كَانَتْ تِلْكَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي الَّتِي يَكْرَهُهَا الشُّيُوخُ وَيَخْشَاهَا الْمَجَانِينُ. قَمَرٌ كَامِلٌ يَتَدَلَّى مِنَ السَّمَاءِ كَعَيْنٍ بَيْضَاءَ تُرَاقِبُ الْأَرْضَ بِصَمْتٍ. الرِّيحُ سَاكِنَةٌ، كَأَنَّ الصَّحَارَى قَدْ أَقْسَمَتْ أَنْ تَكْتُمَ أَنْفَاسَهَا. وَالرِّمَالُ تَلْمَعُ تَحْتَ ضَوْءِ الْقَمَرِ كَأَنَّهَا بَحْرٌ مَسْمُومٌ يَتَحَرَّكُ فِي بُطْءٍ مُتَآمِرٍ. قَرْيَةٌ صَغِيرَةٌ مِنَ الْأَكْوَاخِ الطِّينِيَّةِ تَنْكَمِشُ تَحْتَ ثِقَلِ اللَّيْلِ، وَأَبْوَابُهَا الْمُتَهَالِكَةُ تَرْتَجِفُ كُلَّمَا تَسَلَّلَتْ نَسْمَةٌ عَابِرَةٌ.
فِي رُكْنٍ قَصِيٍّ مِنَ الْقَرْيَةِ، حَيْثُ تَفْصِلُ مَقْبَرَةٌ قَدِيمَةٌ بَيْنَ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، كَانَ هُنَاكَ كُوخٌ صَغِيرٌ يَبْدُو أَشْبَهَ بِحُفْرَةٍ سُفْلِيَّةٍ خَرَجَتْ إِلَى السَّطْحِ عَنْوَةً. نَوَافِذُهُ مُغْلَقَةٌ بِخَشَبٍ مَشْرُوخٍ يَتَسَلَّلُ مِنْهُ الضَّوْءُ كَخُيُوطٍ شَبَحِيَّةٍ، وَسَقْفُهُ مِنْ جَرِيدِ نَخْلٍ مَائِلٍ لَا يُجَارِي هُدُوءَ اللَّيْلِ.
فِي الدَّاخِلِ، صَبِيٌّ لَمْ يَتَجَاوَزِ الْعَاشِرَةَ مِنْ عُمْرِهِ، مُتَكَوِّرٌ فِي طَرَفِ الْحَصِيرِ، يَلُفُّ جَسَدَهُ الصَّغِيرَ بِرِدَاءٍ مُمَزَّقٍ، عَيْنَاهُ مُتَّسِعَتَانِ تُتَابِعَانِ حَرَكَةَ الضَّوْءِ الْبَاهِتِ الْقَادِمِ مِنْ شُقُوقِ الْجُدْرَانِ. كَانَ قَلْبُهُ يَنْبِضُ بِسُرْعَةٍ لَا تُطَاقُ، وَالْعَرَقُ يَتَصَبَّبُ مِنْ جَبِينِهِ رَغْمَ بُرُودَةِ الْمَكَانِ.
سَمِعَ صَوْتَ صَرْخَةٍ بَعِيدَةٍ، أَوْ هَكَذَا تَخَيَّلَ. ثُمَّ عَادَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى الصَّمْتِ. حَاوَلَ أَنْ يُقْنِعَ نَفْسَهُ أَنَّ مَا سَمِعَهُ مُجَرَّدُ كَابُوسٍ، لَكِنَّ قَلْبَهُ أَبَى التَّصْدِيقَ. كَانَ اللَّيْلُ طَوِيلًا، وَالْكَوَابِيسُ مُتَرَبِّصَةً.
هَمَسَ لِنَفْسِهِ بِنَبْرَةٍ مُرْتَجِفَةٍ:
«يَا رَبِّ. . . يَا رَبِّ أَلَّا يَأْتِيَنِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ».
ثُمَّ انْكَمَشَ عَلَى نَفْسِهِ أَكْثَرَ.
وَفِي الْخَارِجِ، تَرَدَّدَ صَدَى نُبَاحِ كَلْبٍ وَحِيدٍ بَيْنَ الْحُقُولِ الْمَهْجُورَةِ. بَدَا لَهُ كَأَنَّ الْكَلْبَ يُنَادِي أَحَدًا، أَوْ يُحَذِّرُ مِنْ شَيْءٍ. كَانَ الطِّفْلُ يَعْرِفُ أَنَّ اللَّيَالِيَ الْقَمَرِيَّةَ لَيْسَتْ كَبَقِيَّةِ اللَّيَالِي. كَانَتْ جَدَّتُهُ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ تَحْكِي عَنْ لَيَالٍ كَهَذِهِ، يَخْرُجُ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ.
سَحَبَ الْغِطَاءَ إِلَى عُنُقِهِ وَهَمَسَ مَرَّةً أُخْرَى:
«أَنَا خَائِفٌ. . . خَائِفٌ جِدًّا».
كَانَ جِدَارُ الْكُوخِ يَتَنَفَّسُ، يَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ كَأَنَّ خَلْفَهُ كَائِنًا ضَخْمًا. حَاوَلَ أَنْ يُغْلِقَ عَيْنَيْهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ. وَفِي لَحْظَةٍ، سَقَطَ شَيْءٌ صَغِيرٌ مِنَ السَّقْفِ، ارْتَطَمَ بِالْأَرْضِ وَأَصْدَرَ صَوْتًا مَكْتُومًا. فَزَّ قَلْبُهُ، وَظَلَّ يُحَدِّقُ نَحْوَ مَصْدَرِ الصَّوْتِ. كَانَ شَيْئًا صَغِيرًا دَاكِنًا يَتَحَرَّكُ.
تَرَدَّدَ الصَّوْتُ الْأَوَّلُ، صَوْتٌ لَا يُشْبِهُ أَصْوَاتَ الْبَشَرِ:
«لَيْث. . .»
جَاءَهُ مِنْ خَلْفِ الْبَابِ. اتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ حَتَّى كَادَتَا تَتَسَاقَطَانِ، وَتَحَجَّرَتْ أَطْرَافُهُ. إِنَّهُ يَعْرِفُ الصَّوْتَ، سَمِعَهُ مِنْ قَبْلُ. فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَأْتِي، كَانَ اللَّيْلُ يُصْبِحُ أَبْرَدَ، وَالْكُوخُ أَضْيَقَ.
«لَيْث، افْتَحْ».
ظَلَّ سَاكِنًا بِلَا حَرَاكٍ. حَتَّى الْهَوَاءُ تَوَقَّفَ. رَاحَ يُحَدِّقُ نَحْوَ الْبَابِ.
وَبِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ تَمْتَمَ:
«مَنْ؟ . . . مَنْ هُنَاكَ؟»
ثُمَّ كَرَّرَ الصَّوْتُ نِدَاءَهُ، أَبْطَأَ وَأَثْقَلَ:
«لَيْث. . .»
وَارْتَجَفَ الطِّفْلُ، وَابْتَلَعَ رِيقَهُ، ثُمَّ حَاوَلَ بِصَوْتٍ مَكْسُورٍ أَنْ يَبْدُوَ صُلْبًا:
«أَنَا. . . أَنَا لَنْ أَفْتَحَ! ابْتَعِدْ عَنِّي! ابْتَعِدْ! اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ!».
وَمَا إِنْ نَطَقَهَا، حَتَّى ارْتَجَفَ ضَوْءُ الْمِصْبَاحِ الْمُعَلَّقِ فَوْقَ رَأْسِهِ، وَأَصْدَرَ صَوْتَ فَرْقَعَةٍ مَكْتُومَةٍ. ثُمَّ عَادَ الصَّمْتُ. لَكِنَّ الطِّفْلَ لَمْ يُغْمِضْ عَيْنَيْهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
ظَلَّ اللَّيْلُ مُعَلَّقًا فَوْقَ الْقَرْيَةِ كَسَقْفٍ ثَقِيلٍ مِنْ رَصَاصٍ، تَتَدَلَّى مِنْهُ أَنْفَاسُ الْمَوْتَى، وَتَتَنَاثَرُ فِي أَرْجَائِهِ هَمَسَاتٌ لَا يَجْرُؤُ الْبَشَرُ عَلَى تَفْسِيرِهَا. فِي الْكُوخِ الصَّغِيرِ، لَمْ يَبْرَحِ الصَّبِيُّ مَكَانَهُ. جَسَدُهُ مُلْتَصِقٌ بِالْحَائِطِ الطِّينِيِّ الْمُتَشَقِّقِ، وَعَيْنَاهُ تُرَاقِبَانِ الْبَابَ كَجُنْدِيَّيْنِ مُحَاصَرَيْنِ فِي آخِرِ مَعْرَكَةٍ.
الضَّوْءُ الْخَافِتُ مِنَ الْمِصْبَاحِ الزَّيْتِيِّ يَرْتَعِشُ مَعَ كُلِّ نَسْمَةٍ، وَالظِّلُّ الْمُتَدَلِّي مِنَ الْحَائِطِ يَرْسُمُ عَلَى الْأَرْضِ أَشْكَالًا تُشْبِهُ الْأَفَاعِيَ وَأَطْرَافًا بَشَرِيَّةً مَبْتُورَةً.
ثُمَّ، تَتَابَعَ الصَّوْتُ مَرَّةً أُخْرَى. لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ مِنْ خَلْفِ الْبَابِ، بَلْ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ، كَأَنَّ أَحَدًا يُنَادِيهِ مِنْ جَوْفِ التُّرَابِ.
«لَيْث. . . لَيْث. . .»
شَهِقَ الطِّفْلُ، وَالْتَصَقَ بِالْحَائِطِ كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ ثُقْبٍ يَتَوَارَى فِيهِ. جَفَّتْ حَنْجَرَتُهُ، وَانْعَقَدَ لِسَانُهُ. لَمْ يَسْتَطِعِ الرَّدَّ، وَلَمْ يَجْرُؤْ عَلَى إِطْلَاقِ صَرْخَةٍ. فَقَطْ عَيْنَاهُ ظَلَّتَا تَتَنَقَّلَانِ بَيْنَ الْبَابِ وَالْأَرْضِ وَسَقْفِ الْكُوخِ.
فِي الْخَارِجِ، اشْتَدَّتِ الرِّيحُ قَلِيلًا، تَحْمِلُ مَعَهَا رَائِحَةَ تُرَابٍ مُبَلَّلٍ، وَشَيْئًا يُشْبِهُ الْعَفَنَ، كَمَا لَوْ أَنَّ قَبْرًا فُتِحَ عَنْوَةً. تَرَاجَعَ نُبَاحُ الْكَلْبِ تَدْرِيجِيًّا حَتَّى صَارَ أَنِينًا، ثُمَّ صَمَتَ.
ثُمَّ ارْتَفَعَتْ يَدُ الطِّفْلِ الْمُرْتَجِفَةُ، وَأَمْسَكَتْ بِقِطْعَةِ خَشَبٍ بِجِوَارِهِ، رَفَعَهَا أَمَامَهُ كَأَنَّهَا سِلَاحٌ، وَعَيْنَاهُ مَا تَزَالَانِ مُعَلَّقَتَيْنِ بِالْبَابِ.
وَفَجْأَةً، جَاءَ الصَّوْتُ هَذِهِ الْمَرَّةَ وَاضِحًا جَهِيرًا:
«افْتَحْ يَا ابْنَ الْأَيَّامِ السَّوْدَاءِ! مَا قَدْ جَاءَكَ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مَخْلُوقٌ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ عَنْكَ!».
كَانَ الصَّوْتُ خَشِنًا عَمِيقًا، مُشَبَّعًا بِرَائِحَةِ الْمَقَابِرِ. حَاوَلَ الطِّفْلُ أَنْ يَصْرُخَ لَكِنَّهُ اخْتَنَقَ. ثُمَّ فُتِحَ الْبَابُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا.
خَيَّمَ الصَّمْتُ، ثُمَّ هَبَطَ بَصَرُهُ إِلَى الْأَرْضِ. كَانَتْ هُنَاكَ آثَارُ أَقْدَامٍ صَغِيرَةٍ مَحْفُورَةٍ فِي التُّرَابِ، مُبَلَّلَةٍ بِدَمٍ لَمْ يَجِفَّ.
وَعَلَى بُعْدِ خَطَوَاتٍ، وَجَدَ مَا يُشْبِهُ قَلْبَ حَيَوَانٍ صَغِيرٍ، يَنْبِضُ وَحْدَهُ بِلَا جَسَدٍ.
اقْتَرَبَ مِنْهُ بِتَرَدُّدٍ، وَأَرَادَ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ، لَكِنَّهُ سَمِعَ الصَّوْتَ خَلْفَهُ، هَذِهِ الْمَرَّةَ مِنْ جَوْفِ الْكُوخِ:
«دَعْهُ، فَهَذَا وَدِيعَةٌ لِمَا هُوَ آتٍ».
الْتَفَتَ لَيْثٌ مَذْعُورًا وَلَمْ يَرَ أَحَدًا. ثُمَّ انْطَفَأَ الْمِصْبَاحُ.
