كانَ الصمتُ ثقيلًا كأنَّ المقبرةَ قدْ أغلقتْ على نفسها أبوابَ السماءِ. جلسَ ليثُ الحافي على الأرضِ الباردةِ، يحوطُ الطشتَ النحاسيَّ بقدميهِ كأنَّ بينهُ وبينهُ عهدًا لا يكسرُ. النارُ ترقصُ في قلبِ الطشتِ، لا تشتعلُ بحطبٍ، بلْ كأنها تقتاتُ منْ شيءٍ في داخلهِ. . . منْ رغبةٍ لمْ تعدْ تعرفُ معنى الاكتفاءِ.
لمْ يكنْ ذلكَ الطفلَ الذي زحفَ خلفَ قافلةِ الجمالِ، ولا المراهقَ الذي طوقتهُ الظلالُ في كهفٍ منسيٍّ. صارَ شيئًا آخرَ، مزيجًا منْ بشرٍ يعرفُ طريقهُ، وجنٍّ يختبئُ تحتَ جلدهِ. لمْ يعدْ يثقُ في الضوءِ. . . ولا ينامُ إلا إذا جلستِ العتمةُ بجوارهِ تحكي لهُ حكاياتِ الأمواتِ.
همسَ لنفسهِ بصوتٍ خافتٍ:
«لقدْ تغيرتُ كثيرًا، ولكنْ إلى أينَ سيمضي بي هذا التغييرُ؟»
بدا صوتُ الريحِ في الخارجِ كأنهُ نحيبُ أمٍّ تبكي ولدها. وفجأةً، اشتدتِ النارُ في الطشتِ، فخفقَ قلبُ ليثٍ. لمْ يكنْ خائفًا، بلْ مترقبًا؛ ففي كلِّ اشتعالٍ حكايةٌ، وفي كلِّ شرارةٍ وصيةٌ. ثمَّ سمعَ طرقاتٍ خفيفةً على البابِ الخشبيِّ.
نهضَ ليثٌ في هدوءٍ، سحبَ الرداءَ فوقَ جسدهِ، وفتحَ البابَ ببطءٍ، ليظهرَ أمامهُ رجلٌ في منتصفِ الأربعينياتِ، ملامحهُ قاسيةٌ كأنها محفورةٌ في صخرٍ، وبجوارهِ امرأةٌ تخفي نصفَ وجهها بوشاحٍ داكنٍ، تتشبثُ بطرفِ جلبابهِ كأنها تستجدي شيئًا لا تملكُ وصفهُ.
قالَ الرجلُ بنبرةٍ خفيضةٍ:
«السلامُ عليكَ يا مولانا، اسمي صابرٌ، وهذهِ زوجتي زيناتُ. لقدْ جئنا نلتمسُ سترَ اللهِ على يديكَ.»
نظرَ ليثٌ إلى عينيِ الرجلِ، ثمَّ نقلَ بصرهُ إلى عينيِ المرأةِ التي لمْ ترفعْ رأسها، وكأنَّ النظرَ إلى منْ يسكنُ المقابرَ خطيئةٌ كبرى.
سألها ليثٌ بهدوءٍ:
«خيرًا، ما مسألتكما؟»
أجابَ الرجلُ:
«نحنُ متزوجانِ منذُ سبعِ سنينَ، وفي كلِّ عامٍ نؤملُ أنْ نرزقَ في العامِ المقبلِ، لكننا لمْ نرزقْ بذريةٍ، وأعينُ الناسِ تلاحقنا منْ كلِّ جانبٍ.»
رمقَ ليثٌ وجهَ المرأةِ، فوجدَ فيهِ مزيجًا منَ الخوفِ والخجلِ والحزنِ، ثمَّ تساءلَ:
«أوأنتَ متأكدٌ أنَّ العلةَ ليستْ فيكَ؟»
هزَّ صابرٌ رأسهُ بسرعةٍ قائلًا:
«لديَّ ولدٌ منْ زوجتي الأولى، لكنَّ هذهِ حبيبتي، ولا طاقةَ لي بظلمها، ولا أرغبُ في الزواجِ عليها.»
