أفاقَ «ليثٌ» على انتفاضةٍ باردةٍ سرتْ في أوصالهِ، فانحنى جسدهُ كقوسٍ هرمٍ في قبضةِ فارسٍ مكسورٍ. لمْ يدركْ كمْ منَ الوقتِ انقضى منذُ أنْ طوقهُ الصمتُ في جوفِ الكهفِ، ولا كمْ مرةً تقلبتْ وجوهُ الليلِ منْ سوادٍ بهيمٍ إلى حلكةٍ خانقةٍ. غيرَ أنهُ أيقنَ أنَّ الزمنَ هاهنا غريبُ الأطوارِ، لا يجري كما يجري في ساحاتِ الحقولِ، ولا يحسبُ أنفاسَ اللحظاتِ كما يفعلُ في عالمِ البشرِ.
فتحَ عينيهِ، فألفى العتمةَ لا تزالُ مسدلةً كستارٍ أسودَ يطمسُ كلَّ شيءٍ. لا صوتَ يشقُّ سوى همسٍ خفيتٍ، خالهُ في بادئِ الأمرِ نسيمًا، حتى إذا أرهفَ السمعَ، تبينَ لهُ أنها حروفٌ وكلماتٌ تتواترُ متراقصةً بينَ الجدرانِ:
«ليثُ. . يا ليثُ».
ارتعدتْ فرائصهُ، وتشققتْ حنجرتهُ عنْ أنفاسٍ مضطربةٍ كأنَّ صدرهُ يأبى استنشاقَ الهواءِ. أحكمَ جلبابهُ على جسدهِ النحيلِ، ونهضَ يتلمسُ الجدرانَ بيديهِ، وكأنهُ يتحسسُ جدرانَ لحدٍ ضيقٍ.
كانتِ العتمةُ أشدَّ عمقًا مما تصورَ، والظلامُ بدا كثيفًا كسائلٍ أسودَ يغمرُ المكانَ. خطا خطواتٍ وجيلةً حتى بلغَ فوهةَ الكهفِ، فأطلَّ برأسهِ يتفرسُ الأرجاءَ. لا شيءَ هناكَ؛ فالليلُ راكدٌ، والسماءُ مرصعةٌ بنجومٍ نائيةٍ، ترتجفُ كعيونٍ مذعورةٍ.
تراجعَ بخطاهُ إلى الداخلِ، وجلسَ مسندًا رأسهُ إلى الجدارِ الحجريِّ الباردِ. ومنْ جديدٍ، تسللتْ تلكَ الهمساتُ صوبهُ:
«ما زالَ الوقتُ مبكرًا يا ليثُ».
رفعَ رأسهُ وتساءلَ بصوتٍ متهدجٍ:
«منْ هناكَ؟ منْ ذا الذي يناديني منْ جوفِ هذا الظلامِ؟».
لمْ يلقَ جوابًا؛ فلا أثرَ سوى لصدى صوتهِ الذي طافَ بالمكانِ. أحكمَ شدَّ جلبابهِ، ولفهُ حولَ جسدهِ مغمغمًا:
«ربكَ الستارُ في علاهُ. . ربكَ كبيرٌ».
لكنَّ قلبهُ كانَ ينتفضُ كجناحِ طائرٍ حبيسٍ في قبضةِ طفلٍ. أسندَ رأسهُ كرةً أخرى، وأغمضَ عينيهِ ليغلبهُ النعاسُ كمنْ هوى في هوةٍ سحيقةٍ بلا قرارٍ، وانزلقتْ روحهُ رويدًا رويدًا نحوَ أولى ليالي العهدِ.
