الاختيار الاخير · الفصل 4 · لحظة الانكسار
38%
الاختيار الاخير

لحظة الانكسار

الفصل 4

racha roufaida بقلم: racha roufaida · 2026/08/28 07:54
الفصل 4 من 8 38%
الفصل 4 2 مشاهدة آخر تحديث: 2026/08/28 07:54
في الجزء الغربي من المدينة , استقر منزل ضخم شبيه بمنزل آل مونتكلير ذو تصميم من الطراز القديم , لونه بني و نوافذه الزجاجية تعكس شعاع الشمس للخارج , محاط بالعديد من الرجال الذين يلبسون بذلات سوداء و نظارات شمسية , داخله صامت كما لو أنه مهجور بالرغم من الخدم المصطفين في كل زاوية يؤدون أعمالهم بصمت مخيف , وجوههم شاحبة كأنه لا أثر للحياة فيها و ابتساماتهم منعدمة في الغرفة الكبيرة التي استقرت في قلب المنزل و أمام المدفئة الحجرية التي اتسخت بالرماد , جلست السيدة غابرييلا على مقعد بني اللون تغطي كتفيها بوشاح كبير أسود و تحمل فنجان قهوة و في حجرها قط أسود له عينان خضراوان كبيرتان تمرر يدها الثانية على فراء القط و خلفها يقف شاب ببذلة سوداء ينتظر أوامرها , وضعت السيدة غابرييلا الفنجان جانبا ثم قالت : " لننتقل إلى الخطوة الثانية , اجعلوهم يخسرون الزبائن و المستثمرين " سألها : " ماذا عنه ؟ ألن تأمري بشيء حياله ؟ " ردت : " ليس الآن , لنجعله أولا يتشتت بأمور الشركة و يفقد الثقة ثم نضرب الضربة الحاسمة " رد الشاب : " حاضر " ثم غادر و استمرت السيدة غابرييلا بتمرير يدها على القط و هي تقول : " لنرى كيف ستنقذ الموقف يا ويليام البطل " غادر الشاب المنزل نحو الشركة على الفور , دخل إلى قسم الأنظمة و وجه أمرا إلى مطوريها : " السيدة غابرييلا أعطت أمرا باختراق أنظمة الأمن و المراقبة في كل منازل عملاء مونتكلير و شركائها في أسرع وقت " بدأ المطورون عملهم على الفور , و ترقبوا كل المنازل التي جهزتها شركة مونتكلير أمنيا ثم اخترقوا أنظمتها و حصلوا على تسجيلات حساسة من منزلهم ثم أرسلوا تلك التسجيلات إليهم و قاموا بابتزازهم . في مكان آخر , داخل منزل كبير شبه مهجور كان ويليام في إحدى الغرف يقوم بتفتيشها بدقة بحثا عن أي شيء مهم أو دليل تركه والده , فتح الخزانة القديمة المليئة بالغبار حينها وجد ورقة بيضاء مطوية و حين فتحها و قرأ مضمونها تفاجأ به و تفاجأ أكثر بصاحبها و موقعها . و بينما هو شارد فيها رن هاتفه فجأة رنة قصيرة , علم أنها رسالة فأخذه ليتفقدها , كانت من شقيقه ديفيد يخبره بالقدوم إلى الشركة على الفور , طوى ويليام الورقة و غادر المنزل نحو الشركة . بعد ساعة وصل إلى الشركة و دخل متجها إلى مكتب شقيقه و هناك وجده يجلس و يضم يديه مسندا ذقنه إليهما في قلق فاقترب منه و سأله : " ماذا حدث ؟ " رد على سؤاله بسؤال منزعجا : " أين كنت ؟ " أجاب ويليام بنبرة هادئة : " أفعل ما كلفتني به , هل حدث شيء هنا ؟ " ازدادت نبرته غضبا : " لا أستطيع السيطرة على الوضع هنا , تم اختراق أنظمة الأمن التي ركبناها في منازل العملاء و ستحدث كارثة " " نحتاج إلى اجتماع طارئ مع المستثمرين على الفور " فجأة دخلت فتاة تلبس بذلة سوداء و تحمل في يدها لوحا الكترونيا و قالت : " ممثلو المستثمرين و الشركاء هنا " رد ويليام بهدوء : " لنذهب بسرعة " دخل الشقيقان مكتب الاجتماعات برفقة مجموعة من ممثلي إدارة الشركة ليلتقوا مستثمريهم , كان الجو مشحونا و الأعصاب مشدودة لاسيما ديفيد الذي كان يحترق من شدة التوتر على عكس شقيقه , بدأ الاجتماع أحد الممثلين برفع يده و استئناف الكلام : - " الوضع لم يعد يحتاج إلى الهدوء و إبقاء الأيدي مكتوفة يجب أن نواجههم " ويليام : " بالرغم من أنهم بمفردهم إلا أنهم يستعملون سلاحا أقوى ... الغدر " - " ويليام نحن نخسر الزبائن و خسارة الزبائن تعني خسارة المزيد من الأموال , لا تنس أننا نتعامل مع أثرياء البلاد " ويليام : " بلاك ويل ليست بالخصم الذي نخاطر بزبائننا و شركاتنا لمواجهته ... لا تنسوا أنهم قد يهاجمون عائلاتكم " رد ممثل آخر : " ويليام محق , إذا واجهناهم بغير خطة محكمة فسنخسر نحن أيضا " اقترح شريك آخر : " ما رأيكم بأن نضربهم بسجلهم الأسود و أعمالهم الدنيئة ؟ " ديفيد فرح بالفكرة و وافق على الفور : " هذا هو الحل ... لننفذه " لكن ويليام خرب فرحته : " لا نستطيع , نحن أيضا كنا شركاء لهم في هذا في زمن مضى و سنتضرر " اشتدت ملامح ديفيد مجددا و التزم الصمت فتابع ويليام كلامه : " هناك حل مبدئي هو أن نحاول صد هجماتهم السيبيرانية في الوقت الحالي حتى نجد حلا آخر " رد الممثل الأول : " ويليام ليس هناك خيار آخر " لكن ويليام عارضه : " سيكون ذلك الاختيار الأخير " انتهى الاجتماع و غادر الجميع الشركة , ديفيد كان غاضبا و كان يتجنب محادثة شقيقه و بمجرد وصولهما إلى المنزل اتجه إلى غرفته بسرعة , و كذلك ويليام لكنه حين دخل وجد فيكتوريا تجلس على الأريكة الصغيرة تقرأ كتابا و لم تعر دخوله اهتماما , وضع سترته جانبا ثم اقترب منها و سألها : " عدت لقراءتها ؟ " لكنها استمرت بالقراءة و رفضت الرد , لاحظ ذلك و شعر بأنها متضايقة منه , جلس على السرير مقابلا لها و سألها : " مازلت متضايقة مني ؟ " رفعت الكتاب قليلا حتى غطى وجهها و رفضت النظر إليه أو الرد عليه , ويليام فهم الأمر فقرر مناقشة ذلك معها و اقترب منها ثم أنزل الكتاب قليلا عن وجهها و قال : " يمكننا مناقشة ما يضايقك , المهم أن تشعري أنك بخير " نظرت إليه ببراءة ثم قالت : " ويليام ... تنازل عن كل هذه الأعمال الغير شرعية ... أنت تسرق حقوق الناس و هذا ظلم ... أنت لست هكذا " حدق فيها قليلا أراد أن يقول شيئا لكن قبل أن يتراجع عنه حسم قراره بأن يخبرها , أبعد الكتاب قليلا إلى الجانب ثم قال بصوت منخفض و هو يمسك بيديها : " أعدك أن أفعل هذا , ربما ليس الآن لكنني أعدك أن أفعل هذا , اتفقنا ؟ " " لن تخلف بوعدك ؟ " " أنا رجل لا يخلف وعوده " ثم نظر إلى الكتاب الذي وضعه جانبا و سألها : " منذ متى تقرئينها ؟ " أخذت الكتاب بين يديها و قالت: " تقصد هذه الرواية ؟ بدأتها قبل زواجنا لكنني توقفت في فترة الزفاف و في الأيام الأولى هنا " " يبدو أن الأجواء هنا لم تلائم هوايتك " " لا أبدا , على العكس هذه الأريكة مناسبة جدا للقراءة " " أها فعلا ... هل أكلت ؟ " " كلا كنت أنتظر عودتك , عدتما متأخرين اليوم " " الأوضاع في الشركة مزرية , نحن على حافة الإفلاس " " ويليام رجاء توجد العديد من الحلول , نفذها كما يجب فقط " " أعدك بذلك , دعينا نأكل شيئا الآن ثم نجد حلا لهذا " نهضت فيكتوريا أولا و اقتربت من الباب لكنها توقفت حين لاحظت أنه لم يلحق بها , بقيت أمام الباب تحدق به فابتسم لها قائلا : " اسبقيني و سألحق بك فورا " " هل تريد أن أطبخ لك ؟ " " هل تجيدين ذلك ؟ " " هل كنت تعتقد أنني لا أجيد الطبخ لأنك تعودت على الطباخ ؟ " " شككت في الأمر قليلا لكن سيكون رائعا أن أتذوق طبخك" " حسنا سأجعلك تتذوق أفضل وجبة في حياتك , ماذا تريد أن تأكل ؟ " " أي شيء من يدك سيكون الأفضل " قال ذلك و هو يبتسم لها ابتسامة متعبة " حسنا , غير ملابسك و خذ حماما تزيل به التعب عنك ثم سنناقش ما يتعبك " اقتربت منه ثم قبلت خده قبلة قصيرة ثم غادرت , ابتسم للحظة و هو يشعر بالراحة ثم اختفت الابتسامة و هو يغادر الغرفة و في يده ملابسه التي أخذها من الخزانة . وقفت في المطبخ تبحث في جوانبه عن شيء تطبخه , أخذت القدر الأسود و حضرت فيه معكرونة مع الجبن و هي تفكر في مصير العائلة و فيم عرفته عن ويليام , وضعتها في الطبق ثم وضعته على الطاولة و جلست تنتظره . بعد أن أنهى ويليام حمامه و ارتدى ملابسه مر بغرفة مغلقة في الممر بالطابق العلوي ففتح الباب و دخل الغرفة , كانت صغيرة قليلا و يملؤها الغبار و شباك العناكب سعل قليلا و هو يلوح بيده ليبعد الغبار عن وجهه ثم همس لنفسه : " مناسبة جدا " أغلق الباب ثم أخذ هاتفه و أجرى مكالمة , فيكتوريا سمعت صوته و هو يتكلم و فهمت من ردوده أنه يتحدث على الهاتف , جلست تنتظره و هو يقترب من الطاولة و يأخذ كرسيا و يجلس بجانبها ثم أغلق الهاتف و وضعه على الطاولة , ابتسمت ثم قالت : " العمل يرافقك في كل مكان حتى على طاولة العشاء " ابتسم ثم رد : " لا تهتمي بالأمر , قمت بحله " سألت : " هل لي أن أعرف ما تقوم به مؤخرا ؟ " لم يرغب في أن يخفي عنها الأمر كي لا يكسرها , ثم أخذ الملعقة و أخذ يحرك الطعام في طبقه و هو يتكلم : " تذكرين القصة التي أخبرتك بها عن أبي ؟" ردت : " بالطبع أذكر و أمك ذهبت إليهم الآن " أكمل و هو يأكل : " إنني أبحث الآن عما أخفاه أبي قبل أن يغادر الحياة , و أي شيء يدين أمي و عائلتها" تذكرت شيئا على الفور و أرادت إخباره لكنها ترددت و تراجعت عنه , ويليام فهم الأمر من نظرتها فأكمل عنها : " أعلم أنك ستقولين أنه إذا أدينت أمي فسأدان معها , لا أهتم إذا كنت سأدخل السجن , المهم أنني أخذت بثأر أبي " دمعت عيناها ففهم ما تقصده : " أعلم أنك ستقولين أنني وعدتك لكنني أفعل ما بوسعي لأفي بوعدي لك " وضع ملعقته جانبا و علق مبتسما : " كانت هذه أفضل وجبة أكلتها يوما , صدقت حين قلت ذلك " فيكتوريا لم ترد بل تركت ملعقتها جانبا ثم نظرت إليه بعينين دامعتين و أنفاس تضيق و غادرت دون أي إضافة انتظر لنصف ساعة و هو يفكر , لم يأكل و لم يمس شيئا في الطاولة بل نهض من مكانه باتجاه الغرفة , فتح الباب ببطء و هو يبحث عنها بعينيه فرآها أسفل الغطاء , كان يبدو أنها تبكي بصمت فاقترب منها و جلس بجانبها يبحث عن كلمات يعتذر بها : " فيكتوريا .... أعلم أنني لم أكن كما كنت تتوقعين ... لكنني أحاول من أجلك " ردت بصوت باك : " ليس هذا ما انتظرته منك , أنا انتظرت شخصا آخر ... شخصا يتغير نحو الأفضل " سكت و لم يرد لأن كلاهما يعلم أنه لا يستطيع فعل ذلك , لاحظ أنفاسها المتسارعة تحت الغطاء فاقترب ببطء و سحبه عن وجهها قائلا : " لا تفعلي هذا , ستختنقين " لكنه تفاجأ بها تضع يدها على صدرها تحاول التنفس , تفاجأ و أجلسها لكنها كانت شبه واعية و جسدها ضعيف لم تستطع التماسك أكثر فانهارت على ذراعه اقترب منها و وضع يده على جبينها فتجمد للحظة لأن جبينها كان ساخنا جدا , قال دون وعي : " حرارتك مرتفعة جدا ... خذي نفسا عميقا " فتحت عينيها بصعوبة و همست : " أعرف ... لا أستطيع التنفس " في تلك اللحظة أدرك أن الأمر ليس مجرد تعب , نهض من مكانه و أخذ يبحث لها عن معطف و هو يقول بجدية : " سنذهب إلى المستشفى " حاولت أن تهز رأسها قليلا و كأنها تقول أن الأمر بسيط لكنها لم تستطع الكلام جيدا , ساعدها على ارتداء سترتها الوردية ثم حملها إلى السيارة و انطلق باتجاه أقرب عيادة . بمجرد أن وصل أسرع بها نحو قسم الحالات العاجلة حيث استلمها طاقم طبي و قام طبيب مختص مع ممرضة بفحصها , قاست الممرضة النبض و الضغط بينما الطبيب يسأل عن أي أعراض سابقة لكنها أجابت : " لم يحدث هذا من قبل " هز رأسه و هو يراقب أجهزة صغيرة تقوم بقياس مستوى التنفس بعد أن استمع إلى دقات قلبها بالسماعة ثم سجل بعض الملاحظات و قال : " ما حدث لك كان نوبة ربو , تحتاجين متابعة دقيقة و أدوية يومية للسيطرة على أي نوبة خطيرة مستقبلا " ردت بنبرة هادئة : " لكن هذا لم يحدث منذ مدة ... حوالي سنتين منذ آخر مرة " تفاجأ ويليام من ردها الذي لم يتوقعه فهي لم تخبره بهذا ولا حتى عمتها , استغرب الطبيب : " لكنك قلت أن هذا لم يحدث من قبل " ردت مصححة : " قصدت بذلك خلال السنتين الأخيرتين " سأل الطبيب باهتمام :" هل كنت تستعملين بخاخا خلال السنتين الأخيرتين ؟ " هزت رأسها نافية فقطب الطبيب حاجبيه بانزعاج : " هذا خطأ , حتى لو لم تستمر نوبات الاختناق فهذا المرض يحتاج إلى متابعة دقيقة و منتظمة , سنتين من الانقطاع تصرف خطير جدا " أنزلت رأسها و قالت بهدوء : " لم أكن أعلم أنه مزمن " قدم الطبيب لها الوصفة الطبية التي تحتوي على بعض الأدوية و قال بنبرة مغايرة يشجعها فيها : " بالرغم من أنه مرض مزمن لكنك لم تتأخري في العودة إلى العلاج و سنسيطر على كل شيء " ثم أومأ للمرضة التي كانت تقف بجانبه فاتجهت إلى الخزانة التي في زاوية الغرفة و أخذت منها علبة بيضاء صغيرة و سلمتها له فقدمها لها قائلا :" ستحتاجين إلى هذا دائما فأبقيه معك " تسلمت العلبة الصغيرة و أخذت تقرأ ما كتب عليها : " بخاخ ربو " فتنهدت بضيق لكنها شعرت فجأة بيد على كتفها فالتفتت لتجد ويليام خلفها يبتسم قائلا : " أنا معك في كل خطوة " أخذ بيدها و خرجا من العيادة , فتح لها باب السيارة لتصعد ثم صعد بعدها , كانت تنظر إلى البخاخ و هي شاردة و تفكر بعيدا لكنه توقف فجأة و أخذه من يدها ثم أوقف السيارة و ترجل منها , نظرت إلى المكان الذي توقف أمامه و الذي كان صيدلية كبيرة ذات أبواب زجاجية استطاعت أن تراه من خلالها , لم يستغرق وقتا طويلا في الداخل ثم خرج و هو يحمل كيسا أبيض و عاد إلى السيارة , نظرت إلى الكيس الذي وضعه أمامها ثم سألته : " ما هذه ؟ " أجاب بنبرة ثابتة : " الأدوية التي وصفها الطبيب " ردت و هي تتفحص الأدوية : " كنت تستطيع تأجيل الأمر للغد " مد يده إلى الكيس و أخذ منه علبة بيضاء و وضعها في جيبه و هو يرد : " لا , لن نتأخر مجددا أكثر من هذا " وضعت يديها على الكيس في حجرها ثم سألته : " لماذا اشتريت واحدا آخر ؟ " أجاب و هو ينظر إلى الطريق أمامه : " لأبقيه معي دائما في حال حدث لك شيء و الثاني بعيد عنك " فكر قليلا ثم سألها : " نكاد نصل للمنزل , هل تريدين شيئا قبل أن نصل ؟" تثاءبت و هي تضع يدها على فمها : " كلا ... أريد أن أنام فقط" توقف أمام المنزل ثم نزلا منها باتجاهه , دخل في صمت كي لا يحدثا أي ضجة ثم دخلا إلى الغرفة . وضع الأدوية على الطاولة بجانبها و قال : " أبقيها هنا قريبة منك لتأخذيها كما وصف الطبيب " وضعت سترتها الوردية جانبا ثم جلست على السرير تراقبه بعينين نصف مفتوحتين و هو يرتب الأدوية على الطاولة لتكون قريبة منها , التفت بعد أن أنهى ليتفاجأ بها نامت مستندة على الجدار , ابتسم ثم عدلها في مكانها و وضع الغطاء عليها ثم وضع يده على جبينها ليتفقد حرارتها التي كانت انخفضت قليلا ثم غادر الغرفة باتجاه مكتبه فتح الباب ببطء كي لا يصدر صوتا ثم أغلقه خلفه و اتجه نحو البلاط في زاوية الغرفة ثم رفعه بحرص لينصدم بما رآه . كان الملف الذي يدين العائلتين بالأعمال