صمتَ ليثٌ لحظةً، ثمَّ قالَ بنبرةٍ حاسمةٍ:
«غدًا قبيلَ الفجرِ، تأتي بمفردكَ، ومعكَ وعاءٌ نحاسيٌّ، وماءٌ منْ بئرِ المقبرةِ، وقطعةٌ منْ قميصها الذي نامتْ بهِ ليلةً كاملةً.»
«وماذا سأصنعُ بها؟»
أجابهُ ليثٌ وهوَ يحدقُ شزرًا في عينيهِ:
«لا أريدُ كثرةَ الأسئلةِ؛ إما أنْ تفعلَ ما آمركَ بهِ، أوْ أنْ تنصرفَ منْ هنا بلا عودةٍ.»
حاولَ صابرٌ أنْ يسألَ عنْ شيءٍ آخرَ، لكنَّ نظرةَ ليثٍ ألجمتهُ. هزَّ رأسهُ موافقًا، ثمَّ أمسكَ بيدِ زوجتهِ وانصرفَ. ظلَّ ليثٌ واقفًا على عتبةِ البابِ يراقبهما حتى غابا في ظلالِ الطريقِ، ثمَّ أغلقَ البابَ على نفسهِ، وعادَ ليجلسَ أمامَ النارِ منْ جديدٍ.
ثمَّ قالَ بصوتٍ مسموعٍ:
«لقدْ بدأنا يا دودمانُ.»
فلمْ يجبهُ سوى صريرِ الخشبِ الذي يتنهدُ تحتَ أقدامهِ، بينما تمددتِ النارُ أمامهُ وكأنها تستعدُّ لتلتهمَ شيئًا جديدًا.
***
كانَ الهدوءُ يخيمُ على القصرِ الجديدِ، ورائحةُ الجيرِ الرطبِ ما زالتْ تعبقُ في الأرجاءِ، وأثرُ طينِ البناءِ لمْ يجفَّ بعدُ على أطرافِ النوافذِ الحجريةِ المصقولةِ. جلسَ خليلُ الطحاويُّ على أريكةٍ فاخرةٍ، ظهرها محشوٌّ باللبادِ التركيِّ ومغطًّى بالقماشِ الدمشقيِّ المطرزِ، وقدماهُ تمتدانِ فوقَ سجادةٍ مستوردةٍ كأنها نسجتْ منْ خيوطِ الحريرِ الخالصِ.
كانَ الرخامُ الأبيضُ تحتَ قدميهِ يلمعُ كأنَّ الأرضَ ذاتها استحالتْ مرآةً. وفي الزاويةِ اليسرى، استقرتْ مزهريةٌ منَ الفخارِ الإغريقيِّ، وخلفهُ على الجدارِ تدلتْ صورةٌ رسمتْ خصيصًا لهُ، بملامحَ وقورةٍ وعينينِ يلمعُ فيهما طموحٌ لا يرتوي.
وقفَ أمامهُ رزقٌ، وهوَ أحدُ رجالهِ المقربينَ، يحملُ ورقةً صغيرةً تحوي قائمةً بالأراضي التي اشتراها خليلٌ خلالَ الأسابيعِ الماضيةِ.
«بهذا يا سيدي، أصبحتَ تملكُ الآنَ ما يربو على ثلاثينَ فدانًا منَ الناحيةِ الغربيةِ، فضلًا عنْ أنَّ نصفَ المتاجرِ المجاورةِ للمسجدِ الكبيرِ قدْ سجلتْ باسمكَ.»
أومأَ خليلٌ برأسهِ دونَ أنْ ينظرَ إلى الورقةِ، وكأنَّ الكلامَ لا يثيرُ فيهِ أيَّ دهشةٍ، لكنهُ قالَ بعدَ لحظةِ صمتٍ:
«وماذا عنِ الناحيةِ الأخرى؟»
ابتلعَ رزقٌ ريقهُ وأجابَ:
«ليسَ بعدُ، لكنَّ الأراضيَ المعروضةَ للبيعِ قريبةٌ. بضعةُ فدادينَ أخرى، وسيكونُ اسمكَ وحدهُ هوَ المترددَ في كلِّ أرجاءِ الضيعةِ.»