أسلمَ «ليثٌ» جسدهُ للجدارِ الباردِ، والهمسُ لا ينقطعُ عنْ مسامعهِ. كانتِ الأصواتُ تتواثبُ بينَ تجاويفِ الكهفِ كتياراتِ هواءٍ تخدشُ أذنيهِ بحروفٍ مبهمةٍ، إلا أنها تعرفُ اسمهُ حقَّ المعرفةِ. ثمةَ شيءٌ في داخلهِ كانَ يوقنُ أنَّ هذا النداءَ ليسَ وهمًا ولا حلمًا عابرًا. ضمَّ ركبتيهِ إلى صدرهِ وطفقَ يستمعُ. كانتِ اللحظةُ تختنقُ بوطأةِ الظلامِ، وغدا الهواءُ مشبعًا برائحةِ الترابِ الرطبِ وحموضةِ العفنِ العتيقِ، وكأنَّ مئاتِ الأنفاسِ قدْ زهقتْ هاهنا، وظلتْ معلقةً في فراغِ الكهفِ تنتظرُ.
تسللَ الكرى إلى جفونهِ كيدٍ ثقيلةٍ أطبقتْ على عينيهِ، وشعرَ بجسدهِ ينفصلُ عنِ الأرضِ. لمْ يستفقْ إلا وهوَ في موضعٍ مجهولٍ؛ مكانٍ غارقٍ في السوادِ، أرضهُ مفروشةٌ بعظامٍ مسحوقةٍ، والسماءُ فوقهُ خاويةٌ منَ النجومِ، لا يزينها سوى حلقاتٍ منْ جمرٍ خابٍ يتقدُ في صمتٍ. وفي منتصفِ المكانِ، انتصبَ عرشٌ منْ عظامٍ بشريةٍ متشابكةٍ، تتدلى منهُ سلاسلُ يعلوها الصدأُ، وتحيطُ بجنباتهِ ألسنةُ لهبٍ تتراقصُ بلا دخانٍ.
دنا بخطواتٍ مترددةٍ، وفي كلِّ خطوةٍ كانتِ الأرضُ تئنُّ تحتَ قدميهِ وكأنها تشكو وطأتهُ. لمْ يدرِ كيفَ ولا متى، ولكنهُ وجدَ نفسهُ بغتةً متربعًا فوقَ ذلكَ العرشِ. ومنْ حولهِ أجسادٌ طمستْ ملامحها، مجردُ هياكلَ سوداءَ تنحني لعظمتهِ، وهمهماتٌ مبهمةٌ تعلو وتخبو، وكأنَّ مئاتِ الأرواحِ تتصارعُ في الفراغِ.
وفوقَ هذا كلهِ، جاءهُ الصوتُ؛ صوتٌ أجشُّ يتغلغلُ في العظامِ، لا ينبعثُ منْ جهةٍ معلومةٍ، بلْ ينسابُ منَ الحجارةِ والفراغِ والسماءِ السوداءِ:
«دمكَ منْ دمها. . ولحمكَ منْ لحمها. . عهدها لمْ ينقضِ بعدُ. . وأنتَ وريثها».
رامَ «ليثٌ» أنْ يصرخَ، أنْ يتساءلَ، أنْ يقولَ: "منْ أنتَ؟"، بيدَ أنَّ لسانهُ قدْ عقدَ، فاكتفى بنظراتٍ مرتعشةٍ تجوبُ ما حولهُ.
استطردَ الصوتُ بإيقاعٍ أبطأَ وأثقلَ:
«لقدْ خانتْ أمكَ، وثمنُ الدمِ نارٌ. . لكنكَ أنتَ الموعودُ».
تبدتْ أمامَ عينيْ «ليثٍ» طيفُ امرأةٍ يألفُ ملامحها؛ إنها أمهُ بأسمالٍ ملطخةٍ بالدماءِ، ووجهٍ محترقٍ، وعينينِ منطفئتينِ. كانتْ تمدُّ يدها نحوَ العرشِ، وتصرخُ بلا صوتٍ، ومنْ تحتِ قدميها لهبٌ يستعرُ ليلتهمَ الأرضَ.
قالَ الصوتُ:
«ماتتْ أمكَ، وأنتَ البقيةُ. . فدمكَ هوَ ليلها الذي ينتظركَ».