سَكَنَ الظَّلَامُ أَرْجَاءَ الْكُوخِ حَتَّى صَارَ كَثِيفًا كَالدُّخَانِ، يَمْلَأُ الْحَلْقَ وَيُثْقِلُ الصَّدْرَ، وَالطِّفْلُ وَاقِفٌ فِي مَكَانِهِ لَا يَجْرُؤُ عَلَى حَرَكَةٍ. كَانَ قَلْبُهُ يَدُقُّ فِي صَدْرِهِ كَطُبُولٍ جَنَائِزِيَّةٍ، وَعَيْنَاهُ تُحَدِّقَانِ فِي الْعَتْمَةِ كَأَنَّهُمَا تَنْتَظِرَانِ شَيْئًا يَتَشَكَّلُ مِنْ سَوَادِهَا. الرَّائِحَةُ الثَّقِيلَةُ مَا زَالَتْ تَتَصَاعَدُ مِنَ الْأَرْضِ، ذَلِكَ الْعَفَنُ الدَّامِي الْمُتْخَمُ بِرَوَائِحِ مَوْتَى قُدَامَى. امْتَدَّتْ يَدُهُ الْمُرْتَجِفَةُ تَتَحَسَّسُ الْحَائِطَ الطِّينِيَّ خَلْفَهُ، يَبْحَثُ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ حَتَّى لَا تَسْقُطَ سَاقَاهُ مِنْ فَرْطِ الرُّعْبِ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ يَكُنِ اللَّيْلُ مُجَرَّدَ غِطَاءٍ فَوْقَ الْقَرْيَةِ، بَلْ كَائِنٌ حَيٌّ، لَهُ أَنْفَاسٌ وَأَظَافِرُ وَعَيْنَانِ تَتَرَصَّدَانِ خَطَوَاتِهِ.
مَرَّتْ ثَوَانٍ كَأَنَّهَا دُهُورٌ، ثُمَّ جَاءَ الصَّوْتُ مِنْ جَدِيدٍ. هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَ مِنْ فَوْقِهِ، مِنْ سَقْفِ الْكُوخِ الْمَائِلِ، بِصَوْتٍ أَقْرَبَ إِلَى زَئِيرٍ مَكْتُومٍ. شَدَّ الطِّفْلُ قَبْضَتَهُ عَلَى قِطْعَةِ الْخَشَبِ، وَعَيْنَاهُ لَا تَزَالَانِ مُعَلَّقَتَيْنِ بِالسَّقْفِ. سَمِعَ خَشْخَشَةً خَفِيفَةً، شَيْءٌ يَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ فَوْقَ الْجَرِيدِ الْقَدِيمِ، كَأَنَّ أَنْفَاسَهُ تُلَامِسُ الْحُصُرَ الْمُهْتَرِئَةَ. كَانَتْ كُلُّ قَطْرَةِ دَمٍ فِي جَسَدِهِ تَصْرُخُ، لَكِنَّ لِسَانَهُ مَشْلُولٌ.
هَمَسَ الصَّوْتُ بِغِلْظَةٍ:
«هَذِهِ لَيْلَتُكَ يَا لَيْثُ، وَلَا أَحَدَ سَيَمْنَعُهَا عَنْكَ».
ثُمَّ تَوَقَّفَ الصَّوْتُ فَجْأَةً، وَعَادَ السُّكُونُ. لَحَظَاتٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الْعَدَمِ، لَا حَرَكَةَ، لَا صَوْتَ، حَتَّى إِنَّ أَنْفَاسَ الطِّفْلِ بَدَتْ مُجَلْجِلَةً وَسَطَ هَذَا الصَّمْتِ الرَّهِيبِ. بِبُطْءٍ، جَمَعَ شَتَاتَ شَجَاعَتِهِ، وَانْحَنَى عَلَى الْأَرْضِ يَلْتَقِطُ مَا يُشْبِهُ قَلْبَ الْحَيَوَانِ الصَّغِيرِ. كَانَ لَا يَزَالُ دَافِئًا، يَنْبِضُ نَبْضًا وَاهِنًا. أَحَسَّ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ يَسْرِي فِي أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، كَتَيَّارٍ بَارِدٍ يَتَسَلَّلُ مِنَ الْجِلْدِ إِلَى الْعَظْمِ.
فَجْأَةً انْدَفَعَ بَابُ الْكُوخِ إِلَى الدَّاخِلِ دُونَ أَنْ يَمَسَّهُ أَحَدٌ. دَفْقَةُ هَوَاءٍ بَارِدٍ مُحَمَّلٍ بِرَائِحَةِ مَقَابِرَ قَدِيمَةٍ أَغْرَقَتِ الْمَكَانَ. انْطَفَأَتْ آخِرُ شُعْلَةِ ضَوْءٍ كَانَتْ تَتَرَاقَصُ عِنْدَ زَاوِيَةِ الْحَائِطِ، وَسَادَ الظَّلَامُ الْكَامِلُ. فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ شَعَرَ الطِّفْلُ أَنَّ جَسَدَهُ لَمْ يَعُدْ مِلْكًا لَهُ، ثَقُلَ رَأْسُهُ، وَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ فَاقِدًا الْوَعْيَ، لَكِنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَفْقِدَ آخِرَ وَعْيِهِ، رَأَى ظِلًّا طَوِيلًا يَقِفُ عِنْدَ الْبَابِ، لَا رَأْسَ لَهُ وَلَا مَلَامِحَ، جَسَدُهُ كُتْلَةٌ مِنْ سَوَادٍ يَتَنَفَّسُ، وَعَيْنَانِ تَتَوَهَّجَانِ فِي الظُّلْمَةِ كَجَمْرَةِ نَارٍ قَدِيمَةٍ.
سَمِعَ الصَّوْتَ الْأَخِيرَ كَهَمْسٍ فِي أُذُنِهِ:
«حَانَ وَقْتُكَ يَا لَيْثُ، فَنُجُومُكَ قَدِ اسْتَوَتْ».
ثُمَّ هَوَى كُلُّ شَيْءٍ فِي سُكُونٍ.
كَانَ الظَّلَامُ قَدْ خَفَّ بَعْضَ الشَّيْءِ، وَالْكُوخُ امْتَلَأَ بِرَائِحَةِ الدُّخَانِ وَالْبَخُورِ الْعَالِقِ فِي سَقْفِهِ الْوَاطِئِ. لَيْثٌ وَاقِفٌ أَمَامَ أُمِّهِ، جَسَدُهُ مَا زَالَ يَرْتَجِفُ مِنْ آثَارِ مَا جَرَى، وَمَلَامِحُهُ الْمُتَّسِخَةُ تَشْهَدُ عَلَى لَيْلَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَثِيلٌ. الْمَرْأَةُ الْجَالِسَةُ عَلَى الْأَرْضِ، تُحِيطُهَا أَكْوَامُ الطَّلَاسِمِ وَالتَّمَائِمِ، رَفَعَتْ وَجْهَهَا الشَّاحِبَ نَحْوَهُ. عَيْنَاهَا غَائِرَتَانِ، وَوَجْهُهَا أَصْفَرُ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَيِّتٍ انْتُزِعَ مِنْ قَبْرِهِ لِلتَّوِّ. أَشَارَتْ إِلَيْهِ أَنْ يَقْتَرِبَ.
«تَعَالَ إِلَى هُنَا».
خَطَا بِبُطْءٍ، وَقَدَمَاهُ الْحَافِيَتَانِ تَجُرَّانِ التُّرَابَ خَلْفَهُمَا. لَمْ يَمْلِكْ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَيْهَا. وَقَفَ أَمَامَهَا، رَأْسُهُ مُنَكَّسٌ، وَأَنْفَاسُهُ مُتَقَطِّعَةٌ. وَضَعَتْ يَدَهَا الْبَارِدَةَ فَوْقَ شَعْرِهِ الْكَثِيفِ الْمُتَشَابِكِ، وَمَسَحَتْ عَلَى رَأْسِهِ بِحُنُوٍّ زَائِفٍ، ثُمَّ نَظَرَتْ فِي عَيْنَيْهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً، كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ.
قَالَتْ بِصَوْتٍ مَبْحُوحٍ:
«أَنَا أَعْرِفُ مَنْ جَاءَكَ، وَأَعْرِفُ مَاذَا يُرِيدُونَ».
ابْتَلَعَ رِيقَهُ، ثُمَّ هَمَسَ:
«مَنْ يَا أُمَّاهُ؟»
حَدَّقَتْ فِيهِ وَلَمْ تُجِبْهُ، بَلْ أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ مَشْحُونٍ:
«هَؤُلَاءِ مِنْ زَمَنِ الْجُدُودِ، طَرِيقُهُمْ غَيْرُ طَرِيقِنَا. نَحْنُ لَسْنَا مِثْلَهُمْ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُفَكِّرَ فِي أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ».
ظَلَّ يُحَدِّقُ فِيهَا، وَكَأَنَّ مَعَانِيَ الْكَلِمَاتِ لَا تَسْتَقِرُّ فِي رَأْسِهِ الصَّغِيرِ. قَلْبُهُ يَدُقُّ، وَيَدَاهُ تَرْتَعِشَانِ.
سَأَلَ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ:
«لِمَاذَا يُرِيدُونَنِي؟»
فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا، كَانَ فِيهِمَا شَيْءٌ يُشْبِهُ الْحُزْنَ. تَنَهَّدَتْ وَقَالَتْ:
«نَحْنُ أَبْنَاءُ تُرَابٍ، وَهُمْ أَبْنَاءُ نَارٍ. نَحْنُ لَسْنَا مِنْهُمْ يَا لَيْثُ، وَيَجِبُ أَنْ تَتَذَكَّرَ هَذَا الْأَمْرَ جَيِّدًا».
ثُمَّ نَهَضَتْ، رَفَعَتْ ذِرَاعَهَا فِي الْهَوَاءِ، وَأَشَارَتْ نَاحِيَةَ السَّمَاءِ مِنْ خِلَالِ فَتْحَةٍ فِي السَّقْفِ:
«لَكِنْ مِنْ فَوْقُ، مَا يَأْتِي مِنْ عِنْدِهِمْ لَا يَأْتِي عَبَثًا، وَلَيْلَتُكَ قَادِمَةٌ، فَاحْذَرْ».
ظَلَّ وَاقِفًا فِي مَكَانِهِ، لَا يَفْهَمُ تَمَامًا، وَلَا يَجْرُؤُ عَلَى السُّؤَالِ. كُلُّ مَا أَدْرَكَهُ أَنَّ شَيْئًا ثَقِيلًا مُعَلَّقٌ فَوْقَ رَأْسِهِ، وَأَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَنْ تَكُونَ الْأَخِيرَةَ.
ثُمَّ أَدَارَتِ الْأُمُّ ظَهْرَهَا، وَغَابَتْ فِي الْغُرْفَةِ الْمُجَاوِرَةِ، تَارِكَةً لَيْثًا وَحْدَهُ وَسَطَ الْعَتْمَةِ الثَّقِيلَةِ، يُوَاجِهُ خَوْفَهُ وَحْدَهُ.
ظَلَّ وَاقِفًا فِي مَكَانِهِ، يُحَدِّقُ فِي فَرَاغِ الْكُوخِ بَعْدَمَا غَابَتْ أُمُّهُ خَلْفَ السِّتَارَةِ الْمُهْتَرِئَةِ. الْعَتْمَةُ تَعَلَّقَتْ فِي سَقْفِ الْمَكَانِ كَسِتَارَةٍ سَوْدَاءَ خَانِقَةٍ، تَتَدَلَّى مِنْهَا أَطْرَافُ خُيُوطِ الْعَنْكَبُوتِ، تَتَمَايَلُ بِكَسَلٍ مَعَ حَرَكَةِ الْهَوَاءِ الْخَافِتَةِ. صَوْتُ أَنْفَاسِهِ كَانَ أَوْضَحَ مَا يُسْمَعُ، ثَقِيلًا مُتَلَاحِقًا، وَعَيْنَاهُ لَا تَكُفَّانِ عَنِ التَّنَقُّلِ بَيْنَ زَوَايَا الْمَكَانِ. الْبَخُورُ مَا زَالَ يَحْتَرِقُ فِي إِنَاءٍ نُحَاسِيٍّ عَلَى الْأَرْضِ، يَتَصَاعَدُ دُخَانُهُ مُلْتَفًّا كَحَيَّةٍ كَسِيرَةٍ.
مَدَّ لَيْثٌ يَدَهُ إِلَى حَافَّةِ الْحَصِيرِ، وَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ وَجَسَدُهُ يَنْتَفِضُ، ضَمَّ رُكْبَتَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ وَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى الْحَائِطِ الطِّينِيِّ. لَمْ يَعُدْ فِي قَلْبِهِ طَاقَةٌ لِلنِّدَاءِ أَوْ لِلسُّؤَالِ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ حَسَمَتْ أَمْرَهَا، وَأَنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي سَلَكَهُ سَيَفْتَحُ لَهُ أَبْوَابًا لَنْ تُغْلَقَ بَعْدَهَا أَبَدًا.
مِنْ بَعِيدٍ، سَمِعَ عُوَاءَ ذِئْبٍ وَحِيدٍ يَشُقُّ السُّكُونَ، امْتَدَّ صَوْتُهُ فَوْقَ الْحُقُولِ الْمَهْجُورَةِ كَأَنَّهُ نَذِيرٌ. ثُمَّ تَبِعَهُ صَدَى نُبَاحِ كَلْبٍ، نَحِيبٌ مُتَقَطِّعٌ لَا يُشْبِهُ نُبَاحَ حِرَاسَةٍ أَوْ مُطَارَدَةٍ. مَرَّتْ لَحْظَةٌ، ثُمَّ عَادَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى صَمْتٍ ثَقِيلٍ كَحَجَرٍ مَوْضُوعٍ فَوْقَ صَدْرِ اللَّيْلِ.