أخذَ خليلٌ نفسًا عميقًا، ونهضَ منْ مكانهِ، ثمَّ مشى بخطًى ثابتةٍ نحوَ النافذةِ الواسعةِ، ونظرَ إلى الخارجِ حيثُ كانَ العمالُ يزيلونَ الأتربةَ منَ الفناءِ ويزرعونَ نخيلًا صغيرًا عندَ المدخلِ.
فهمسَ قائلًا:
«كلُّ هذا خرجَ لي منْ جوفِ الأرضِ، منْ ترابِ المقابرِ.»
تقدمَ رزقٌ خطوةً، وقالَ:
«ولكنْ لولا مولانا الليثُ، لما عرفنا لها طريقًا.»
أشاحَ خليلٌ بيدهِ كأنما يرفضُ الاعترافَ بالفضلِ:
«ليثٌ؟»
ثمَّ تابعَ وهوَ يزمُّ شفتيهِ:
«هذا الرجلُ غريبُ الأطوارِ، يحدثُ نفسهُ، ويجلسُ في الظلامِ لساعاتٍ طوالٍ، والناسُ ترتجفُ رعبًا منهُ، أما أنا، فأريدُ أنْ أفهمَ غايتهُ بالضبطِ.»
«ربما يريدُ الخيرَ للجميعِ يا سيدي.»
«لا أحدَ يسكنُ المقابرَ ويبحثُ عنِ الخيرِ. إنَّ منْ يفتحُ بواباتِ العالمِ السفليِّ لا يمكنُ أنْ يحملَ الخيرَ في طياتهِ أبدًا.»
سكتَ لحظةً، ثمَّ أضافَ بصوتٍ أكثرَ عمقًا:
«لقدْ فتحَ لي أولَ بابٍ، لكنني أخشى أنْ أطلبَ منهُ فتحَ بابٍ آخرَ، فيفتحهُ لي على جهنمَ.»
نظرَ إليهِ رزقٌ قائلًا:
«وإنْ بقينا في مكاننا، فسيسبقنا الآخرونَ. لقدْ سألني عدلي أبو باشا بالأمسِ عما حدثَ معكَ، وهوَ يبحثُ حثيثًا عنِ السرِّ.»
نظرَ إليهِ خليلٌ طويلًا، ثمَّ دنا منهُ وقالَ بصوتٍ أقربَ إلى الهمسِ:
«أنا لا أخافُ منْ عدلي، بلْ أخافُ ممنْ يسكنونَ في جوفِ ليثٍ.»
ثمَّ ضربَ بيدهِ على صدرهِ مردفًا:
«ورزقي هذا، لا أحبُّ أنْ يكونَ معلقًا برقبةِ شخصٍ ذي نفوذٍ.»
صمتَ لهينةً، ثمَّ تحركَ بخطاهُ الثقيلةِ عبرَ القاعةِ، قبلَ أنْ يقولَ:
«تيقظْ يا رزقُ، أنا أدركُ جيدًا أنني ألعبُ بالنارِ، لكنني لنْ أدعها تحرقني.»
***
كانَ الغروبُ ينسدلُ على ضيعةِ أبو باشا كوشاحٍ منْ نارٍ، يلونُ أطرافَ الحقولِ بلونٍ نحاسيٍّ خافتٍ. وعرباتٌ تجرها الخيولُ تعبرُ الطريقَ الطينيَّ، والغبارُ يتراقصُ خلفها كأرواحٍ تتبعُ خطواتِ الأسيادِ.
وقفَ عدلي أبو باشا أمامَ قصرِ خليلِ الطحاويِّ، وعيناهُ تتمعنانِ في النقوشِ الجصيةِ فوقَ المداخلِ، وفي النخيلِ الذي اصطفَّ على الجانبينِ كأنَّ القصرَ موكبٌ دائمٌ لاستقبالِ العظماءِ. مسحَ جبينهُ بمنديلهِ المطرزِ، وحدثَ نفسهُ قائلًا:
«منْ أينَ جاءَ بهذا كلهِ؟ !»