طوقتِ النيرانُ المكانَ، وزادَ انحناءُ الأجسادِ، في حينِ اشتدَّ توهجُ الجمرِ فوقَ رأسهِ. وفي اللحظةِ التي التفتَ فيها «ليثٌ»، أبصرَ ظلًّا بلا رأسٍ يزحفُ نحوهُ، قوامهُ منْ دخانٍ أسودَ يتلوى كأفعى.
وقبلَ أنْ يبلغهُ، أطلقَ «ليثٌ» صرخةً كتيمةً في أعماقهِ، واستيقظَ ينتفضُ كالمحمومِ. غمرَ العرقُ وجههُ، وخفقَ قلبهُ بعنفٍ وكأنَّ صدرهُ يوشكُ على التحطمِ. تلفتَ حولهُ، فإذا بالكهفِ على حالهِ؛ العتمةُ أشدُّ كثافةً، والسكونُ أكثرُ وحشةً. بيدَ أنهُ لمحَ على الجدارِ المقابلِ بصمةَ كفٍّ مخضبةٍ بالدمِ، لا تزالُ رطبةً كأنما طبعتْ لتوها.
وقفَ «ليثٌ» مترنحًا، وخطا صوبها، ثمَّ مدَّ يدهُ ليتلمسها، فألفى الدمَ دافئًا، تفوحُ منهُ رائحةٌ نفاذةٌ وكأنها تنبعثُ منْ جرحٍ لمْ يندملْ. وفي خضمِّ هذا السكونِ، تسللتْ إلى أنفهِ رائحةُ دخانٍ قادمةٌ منْ بعيدٍ. تنسمها كحيوانٍ جريحٍ، وانطلقَ يقتفي أثرَ الرائحةِ الثقيلةِ، يمضي نحوَ فوهةِ الكهفِ متلفتًا إلى الوراءِ، وقلبهُ لا يهدأُ عنِ الخفقانِ المضطربِ.
بلغَ «ليثٌ» فوهةَ الكهفِ؛ وإذا بعتمةِ الليلِ لا تزالُ تغلفُ الكونَ، والريحُ الرخاءُ تدفعُ برائحةِ الدخانِ إلى صدرهِ بقوةٍ أكبرَ. تصاعدَ حذرهُ، وراحَ يتلمسُ مواضعَ خطاهُ فوقَ الحصى المتناثرِ. رمقَ السماءَ ببصرهِ، فإذا بنجومها شاحبةٌ، يحفُّ بها هلالٌ نحيلٌ كأنهُ نصلُ خنجرٍ نقشَ في صدرِ الظلامِ. ارتجفَ، ليسَ منَ البردِ فحسبُ، بلْ منْ يقينٍ باطنيٍّ ينبئهُ أنَّ هذهِ الليلةَ ليستْ كسائرِ ليالي عمرهِ.
على بعدِ خطواتٍ يسيرةٍ، لمحَ وهجًا باهتًا يتراقصُ خلفَ شجرةٍ هرمةٍ؛ نارٌ ضئيلةٌ مشتعلةٌ، يجلسُ حولها شيخٌ طاعنٌ في السوادِ. بدا جسدهُ كدخانٍ متجسدٍ، ملامحهُ مطموسةٌ، لكنَّ صوتهُ شقَّ سكونَ الليلِ قائلًا:
«لقدْ تأخرتَ يا ليثُ».
تسمرَ «ليثٌ» في مكانهِ، يرمقُ الطيفَ بعينينِ متسعتينِ، وصوتهُ يرتجفُ وهوَ يسألُ:
«منْ أنتَ؟ ولماذا تناديني؟».
أتاهُ الجوابُ كصفيرِ ريحٍ تخرجُ منَ الحلقِ:
«أنا (دودمانُ)، حارسُ الدمِ ومالكُ عهدِ أمكَ. . وأنتَ الآنَ قادمٌ لتتمَّ ما شرعتْ هيَ فيهِ».