أَغْمَضَ الصَّبِيُّ عَيْنَيْهِ، حَاوَلَ أَنْ يَسْرِقَ غَفْوَةً مُتْعَبَةً، لَكِنْ كُلَّمَا أَغْلَقَ جَفْنَيْهِ ظَهَرَتْ فِي عَتْمَةِ رَأْسِهِ صُورَةُ ذَلِكَ الظِّلِّ الَّذِي رَآهُ عَلَى عَتَبَةِ الْبَابِ. الْعُيُونُ الْمُتَوَهِّجَةُ، وَالرِّيحُ الْبَارِدَةُ، وَالرَّائِحَةُ الثَّقِيلَةُ. كَانَتْ أَطْيَافُ اللَّيْلِ مُعَلَّقَةً فِي صَدْرِهِ لَا تَخْرُجُ. حَاوَلَ أَنْ يُرَدِّدَ آيَةً سَمِعَهَا مِنْ شَيْخِ الْقَرْيَةِ ذَاتَ نَهَارٍ وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِ أَحَدِ الْمَوْتَى، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَذَكَّرْ سِوَى أَوَّلِ كَلِمَةٍ، وَالْبَاقِي تَهَرَّبَ مِنْ عَقْلِهِ كَالرَّمْلِ بَيْنَ الْأَصَابِعِ.
فِي الْغُرْفَةِ الْمُجَاوِرَةِ، سَمِعَ حَفِيفًا خَافِتًا. شَيْءٌ مَا يَتَحَرَّكُ خَلْفَ السِّتَارِ. شَدَّ سَاقَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ، يَضْغَطُ نَفْسَهُ كَكُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ. لَمْ يَجْرُؤْ أَنْ يُنَادِيَ. ظَلَّ يَسْتَمِعُ، حَتَّى سَمِعَ صَوْتَ أَنْفَاسِ أُمِّهِ الثَّقِيلَةِ. تِلْكَ الْأَنْفَاسُ الَّتِي تَحْمِلُ رَائِحَةَ الْبَخُورِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالسَّهَرِ.
مَرَّتْ سَاعَةٌ أَوْ اِثْنَتَانِ، أَوْ هَكَذَا خُيِّلَ لَهُ، قَبْلَ أَنْ يَقْتَرِبَ ضَوْءُ الصُّبْحِ الْبَاهِتُ مِنْ أُفُقِ السَّمَاءِ، وَيُبَدِّدَ شَيْئًا مِنَ الْعَتْمَةِ. حِينَهَا، فَتَحَ لَيْثٌ عَيْنَيْهِ، وَوَجَدَ أَنَّ الْعَالَمَ مَا زَالَ فِي مَكَانِهِ. الْكُوخُ كَمَا هُوَ، التُّرَابُ كَمَا هُوَ، وَأَنْفَاسُهُ مَا تَزَالُ تُثْقِلُ صَدْرَهُ. إِلَّا أَنَّ قَلْبَهُ تَغَيَّرَ. صَارَ يَعْرِفُ، دُونَ أَنْ يُقَالَ لَهُ، أَنَّ الْقَادِمَ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ يَحْتَمِلَهُ طِفْلٌ.
نَهَضَ عَنِ الْأَرْضِ بِبُطْءٍ، جَسَدُهُ مُتَيَبِّسٌ كَأَنَّ النَّوْمَ لَمْ يَعْرِفْ طَرِيقَهُ إِلَى عُرُوقِهِ، وَالْغُبَارُ عَالِقٌ فَوْقَ أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ. مَضَى نَحْوَ الْبَابِ الْخَشَبِيِّ، فَتَحَهُ بِحَذَرٍ، وَخَرَجَ إِلَى سَاحَةِ الْكُوخِ الضَّيِّقَةِ. ضَوْءُ الصُّبْحِ الشَّاحِبُ بَدَأَ يَزْحَفُ فَوْقَ الْحُقُولِ الْبَعِيدَةِ، يُلَوِّنُ صَفْحَةَ السَّمَاءِ بِدَرَجَاتٍ رَمَادِيَّةٍ لَا تُوحِي بِشَيْءٍ مِنْ دِفْءٍ. الْهَوَاءُ بَارِدٌ يَحْمِلُ رَائِحَةَ طِينٍ رَطْبٍ، وَعِطْرَ الْحَشَائِشِ الَّتِي لَمْ تَجْرُؤِ الشَّمْسُ عَلَى لَمْسِهَا بَعْدُ.
وَقَفَ لِلَحْظَةٍ يَتَشَمَّمُ الْهَوَاءَ، وَكَأَنَّ أَنْفَاسَ اللَّيْلِ مَا زَالَتْ عَالِقَةً بَيْنَ أَطْرَافِ النَّخِيلِ. عَيْنَاهُ رَاحَتَا تَبْحَثَانِ فِي الْأُفُقِ عَنْ شَيْءٍ يُبَدِّدُ شُعُورَهُ بِأَنَّ أَحَدَهُمْ يُرَاقِبُهُ. الْأَرْضُ سَاكِنَةٌ، لَا حَرَاكٌ. أَسْرَابُ الطَّيْرِ لَمْ تُغَادِرْ أَعْشَاشَهَا بَعْدُ، وَالْبَلْدَةُ غَارِقَةٌ فِي صَمْتٍ ثَقِيلٍ.
عَلَى مَبْعَدَةٍ مِنَ الْكُوخِ، لَمَحَ غُبَارًا يَتَصَاعَدُ فَوْقَ طَرِيقِ الْقَرْيَةِ الْمُتَهَالِكِ. اتَّسَعَتْ عُيُونُ الصَّبِيِّ، وَجَفَّ لُعَابُهُ فِي فَمِهِ. مِنْ بَيْنِ الضَّبَابِ الْمُتَصَاعِدِ، تَجَلَّتْ قَافِلَةُ تُجَّارٍ، رِجَالٌ مُعْتَمُّو الرَّأْسِ، وَجِمَالٌ تَسِيرُ فِي هُدُوءٍ ثَقِيلٍ. أَجْرَاسٌ صَغِيرَةٌ تَتَدَلَّى مِنْ رِقَابِ الْجِمَالِ، تُصْدِرُ رَنِينًا حَزِينًا يَتَهَادَى فَوْقَ الْأَرْضِ الرَّطْبَةِ.
لَمْ يَتَرَدَّدْ. رَكَضَ بِكُلِّ مَا بَقِيَ فِيهِ مِنْ رَمَقٍ. سَاقَاهُ النَّحِيلَتَانِ تَشُقَّانِ التُّرَابَ الْمُبْتَلَّ، وَعَيْنَاهُ لَا تُفَارِقَانِ الْقَافِلَةَ. قَلْبُهُ يَدُقُّ فِي صَدْرِهِ كَطَبْلٍ مَكْسُورٍ، وَخَوْفُ اللَّيْلِ كُلُّهُ انْدَفَعَ فِي جَسَدِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً. اقْتَرَبَ مِنْهُمْ حَتَّى بَاتَ يَسْمَعُ وَقْعَ حَوَافِرِ الْجِمَالِ وَهِيَ تَغُوصُ فِي الطِّينِ.
انْدَسَّ بَيْنَ الْجِمَالِ دُونَ أَنْ يَلْحَظَهُ أَحَدٌ. مَرَّ مِنْ تَحْتِ بُطُونِهَا، اخْتَبَأَ خَلْفَ أَكْيَاسٍ مُحْكَمَةِ الرِّبَاطِ، رَائِحَةُ الْعَرَقِ وَالتُّرَابِ وَالْبَخُورِ الْعَالِقِ فِي الْأَمْتِعَةِ تَزَاحَمَتْ فِي صَدْرِهِ. كَانَ كُلُّ شَيْءٍ حَوْلَهُ يَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ، وَرِجَالُ الْقَافِلَةِ مُنْشَغِلُونَ بِمَا يَحْمِلُونَهُ. لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ، وَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ أَحَدٌ، وَكَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ الْفَرَاغِ.
ظَلَّ يَسِيرُ وَسَطَهُمْ، خَطَوَاتُهُ الصَّغِيرَةُ تَتَمَاشَى مَعَ وَقْعِ أَقْدَامِ الْجِمَالِ الثَّقِيلَةِ. عَيْنَاهُ تَتَفَقَّدَانِ الْوُجُوهَ، كُلُّهَا غَرِيبَةٌ، مُتَجَهِّمَةٌ، جَامِدَةٌ كَوُجُوهِ الْمَوْتَى. عَلِقَ نَظَرُهُ بِجَمَلٍ ضَخْمٍ مُغَطًّى بِبِطَّانِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، اتَّخَذَ جَانِبَهُ مَكَانًا، وَرَاحَ يَخْتَبِئُ بِجِوَارِهِ.
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، اسْتَنْشَقَ رَائِحَةَ الْقَافِلَةِ الثَّقِيلَةَ، وَكَأَنَّهَا تَشْهَدُ عَلَى زَمَنٍ قَدِيمٍ. شَعَرَ بِأَمَانٍ كَاذِبٍ، لَيْسَ لِأَنَّ الْمَكَانَ مَأْمُونٌ، بَلْ لِأَنَّهُ ابْتَعَدَ عَنِ الْكُوخِ، عَنِ النِّدَاءِ الَّذِي شَقَّ سَمْعَهُ لَيْلًا، عَنِ الرُّعْبِ السَّاكِنِ فِي جُدْرَانِ بَيْتِ أُمِّهِ. لَمْ يَعْرِفْ إِلَى أَيْنَ تَمْضِي الْقَافِلَةُ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْنِيهِ. كُلُّ مَا أَرَادَهُ أَنْ يَمْضِيَ مَعَهَا. بَعِيدًا، حَيْثُ لَا يَسْمَعُ اسْمَهُ يَتَرَدَّدُ فِي الْعَتْمَةِ.
ظَلَّ لَيْثٌ يَسِيرُ وَسَطَ الْقَافِلَةِ كَأَنَّ جَسَدَهُ صَارَ قِطْعَةً مِنْ بَيْنِ أَمْتِعَةِ الرِّجَالِ. لَمْ يَكُنْ يَنْظُرُ خَلْفَهُ، وَلَمْ يَجْرُؤْ أَنْ يَلْتَفِتَ نَاحِيَةَ الْكُوخِ الْبَعِيدِ. الْأَرْضُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ كَانَتْ لَيِّنَةً مُوحِلَةً، وَوَقْعُ أَقْدَامِ الْجِمَالِ يَصْنَعُ إِيقَاعًا رَتِيبًا فِي أُذُنِهِ، حَتَّى كَأَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ اخْتُزِلَ فِي صَوْتِ الْأَجْرَاسِ الصَّغِيرَةِ تَتَأَرْجَحُ مَعَ حَرَكَةِ الرِّقَابِ الثَّقِيلَةِ.
الشَّمْسُ بَدَأَتْ تَتَسَلَّقُ السَّمَاءَ بِبُطْءٍ، دَافِعَةً بِضِيَائِهَا الرَّمَادِيِّ فَوْقَ الْحُقُولِ وَالْأَشْجَارِ. رَائِحَةُ الطِينِ صَارَتْ أَخَفَّ، وَرِيحُ الصُّبْحِ النَّقِيَّةُ تَسْرَحُ بَيْنَ سَنَابِلِ الْقَمْحِ، تُلَامِسُ وُجُوهَ الرِّجَالِ الْغِلَاظِ دُونَ أَنْ تُحَرِّكَ فِيهِمْ شَيْئًا. كَانَ الرِّجَالُ يَتَبَادَلُونَ حَدِيثًا مُتَقَطِّعًا بِلُغَةٍ غَلِيظَةٍ، أَصْوَاتُهُمْ خَشِنَةٌ كَالْحَجَرِ الْمُبَلَّلِ، وَوُجُوهُهُمْ مُجْهَدَةٌ، لَا تَعْرِفُ الضَّحِكَ.
اقْتَرَبَ لَيْثٌ مِنْ جَمَلٍ عَجُوزٍ، جِلْدُهُ دَاكِنٌ وَخُطَاهُ أَبْطَأُ مِنْ سَائِرِ الْقَافِلَةِ، فَاصْطَفَّ إِلَى جَانِبِهِ. نَظَرَ إِلَى عُنُقِهِ، حَيْثُ تَدَلَّى جَرَسٌ نُحَاسِيٌّ صَغِيرٌ، يَرِنُّ بِنَغْمَةٍ مُغَايِرَةٍ، كَأَنَّهَا تَعْرِفُ مَا بِدَاخِلِهِ. مَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَ رَقَبَةَ الْجَمَلِ، فَاهْتَزَّ الْجَرَسُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، وَشَعَرَ لَيْثٌ أَنَّ نَبْضَ الْأَرْضِ كُلِّهَا انْدَفَعَ فِي أَصَابِعِهِ.
رَجُلٌ مُلْتَحٍ، عَرِيضُ الْكَتِفَيْنِ، كَانَ يَمْشِي بِجِوَارِ الْجَمَلِ الْعَجُوزِ، لَمَحَ حَرَكَةَ الطِّفْلِ، فَتَوَقَّفَ لَحْظَةً، نَظَرَ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ يَتَكَلََّمَ، ثُمَّ مَضَى فِي طَرِيقِهِ. لَيْثٌ فَهِمَ أَنَّ لَا أَحَدَ هُنَا يَعْنِيهِ، لَا أَحَدَ سَيَسْأَلُهُ مَنْ هُوَ، وَلَا مِنْ أَيْنَ جَاءَ. وَهَذَا وَحْدَهُ كَانَ كَافِيًا.