اللاشرعية و خداع الزبائن قد اختفى , لم يشعر ويليام بالذعر لكنه غضب كثيرا لأنه لم يكن يتوقع أن يصل أحد إليه بالرغم من أنه أخفاه بنفسه فأعاد البلاط إلى مكانه و غادر الغرفة . دخل غرفته و اقترب من فيكتوريا , وضع يده على جبينها ليتأكد من أن حرارتها انخفضت ثم نام . استيقظت فيكتوريا متأخرة , كانت تشعر بأنها بخير بالرغم من آثار التعب ثم جلست في مكانها فوجدت أن الوقت قد تجاوز الساعة التاسعة , غيرت ملابسها ثم غادرت الغرفة و أغلقت الباب خلفها فسمعت ضجيجا و أصوات كثيرة في غرفة قريبة منها , اقتربت من مصدر الضجيج فإذ بها تجد مجموعة من العمال يحملون مجموعة من الأثاث و يتجهون نحو غرفة فارغة في نهاية الممر و بينما هي تنظر إليهم سمعت صوتا يناديها فالتفتت لتجد رافييلا تقف خلفها و هي تمسك بيد ابنها أندريه فاتجهت نحوها و ألقت التحية : " صباح الخير رافييلا " " صباح الخير كيف حالك ؟ كنت مريضة البارحة " " نعم نوبة ربو كالعادة لكنني أحسن حالا , أسعفني ويليام في الوقت المناسب " " من الجيد انك اخبرتني لأعرف كيف أتصرف في حال حدث هذا" " من يكون هؤلاء ؟ " " لا أعلم , ويليام من أحضرهم ... يقولون أنه كلفهم بعمل ما " " الأمر متعلق بالشركة ؟ " " أنا لا أعلم لكنني لا أعتقد ذلك , على كل حال سيشرح ويليام الأمر حين يعود ... ماري هنا ستجدينها في المطبخ " ابتسمت : " اشتقت إليها كثيرا سأذهب لأراها " " لا تنسي أن تأكلي شيئا و تشربي أدويتك , أوصاني ويليام بأن أهتم بك " نظرت فيكتوريا إلى الخلف ثم سألتها : " من يكون هؤلاء ؟ من أحضرهم ؟ " أجابتها و هي تضع أندريه على الكرسي لتطعمه : " أحضرهم ويليام , لا أعلم لماذا لكنهم سينهون عملهم سريعا " ثم أمسكت بيد أندريه و لوحت بها لها قائلة : " سلم على الخالة فيكتوريا " ابتسمت فيكتوريا و لوحت له ثم ذهبت إلى المطبخ بحثا عن عمتها , دخلت بخطوات متسللة ثم وقفت خلفها و وضعت يديها على عينيها , ماري ابتسمت و هي تتحسس يديها ثم قالت : " فيكتوريا , هذه أنت , أعرف ملمس يديك " أنزلت فيكتوريا يديها ثم احتضنتها من الخلف و هي تقول : " اشتقت لك حبيبتي , كيف حالك ؟ جئت مبكرا و أخبرني ويليام أنك نائمة لأنك مريضة " ابتعدت عنها و جلست على الكرسي قريبا منها ثم قالت : " نوبة ربو كالعادة , بدا الأمر مقلقا له لأنه لم يكن يعلم " " ألم تخبريه من قبل ؟ هذا خطأ إنه زوجك و لا بد أن يعرف كل شيء " قالت ذلك و هي تضع أمامها الفطور و شرابا دافئا ثم أكملت كلامها : " لا تنسي أن تشربي الزنجبيل لتشفى تقرحات الحلق , اتفقنا ؟ " التفتت إليها ثم سألتها : " هل تعلمين لماذا كل هؤلاء الرجال يحملون الأثاث إلى الأعلى ؟ " هزت ماري رأسها نافية و ردت : " أنا لا أعلم , رأيتهم يتحدثون مع ويليام عندما جئت " تساءلت : " مع ويليام ؟ غريب جدا ... على كل حال سأذهب لآكل شيئا " وضعت ماري الطعام أمامها ثم قبلت جبينها ثم ذهبت لتكمل عملها , أكلت فيكتوريا وجبتها على مهل ثم شربت أدويتها و غادرت باتجاه مكتب ويليام , فتحت الباب ثم دخلت متسللة و أغلقته خلفها ثم اتجهت إلى الخزانة التي في الزاوية لأنها لم تر ما فيها سابقا , ترددت لأنها كانت توهم نفسها بأن ما رأته قد لا يكون له علاقة به لكنها تفاجأت بالكثير من الملفات و المستندات فأخذت بعضها لتتفقدها لكنها وجدت أنها تحتوي على توقيع ويليام و أن أغلبها حديثة و بعد زفافهما بفترة قصيرة : عقود بأسماء شركات وهمية لخداع الزبائن , ملفات بأسماء مسؤولين و أسماء مجموعة من الخدم في المنزل تفيد بعمليات رشاوٍ متكررة , رسائل لأوامر بتصفية العديد من حراس عائلة بلاك ويل بالتعاون مع شركاء مشبوهين .... و غيرها من الملفات التي تفيد بالعديد من الأعمال اللاشرعية التي شارك فيها ويليام , كان تشعر بدقات قلبها المتسارعة كأنه سيخرج من مكانه حتى شعرت بالغثيان . لم تكن مجرد صدمة بقدر ما كانت خذلانا , أعادت الملفات و المستندات إلى مكانها ثم غادرت المكان غاضبة و محطمة مما رأته . أخذت حقيبتها الصغيرة من الغرفة ثم اتجهت نحو باب المنزل لكن عمتها استوقفتها قائلة : " فيكتوريا إلى أين تذهبين بمفردك ؟ " أجابت محاولة إخفاء غضبها :" سأسير قليلا في الشارع , أشعر بالضيق في المنزل , لن أتأخر " كانت تنتظر موافقة من عمتها لكنها منعتها : " فيكتوريا لا تنسي زوجة من أنت الآن , و إلى أي عائلة تنتمين , لا يمكنك الخروج بمفردك هكذا . انتظري أن يعود ويليام و اخرجي معه " لكنها امتنعت عن ذلك و قالت : " رجاءً عمتي , أحتاج إلى ذلك الآن و لن أتأخر أكثر من نصف ساعة " نظرت إليها بشك ثم سألتها : " نصف ساعة ؟ " هزت رأسها مؤكدة : " نصف ساعة .... أعدك " غادرت فيكتوريا المنزل بخطوات سريعة و استمرت بالسير في الشارع , تنظر إلى الطريق أمامها و المنازل الفخمة المرتبة على جانبي الطريق غارقة في التفكير فيم رأته حتى ابتعدت عن الشارع الذي تسكن فيه دون أن تشعر و بين عينيها يتجسد توقيع ويليام على تلك المستندات نفس التوقيع الذي كان على عقد زفافهما بدون أي تغيير , هذه الحقيقة جعلت عينيها تمتلئان بالدموع لدرجة أنها لم تعد ترى الطريق أمامها أو تشعر بالشخص الذي كان يسير خلفها و فجأة أطبق بيده على فمها و سحبها بعنف إلى الخلف , حاولت المقاومة و الصراخ لكن بلا جدوى فقد كان خاطفها يفوقها قوة ثم فُتِح باب السيارة التي وصلت سريعا إلى جانب الرصيف و دُفِعَت إلى الداخل ثم أُغلق الباب بعنف و انطلقت السيارة مسرعة . و داخلها كان الظلام يعتم المكان لأن النوافذ مغطاة و وجدت نفسها محاطة بثلاثة رجال , كانت تنظر إليهم بذعر و أنفاسها تتسارع و صوت داخلها يصرخ : " ويليام ... أنقذني "

فصول الرواية

8 فصل