تراجعَ «ليثٌ» خطوةً إلى الوراءِ؛ فالجسدُ يتوقُ إلى الفرارِ، بينما القدمانِ مغروستانِ في صميمِ الأرضِ. ارتعدتْ شفتاهُ وهوَ يقولُ:
«لقدْ ماتتْ أمي وتركتني. . لا شيءَ يجمعني بكَ».
قهقهَ الظلُّ بضحكةٍ تشبهُ صريرَ بابٍ صدئٍ قائلًا:
«دمكَ شاهدٌ عليكَ، والليلُ سميعٌ لما نقولُ. . لا مفرَّ لكَ. أنتَ الموعودُ منْ نسلها، وأنتَ منْ سيعيدُ العهدَ، ويوفي بما انعقدَ منَ النذرِ».
دنا منهُ الدخانُ كأنهُ موجةُ ريحٍ؛ وعلى الرغمِ منْ سكونِ الهواءِ، شعرَ «ليثٌ» بلفحةٍ ساخنةٍ تلفحُ وجههُ. أغمضَ عينيهِ وقالَ بصوتٍ مخنوقٍ:
«أنا لا أفقهُ مما تقولُ شيئًا. . دعني وشأني».
ردَّ الصوتُ الأجشُّ:
«أدعكَ؟ ! إنَّ ليلكَ لما يزلْ طويلًا. . وناركَ لمْ توقدْ بعدُ. .».
ثمَّ أشارَ لهُ شطرَ المقابرِ الممتدةِ في الأفقِ المعتمِ مضيفًا:
«ستمضي إلى هناكَ الآنَ، فمكانكَ في انتظاركَ. . حجرٌ منقوشٌ عليهِ العلامةُ. منهُ تكونُ البدايةُ، وما يليهِ ستفتحُ أبوابهُ منْ تلقاءِ نفسها».
حاولَ «ليثٌ» أنْ ينطقَ بشيءٍ، أنْ يرفضَ، أنْ يتراجعَ، لكنَّ قدميهِ تحركتا طوعًا بلا إرادةٍ منهُ. ابتلعتِ العتمةُ جسدهُ رويدًا رويدًا، وسكنتِ الريحُ، وتلاشى الدخانُ، ولمْ يتبقَّ سوى وهجِ نارٍ يحتضرُ فوقَ جذعِ الشجرةِ.
مضى «ليثٌ» موليًا شطرَ المقابرِ، وخطواتهُ مثقلةٌ برهبةِ المكانِ، والظلامُ يتكدسُ منْ حولهِ كجدارٍ يضيقُ معَ كلِّ خطوةٍ يخطوها. غدتِ الأرضُ تحتَ قدميهِ طينيةً رخوةً، تغوصُ فيها قدمهُ حتى الكاحلِ، ورائحةُ ترابٍ مشبعٍ برطوبةِ الموتى تزكمُ أنفهُ. لمْ يكنْ يسمعُ سوى حشرجةِ أنفاسهِ المتقطعةِ، وقرعاتِ قلبهِ الذي يدقُّ في صدرهِ كطبولٍ عتيقةٍ تنذرُ بوقوعِ كارثةٍ.
بلغَ تخومَ المقابرِ؛ حيثُ صفوفُ القبورِ متراصةٌ، وشواهدها مائلةٌ، قدْ تآكلَ بعضها، والريحُ تمرُّ بينها فتصدرُ أنينًا كأصواتِ النائحاتِ. لمحَ عنْ بعدٍ صخرةً صغيرةً عندَ طرفِ المقابرِ، يعلوها نقشٌ عتيقٌ بالكادِ يبينُ منْ تحتِ الترابِ. دنا أكثرَ، وأزاحَ الترابَ بيدهِ المرتجفةِ، فتجلتْ لهُ علامةٌ محفورةٌ على الحجرِ؛ نجمةٌ سداسيةٌ يتوسطها حرفٌ معمًّى غريبٌ.