ظَلَّ خَلْفَ الْجَمَلِ، يَسْتَنْشِقُ تُرَابَ الطَّرِيقِ، يَحْتَمِي بِظِلِّهِ، يَشْعُرُ أَنَّ اللَّيْلَ الَّذِي ابْتَلَعَهُ بِالْأَمْسِ بَدَأَ يَبْتَعِدُ عَنْهُ مَعَ كُلِّ خَطْوَةٍ. كَانَ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ يَصْرُخُ مِنَ التَّعَبِ وَالْخَوْفِ، لَكِنَّ قَلْبَهُ الصَّغِيرَ كَانَ مُطْمَئِنًّا. لَيْسَ لِأَنَّهُ وَجَدَ مَأْمَنًا، بَلْ لِأَنَّهُ صَارَ بَيْنَ أُنَاسٍ لَا يَعْرِفُونَهُ، لَا يَعْرِفُونَ عَنْ أُمِّهِ شَيْئًا، وَلَا عَنِ الْكُوخِ، وَلَا عَنِ الْعُيُونِ الْمُشْتَعِلَةِ.
مَعَ كُلِّ خَطْوَةٍ، كَانَ يَشْعُرُ أَنَّ الْمَسَافَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ النِّدَاءِ الْمَشْؤُومِ تَكْبُرُ، كَأَنَّ الدُّنْيَا تَتَّسِعُ مِنْ جَدِيدٍ، وَالسَّمَاءَ تَعْلُو.
الْوَقْتُ مَرَّ بِبُطْءٍ، وَقَافِلَةُ التُّجَّارِ تُوَاصِلُ سَيْرَهَا فِي هُدُوءٍ، تَسِيرُ عَلَى طَرِيقٍ ضَيِّقٍ وَسَطَ الْحُقُولِ الْوَاسِعَةِ. الرِّيَاحُ تَحْمِلُ رَائِحَةَ الْأَرْضِ الرَّطْبَةِ، وَتَهُزُّ رُؤُوسَ النَّخِيلِ الْبَعِيدَةِ، لَكِنَّ لَيْثًا لَمْ يَكُنْ يُفَكِّرُ فِي ذَلِكَ.
عَيْنَاهُ لَا تَتْرُكَانِ الْجَمَلَ الْعَجُوزَ، يَدَاهُ تَتَسَلَّقَانِ جِلْدَهُ الْكَثِيفَ بِحَذَرٍ، يَبْتَعِدُ بِهِ عَنْ مَسَارِ الْقَافِلَةِ الْمُزْدَحِمِ. لَمْ يَعُدْ يَشْعُرُ بِأَيِّ شَيْءٍ سِوَى الرَّاحَةِ الْمُؤَقَّتَةِ الَّتِي يَمْنَحُهَا لَهُ التَّسَلُّلُ وَسَطَهُمْ.
بَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي خَلْفَ الْجَمَلِ، لَمَحَ عِدَّةَ رِجَالٍ يَتَوَقَّفُونَ لِيَتَبَادَلُوا الْحَدِيثَ. كَانَ الْجَوُّ يَزْدَادُ حَرَارَةً، وَالرِّيحُ تُغَادِرُ تَدْرِيجِيًّا، تَارِكَةً الْأَرْضَ مُشَبَّعَةً بِهُدُوءٍ ثَقِيلٍ. أَحَدُ الرِّجَالِ، طَوِيلُ الْقَامَةِ وَعَابِسُ الْوَجْهِ، الْتَفَتَ فَجْأَةً إِلَيْهِ. هَمَسَ فِي أُذُنِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ بِجِوَارِهِ، ثُمَّ أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ نَحْوَ لَيْثٍ. كَانَ نَاظِرًا إِلَيْهِ بِحَذَرٍ، كَمَا لَوْ كَانَ يَلْحَظُ شَيْئًا غَرِيبًا.
قَفَزَ قَلْبُ لَيْثٍ فِي صَدْرِهِ، وَشَعَرَ بِأَنَّ جَسَدَهُ أَصْبَحَ كَالصَّخْرَةِ، لَا يَسْتَطِيعُ التَّحَرُّكَ. لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى الِالْتِفَاتِ، لَكِنَّ قَدَمَيْهِ اسْتَمَرَّتَا فِي السَّيْرِ وَسَطَ الْقَافِلَةِ، مُحَاوِلًا إِخْفَاءَ خَوْفِهِ.
بَعْدَ لَحَظَاتٍ، شَعَرَ بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ يَقْتَرِبُ مِنْهُ، تَوَقَّفَ أَمَامَهُ فَجْأَةً، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ وَقَاسٍ:
«مَنْ أَنْتَ؟»
شَعَرَ لَيْثٌ بِقُشَعْرِيرَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ، لَكِنَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ وَقَالَ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ:
«لَسْتُ أَفْهَمُ. . . أَنَا. . . لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ».
أَعَادَهُ الرَّجُلُ بِنَظْرَةٍ فَاحِصَةٍ، أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَكَأَنَّمَا يَقْرَأُ شَيْئًا فِي مَلَامِحِ وَجْهِهِ.
«مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟»
انْتَفَضَ قَلْبُ لَيْثٍ، لَكِنَّهُ أَسْرَعَ فِي التَّفْكِيرِ. قَالَ وَهُوَ يَلْتَفِتُ حَوْلَهُ، يُحَاوِلُ إِخْفَاءَ ارْتِبَاكِهِ:
«مِنْ هُنَا. . . مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ».
أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ نَحْوَ الْأَرْضِ. الرَّجُلُ اسْتَمَرَّ فِي النَّظَرِ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَخِيرًا قَالَ بِصَوْتٍ غَرِيبٍ، كَأَنَّهُ يُفَكِّرُ فِي شَيْءٍ عَمِيقٍ:
«أَنْتَ تَسِيرُ مَعَنَا الْآنَ، لَكِنْ لَوْ رَآكَ أَحَدٌ وَحْدَكَ فَسَتَكُونُ فِي خَطَرٍ، إِيَّاكَ أَنْ تَخْرُجَ عَنِ الْمَسَارِ».
ثُمَّ اسْتَدَارَ دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ جَوَابًا، وَعَادَ إِلَى مَكَانِهِ خَلْفَ الْجَمَلِ. لَيْثٌ ظَلَّ ثَابِتًا فِي مَكَانِهِ، يُرَاقِبُ الرَّجُلَ يَبْتَعِدُ عَنْهُ. عِنْدَمَا اخْتَفَى الرَّجُلُ بَيْنَ الْجِمَالِ، شَعَرَ بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ يُزَاحُ عَنْ صَدْرِهِ، كَأَنَّمَا زَالَ التَّوَتُّرُ لِلَحَظَاتٍ. لَكِنَّهُ لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى التَّنَفُّسِ بِعُمْقٍ.
مَرَّةً أُخْرَى، تَابَعَ سَيْرَهُ بَيْنَ الْجِمَالِ، عَيْنَاهُ لَا تُفَارِقَانِ الطَّرِيقَ أَمَامَهُ. كَانَ جَسَدُهُ مَا يَزَالُ يَرْتَجِفُ، وَلَكِنَّ عَزِيمَتَهُ كَانَتْ أَقْوَى مِنْ خَوْفِهِ. كَانَ يُرَاقِبُ الْمَدَى الْبَعِيدَ، حَيْثُ بَدَأَتِ الْجِبَالُ تَظْهَرُ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ، وَكَأَنَّهَا تَقِفُ شَامِخَةً أَمَامَهُ.
طَوَالَ الْوَقْتِ، كَانَتِ الْقَافِلَةُ تَسِيرُ بِهُدُوءٍ، وَكَأَنَّ لَا شَيْءَ غَيْرَ سَيْرِهَا يُهِمُّ. لَكِنَّ لَيْثًا، وَسَطَهُمْ، شَعَرَ أَنَّهُ أَصْبَحَ جُزْءًا مِنْ هَذَا الْعَالَمِ الْعَتِيقِ، هَذَا الْعَالَمِ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ عَنْهُ شَيْئًا. فَقَطْ هُوَ وَهُمْ، بَيْنَ الْجِمَالِ الَّتِي تَتْرُكُ خَلْفَهَا آثَارًا عَلَى الْأَرْضِ، وَفِي النِّهَايَةِ، لَا شَيْءَ يَبْقَى سِوَى بَقَايَا أَثَرٍ يَخْتَفِي مَعَ الزَّمَنِ.
ظَلَّ لَيْثٌ يَتَقَدَّمُ بَيْنَ الْجِمَالِ، خَطَوَاتُهُ تَخُطُّ الْأَرْضَ الْمُبَلَّلَةَ وَالطِّينَ الْعَالِقَ بِأَطْرَافِ الْحُقُولِ. الشَّمْسُ صَارَتْ أَكْثَرَ جُرْأَةً، تَسَلَّلَتْ مِنْ بَيْنِ سُحُبٍ رَمَادِيَّةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَدَفَعَتْ دِفْءَهَا الْخَفِيفَ فَوْقَ ظُهُورِ الْجِمَالِ وَالْوُجُوهِ الْمُجْهَدَةِ. الْعَرَقُ بَدَأَ يَتَصَبَّبُ مِنْ جَبِينِهِ، وَالْغُبَارُ تَسَرَّبَ إِلَى صَدْرِهِ مَعَ كُلِّ نَفَسٍ يَلْتَقِطُهُ.
كَانَتِ الْقَافِلَةُ تَسِيرُ عَلَى مَهَلٍ، أَصْوَاتُ الْأَجْرَاسِ الصَّغِيرَةِ الْمُعَلَّقَةِ فِي أَعْنَاقِ الْجِمَالِ تَرِنُّ بِرَتَابَةٍ مَعَ كُلِّ خَطْوَةٍ. الرِّجَالُ مُنْشَغِلُونَ بِضَبْطِ الْأَحْمَالِ فَوْقَ ظُهُورِ الدَّوَابِّ، وَالْحَدِيثُ بَيْنَهُمْ قَلِيلٌ، مُقْتَضَبٌ، لَا يَتَعَدَّى كَلِمَاتٍ ثَقِيلَةً تَنْزَلِقُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ بِصَوْتٍ خَشِنٍ.
الْتَصَقَ لَيْثٌ بِجَمَلٍ ضَخْمٍ يَسِيرُ فِي آخِرِ الصَّفِّ، رَأْسُهُ مُغَطًّى بِخِرْقَةٍ مُهْتَرِئَةٍ يَتَدَلَّى مِنْهَا جَرَسٌ صَغِيرٌ. اخْتَبَأَ خَلْفَ جَانِبِهِ الْعَرِيضِ، مُسْتَنِدًا إِلَى إِحْدَى الْأَكْيَاسِ الْمَشْدُودَةِ بِحِبَالٍ سَمِيكَةٍ. كَانَ مَوْضِعًا آمِنًا لَا يَرَاهُ فِيهِ أَحَدٌ، وَلَا يُطَالِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ.
مَرَّتْ لَحَظَاتٌ ثَقِيلَةٌ. زَحَفَ جَسَدُهُ الصَّغِيرُ بَيْنَ أَرْجُلِ الْجِمَالِ، حَتَّى تَسَلَّقَ ظَهْرَ إِحْدَاهَا بِخِفَّةٍ. تَمَدَّدَ فَوْقَ كُومَةِ الْقُمَاشِ الْخَشِنِ، أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَالرِّيحُ تَدْفَعُ بَقَايَا الْغُبَارِ فِي وَجْهِهِ.
ظَلَّ سَاكِنًا، كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ الْحِمْلِ. يَسْمَعُ وَقْعَ حَوَافِرِ الْجِمَالِ، وَالْأَجْرَاسَ الْمُتَمَايِلَةَ، وَأَنْفَاسَ الرِّجَالِ، وَصَرِيرَ الْحِبَالِ، وَكُلُّهَا أَصْوَاتٌ تَتَمَازَجُ فِي رَأْسِهِ، تَصْنَعُ ضَجِيجًا يُشْبِهُ صَوْتَ الرِّيحِ فِي لَيْلَةِ شِتَاءٍ.
رَفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا، أَطْرَافُ شَعْرِهِ مُلْتَوِيَةٌ مِنَ الْعَرَقِ وَالتُّرَابِ، وَلَمَحَ الْحُقُولَ الْبَعِيدَةَ تَبْدَأُ تَذُوبُ فِي الْأُفُقِ. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ تَتَّجِهُ الْقَافِلَةُ، وَلَا مَتَى سَيَتَوَقَّفُونَ، وَلَمْ يَشْغَلْهُ السُّؤَالُ. كَانَ كُلُّ مَا يَعْنِيهِ أَنْ يَبْقَى بَعِيدًا عَنِ الْكُوخِ، بَعِيدًا عَنْ وَجْهِ أُمِّهِ، وَعَنِ الْأَصْوَاتِ الَّتِي نَادَتْهُ فِي الظُّلْمَةِ.
عَانَقَ الْقُمَاشَ الْخَشِنَ بِيَدَيْهِ الصَّغِيرَتَيْنِ، أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ مِنْ جَدِيدٍ، وَأَطْلَقَ زَفْرَةً مُتْعَبَةً، كَأَنَّمَا يُسَلِّمُ جَسَدَهُ لِلنَّوْمِ، أَوْ لِمَا هُوَ أَخَفُّ وَطْأَةً مِنَ الرُّعْبِ. وَالْقَافِلَةُ تَمْضِي.