طرقَ البابَ بقبضتهِ، ففتحَ لهُ خادمٌ شابٌّ واصطحبهُ إلى داخلِ القصرِ، حيثُ كانَ خليلٌ جالسًا تحتَ الثريا المعلقةِ في وسطِ المجلسِ، يرتشفُ القهوةَ في صمتٍ عميقٍ.
وما إنْ رآهُ حتى نهضَ خليلٌ مرحبًا، لكنَّ المفاجأةَ لمْ تغبْ عنْ تقاسيمِ وجههِ:
«أهلًا ومرحبًا بعدلي بيه، لقدْ أضاءتِ الدنيا بقدومكَ. ما سرُّ هذهِ الزيارةِ المفاجئةِ؟»
ابتسمَ عدلي وهوَ يجيلُ بصرهُ في أرجاءِ القاعةِ:
«أنا منْ ينبغي لهُ أنْ يقولَ ذلكَ! ما كلُّ هذهِ العظمةِ؟ هذا ليسَ مجردَ قصرٍ، إنها سرايا يا خليلُ!»
ضحكَ خليلٌ ضحكةً قصيرةً، وقالَ:
«إنهُ رزقٌ منْ عندِ اللهِ.»
اقتربَ عدلي وجلسَ أمامهُ، وعيناهُ ما زالتا تمسحانِ المكانَ بتفحصٍ ودهشةٍ:
«أهكذا بغتةً؟ الأراضي، والمتاجرُ، وهذا القصرُ؟ ! وأنا الذي كنتُ أظنكَ لا تزالُ تبحثُ عنْ صفقةٍ جديدةٍ منْ صفقاتكَ.»
صمتَ خليلٌ، وهزَّ رأسهُ كأنهُ يقاومُ شيئًا في داخلهِ، ثمَّ قالَ بنبرةٍ خافتةٍ:
«إنَّ منْ رزقني ليسَ منَ البشرِ.»
قطبَ عدلي حاجبيهِ وتساءلَ:
«ماذا تعني؟»
ردَّ خليلٌ وهوَ ينشبُ نظرهُ في عينيْ عدلي:
«هناكَ رجلٌ يسكنُ داخلَ المقابرِ، ليسَ مثلنا كبقيةِ البشرِ. هذا الرجلُ يعرفُ الطريقَ إلى باطنِ الأرضِ أكثرَ مما يعرفُ الطريقَ إلى السوقِ.»
ضحكَ عدلي في البدايةِ، ثمَّ حينَ رأى أنَّ ملامحَ خليلٍ لا تتزحزحُ عنْ جديتها الصارمةِ، قالَ:
«أتريدُ أنْ تخبرني أنكَ عملتَ معَ ساحرٍ؟»
هزَّ خليلٌ رأسهُ ببطءٍ مجيبًا:
«لمْ أقلْ ذلكَ، لكنَّ منْ بينهُ وبينَ الترابِ عهدٌ يعرفُ أينَ يكمنُ الدفينُ، وكيفَ يستخرجُ الخيرَ منْ بطنِ الأرضِ.»
أسندَ عدلي ظهرهُ إلى الخلفِ متسائلًا في تفكيرٍ عميقٍ:
«وهلْ فعلتَ كلَّ ذلكَ بمفردكَ؟»
«لمْ أكنْ وحدي، فأنتَ تعلمُ أنَّ المشقةَ كبيرةٌ، والحفرَ يحتاجُ إلى رجالٍ أشداءَ.»
ابتسمَ عدلي معقبًا:
«وأنا أملكُ الرجالَ، وأملكُ المعداتِ، ولديَّ الكلمةُ النافذةُ التي تؤمننا منْ جانبِ الحكومةِ.»
لمْ يجبْ خليلٌ، بلْ ظلَّ يحدقُ في قهوتهِ كأنها تكشفُ لهُ حجبَ الغيبِ، ثمَّ قالَ أخيرًا:
«ولكنِ اسمعْ يا عدلي، هذا الرجلُ يمقتُ الغرباءَ، ولوْ علمَ أنَّ غريبًا قدْ دخلَ بيننا، فقدْ يوصدُ كلَّ الأبوابِ في وجوهنا.»