ركعَ أمامها، وقلبهُ ينتفضُ بينَ ضلوعهِ، وهمسَ:
«يا ربِّ سلمْ. . هذا هوَ ما أشارَ إليهِ».
وفجأةً انبعثَ صوتُ (دودمانَ) منَ العدمِ، رخيمًا يتغلغلُ في مسامِّ جسدهِ:
«منْ هاهنا البدايةُ. . ضعْ يدكَ على الحجرِ. . واتلُ ما سيتلى عليكَ».
مدَّ «ليثٌ» يدهُ مترددًا، فلامستْ أناملهُ صفحةَ الحجرِ الباردِ. وفي لحظتها، سرتْ قشعريرةٌ في جسدهِ منْ قمةِ رأسهِ حتى أخمصِ قدميهِ. ازدادتِ الدنيا إظلامًا منْ حولهِ، وتوارى نورُ النجومِ، وأحاطَ بهِ دخانٌ كثيفٌ انبثقَ منهُ (دودمانُ)، وقدْ بدا هذهِ المرةَ أشدَّ وضوحًا؛ جسدٌ منْ سوادٍ مطلقٍ، ووجهٌ مطموسُ الملامحِ لا يتبدى فيهِ سوى عينينِ تلتهبانِ كجمرتينِ.
قالَ لهُ بصوتٍ يمزقُ جدارَ الفراغِ:
«العهدُ بيننا قدِ انعقدَ منذُ اللحظةِ. . لقدْ صرتَ منا. . ولسوفَ ترى ما لمْ ترهُ عيناكَ قطُّ».
وضعَ (دودمانُ) يدهُ فوقَ يدِ «ليثٍ» على الحجرِ، فأضاءَ النقشُ بنورٍ أزرقَ باهتٍ، وتصاعدَ همسٌ منْ باطنِ الأرضِ، كلماتٌ بلغةٍ لمْ تطرقْ مسامعَ البشرِ يومًا. أغمضَ «ليثٌ» عينيهِ، وشعرَ بالأرضِ تتمددُ منْ تحتهِ. وحينَ فتحهما منْ جديدٍ، لمْ يجدْ حولهُ سوى السوادِ، والحجرِ، وظلِّ (دودمانَ)، وهمساتِ الجانِّ التي باتتْ تحاصرُ أذنيهِ.
قالَ (دودمانُ):
«الآنَ عدْ إلى كهفكَ، فغدًا سيقبلُ الليلُ، وتقبلُ معهُ أولى العلاماتِ».
توارى الظلُّ في العتمةِ، تاركًا «ليثًا» وحيدًا، يرتجفُ أمامَ الحجرِ المضيءِ، وقلبهُ ينطوي على أولِ عهدٍ منْ عالمٍ لا يعرفُ لهُ قرارٌ.
وقفَ «ليثٌ» برهةً يتلفتُ في ذلكَ السوادِ الدامسِ، لمْ يعدْ يرى أثرًا لِـ(دودمانَ)، ولا يسمعُ سوى لهاثِ أنفاسهِ الثقيلةِ، ولا يشعرُ إلا بارتعاشِ أطرافهِ. سحبَ يدهُ منْ فوقِ الحجرِ، فعادَ النقشُ إلى عتمتهِ الأولى، وانطفأَ بريقُ النجمةِ، وغرقتِ المقابرُ في سكونٍ أشدَّ وحشةً منْ ذي قبلُ. هبطتْ سكينةٌ مخيفةٌ على المكانِ، وكأنَّ الموتى أنفسهمْ قدْ تواروا منْ رهبةِ ما جرى. شعرَ بوزرٍ خفيٍّ يلقى على كاتفيهِ، ويقينٍ باطنيٍّ ينبئهُ أنَّ حياتهُ التي عهدها قدِ انقطعتْ في اللحظةِ التي لامستْ فيها أناملهُ ذلكَ الحجرَ.