بَقِيَ لَيْثٌ مُسَجًّى فَوْقَ كُومَةِ الْأَقْمِشَةِ، جَسَدُهُ النَّحِيلُ يَتَأَرْجَحُ مَعَ حَرَكَةِ الْجَمَلِ الثَّقِيلَةِ، وَوَجْهُهُ مُغْمَضٌ فَوْقَ أَثَرِ التَّعَبِ. كَانَتْ حَرَارَةُ الشَّمْسِ تَزْدَادُ شَيْئًا فَشَيْئًا، تَقْضَمُ مَا تَبَقَّى مِنْ نَدَى الصَّبَاحِ، وَتَبْعَثُ بِرَائِحَتِهَا الْحَارِقَةِ فَوْقَ الْحُقُولِ الَّتِي تُفْرَغُ مِنَ الضَّبَابِ.
وَقْعُ الْأَقْدَامِ ظَلَّ يَتَرَدَّدُ بِإِيقَاعٍ ثَابِتٍ، حَتَّى فَقَدَ الزَّمَنُ مَلَامِحَهُ فِي رَأْسِ لَيْثٍ. لَا يَدْرِي كَمْ مِنَ الْوَقْتِ مَرَّ، وَلَا إِلَى أَيْنَ اتَّجَهُوا، كُلُّ مَا يَعْرِفُهُ أَنَّ جَسَدَهُ كَانَ يَتَرَنَّحُ بَيْنَ وَعْكَةِ النَّوْمِ وَأَلَمِ الْعِظَامِ.
مِنْ حِينٍ لِآخَرَ، كَانَ يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ نِصْفَ فَتْحَةٍ، يَتَفَقَّدُ وُجُوهَ الرِّجَالِ الْمُتَجَهِّمَةَ مِنْ بَعِيدٍ. كُلُّهُمْ غُرَبَاءُ، لِحَاهُمْ مُشَعَّثَةٌ، وَجَلَابِيبُهُمْ يُغَطِّيهَا الْغُبَارُ، وَحَدِيثُهُمْ مُقْتَضَبٌ لَا يَسْمَعُ مِنْهُ شَيْئًا.
مَدَّ يَدَهُ يَتَحَسَّسُ الْقُمَاشَ أَسْفَلَهُ، تَثَبَّتَ بِهِ أَكْثَرَ، وَغَمْغَمَ لِنَفْسِهِ:
«أَنَا رَاحِلٌ. رَاحِلٌ بَعِيدًا».
الْجَمَلُ الَّذِي يَحْمِلُهُ أَطْلَقَ صَوْتًا خَافِتًا أَشْبَهَ بِالتَّأَفُّفِ، فَزَادَتْ حَرَكَةُ الْكُومَةِ الَّتِي يَرْقُدُ فَوْقَهَا. شَعَرَ لَيْثٌ بِدُوَارٍ بَسِيطٍ، لَكِنَّهُ ظَلَّ مُتَشَبِّثًا، لَمْ يَشَأْ أَنْ يُظْهِرَ نَفْسَهُ وَلَا أَنْ يَنْطِقَ.
عَلَى أَطْرَافِ الطَّرِيقِ، ظَهَرَتْ تِلَالٌ صَغِيرَةٌ مِنَ التُّرَابِ، وَبَيْنَهَا صُخُورٌ سَوْدَاءُ، وَأَشْجَارُ شَوْكٍ مُتَنَاثِرَةٌ كَأَشْبَاحٍ مَكْسُورَةِ الظَّهْرِ. لَمْ يَقْتَرِبُوا مِنْ قَرْيَةٍ، وَلَمْ تَظْهَرْ بُيُوتٌ. الطَّرِيقُ امْتَدَّ فِي صَمْتٍ، وَالْجِمَالُ تَمْضِي، وَالرِّجَالُ يُبَدِّلُونَ أَمَاكِنَهُمْ أَحْيَانًا، ثُمَّ يُوَاصِلُونَ.
ظَلَّ الْوَضْعُ هَكَذَا حَتَّى خَفَّتْ حَرَكَةُ الْقَافِلَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا. تَوَقَّفَتِ الْجِمَالُ عَلَى مَمَرٍّ رَمْلِيٍّ يُفْضِي إِلَى سَهْلٍ مُنْبَسِطٍ. بَدَأَ الرِّجَالُ يَفُكُّونَ الْأَحْبَالَ، وَيَهْوِي بَعْضُهُمْ تَحْتَ ظِلِّ الْأَشْجَارِ الْقَرِيبَةِ. عَرَفَ لَيْثٌ أَنَّ الْقَافِلَةَ سَتَسْتَرِيحُ، وَذَاكَ مَا كَانَ يَنْتَظِرُهُ.
تَسَلَّلَ مِنْ فَوْقِ كُومَةِ الْأَقْمِشَةِ بِحَذَرٍ، هَبَطَ بَيْنَ الْأَقْدَامِ، وَاخْتَبَأَ خَلْفَ الْجَمَلِ. قَلْبُهُ يَدُقُّ بِعُنْفٍ، وَعَيْنَاهُ تَبْحَثَانِ عَنْ زَاوِيَةٍ لَا تَرَاهُ فِيهَا الْعُيُونُ.
كَانَ التَّعَبُ قَدْ أَنْهَكَهُ، وَهَدَّهُ السَّهَرُ وَالْجُوعُ وَالْخَوْفُ. اتَّكَأَ بِظَهْرِهِ إِلَى مُؤَخِّرَةِ الْجَمَلِ، ضَامًّا رُكْبَتَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ، وَعَيْنَاهُ نِصْفَ مُغْمَضَتَيْنِ. أَغْمَضَهُمَا تَمَامًا، وَلَمْ يَشْعُرْ بَعْدَهَا بِشَيْءٍ.
غَفَتْ عَيْنَاهُ الثَّقِيلَةُ، وَتَرَكَ جَسَدَهُ يَسْتَسْلِمُ لِلنَّوْمِ تَحْتَ ظِلِّ الْجَمَلِ الضَّخْمِ. نَسَائِمُ خَفِيفَةٌ رَاحَتْ تَعْبَثُ بِخُصْلَاتِ شَعْرِهِ الْمُلْتَصِقَةِ بِالْعَرَقِ، وَرَائِحَةُ التُّرَابِ الْحَارِّ تَمْلَأُ أَنْفَهُ. اخْتَلَطَتِ الْأَصْوَاتُ فِي رَأْسِهِ بَيْنَ طَنِينِ الْأَجْرَاسِ وَوَقْعِ الْأَقْدَامِ الْمُتَبَاعِدَةِ وَأَحَادِيثَ بَعِيدَةٍ تَخْفُتُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
بَدَأَ حُلْمٌ غَرِيبٌ يَتَسَلَّلُ إِلَى نَوْمِهِ، رَأَى نَفْسَهُ وَاقِفًا وَحْدَهُ وَسَطَ أَرْضٍ جَرْدَاءَ لَا شَجَرَ فِيهَا وَلَا جَبَلَ. السَّمَاءُ مُعْتَمَةٌ، تَتَنَاثَرُ فِيهَا نُجُومٌ مُطْفَأَةٌ كَأَنَّهَا رَمَادٌ مُتَطَايِرٌ. الرِّيحُ سَاكِنَةٌ، وَالْفَرَاغُ يَبْتَلِعُ كُلَّ شَيْءٍ. فِي مُنْتَصَفِ هَذَا الْخَلَاءِ، رَأَى جَمَلًا وَحِيدًا بِلَا رَاكِبٍ، رَأْسُهُ مَكْسُوٌّ بِغِطَاءٍ دَاكِنٍ، عَيْنَاهُ مُتَوَهِّجَتَانِ، وَالْجَرَسُ الْمُعَلَّقُ فِي عُنُقِهِ يُصْدِرُ رَنِينًا مَكْتُومًا لَا يُشْبِهُ أَيَّ شَيْءٍ سَمِعَهُ مِنْ قَبْلُ.
اقْتَرَبَ الْجَمَلُ بِخَطَوَاتٍ بَطِيئَةٍ، وَلَمَّا صَارَ أَمَامَ لَيْثٍ، انْحَنَى رَأْسُهُ نَحْوَهُ، فَشَعَرَ لَيْثٌ أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا تَنْسَحِبُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ. فَتَحَتِ الْأَرْضُ فُوَّهَةً عَمِيقَةً، وَانْزَلَقَتْ فِيهَا قَدَمُهُ، فَانْدَفَعَ يَصْرُخُ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ.
اسْتَيْقَظَ فَزِعًا، أَنْفَاسُهُ مُتَقَطِّعَةٌ، وَجَسَدُهُ مُتَشَنِّجٌ. رَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، الشَّمْسُ تَمِيلُ نَحْوَ الْمَغِيبِ، لَوْنُهَا أَصْفَرُ مُتْرِبٌ، وَالرِّجَالُ يُجَهِّزُونَ الْجِمَالَ لِاسْتِكْمَالِ الْمَسِيرِ. عَرَفَ أَنَّ الْقَافِلَةَ سَتُوَاصِلُ، وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَثْبُتَ بَيْنَ أَقْدَامِهِمْ.
نَهَضَ، مَسَحَ وَجْهَهُ بِكَفٍّ يَابِسَةٍ مُتَّسِخَةٍ، وَأَخَذَ يَلْتَصِقُ مِنْ جَدِيدٍ بِجَانِبِ الْجَمَلِ. لَمْ يَعُدْ يُفَكِّرُ فِي شَيْءٍ سِوَى أَنْ يَمْضِيَ مَعَهُمْ لِأَبْعَدِ مَدًى، حَيْثُ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ، وَلَا يَسْمَعُ اسْمَهُ أَحَدٌ.
اسْتَقَامَ لَيْثٌ عَلَى قَدَمَيْهِ بِصُعُوبَةٍ، الْغُبَارُ يَعْلَقُ بِشَفَتَيْهِ، وَيَدَاهُ تَرْتَجِفَانِ مِنْ أَثَرِ الْحُلْمِ الْغَرِيبِ الَّذِي لَا زَالَ صَدَاهُ يُدَوِّي فِي رَأْسِهِ. تَقَدَّمَ بِخَطَوَاتٍ حَذِرَةٍ بَيْنَ الْجِمَالِ، عَيْنَاهُ تُرَاقِبَانِ الرِّجَالَ الَّذِينَ انْشَغَلُوا بِتَثْبِيتِ الْأَحْمَالِ وَشَدِّ الْحِبَالِ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ اسْتِعْدَادًا لِلرَّحِيلِ.
أَحَدُ الرِّجَالِ، قَصِيرُ الْقَامَةِ كَثُّ اللِّحْيَةِ، أَمْسَكَ بِلِجَامِ جَمَلٍ وَأَخَذَ يَشُدُّهُ نَحْوَ الصَّفِّ. لَمَحَ لَيْثًا وَهُوَ يَنْسَحِبُ بَيْنَ الْجِمَالِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعِرْهُ اهْتِمَامًا. فَقَطْ بَصَقَ عَلَى الْأَرْضِ وَتَمْتَمَ:
«مِنْ أَيْنَ خَرَجَ هَذَا الصَّبِيُّ؟»
وَلَمْ يَنْتَظِرْ إِجَابَةً.
عَرَفَ لَيْثٌ أَنَّ الْقَافِلَةَ سَتَتَحَرَّكُ، وَأَنَّ اللَّيْلَ قَادِمٌ لَا مَحَالَةَ. الشَّمْسُ كَانَتْ تَهْوِي بِبُطْءٍ نَحْوَ حَافَّةِ الْأَرْضِ، وَالْهَوَاءُ صَارَ أَكْثَرَ بُرُودَةً. تَسَلَّلَ نَحْوَ آخِرِ جَمَلٍ فِي الصَّفِّ، شَدَّ طَرَفَ الْحَبْلِ الْمُعَلَّقِ فِي عُنُقِهِ، وَتَعَلَّقَ بِالْحَبْلِ كَأَنَّمَا يَسْتَعْطِفُهُ أَنْ يَمْنَحَهُ مَأْوًى.
حِينَ بَدَأَتِ الْقَافِلَةُ تَتَحَرَّكُ، خَطَا خَطَوَاتٍ مُتَلَاحِقَةً خَلْفَ الْجَمَلِ الْعَجُوزِ، ثُمَّ مَدَّ ذِرَاعَيْهِ الضَّعِيفَتَيْنِ وَتَعَلَّقَ بِأَطْرَافِ الْقُمَاشِ الْمُعَلَّقِ فَوْقَ ظَهْرِهِ. زَحَفَ حَتَّى اسْتَقَرَّ بَيْنَ الْأَكْيَاسِ، وَدَفَنَ رَأْسَهُ فِي كُومَةِ الْأَسْمَالِ الْخَشِنَةِ.
تَحَرَّكَ الرَّكْبُ مِنْ جَدِيدٍ، وَقْعُ الْأَقْدَامِ فَوْقَ التُّرَابِ صَنَعَ إِيقَاعًا رَتِيبًا، وَالْأَجْرَاسُ عَادَتْ تَرِنُّ بِرَتَابَةٍ، وَالرِّجَالُ شَقُّوا الطَّرِيقَ نَحْوَ الْمَجْهُولِ. شَعَرَ لَيْثٌ بِدِفْءِ الْأَقْمِشَةِ تَحْتَ جَسَدِهِ الْمُنْهَكِ، وَغَاصَ وَجْهُهُ فِيهَا حَتَّى حَجَبَ صَوْتَ الرِّجَالِ وَالرِّيحِ، لَمْ يَعُدْ يَسْمَعُ سِوَى دَقَّاتِ قَلْبِهِ الْمُتَسَارِعَةِ.
