوضع صار صعبًا.
جنى الكثير، حتى أصبح قليلًا، ثم بات معدومًا.
كسرت ساق حسين، بعد سقوطه أعلى الدرجات، أنفق الكثير من المال؛ لأجل الاطمئنان عليه، من تحاليل طبية، أشعة على قدمه، ودواء.
لم يتبقى سوى القليل؟ تاركًا إياهم، لنجله الثاني القادم.
لا يعلم ماذا يفعل؛ فحتى ما لديه لن يكفي.
وما زاد الوضع سوءً، انتهاء موسم التفاح المصري. وإذا جلب التفاح الآخر لن يشتريه منه أحد لغلو ثمنه.
وفي أحد الأيام، دخلت عليه زوجته متكِئه على الحائط بعد وصولها للشهر السابع.
وجدته جالسًا، ينظر إلى السقف بشرود، وجسده متراخي على أرضية الغرفة.
أخرجت تنهيدة حزينة على وضعه، اقتربت بابتسامة صغيرة بشوشة تجلس جواره، أدخلت كف يدها اليمنى بين راحته، ممسكه إياه بقوة، تتساءل لِمَ الحزن مخيم على وجهه لليالٍ طويلة:
- ما بك، ألن تخبرني؟ لا تكذب عليَّ بقولك لا يوجد شيء، فوجهك خيم عليه الأسى.
أرجوك أخبرني ماذا يشغل بالك؟ أرح قلبي يا إبراهيم، طيلة الأيام الماضية ألح عليك لتخربني، لكنك لا تتحدث، لِمَ يا إبراهيم؟ لِمَ؟ .
أطلق زفيرًا عاليًا، وأدمعت عيناه حزنًا، فلو يشعر أحد بما يعتريه من ألم لتفهم حزنه:
- وإذا أخبرتك ما بي، سينقلب الحزن عليكِ أيضًا، حتى أنكِ ستشمئزين مني.
حسنًا سأخبرك فقد زاد الحملُ عليَّ، ولم أعد أستطيع الصمود أكثر من ذلك.
أوتعلمين كيف وصل بي الحال لأتمنى لو أنكِ لم تحملي! أجل تمنيت لو أنه لم يحدث، ولكني أفقتُ من غيمتي، واستغفرتُ ربي.
هذا هو حالي خائف من الزمن، ماذا سيحدث لكم إذا حدث مكروه لي؟ فأنا بالكاد أجني المال.
أخبريني ماذا فعلتُ في حياتي لكم؟ لم أؤمن مستقبلكم مثل باقي الآباء، لا أعمل بعمل دائم، لا أخذ راتب شهري مثل غيري؛ حتى عملي لا أعلم ماذا أفعل به.
الأعوام الماضية كانت الأموال تكفينا طيلة الشتاء؛ لحين مجيء فصل الصيف، وأبدأ بالعمل من جديد. لكن الآن كل شيء باهظ الثمن، بالكاد الأموال التي معي تكفي لولادتك، حتى أني شككتُ في ذلك، فلا أعلم ماذا تخبئ الأيام القادمة.
مُذ ليالٍ فاجعتنا بكسر ساق ولدك، أنفقتُ الكثير من ما أملك، أتساءل من القادم منا؟ من سيمرض؟ والعلاج من أين أجلب ماله! ؟
حقًا بتُ حمل ثقيل عليكم.
أعلم أن حالُنا أفضل من الغير، لكني تمنيت
منحكم حياة هادئة، راقية، غير مليئة بالتعب الناهش للعظام، ولا مشقة البدن، كانت مجرد أمنية لا غير. .
ألم، اكتئاب، ذعر، كل هذا داخله، ولم يشاركها همومه!