عبرَ المقابرَ عائدًا إلى الكهفِ، يجرُّ قدميهِ فوقَ الأرضِ الرخوةِ، والريحُ تلفحُ وجههُ المحمومَ، ورائحةُ الترابِ تتغلغلُ في أنفهِ. السماءُ خاويةٌ إلا منْ هلالٍ نحيلٍ لا يزالُ يبثُّ نورهُ الشاحبَ فوقَ شواهدِ القبورِ، كعينِ ميتٍ تراقبُ ما خفيَ عنِ الأبصارِ. وحينَ بلغَ مشارفَ الكهفِ، توقفَ يلهثُ، وقلبهُ ينبضُ بدقاتٍ متخبطةٍ، وفي رأسهِ صوتٌ لا يكفُّ عنْ ترديدِ اسمهِ.
جلسَ على الأرضِ، وأسندَ ظهرهُ إلى الجدارِ الحجريِّ. ضمَّ جلبابهُ حولَ جسدهِ المتسخِ، وأغمضَ عينيهِ. كانتِ الصورُ تتوالى أمامهُ متلاحقةً: الكوخُ، القافلةُ، المقابرُ، الحجرُ، وظلُّ (دودمانَ). لمْ يدرِ كمْ منَ الوقتِ انقضى، لكنهُ استشعرَ دفءَ شمسٍ بطيئةٍ تتسللُ عبرَ فوهةِ الكهفِ.
فتحَ عينيهِ، وتطلعَ إلى الضوءِ الباهتِ الذي بددَ الظلمةَ، وتنفسَ الصبحَ برائحةٍ مغايرةٍ. كانتِ الريحُ أرفقَ، والأرضُ أهدأَ، وفي داخلهِ يقينٌ بأنَّ تلكَ الليلةَ قدْ جاءتْ بما لا رجعةَ فيهِ. رفعَ بصرهُ شطرَ السماءِ، وأدركَ أنَّ فجرًا جديدًا قدْ بزغَ؛ فجرٌ لنْ يذوقَ فيهِ طعمَ الطمأنينةِ، ولنْ يهنأَ فيهِ بأنسِ بشرٍ.
تمتمَ في قرارةِ نفسهِ:
«يا ترى، ما الذي يحملهُ القادمُ؟».
ثمَّ أسندَ رأسهُ إلى الجدارِ منْ جديدٍ، وقدْ ترسخَ في يقينهِ أنهُ باتَ يسلكُ دربًا لا خيارَ لهُ فيهِ، وأنَّ ما شهدهُ في ليلتهِ الفائتةِ لمْ يكنْ سوى طرفِ الخيطِ، وأنَّ (دودمانَ) سيعودُ حتمًا.
مكثَ «ليثٌ» في مجلسهِ طويلًا، والنهارُ يتسللُ ببطءٍ فوقَ ذرى الجبالِ النائيةِ، ليرسمَ خطوطَ ضوءٍ باهتةً على صفحةِ الأرضِ. تعالتْ أصواتُ العصافيرِ منْ بعيدٍ، تزفُّ بشرى صباحٍ لا يعني لهُ شيئًا. صدرهُ يعلو ويهبطُ كمنْ نجا منْ هلاكٍ محققٍ. مسحَ جبينهُ بكمِّ جلبابهِ الممزقِ، وراحَ يحدقُ أمامهُ في الفراغِ، لا يرى سوى ظلالِ ليلٍ لمْ يفارقهُ بعدُ.
شعرَ بجوعٍ كافرٍ ينهشُ أمعاءهُ؛ فلمْ يذقْ طعامًا منذُ يومينِ، سوى ما ابتلعهُ منْ ريقِ روعهِ. تحسسَ جيوبهُ، فلمْ يعثرْ إلا على كسرةِ خبزٍ يابسةٍ، أخرجها بيدٍ مرتعشةٍ، وطفقَ يقضمها وكأنها طوقُ نجاةٍ. فاحتْ في فمهِ رائحةُ العفنِ، لكنهُ ازدردها غيرَ عابئٍ بمذاقها.