مالَ عدلي إلى الأمامِ مؤكدًا:
«إذًا، أخبرهُ أننا لسنا غرباءَ، فنحنُ منذُ اليومِ شركاءُ في كلِّ شيءٍ.»
رفعَ خليلٌ عينيهِ ببطءٍ، ونظرَ إلى وجهِ عدلي مليًّا، ثمَّ قالَ:
«في المرةِ القادمةِ سأصطحبكَ معي.»
***
كانَ الليلُ قدْ بسطَ جناحيهِ على الضيعةِ، وهدأتِ الأصواتُ إلا منْ نباحِ كلابٍ بعيدةٍ وصفيرِ ريحٍ تتسللُ بينَ شقوقِ البيوتِ الطينيةِ. وقفَ خليلُ الطحاويُّ عندَ أطرافِ المقابرِ، يضيءُ فانوسهُ بزيتٍ عطنٍ، وعلى وجههِ ظلُّ قلقٍ لمْ يبارحهُ.
ومنْ خلفهِ، كانَ عدلي أبو باشا يسيرُ بخطواتٍ حذرةٍ، يرفعُ أطرافَ جلبابهِ كيْ لا يتلطخَ بالطينِ، ويتلفتُ حولهُ وكأنَّ المكانَ نفسهُ يحاولُ ابتلاعهُ.
«هذا المكانُ موحشٌ للغايةِ، تشعرُ وكأنَّ الهواءَ هنا تفوحُ منهُ رائحةُ الموتِ.»
ردَّ خليلٌ دونَ أنْ يلتفتَ إليهِ:
«الزمِ الصمتَ؛ فمنْ يكثرُ الكلامَ هنا، لا يعودُ أبدًا.»
وصلا إلى الكوخِ الطينيِّ الذي يسكنهُ ليثُ الحافي. كانَ البابُ مواربًا، وصوتٌ خافتٌ ينبعثُ منَ الداخلِ، صوتٌ يشبهُ تمتمةً كأنَّ شخصًا يصلي، أوْ يقرأُ طلاسمَ لا تفهمُ.
رفعَ خليلٌ يدهُ وطرقَ البابَ ثلاثَ طرقاتٍ، ثمَّ انتظرَ. لمْ يجبْ أحدٌ. تبادلَ خليلٌ وعدلي نظرةً سريعةً، ثمَّ عاودَ الطرقَ مجددًا.
انفتحَ البابُ ببطءٍ، وظهرَ ليثُ الحافي، عيناهُ كأنهما خارجتانِ منْ أتونِ نارٍ، وثوبهُ مبللٌ بالعرقِ، وعلى جبينهِ سطرٌ لمْ يكتبْ منْ قبلُ.
لمْ يتفوهْ ليثٌ بكلمةٍ، بلْ ظلَّ يحدقُ فيهما دونَ حراكٍ.
فتكلمَ خليلٌ أخيرًا:
«يا مولانا، لقدْ جئنا لزيارتكَ، وَ. . .»
قاطعهُ ليثٌ بصوتٍ قاطعٍ كالسيفِ:
«منْ هذا؟»
أشارَ خليلٌ إلى عدلي قائلًا:
«هذا عدلي أبو باشا، رجلٌ كريمٌ وقلبهُ مليءٌ بالخيرِ، ويطمعُ أنْ ينالَ نصيبًا منْ رزقِ اللهِ الذي فتحهُ عليكَ.»
صمتَ ليثٌ قليلًا، ثمَّ قالَ بنبرةٍ صارمةٍ جامدةٍ:
«أنا لستُ مانحًا للأرزاقِ يا خليلُ، ولمْ آذنْ لكَ بالمجيءِ. فتحُ الأبوابِ يتطلبُ ثمنًا باهظًا، وهذا الثمنُ أكبرُ منْ طاقتكمْ.»