لتكن داعمة له مثلما يفعل، فهو في كرب، عليها أن تناجيه قبل ضياعه. وضعت يديها تزيل الدموع من عينيه:
- لا تقل هكذا أرجوك، نحن بدونك لا شيء، أنت الأمان الخاص بنا، لا أشعر بالاطمئنان من غير وجودك جواري. عندما أراك تدخل المنزل ببهجة جلية، يتهلهل قلبي من السعادة. أعلم أن الحياة بدون مال لا تسوى شيء، لكنها من دونك لا حياة بها. لستَ حمل علينا، بل نحنُ أنهكناك من التعب، حمل ثقيل أخاف أن تنفُر منه ذات يوم. أنت سندي، وعجازي كيف أخرجت تلك الكلمات؟ لا تجعل الشيطان يطغو على عقلك، لا تخشع له، ارتعب أن تمضي في الحرام، ويبعدك عن طريق الحلال، وتكون ضالًا داخل قوقعة لا تستطيع الخروج منها. فوالله أقل لقمة تسد الجوع داخلنا، مالُنا حلالٌ، أتى من تعبك؛ وقفت أسفل الشمس الحارقة لجسدك، تنهش جلدك من التأكل، لم تكترث لها يومًا، ما يهمك جني أموال طاهرة، لو مرت الأعوام لن أنسى، وكيف أنسى ذلك!
وأخذت أنفاسها المتلاحقة بتروي مستردة بابتسامة خافتة:
- أنا فخورة بك يا زوجي، فخورة بكوني زوجتك لك. ما جنيته في الأشهر الماضية، حتى وإن بقي القليل، سيكفينا بإذن الله. إبراهيم قد رزقنا الله بذرية أخرى، إنها رزق من عند الله، فهل نعترض على رزقه؟ لن اُعاتبك على أمنيتك فقد استغفرت ربك، وأتمنى قبول توبتك. ثم لا نعلم ماذا يخبئ الله لنا، وما أحد بعالم إلا هو. ألقي همومك جانبًا، وأزل هذا التشاؤم، توكل على الله؛ فليس لدينا غيره نتوكل عليه.
وقررت الذهاب تاركه إياه يفكر بكلماتها، ترن في باطن عقله، خرجت تنهيد متحسرة، على علم اليقين بصدق كلماتها، لكن ماذا يفعل فاض به الغم. مرت دقائق عديدة، لتأتي إليه والفرحة لا تسعها، طوق نجاتهم قارب المجيء:
- إبراهيم كفى تشاؤم هيا قف، كنت في الحمام، وبالخطأ أقسم لك سمعت صوت جارتنا وزوجها، يتحدثون وكان صوتهم عالٍ جدًا، ليشهد الله أني لم أقصد ذلك، يخبرها أنه قدم في مصنع (. . . ). يبحثون عن عمال للعمل لديهم، ما رأيك فلتقدم؟ وعسى الله أن يمنحك القبول.
نظر إليها بأمل، وظيفة دائمة، ويستقر حاله كما تمنى دائمًا؟
- هيا لا تفكر كثيرًا، جاء الكرم لدينا اسعى لجعله لك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مضت الأيام مملوءة بالغم، وقد صار أكثر تعاسة مما مضى، كرب من الله لم يعد يستطيع اجتيازه.
انبعث الأمل داخل قلبه، وتخيل نفسه يعمل في المصنع، لكن باتت كل أحلامه سرابًا، لم يتم قبوله أو رفضه، كان يعتقد في بداية الأمر أنهم يتأخرون في القبول، لكنهم وافقة على منح جاره الوظيفة بعد أن قدم بأسبوع، لكن هو مر شهر ونصف ولم يتم قبوله بعد.
التزم المكوث في المنزل، ولا يعلم لما خرج اليوم، ولا إلى أين تأخذه قدمه، فقط يسير بلا هدف.
اختفى عن الأنظار، لم يلاحظ دلوفه عبر طريق معتم، لا ينيره سوى ضوء القمر، في الظلام الدامس المحيط بكلى الاتجاهات.
أخرجه صوت مواء القطط، يتنافسون على قطعة خُبز، من منهم يلتقطها تفر هاربة من الأخرى، تلتهمها بنهم شديد.
ابتسم بتهكم؛ قارب حاله على ذلك.