وفيما هوَ يمضغُ، تنامتْ إلى مسامعهِ حركةٌ خفيفةٌ في الخارجِ. وثبَ واقفًا، وقلبهُ يخفقُ وجسدهُ ينتفضُ. أطلَّ برأسهِ حذرًا منْ فوهةِ الكهفِ، فأبصرَ قطيعًا منَ الإبلِ يمرُّ في الأفقِ البعيدِ، يقودهُ رجالٌ ملثمونَ، وأصواتُ نباحِ الكلابِ تسبقهمْ. إنها القافلةُ ذاتها التي عبرتْ بالأمسِ، تعودُ أدراجها في وجهةٍ أخرى.
تريثَ لحظةً، ثمَّ أحكمَ جلبابهُ الممزقَ على جسدهِ النحيلِ، واندفعَ منَ الكهفِ يعدو نحوَ القافلةِ. توارى خلفَ كثيبٍ ترابيٍّ، ثمَّ اندسَّ بينَ الإبلِ بخفةِ قطٍّ جائعٍ. سارَ في ركبهمْ وكأنهُ واحدٌ منْ أبناءِ السبيلِ. لمْ يلتفتْ إليهِ أحدٌ؛ إذْ كانَ الرجالُ منهمكينَ في حثِّ الرواحلِ على المسيرِ.
لاذَ «ليثٌ» بظهورِ الدوابِّ، يحتمي بها منْ أشعةِ الشمسِ التي أخذتْ في السطوعِ، ومنَ الأعينِ التي قدْ تبحثُ عنْ أمثالهِ. مضى في صحبتهمْ عقدًا للعزمِ على الجلاءِ عنْ تلكَ الأرضِ، فرارًا منْ عهدٍ لا قبلَ لهُ بهِ، ولعنةٍ لا يدري كيفَ بدأتْ ولا متى ستنقضي. غيرَ أنَّ يقينًا في قرارتهِ كانَ يخبرهُ أنَّ الفرارَ محالٌ، وأنَّ العهدَ قدْ أبرمَ منذُ أنْ تلفظَ (دودمانُ) باسمهِ.
ظلَّ يسيرُ بينهمْ صامتًا، وغبارُ الطريقِ يتتايرُ منْ حولهِ، وعرقُ جسدهِ يمتزجُ بترابِ الأرضِ. وأقسمَ في سريرتهِ أنهُ، إنْ كتبتْ لهُ الحياةُ، فلنْ يبيتَ ليلتهُ بعدَ اليومِ في كهفٍ أوْ مقبرةٍ. . بيدَ أنَّ صوتًا خفيًّا في أعماقهِ كانَ يهمسُ لهُ:
«ستدورُ بكَ الأيامُ وتعودُ؛ لأنَّ دربكَ قدْ رسمَ لكَ منذُ الأزلِ».
ولمْ يكنْ يدري حينذاك، أنَّ هذا الطريقَ سيحملهُ ليطأَ أرضَ «عزبةِ أبو باشا»، وأنَّ قدرهُ سيقودهُ ليكونَ أعظمَ شأنًا منْ أمهِ، وأشدَّ خطرًا منْ كلِّ منْ سبقوهُ. . ولأنَّ ليلَ الصعيدِ لا ينسى أبناءهُ، فقدْ كانَ الظلامُ يعدُّ لهُ ليلةً أخرى، حيثُ ينتظرُ (دودمانُ) رجوعهُ.
تجربة القراءة
خصّص الصفحة كما تحب
اضبط الخط والتباعد والعرض لتناسب عينيك.
أكملت هذا الفصل
تابع إلى الفصل التالي.
التعليقات
0 تعليق