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، آخِرُ مَا لَمَحَتْهُ نَظَرَاتُهُ كَانَ صَفْحَةَ السَّمَاءِ الَّتِي بَدَأَتْ تُظْلِمُ، وَأَوَّلَ نَجْمٍ يَتَلَأْلَأُ بَعِيدًا. نَامَ لَيْثٌ مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ، كَأَنَّ الْأَرْضَ أَخِيرًا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يَخْتَفِيَ عَنْ وَجْهِهَا.
تَوَاصَلَتْ حَرَكَةُ الْقَافِلَةِ فَوْقَ الْأَرْضِ الْمُتَيَبِّسَةِ، الْجِمَالُ تَسِيرُ بِصَبْرٍ قَدِيمٍ، وَالرِّجَالُ يَجُرُّونَ خَطَوَاتِهِمْ خَلْفَهَا بِصَمْتٍ ثَقِيلٍ. اللَّيْلُ هَبَطَ عَلَى الْأَرْضِ، وَالسَّمَاءُ اتَّسَعَتْ بِلَوْنِهَا الدَّاكِنِ، تُضِيئُهَا نِقَاطٌ ضَئِيلَةٌ مِنْ ضَوْءِ النُّجُومِ الَّتِي لَمْ تَكْتَمِلْ بَعْدُ. وَحْدَهَا الْأَجْرَاسُ تُوَاصِلُ رَنِينَهَا الْمُتَبَاعِدَ، وَكَأَنَّهَا تَتَهَامَسُ بِمَا سَيَأْتِي.
فِي قَلْبِ الْأَكْيَاسِ عَلَى ظَهْرِ الْجَمَلِ الْعَجُوزِ، كَانَ لَيْثٌ غَارِقًا فِي نَوْمٍ ثَقِيلٍ، وَجْهُهُ مُخْتَبِئٌ بَيْنَ قِطَعِ الْقُمَاشِ الْعَتِيقِ، وَرَائِحَةُ الْعَرَقِ وَالْغُبَارِ عَالِقَةٌ بِأَنْفَاسِهِ. كَانَ النَّوْمُ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِلَا حُلْمٍ وَلَا كَابُوسٍ، نَوْمًا جَافًّا كَتُرَابِ الْأَرْضِ، لَا يَحْمِلُ وَعْدًا وَلَا تَهْدِيدًا.
مَرَّتْ سَاعَاتُ اللَّيْلِ، وَالْقَافِلَةُ تَتَنَقَّلُ بَيْنَ مَمَرَّاتٍ ضَيِّقَةٍ، وَمَوَاضِعَ يَعْرِفُهَا الشُّيُوخُ وَالْعُتَقَاءُ مِنْ أَهْلِ الطُّرُقِ. لَمْ يَقْتَرِبْ مِنْ لَيْثٍ أَحَدٌ، وَلَمْ يَكْتَشِفْ وُجُودَهُ أَحَدٌ. ظَلَّ سَابِحًا فِي عَتْمَتِهِ، لَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً حِينَ تَوَقَّفَ الْجَمَلُ فَجْأَةً، فَارْتَطَمَ جَسَدُهُ الصَّغِيرُ بِأَطْرَافِ الْقُمَاشِ.
فَتَحَ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ، الظَّلَامُ كَثِيفٌ لَا يَرَى فِيهِ سِوَى خَيَالَاتِ الْجِمَالِ الَّتِي تَحَوَّلَتْ إِلَى كُتَلٍ سَوْدَاءَ ضَخْمَةٍ، وَالرِّجَالُ يَنْزِلُونَ عَنْ ظُهُورِ الدَّوَابِّ، يُفَتِّشُونَ عَنْ مَوْضِعٍ آمِنٍ لِلِاسْتِرَاحَةِ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.
أَحَدُ الرِّجَالِ نَادَى بِصَوْتٍ أَجَشَّ:
«أَنْزِلُوا الزَّادَ. . . وَلْيَسْتَيْقِظْ مَنْ عَلَيْهِ دَوْرُ الْحِرَاسَةِ».
تَبَادَلَ الرِّجَالُ كَلِمَاتٍ مُقْتَضَبَةً، ثُمَّ أَخَذَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَكَانَهُ، بَعْضُهُمُ افْتَرَشَ الْأَرْضَ، وَالْبَعْضُ اسْتَنَدَ إِلَى الْأَحْمَالِ.
لَيْثٌ، دُونَ أَنْ يَتَحَرَّكَ مِنْ مَكَانِهِ، اسْتَمَعَ إِلَى خَطَوَاتِهِمْ، ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ ثَانِيَةً. جَسَدُهُ مَا زَالَ يَرْتَجِفُ مِنَ الْبَرْدِ، لَكِنَّ دِفْءَ الْأَكْيَاسِ أَنْقَذَهُ مِنْ قَسْوَةِ الْهَوَاءِ. قَلْبُهُ دَقَّ بِنَبْضٍ ضَعِيفٍ، لَكِنْ مُطْمَئِنٍّ.
هَمَسَ فِي سِرِّهِ:
«أَنَا رَاحِلٌ، سَأَبْتَعِدُ كَثِيرًا».
وَسَكَنَتْ عَيْنَاهُ تَحْتَ الْغِطَاءِ الْخَشِنِ، وَرَاحَ يَغُطُّ فِي نَوْمٍ ثَقِيلٍ مِنْ جَدِيدٍ.
سَادَ الصَّمْتُ مِنْ جَدِيدٍ بَعْدَ أَنْ خَفَتَتْ أَصْوَاتُ الرِّجَالِ، وَلَمْ يَبْقَ سِوَى حَفِيفِ الرِّيحِ الَّتِي تَمُرُّ بَيْنَ أَطْرَافِ الشُّجَيْرَاتِ الْيَابِسَةِ، وَصَوْتِ أَنْفَاسِ الْجِمَالِ الثَّقِيلَةِ. اللَّيْلُ الْتَفَّ عَلَى الْمَكَانِ كَوِشَاحٍ أَسْوَدَ، لَا يَكْسِرُهُ إِلَّا وَمَضَاتُ نَارٍ بَعِيدَةٍ أَشْعَلَهَا أَحَدُ الرِّجَالِ عِنْدَ حَافَّةِ الْمَمَرِّ، لَهَبٌ ضَعِيفٌ يَرْقُصُ فِي قَلْبِ الظَّلَامِ.
لَيْثٌ ظَلَّ سَاكِنًا فِي مَكَانِهِ، جَسَدُهُ مُنْحَنٍ بَيْنَ الْأَكْيَاسِ، يَتَنَفَّسُ بِصُعُوبَةٍ مِنْ فَرْطِ الْإِجْهَادِ، لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى الْحَرَكَةِ حَتَّى لَا يَلْفِتَ إِلَيْهِ الْأَنْظَارَ. الْوَقْتُ مَرَّ بَطِيئًا كَأَنَّ اللَّيْلَ قَرَّرَ أَلَّا يَنْتَهِيَ.
فَجْأَةً، تَسَلَّلَتْ رَائِحَةٌ عَجِيبَةٌ إِلَى أَنْفِهِ، خَلِيطٌ مِنْ بَخُورٍ قَدِيمٍ، وَتُرَابٍ مَبْلُولٍ، وَشَيْءٍ يُشْبِهُ احْتِرَاقَ أَوْرَاقِ شَجَرَةٍ يَابِسَةٍ. فُتِحَتْ عَيْنَاهُ نِصْفَ فَتْحَةٍ، تَطَلَّعَ حَوْلَهُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا. الْجَمِيعُ نَائِمٌ أَوْ مُسْتَلْقٍ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ.
عَادَتْ تِلْكَ الرَائِحَةُ، أَقْوَى هَذِهِ الْمَرَّةَ، كَأَنَّهَا تَغْزُو صَدْرَهُ، أَحَسَّ مَعَهَا بِوَخْزٍ فِي أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، وَبُرُودَةٍ مُفَاجِئَةٍ تَجْتَاحُ جِلْدَهُ.
حَاوَلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَتَسَلَّلَتْ إِلَى أُذُنِهِ هَمْهَمَةٌ غَامِضَةٌ، صَوْتٌ لَا يُشْبِهُ أَصْوَاتَ الرِّجَالِ، وَلَا حَدِيثَ النَّائِمِينَ. هَمْسٌ مُتَتَابِعٌ، كَأَنَّهُ طَلَاسِمُ قَدِيمَةٌ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ حِجَارَةِ الْأَرْضِ.
ضَاقَتْ أَنْفَاسُهُ، شَدَّ جِلْبَابَهُ الْبَالِيَ حَوْلَ صَدْرِهِ، وَأَحْنَى رَأْسَهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ. الْهَمْهَمَةُ تَقْتَرِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا. حَاوَلَ أَنْ يُقْنِعَ نَفْسَهُ أَنَّهَا مُجَرَّدُ أَوْهَامٍ مِنْ أَثَرِ التَّعَبِ وَالْجُوعِ.
لَكِنَّ الصَّوْتَ أَصْبَحَ وَاضِحًا:
«لَيْث. . . لَيْث. . .»
شَهِقَ بِقُوَّةٍ، جَفَّ حَلْقُهُ، وَبَلَعَ رِيقَهُ بِصُعُوبَةٍ. نَظَرَ حَوْلَهُ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، لَا بَشَرَ وَلَا ظِلَّ، فَقَطْ تِلْكَ الْهَمْهَمَةُ تُكَرِّرُ اسْمَهُ فِي عُمْقِ اللَّيْلِ.
حَاوَلَ النُّهُوضَ لَكِنَّ جَسَدَهُ مَا عَادَ يُطَاوِعُهُ. جَثَا عَلَى الْأَرْضِ، كَأَنَّ الْأَرْضَ تَشُدُّهُ نَحْوَهَا. نَبْضُ قَلْبِهِ يَدُقُّ بِعُنْفٍ. هَمَسَ لِنَفْسِهِ:
«أَنَا ذَاهِبٌ، لَنْ يَلْحَقَ بِي أَحَدٌ».
وَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَتَشَبَّثَ بِالنَّوْمِ هُرُوبًا، لَكِنَّ الصَّوْتَ ظَلَّ يُلَاحِقُهُ.
ظَلَّ لَيْثٌ عَلَى حَالِهِ، جَسَدُهُ مُنْكَمِشٌ بَيْنَ الْأَكْيَاسِ، وَأَنْفَاسُهُ تَتَرَدَّدُ ثَقِيلَةً فَوْقَ صَدْرِهِ النَّحِيلِ. الصَّوْتُ لَمْ يَتَوَقَّفْ، بَلْ صَارَ أَقْرَبَ، كَأَنَّ صَاحِبَهُ يَقِفُ عِنْدَ مَوْضِعِ رَأْسِهِ، يَهْمِسُ فِي أُذُنِهِ بِاسْمِهِ:
«لَيْث. . . لَيْث. . .»
ارْتَجَفَ جَسَدُهُ كُلُّهُ، وَبُرُودَةٌ غَرِيبَةٌ سَرَتْ فِي أَطْرَافِهِ. حَاوَلَ أَنْ يَتَحَرَّكَ، أَنْ يَصْرُخَ، أَنْ يَنْتَفِضَ، لَكِنَّ شَيْئًا مَا كَانَ يَشُدُّهُ إِلَى الْأَرْضِ. كَأَنَّ يَدًا خَفِيَّةً تُثَبِّتُ كَتِفَيْهِ وَتَمْنَعُهُ مِنَ النُّهُوضِ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَضَاءَ الْبَرْقُ طَرَفَ السَّمَاءِ، وَمَضَى ضَوْءٌ خَاطِفٌ، كَشَفَ لَهُ وَجْهًا غَامِضًا وَسَطَ الْعَتْمَةِ. لَمْ يَتَبَيَّنْ مَلَامِحَهُ، سِوَى عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ، تَلْمَعَانِ كَجَمْرَتَيْنِ فِي لَيْلٍ بَهِيمٍ. شَهِقَ شَهْقَةً قَصِيرَةً، وَأَرَادَ أَنْ يَبْتَعِدَ، لَكِنَّ الْجَمَلَ الَّذِي احْتَمَى خَلْفَهُ تَحَرَّكَ فَجْأَةً، وَارْتَجَّ الْحِمْلُ، فَسَقَطَ جُزْءٌ مِنَ الْأَكْيَاسِ فَوْقَ جَسَدِهِ.
بَقِيَ سَاكِنًا، وَجْهُهُ مَغْرُوسٌ بَيْنَ الْأَقْمِشَةِ، وَدُمُوعُهُ تَنْزِلُ بِلَا صَوْتٍ. ظَلَّ الْهَمْسُ يَتَرَدَّدُ، لَكِنَّهُ رَاحَ يَخْفُتُ تَدْرِيجِيًّا، حَتَّى تَلَاشَى مَعَ أَوَّلِ خُيُوطِ الضَّوْءِ الرَّمَادِيِّ الَّذِي بَدَأَ يَتَسَلَّلُ مِنْ حَافَّةِ الْأُفُقِ.
حِينَ شَعَرَ لَيْثٌ أَنَّ الْهَمْهَمَةَ تَوَقَّفَتْ، رَفَعَ رَأْسَهُ بِحَذَرٍ. السَّمَاءُ تَغَيَّرَتْ، وَالسُّكُونُ الْغَرِيبُ الَّذِي غَلَّفَ الْمَكَانَ طَوَالَ اللَّيْلِ انْكَسَرَ بِأَصْوَاتِ الرِّجَالِ وَهُمْ يَسْتَعِدُّونَ لِاسْتِئْنَافِ الرَّحِيلِ.