اقترب من سلة المهملات، متسائلًا هل سيبحث عن بقايا الطعام داخلها؛ ليطعم أهله، أم يفضل نفسه ويتركهم جياع؟
دنى ينهش داخلها منفعل من حاجته؛ كي يعتاد على ذلك، ولا يأخذ وقتًا في استيعاب تناول الطعام منها، وما بها من أمراض قد تأتي بعدها، لكن ماذا في ذلك! ألا يعيش غيره على ما بها من طعام؟ هو ليس أفضل من غيره ولا غيره أفضل.
ظل يلقي ما بها من فضالات، غير مكترث بشيء، يلقي من غير أن يرى ماذا تلتقط يداه.
انتهى تاركًا فوضى، ورائحة كريهة أصابت يده، جعلته يسخط نفسه.
رمق ما فعله بألم، تراخت قدمه اليمنى على الأرضية، وأطبق كلتا يداه على يسراه بعد رفعها، أسند ظهره على الحائط، سقطت رأسه مزامنة مع إجهاشه في البكاء.
دقائق وتوقف، يتطلع إلى الحقيبة الماكثة أمامه بريبة، كيف لم يشعر بها وهو يخرجها؟ !
اقترب زاحفًا إليها بسرعة يأخذها بين كف يديه، مدخلًا إياها داخل أحضانه، اعتقادًا أن بها طوق نجاته؟ !
نظر في الاتجاهات؛ ليرى هل يتواجد أحد في الأرجاء؟ وضعها على الأرضية، ويديه تضغط على مفتاح القفل؛ كي تفتح.
جحظت عيناه من الصدمة، مال!؟
الكثير والكثير منه؟ لا يسعه التصديق.
أمسك إحدى اللفات، فاغرًا فاهه؛ لاحتواء الورقة فئة خمسمئة دولار، فما ثمن الأموال إذن.
أعادها مكانها ليرى ورقة عليهم صغيرة، أمسكها بيده ودون عليها قيمة الأموال المتواجدة داخلها.
أكثر من نصف مليون بين يديه؟ بالتأكيد حياته ستتغير بعدها، ما هذا الحظ، من لا يتمنى أموال كثير؟ إذا أخذهم سيحقق الكثير والكثير، سيجلب شقة كبيرة واسعة، ويذهب ابنه مدرسة أفضل، ويأتي بالكثير من الثياب، والألعاب، سيأمن مستقبله بكل تأكيد.
وولده القادم قبل خروجه من الدنيا، سيحضر له كل شيء، لن يترك شيء حتى يجلبهم لهم.
وزوجته سيجلب لها كل ما تتمناه من الزينة ذهب، وحرير، و. .
وعند ذكرها توقف عما كان يفعله متذكرًا ما قالته- مالُنا حلالٌ- فكيف يأخذ مالٌ حرامٌ وينفقه عليهم؟ ناسيًا أن الحرام يظل حرام مهما حدث.
متناسيًا أن السرقة من كبائر الذنوب، وأنه صلّ الله عليه وسلم لعن صاحبَها، حينما قال: لعن الله السارق.
فهل يسرق ويطرد من رحمة الله تعالى، بانقطاع قبول رحمته، وتوفيقه في الحياة؟ كلا، كيف يفعل ذلك! وهو مؤمن بقضاء الله تعالى، اختبار من ربك وعليك اجتيازه.
فقط اِلتزم ما كتبه الله، وابتعد عن الشبهات، إنها ذلت شيطان لا غير.
عاد ما قالته زوجته في مخيلته، لا تعجل الشيطان يطغو عليك، ما قالته كان صحيحًا؛ جعله يطغو عليه، هو من اقترف ذلك الذنب، لكنه أفاق قبل الخضوع له، ويكون أكبر إثم فعله في حياته، بعد اخضاعه لطريق الحلال الدائم يتركه!
أيها العبد لا تكن مغوٍ بالفساد من قبل الشيطان.