تلعثمَ عدلي وسارعَ قائلًا:
«ونحنُ على أتمِّ الاستعدادِ، برجالنا وأموالنا، ولكَ كلُّ ما يرضيكَ.»
أغلقَ ليثٌ نصفَ البابِ، وقالَ بحسمٍ:
«لا يأتينَّ أحدٌ إلى هنا مجددًا؛ منْ نالَ رزقهُ فليمضِ في حالِ سبيلهِ، ومنْ لمْ ينلْ فلييسرِ اللهُ لهُ طريقًا آخرَ.»
ثمَّ أغلقَ البابَ بالكاملِ، وصوتُ سقاطةِ القفلِ الخشبيِّ أطبقَ على ما تبقى منْ أملِ عدلي.
وقفَ الاثنانِ في صمتٍ مطبقٍ، والريحُ تعوي منْ بينِ قبورٍ شهدتْ أكثرَ مما يحتملهُ قلبُ بشرٍ. نظرَ عدلي إلى خليلٍ، وقالَ:
«هذا الرجلُ ليسَ طبيعيًّا، لكنني لنْ أيأسَ.»
زفرَ خليلٌ وهوَ يسيرُ مبتعدًا:
«وقدْ أخبرتكَ، إنهُ يمقتُ الغرباءَ.»
***
كانتِ المقابرُ ساكنةً، لا يسمعُ فيها إلا زقزقةٌ خافتةٌ لطائرٍ ساهرٍ فوقَ شجرةِ سدرٍ قديمةٍ، كأنهُ يحرسُ الليلَ على استحياءٍ. والقمرُ مشقوقٌ في السماءِ، نصفهُ يضيءُ الأرضَ والنصفُ الآخرُ كأنهُ غرقَ في لجةِ الظلمةِ.
اقتربَ تاجُ الدينِ منْ بابِ كوخِ ليثِ الحافي، بخطواتٍ مترددةٍ، وملابسَ يعلوها غبارُ السفرِ، وعينانِ لا تفارقانِ الأرضَ. توقفَ أمامَ البابِ كأنما يهابُ أنْ يطرقهُ، ثمَّ جلسَ القرفصاءَ أمامَ العتبةِ، يضعُ كفيهِ على ركبتيهِ، وينظرُ إلى الخشبِ المسوسِ كأنهُ ينتظرُ إذنًا بالدخولِ منْ بابٍ لا يفتحُ إلا للمختارينَ.
همسَ بصوتٍ خافتٍ:
«أنا لمْ آتِ طالبًا لكنزٍ، ولا باحثًا عنْ جاهٍ، ولا حتى طامعًا في مشيخةٍ. لقدْ جئتُ فقطْ لأتعلمَ، لتكونَ أنتَ سيدي، وأكونَ أنا تلميذكَ.»
أطرقَ برأسهِ نحوَ الأرضِ، ثمَّ أضافَ:
«الناسُ كلهمْ يظنونني عالمًا، لكنني أوقنُ أنني لمْ أرَ منَ العلمِ شيئًا بعدُ. أنا لا أريدُ العلمَ المسطورَ في الكتبِ، بلْ أريدُ العلمَ المدفونَ في الترابِ، والمنثورَ في الهواءِ، والمستعرَ في النارِ.»
لمْ يجبْ أحدٌ. ظلَّ جالسًا على حالهِ وقتًا لا يقاسُ بالساعاتِ، كأنَّ الليلَ بأسرهِ ينتظرُ معهُ جوابًا منْ داخلِ الكوخِ. حتى بدأتِ النارُ التي تتوهجُ خلفَ النافذةِ الصغيرةِ تخبو شيئًا فشيئًا، ثمَّ هدأَ كلُّ شيءٍ، إلى أنْ صدرَ صوتٌ خفيفٌ منَ الداخلِ.
فتحَ البابُ. وظهرَ ليثُ الحافي، واقفًا بصدرٍ عارٍ، وعيناهُ تلمعانِ في ضوءِ القمرِ، وجسدهُ مغطًّى بوشمٍ مطلسمٍ لا يقرأُ. ولمْ ينبسْ ببنتِ شفةٍ.