لَمْ يَجْرُؤْ لَيْثٌ عَلَى قَوْلِ شَيْءٍ. جَمَعَ أَطْرَافَ جِلْبَابِهِ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ بِكَفٍّ مُرْتَجِفَةٍ، وَحَشَرَ جَسَدَهُ مِنْ جَدِيدٍ بَيْنَ الْأَكْيَاسِ. ظَلَّ هُنَاكَ، جَسَدُهُ يَئِنُّ مِنَ التَّعَبِ، وَقَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِتِلْكَ الْعَيْنَيْنِ الْحَمْرَاوَيْنِ الَّتِي لَمَحَهَا، وَاسْمُهُ الَّذِي هَتَفَ بِهِ ذَلِكَ الصَّوْتُ وَسَطَ ظَلَامٍ لَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ.
هَمَسَ لِنَفْسِهِ بِصَوْتٍ وَاهِنٍ:
«لَسْنَا مِنْهُمْ. . . لَسْنَا مِنْهُمْ».
وَأَسْنَدَ رَأْسَهُ مَرَّةً أُخْرَى، يَنْتَظِرُ أَنْ يَبْدَأَ النَّهَارُ.
ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ بِبُطْءٍ مِنْ خَلْفِ التِّلَالِ الْبَعِيدَةِ، تَغْسِلُ وَجْهَ الْأَرْضِ بِضَوْءٍ شَاحِبٍ، يَكْشِفُ آثَارَ اللَّيْلِ عَنِ الْوُجُوهِ الْمُجْهَدَةِ وَالْجِمَالِ الْمُتْعَبَةِ. دَبَّتِ الْحَرَكَةُ فِي الْقَافِلَةِ، الرِّجَالُ يَتَبَادَلُونَ أَوَامِرَ مُقْتَضَبَةً، وَوَقْعُ الْأَقْدَامِ فَوْقَ التُّرَابِ الْمَبْلُولِ يُوقِظُ الْمَكَانَ مِنْ سُبَاتِهِ.
لَيْثٌ نَهَضَ بِبُطْءٍ مِنْ بَيْنَ الْأَكْيَاسِ، جَسَدُهُ مُتَيَبِّسٌ، وَذِرَاعُهُ تَرْتَعِشُ. تَطَلَّعَ حَوْلَهُ، تَفَقَّدَ الْمَكَانَ بِعَيْنَيْنِ قَلِقَتَيْنِ. لَمْ يَجِدْ أَثَرًا لِذَلِكَ الْخَيَالِ، وَلَا لِصَوْتٍ يُنَادِيهِ. فَقَطِ الرِّجَالُ يُنَظِّمُونَ الصُّفُوفَ مِنْ جَدِيدٍ، وَالْأَحْمَالُ تَعُودُ إِلَى ظُهُورِ الْجِمَالِ.
أَحَدُ الرِّجَالِ صَرَخَ فِي آخَرَ:
«هَيَّا يَا رَجُلُ، لَا يَزَالُ أَمَامَنَا طَرِيقٌ طَوِيلٌ».
وَآخَرُ لَوَّحَ بِكَفِّهِ نَحْوَ الْقَافِلَةِ:
«عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، رَبُّنَا يَسْتُرُهَا».
سَرَتْ حَرَكَةٌ جَمَاعِيَّةٌ، وَبَدَأَتِ الْجِمَالُ تَسِيرُ. لَيْثٌ تَشَبَّثَ بِجَانِبِ الْجَمَلِ الْعَجُوزِ كَأَنَّ حَيَاتَهُ مُعَلَّقَةٌ بِظِلِّهِ. لَمْ يَعُدْ يُفَكِّرُ فِي شَيْءٍ، لَا كُوخُهُ الْبَعِيدُ، وَلَا أُمُّهُ وَلَا الْأَصْوَاتُ وَلَا الْحُلْمُ. كُلُّ مَا يُهِمُّهُ أَنْ يَسِيرَ مَعَ الرَّكْبِ، أَلَّا يَعُودَ.
كَانَتِ الْأَرْضُ مُنْبَسِطَةً أَمَامَهُمْ، وَرَائِحَةُ الْحُقُولِ الْمُشَبَّعَةِ بِالنَّدَى مَا زَالَتْ تَطْفُو فِي الْهَوَاءِ. سَارَ الْجَمِيعُ بِصَمْتٍ، كُلٌّ غَارِقٌ فِي أَفْكَارِهِ.
لَمْ يُلَاحِظْ أَحَدٌ وُجُودَ الصَّبِيِّ الْمُمَزَّقِ الثِّيَابِ، الْمُنْكَمِشِ بَيْنَ أَرْجُلِ الْجِمَالِ، كَأَنَّهُ شَبَحٌ زَحَفَ مَعَهُمْ مِنْ لَيْلٍ بَعِيدٍ. وَحْدَهُ كَانَ يَسْمَعُ صَدَى الِاسْمِ يَتَرَدَّدُ دَاخِلَهُ:
«لَيْث. . .»
هَمَسَ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ يَضُمُّ ذِرَاعَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ:
«أَنَا مَاضٍ، وَلَنْ أَعُودَ».
وَخَطَا مَعَ الْقَافِلَةِ نَحْوَ الْمَجْهُولِ.
اسْتَقَرَّتِ الْقَافِلَةُ عِنْدَ حَافَّةِ بُسْتَانٍ صَغِيرٍ مِنْ أَشْجَارِ النَّبْقِ الْمُتَنَاثِرَةِ، وَأَرْخَتِ الْجِمَالُ حِبَالَهَا فَوْقَ الْأَرْضِ الْمُتَشَقِّقَةِ، وَبَدَأَ الرِّجَالُ يَفُكُّونَ الْأَحْمَالَ الثَّقِيلَةَ عَنْ ظُهُورِهَا، يَفْرِشُونَ عَبَاءَاتِهِمْ عَلَى التُّرَابِ الرَّطْبِ، يَتَبَادَلُونَ أَكْوَابَ الْمَاءِ مِنْ قِرَبٍ جِلْدِيَّةٍ، وَيَتَهَيَّأُونَ لِلرَّاحَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْنِفُوا السَّيْرَ.
جَلَسَ لَيْثٌ عِنْدَ جِذْعِ شَجَرَةٍ يَابِسَةٍ، جَسَدُهُ النَّحِيلُ يَئِنُّ مِنَ التَّعَبِ، وَالْغُبَارُ يَعْلُو وَجْهَهُ وَشَعْرَهُ الْكَثِيفَ الْمُبَعْثَرَ. عَيْنَاهُ تَدُورَانِ فِي حَذَرٍ بَيْنَ الرِّجَالِ، يَتَفَحَّصُ مَلَامِحَهُمْ، يَخْشَى أَنْ يَلْحَظَهُ أَحَدٌ.
اقْتَرَبَ رَجُلٌ طَوِيلٌ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، يَحْمِلُ سِكِّينًا مَسْنُونًا فِي يَدِهِ، تَوَقَّفَ أَمَامَ لَيْثٍ، نَظَرَ إِلَيْهِ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ، ثُمَّ بَصَقَ إِلَى جِوَارِهِ وَقَالَ بِصَوْتٍ غَلِيظٍ:
«ابْنُ مَنْ هَذَا الصَّبِيُّ؟ لَمْ أَرَهُ مِنْ قَبْلُ».
رَدَّ عَلَيْهِ جَمَّالٌ عَجُوزٌ، وَهُوَ يَجْلِسُ الْقُرْفُصَاءَ يَشُدُّ قِرْبَتَهُ مِنَ الْمَاءِ:
«وَاللَّهِ لَا نَعْرِفُهُ، دَسَّ نَفْسَهُ بَيْنَ الرَّكَائِبِ مُنْذُ الصَّبَاحِ، لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ وَلَا يَسْأَلُ هُوَ أَحَدًا».
ضَحِكَ الرَّجُلُ ضَحْكَةً قَصِيرَةً مَكْتُومَةً، وَقَالَ:
«يَبْدُو أَنَّهُ صَبِيٌّ مَطْرُودٌ، إِمَّا أَنَّ وَرَاءَهُ مُصِيبَةً أَوْ أَنَّهُ يَجْلِبُ النَّحْسَ».
تَدَخَّلَ شَابٌّ آخَرُ، يَشُدُّ لِجَامَ جَمَلٍ هَائِجٍ، وَقَالَ:
«دَعُوهُ، فَالطَّرِيقُ طَوِيلٌ، وَمَنْ لَا سَنَدَ لَهُ يَهْلَكُ فِيهِ».
لَمْ يُعَلِّقْ أَحَدٌ غَيْرَهُمْ. لَيْثٌ خَفَضَ رَأْسَهُ، ضَمَّ جِلْبَابَهُ الرَّثَّ عَلَى جَسَدِهِ، حَشَرَ وَجْهَهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، وَكَانَ الْخَوْفُ يَتَأَجَّجُ فِي صَدْرِهِ، لَيْسَ مِنَ الرِّجَالِ وَلَا مِنَ الطَّرِيقِ، بَلْ مِنَ الصَّوْتِ الَّذِي سَمِعَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الْحُقُولِ، مِنَ الْهَمْسِ الَّذِي الْتَصَقَ بِأُذُنِهِ وَلَمْ يَبْرَحْهَا.
هَمَسَ لِنَفْسِهِ:
«لَنْ أَعُودَ، وَلَنْ يَمُدَّ أَحَدٌ يَدَهُ عَلَيَّ».
ثُمَّ شَدَّ نَفْسَهُ، وَحِينَ تَحَرَّكَتِ الْقَافِلَةُ، تَسَلَّلَ خَلْفَ الْجَمَلِ الْعَجُوزِ فِي آخِرِ الصَّفِّ، أَمْسَكَ بِحَبْلٍ مُتَهَدِّلٍ مِنْ عُنُقِهِ، وَسَارَ خَلْفَهُ، دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَى الْوَرَاءِ.
مَضَتِ الْقَافِلَةُ تَشُقُّ طَرِيقَهَا فَوْقَ الْأَرْضِ الْمُتَشَقِّقَةِ، الْحَصَى يُطَقْطِقُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْجِمَالِ، وَالرِّيحُ تَزْفِرُ بِأَنْفَاسٍ سَاخِنَةٍ كَأَنَّهَا آتِيَةٌ مِنْ جَوْفِ الصَّحْرَاءِ. لَيْثٌ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَمَلِ الْأَخِيرِ، جَسَدُهُ الصَّغِيرُ يَتَرَنَّحُ مَعَ خَطَوَاتِهِ الثَّقِيلَةِ، وَالْغُبَارُ يَعْلَقُ بِأَنْفَاسِهِ، يَغْمُرُ وَجْهَهُ وَشَعْرَهُ الْكَثِيفَ.
كُلَّمَا مَرَّتْ سَاعَةٌ، ازْدَادَتْ حَرَارَةُ الشَّمْسِ وَطْأَةً، وَالْعَرَقُ يَسِيلُ مِنْ جَبِينِهِ، يَخْتَلِطُ بِالْغُبَارِ وَيَلْسَعُ عَيْنَيْهِ. لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ، وَلَمْ يَجْرُؤْ أَنْ يَنْظُرَ فِي وَجْهِ أَحَدٍ، عَيْنَاهُ مُعَلَّقَتَانِ بِظِلِّ الْجَمَلِ أَمَامَهُ، كَأَنَّمَا ذَلِكَ الظِّلُّ هُوَ الَّذِي يَرْبِطُهُ بِالْحَيَاةِ.
فِي الْأُفُقِ، بَدَتْ رُقْعَةٌ مِنْ أَشْجَارِ السِّدْرِ وَالطَّلْحِ، تُلَوِّحُ بِأَغْصَانِهَا الْيَابِسَةِ فَوْقَ الْأَرْضِ. تَوَقَّفَتِ الْقَافِلَةُ هُنَاكَ، الْجِمَالُ أُرْخِيَتْ حِبَالُهَا مِنْ جَدِيدٍ، وَالرِّجَالُ ارْتَمَوْا تَحْتَ ظِلِّ الشَّجَرِ، يَتَبَادَلُونَ الْحَدِيثَ.
ابْتَعَدَ لَيْثٌ قَلِيلًا عَنْهُمْ، جَلَسَ إِلَى جِوَارِ صَخْرَةٍ صَغِيرَةٍ، يَشُدُّ جِلْبَابَهُ عَلَى جَسَدِهِ، وَجَفَّتْ شَفَتَاهُ مِنَ الْعَطَشِ. لَمْ يَتَقَدَّمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ رَجُلٌ عَنِ اسْمِهِ أَوْ وِجْهَتِهِ. كَأَنَّ وُجُودَهُ وَسَطَهُمْ لَمْ يَكُنْ يَعْنِي شَيْئًا.
رَفَعَ رَأْسَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، كَانَتْ زَرْقَاءَ بَاهِتَةً، وَخُيُوطُ الشَّمْسِ تَخْتَرِقُهَا فَتُبَدِّدُ السُّحُبَ الْقَلِيلَةَ. أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَاسْتَنْشَقَ رَائِحَةَ التُّرَابِ السَّاخِنِ. كَانَتْ أَنْفَاسُهُ ثَقِيلَةً، لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَتَرَاجَعَ، وَلَا أَنْ يَتَوَسَّلَ لِأَحَدٍ.
هَمَسَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
«حَتَّى لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا كُلُّهَا ضِدِّي، فَسَأَمْضِي».
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَشَارَ أَحَدُ الرِّجَالِ نَاحِيَةَ الْأُفُقِ وَقَالَ:
«مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَادِمُونَ؟»
الْتَفَتَتْ أَعْيُنُ الْقَافِلَةِ، فَإِذَا بِغُبَارٍ كَثِيفٍ يَتَصَاعَدُ فِي الْبَعِيدِ. أُمِرَ الْجِمَالُ بِالْقِيَامِ، وَالرِّجَالُ يَشُدُّونَ أَحْزِمَتَهُمْ، يَسْتَعِدُّونَ لِلتَّحَرُّكِ. وَبَيْنَمَا يَنْشَغِلُ الْجَمِيعُ، انْدَسَّ لَيْثٌ بَيْنَ الْأَرْجُلِ، وَأَمْسَكَ بِحَبْلِ الْجَمَلِ الْعَجُوزِ كَعَادَتِهِ، لَا يُرَى وَلَا يُسْمَعُ، يَمْضِي كَمَا مَضَتِ الْأَيَّامُ بِلَا اسْمٍ وَلَا مَلَامِحَ.
مَضَتِ السَّاعَاتُ ثَقِيلَةً مُتَبَاطِئَةً، وَالشَّمْسُ تَقْتَرِبُ مِنَ الْمَغِيبِ، تُلْقِي بِأَشِعَّتِهَا النُّحَاسِيَّةِ عَلَى صَفْحَةِ الْأَرْضِ الْخَشِنَةِ، فَيَنْعَكِسُ وَهَجُهَا فَوْقَ الصُّخُورِ وَالرِّمَالِ. بَدَأَ الرِّجَالُ يَتَمَلْمَلُونَ، وَبَدَتْ عَلَى الْجِمَالِ عَلَامَاتُ الْإِعْيَاءِ، فَقَرَّرُوا التَّوَقُّفَ عِنْدَ مِنْطَقَةٍ وَعِرَةٍ تَتَنَاثَرُ فِيهَا صُخُورٌ كَبِيرَةٌ شَاحِبَةُ اللَّوْنِ، تُحِيطُهَا نَبَاتَاتٌ شَوْكِيَّةٌ جَافَّةٌ.
حِينَ أُرْخِيَتِ الْحِبَالُ، وَأُعْلِنَتْ رَاحَةٌ قَصِيرَةٌ قَبْلَ أَنْ يُوَاصِلُوا السَّيْرَ نَحْوَ النُّزُلِ، تَحَرَّكَ لَيْثٌ وَحْدَهُ مُبْتَعِدًا. جَسَدُهُ الْمُنْهَكُ يَجُرُّ قَدَمَيْهِ فَوْقَ الرَّمْلِ، حَتَّى إِنَّ الْعَرَقَ كَانَ يَتَصَبَّبُ مِنْ وَجْهِهِ وَالطِّينُ الْيَابِسُ يَتَسَاقَطُ عَنْ كَعْبَيْهِ. عَيْنَاهُ تَبْحَثَانِ فِي الْأُفُقِ عَنْ شَيْءٍ لَا يُدْرِكُ مَعْنَاهُ، حَتَّى لَمَحَ فَجْوَةً مُظْلِمَةً بَيْنَ صَخْرَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ عِنْدَ طَرَفِ الْهَضْبَةِ.
اقْتَرَبَ بِبُطْءٍ، يَتَحَسَّسُ الْأَرْضَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، يَسْمَعُ نَبَضَاتِ قَلْبِهِ أَعْلَى مِنْ وَقْعِ خَطَوَاتِهِ، حَتَّى وَقَفَ أَمَامَ تِلْكَ الْفَتْحَةِ. كَانَتْ كَفَمٍ مَفْتُوحٍ فِي بَطْنِ الْجَبَلِ، يَلْفِظُ هَوَاءً بَارِدًا يَخْتَلِفُ عَنْ قَيْظِ النَّهَارِ. وَقَفَ لَيْثٌ سَاكِنًا بُرْهَةً، ثُمَّ الْتَفَتَ خَلْفَهُ، فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، فَتَسَلَّلَ إِلَى الدَّاخِلِ.
كَانَ الْكَهْفُ ضَيِّقًا فِي بِدَايَتِهِ، يَنْحَدِرُ قَلِيلًا نَحْوَ الْأَسْفَلِ. جُدْرَانُهُ مَلْسَاءُ كَأَنَّهَا صَقَلَتْهَا يَدُ الزَّمَنِ، تَتَدَلَّى مِنْهَا عُرُوقٌ رَمَادِيَّةٌ، وَرَوَائِحُ عَفَنٍ تَمْلَأُ الْأَجْوَاءَ. كُلُّ خَطْوَةٍ كَانَ صَدَاهَا يَرْتَدُّ مِنَ الْأَعْمَاقِ، وَكُلُّ نَفَسٍ يَلْتَقِطُهُ يَحْمِلُ مَذَاقَ الرُّطُوبَةِ وَالْقِدَمِ.
تَوَقَّفَ لَيْثٌ عِنْدَ صَخْرَةٍ مُنْخَفِضَةٍ، جَلَسَ فَوْقَهَا، وَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى الْجِدَارِ. الظَّلَامُ يَبْتَلِعُ مَلَامِحَهُ، وَعَيْنَاهُ تُحَاوِلَانِ التَّعَوُّدَ عَلَى الْعَتْمَةِ. شَيْءٌ دَاخِلَهُ كَانَ يَهْدَأُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سِنِينَ. هُنَا، فِي قَلْبِ الْجَبَلِ، شَعَرَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ مُطَارَدًا، وَلَا مَنْسِيًّا.
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَتَنَاثَرَ فَوْقَ سَمْعِهِ صَوْتٌ بَعِيدٌ، كَأَنَّمَا صَادِرٌ مِنْ بَطْنِ الْأَرْضِ. . . صَوْتٌ خَفِيضٌ، لَا يُشْبِهُ هَسِيسَ الرِّيحِ، وَلَا خُوَارَ الْجِمَالِ. كَانَ أَشْبَهَ بِهَمْهَمَةٍ، يُنَادِيهِ بِاسْمِهِ، يَتَمَطَّى فِي السَّوَادِ:
«لَيْث. . .»
فَتَحَ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ. لَا أَحَدَ. السُّكُونُ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ. وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَ مُتَيَقِّنًا أَنَّ الصَّوْتَ لَمْ يَكُنْ خَيَالًا. الْتَصَقَ بِجُدْرَانِ الْكَهْفِ كَأَنَّهَا تُرَدِّدُهُ.
اسْتَنَدَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْجِدَارِ الْبَارِدِ، وَتَمْتَمَ:
«أَنَا لَسْتُ خَائِفًا، كَائِنًا مَنْ كُنْتَ».
ثُمَّ أَغْلَقَ عَيْنَيْهِ ثَانِيَةً. وَفِي ظُلْمَةِ الْكَهْفِ الْعَمِيقِ، تَكَاثَفَتِ الْهَمَسَاتُ مِنْ جَدِيدٍ، أَسْمَاءٌ قَدِيمَةٌ، وَأَصْوَاتٌ لَمْ يُخْلَقْ لَهَا جَسَدٌ.
لَيْثٌ، الطِّفْلُ الضَّائِعُ، كَانَتْ تِلْكَ لَيْلَتَهُ الْأُولَى فِي قَلْبِ الْجَبَلِ، حَيْثُ لَا بَشَرَ، وَلَا نَجَاةَ.
اسْتَنَدَ لَيْثٌ إِلَى جِدَارِ الْكَهْفِ، شَدَّ جِلْبَابَهُ الْمُهْتَرِئَ حَوْلَ جَسَدِهِ، وَأَسْنَدَ رَأْسَهُ إِلَى الصَّخْرَةِ الْبَارِدَةِ خَلْفَهُ. كَانَ السُّكُونُ قَاتِمًا، وَالْهَوَاءُ فِي جَوْفِ الْكَهْفِ يَحْمِلُ رَائِحَةً قَدِيمَةً، كَأَنَّ الزَّمَنَ نَفْسَهُ حُبِسَ هُنَا مُنْذُ قُرُونٍ.
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ الْمُثْقَلَتَيْنِ، فَبَدَأَتِ الظُّلْمَةُ تَتَكَاثَفُ دَاخِلَ رَأْسِهِ. لَمْ يَدْرِ مَتَى انْقَطَعَ عَنِ الْعَالَمِ، لَكِنْ فَجْأَةً وَجَدَ نَفْسَهُ فِي مَكَانٍ غَرِيبٍ. الْأَرْضُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ مِنْ عِظَامٍ جَافَّةٍ، وَالسَّمَاءُ سَوْدَاءُ مُمْتَلِئَةٌ بِنُجُومٍ مُطْفَأَةٍ، ضَوْؤُهَا أَشْبَهُ بِجَمْرٍ خَافِتٍ. ضَبَابٌ كَثِيفٌ يُحِيطُ بِالْمَكَانِ، وَالْهَوَاءُ رَاكِدٌ سَاكِنٌ كَأَنَّ لَا حَيَاةَ تَتَحَرَّكَ فِيهِ.
فِي مُنْتَصَفِ ذَلِكَ الْخَوَاءِ، رَأَى لَيْثٌ عَرْشًا ضَخْمًا، مِنْ عِظَامٍ بَشَرِيَّةٍ مُتَشَابِكَةٍ، تَرْتَفِعُ فِيهِ جَمَاجِمُ مَرْصُوصَةٌ فَوْقَ بَعْضِهَا، وَعَلَى جَنَبَاتِهِ تَتَدَلَّى سَلَاسِلُ صَدِئَةٌ، تَتَمَايَلُ مَعَ نَسْمَةٍ لَا يَرَاهَا.
تَقَدَّمَ نَحْوَهُ بِخَطَوَاتٍ مُتَرَدِّدَةٍ، شَعَرَ بِثِقَلِ الْأَرْضِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، لَكِنَّ شَيْئًا أَقْوَى كَانَ يَجْذِبُهُ لِلْأَمَامِ. حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْعَرْشَ، وَجَدَ نَفْسَهُ يَجْلِسُ فَوْقَهُ دُونَ أَنْ يَدْرِيَ كَيْفَ. حَوْلَهُ، كَانَتْ أَجْسَادٌ بَشَرِيَّةٌ غَارِقَةٌ فِي السَّوَادِ، تَنْحَنِي وَتَسْجُدُ فِي صَمْتٍ، لَا يَرَى مِنْهَا إِلَّا ظُهُورًا مُنْحَنِيَةً وَأَذْرُعًا مُلْتَصِقَةً بِالْأَرْضِ.
وَفَوْقَ هَذَا الْمَشْهَدِ، كَانَ صَوْتٌ وَاحِدٌ، غَلِيظٌ، يَتَرَدَّدُ مِنْ كُلِّ اتِّجَاهٍ:
«اقْتَرِبْ. . . اقْتَرِبْ يَا لَيْثُ. . .»
تَلَفَّتَ حَوْلَهُ. لَا أَحَدَ. الصَّدَى يَرْتَدُّ مِنْ كُلِّ زَاوِيَةٍ.
«نَحْنُ نَنْتَظِرُكَ. . . اللَّيْلُ لَكَ. . . وَالْعَرْشُ لَكَ. . .»
جَسَدُهُ يَرْتَجِفُ فَوْقَ الْعَرْشِ. أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ لِسَانًا.
وَفَجْأَةً، فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي امْتَدَّ فِيهَا صَوْتٌ آخَرُ لِيَهْتِفَ بِاسْمِهِ، جَاءَ صَدَى صَرْخَةٍ عَالِيَةٍ، حَادَّةٍ، كَأَنَّهَا مَزَّقَتْ قَلْبَ السَّمَاءِ.
فَتَحَ لَيْثٌ عَيْنَيْهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً. كَانَ الظَّلَامُ مَا يَزَالُ يُطْبِقُ عَلَى الْمَكَانِ، لَكِنَّ الصَّرْخَةَ تَرَدَّدَتْ فِي أَرْجَاءِ الْكَهْفِ. نَهَضَ بِفَزَعٍ، يَتَلَفَّتُ، يَتَلَمَّسُ الْجِدَارَ بِيَدِهِ، سُكُونٌ قَاتِلٌ، لَا أَثَرَ لِصَوْتٍ، لَا ظِلَّ لِأَحَدٍ.
كَانَ الْعَرَقُ يَغْمُرُ وَجْهَهُ، وَيَدَاهُ تَرْتَجِفَانِ. تَمْتَمَ وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي الْعَتْمَةِ:
«مَنْ. . . مَنْ هُنَا؟»
لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ. جَلَسَ فِي رُكْنِ الْكَهْفِ، أَسْنَدَ ظَهْرَهُ، شَدَّ جِلْبَابَهُ حَوْلَهُ، وَعَيْنَاهُ مُتَشَبِّثَتَانِ بِالسَّوَادِ. وَأَسْدَلَ اللَّيْلُ عَبَاءَتَهُ عَلَى جَسَدِهِ النَّحِيلِ. وَمَا كَانَ يَدْرِي أَنَّ هَذَا اللَّيْلَ، سَيَكُونُ آخِرَ لَيْلٍ يَعْرِفُ فِيهِ النَّوْمَ.
التعليقات
0 تعليق