ظل يستغفر ربه كثيرًا، عله يغفر له ذنب تخيله، نظر إلى المساء يناجي ربه:
- يا الله لم أعد استطيع الصمود أكثر من ذلك، امتحانك عسير أصرفه يا الله، قبل أن ينهيني، ويجعلني أمضي في الحرام، كنت بين لحظات سأقع به، يا الله اهدني الصبر؛ لأتحمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أتى الطلق لزوجته في بداية الشهر التاسع، رزقه الله بفتاة كما تمنى، لم يسعه التعبير عن فرحته، سحر بعينيها الصافية، بلونها البني الممزوج بالعسلي، مثل والدتها.
مر يومين لم يطلق لقب عليها، كان يتابع حالة زوجته الصحية؛ إذ أنها كانت ضعيفة بعد ولادتها، وقد أُرهقت بعد وضعها.
من الواضح أنها شقية، لم تكف عن البكاء والصياح، تريد أن تظل محمولة بين أيديهم، لكن الوقت لا يسعفهم؛ كانوا يتركونها مع أخاها يرعاها، يلهو ويمرح معها؛ فكانت رفيقته الصغيرة في المنزل.
حينما لا تكف عن البكاء يحملها برفق مثلما علمه أباه، ويضعها بجانب والدته كي تطعمها.
نسى إبراهيم وقتها همومه، لم يفكر من أين يجلب المال، بل توكل على ربه، اهتمامه الكامل أهداه لزوجته.
حتى أتى ما يزيل الهم، ويبعده عن عاتقه، قدم جاره ومعه زوجته، يهنئونه بالمولودة الصغيرة، لم تكن الزيارات عندهم بإعطاء المال أو شيء من هذا، بل يأتون بقلب صافي، يتحدثون بسعادة، تاركين ما بداخلهم من حزن ومصاعب الحياة خلفهم، الجميع بالكاد يستطيع تحمل نفقات عائلته؛ فلن يهدي المال لآخر.
وعند هتافه بسعادة:
- لقد تم قبولك للعمل في المصنع، بالصدفة كنت مارًا بجوار الأوراق المدون عليها الأسماء، ولمحت اسمك عليها، أتيت لإعلامك؛ حتى تأتي وتستلم العمل.
تغيرت حياته بعدها، أمنيته تتحقق برضى من الله تعالى.
فقط متيقن أنه رزق من الله بعد تحمله المصاعب الماضية في حياته، وأنه عندما رأى الحقيبة كان اختبار من الله، وقد اجتازه.
يحمد ربه أن الشيطان لم يسيطر عليه بالكامل، فلولا ذلك لم يكن يعلم ماذا سيحدث مستقبلًا؛ من مال أخذه حرامًا.
مكث ساعات منتظر صاحب الحقيبة؛ حتى يأتي ويأخذها، قدم شاب في مقتبل عمره يبحث داخل القمامة، لم يجد ما يبحث عنه، انهار في البكاء مستغيثًا ربه.
اقترب منه يسأله ماذا دهاه؟ أخبره عن تركه لحقيبة مال تركها؛ علها تكون بمأمن؛ كان وراءه مجرمين يريدونها، لا يعلم كيف علموا بتواجد المال لديه، وأخبره أنه مال صاحب الشركة الذي يعمل بها، وأنهم بالتأكيد أعداء له.
سأله كم ثمن المال ليخبره بعددهم، تأكد وقتها أنه صاحبها، ابتعد عنه مقتربًا من جحر صغير خبأ به الحقيبة مهديه إياها، وأخبره بما حدث وكيف عثر عليها.
ظل يشكره كثيرًا محتضنًا إياه بسعادة، وغادر عائدًا إلى صاحب عمله.
تذكر طفلته، قدمت إلى الحياة جالبه لهم الهناء؛ ليطلق عليها لقب "هناء".
دلف المصنع، وعينيه تشع ببريق الأمل، يرى تغيرًا في حياته القادمة، وإن كان طفيفًا فهو كافٍ.
تمت بحمد الله تعالى.
إلى هنا وانتهت قصتنا، أتمنى أن تنال إعجاب القُراء، ويستفيد الجميع من قراءتها، ويظل قلمي محفور داخل قلوبكم، دمتم في رعاية الله.
بقلم إيمان صلاح.
تابعوني😍
التعليقات
0 تعليق