نهضَ تاجُ الدينِ مسرعًا، ونظرَ إليهِ نظرةَ منْ رأى وليًّا منْ أولياءِ الغيبِ، ثمَّ قالَ بصوتٍ يفيضُ بالرجاءِ:
«علمني يا سيدي، ودعني في خدمتكَ، فلنْ أكونَ سوى خادمٍ لترابِ قدميكَ.»
اقتربَ منهُ ليثٌ خطوةً، وحدقَ في عينيهِ نظرةً طويلةً متفحصةً، ثمَّ قالَ بصوتٍ خفيضٍ:
«ستسكنُ هنا، وتنامُ أمامَ بابي، وتستيقظُ قبلَ شروقِ الشمسِ. فإنْ كانَ صبركَ أطولَ منَ الليلِ، صرتَ تابعًا لي.»
أومأَ تاجُ الدينِ برأسهِ مذعنًا، وقالَ:
«واللهِ لنْ تلقى مني سوى السمعِ والطاعةِ.»
أدارَ ليثٌ ظهرهُ، ودخلَ الكوخَ دونَ أنْ يغلقَ البابَ. ظلَّ تاجٌ واقفًا للحظةٍ، ثمَّ عادَ ليجلسَ أمامَ العتبةِ منْ جديدٍ، مسندًا ظهرهُ إلى الجدارِ، وموليًا وجههُ شطرَ الريحِ.
فالعتبةُ الآنَ صارتْ بيتهُ، والمقابرُ أولى دروسهِ.
***
تحتَ سماءٍ بدتْ أقربَ إلى الجدارِ منها إلى الأفقِ، استيقظَ ليثٌ على خفقةٍ في قلبهِ، ليستْ منْ رهبةٍ أوْ خوفٍ، بلْ منْ شيءٍ أعمقَ. . . كأنَّ أحدًا انتزعهُ منْ حلمٍ لمْ يكتملْ. جلسَ ببطءٍ، وراحَ ينصتُ لصمتِ الليلِ. لا صدى لدودمانَ، ولا حفيفَ لنارٍ، فقطِ السكونُ. ذلكَ السكونُ التامُّ الذي يسبقُ عاصفةً ما، أوْ يمهدُ للقاءٍ لا ينسى.
نهضَ منْ فراشهِ الخشنِ، وسحبَ رداءهُ الثقيلَ فوقَ جسدهِ، ثمَّ خرجَ إلى الفناءِ المظلمِ الذي يحتضنُ المقابرَ. كانتِ الأرضُ رطبةً تحتَ قدميهِ، والهواءُ محملًا برائحةِ طينٍ قديمٍ، ورمادِ أعشابٍ أحرقتْ في طقسٍ خفيٍّ لا يعرفهُ إلا منْ كتبَ عليهمْ أنْ يسكنوا الهامشَ بينَ الدنيا وما بعدها. وحينَ نظرَ عنْ يمينهِ، وجدَ تاجًا متكومًا على عتبةِ بابهِ.
لمْ يخطُ سوى بضعِ خطواتٍ حتى توقفَ مشدوهًا. كانتْ واقفةً هناكَ؛ امرأةٌ بثوبٍ أسودَ طويلٍ، وحجابها مائلٌ يغطي أغلبَ وجهها، لكنهُ لمْ يخفِ تلكَ النظرةَ. تلكَ النظرةَ عينها التي رآها ذاتَ ليلةٍ عندَ بابِ كوخهِ. . . نظرةَ بخيتةَ.
لمْ يتحركْ منْ مكانهِ، ولمْ تنبسْ هيَ بكلمةٍ. فحطمَ ليثٌ جدارَ الصمتِ أخيرًا، قائلًا بصوتٍ مبحوحٍ:
«أعدتِ مرةً أخرى يا ابنةَ المحروقِ؟»
رفعتْ رأسها ببطءٍ، بنظرةٍ ثابتةٍ لا تهتزُّ، ويدها اليمنى مشدودةٌ إلى جانبها كأنها تقبضُ على شيءٍ لا يرى.
فقالتْ بصوتٍ ناعمٍ، يشوبهُ وجعٌ عتيقٌ:
«أنا لمْ أرحلْ قطُّ، بلْ أنتَ منْ وصلَ متأخرًا يا حافي.»
اقتربَ خطوةً، وسألها:
«منْ أنتِ؟»
أجابتْ دونَ أنْ تغيرَ نبرتها:
«أنا منْ ترى الطريقَ قبلَ أنْ تطأهُ قدماكَ.»
سكتَ، وحدقَ فيها طويلًا، ثمَّ قالَ:
«لماذا تظهرينَ دائمًا حينما أكونُ تائهًا؟»
ضحكتْ ضحكةً قصيرةً، لكنها لمْ تكنْ سخريةً، بلْ كانتْ أقربَ إلى البكاءِ المكبوتِ، ثمَّ قالتْ:
«منْ أجلكَ. . . فأنتَ منذُ الآنَ لمْ تعدْ كبقيةِ الخلقِ. إنَّ منْ يرفعُ رأسهُ نحوَ النجومِ، لا بدَّ أنْ يكونَ قدْ جهزَ قبرهُ.»
قطبَ حاجبيهِ مستفهمًا:
«ماذا تعنينَ؟»
اقتربتْ منهُ حتى كادتِ المسافةُ تنمحي بينهما، وهمستْ:
«منْ تسكنُ عيناهُ في السماءِ، يجبُ أنْ تظلَّ قدماهُ مدفونتينِ في الترابِ. إنَّ النورَ الذي تبحثُ عنهُ يعمي الأبصارَ قبلَ أنْ ينيرها.»
هتفَ بها وهوَ يقتربُ أكثرَ:
«أخبريني، أمنَ الإنسِ أنتِ أمْ منَ الجانِّ؟»
رفعتْ يدها اليمنى ببطءٍ، وبكفٍّ ناعمةٍ كأنها لمْ تعرفْ شقاءَ العملِ يومًا، أشارتْ إلى قلبها قائلةً:
«أنا منْ هنا، وأسكنُ هنا، ولا مكانَ لي سوى هنا.»
ثمَّ أدارتْ وجهها، ومالتْ بخطواتها نحوَ المقابرِ.
فصاحَ بها:
«انتظري!»
لكنها لمْ تردَّ. وبينَ شقوقِ الظلالِ، تلاشتْ فجأةً كأنَّ المقبرةَ ابتلعتها دونَ أثرٍ. لا صوتَ، لا حركةَ، ولا نسمةَ. . . وكأنها لمْ تكنْ قطُّ.
ثمَّ، جاءتِ الضحكةُ. ضحكةُ أنثى، ناعمةٌ، بعيدةٌ، تنبعثُ منْ وراءِ أحدِ القبورِ العاليةِ. كانتْ ضحكةً لا تنتمي إلى هذا العالمِ، ضحكةَ منْ تعرفُ النهايةَ قبلَ أنْ تبدأَ.
ركضَ ليثٌ نحوَ مصدرها، لكنهُ لمْ يجدْ سوى نقشٍ حجريٍّ مهترئٍ، مكتوبٍ عليهِ:
«كلُّ منْ عرفَ النورَ، سقطَ في ظلمتهِ.»
ظلَّ واقفًا، يتنفسُ بصعوبةٍ بالغةٍ، ووجههُ مولًّى نحوَ السماءِ، حيثُ النجومُ ما تزالُ ترمشُ في براءةٍ.
ثمَّ نزلَ بعينيهِ ببطءٍ إلى المقبرةِ تحتَ قدميهِ، وهمسَ:
«لقدْ رأيتكِ، وسأكملُ الطريقَ.»
ومضى في طريقهِ؛ نصفهُ ظلٌّ ونصفهُ نورٌ، وقلبهُ صارَ الآنَ أبعدَ منْ أنْ يرجعَ.
تجربة القراءة
خصّص الصفحة كما تحب
اضبط الخط والتباعد والعرض لتناسب عينيك.
أكملت هذا الفصل
تابع إلى الفصل التالي.
التعليقات
0 تعليق