80%
سيرة الليث

طقوس لا ترى

الفصل 5

بقلم: الكاتب كيرلس نبيل · 2026/11/01 04:03
الفصل 5 من 5 80%
تجربة القراءة

خصّص الصفحة كما تحب

اضبط الخط والتباعد والعرض لتناسب عينيك.

الفصل 5 👁 5 قراءة آخر تحديث: 2026/11/01 04:03
هبطَ الليلُ على القريةِ كرداءٍ رطبٍ منَ الوحلِ لا يغسلُ. وتسللتْ ريحٌ خفيفةٌ أشبهُ بتنهيدةِ عجوزٍ نادمةٍ، تعبثُ بما تبقى منْ وهجِ النهارِ. في تلكَ العزلةِ المعتمةِ، جلسَ ليثٌ مقرفصًا داخلَ غرفتهِ الخاليةِ منْ كلِّ مصادرِ الضوءِ، باستثناءِ قنديلٍ يتأرجحُ منْ سقفها، يبعثُ بوميضهِ الشاحبِ ظلالًا تتراقصُ فوقَ وجههِ وكأنها أرواحٌ تتوسلُ الخروجَ منْ صدغهِ. وكانَ أمامهُ حصيرٌ خشنٌ مفروشٌ، وضعَ على طرفهِ موقدٌ صغيرٌ منَ الصاجِ الجافِّ، ما زالَ صامتًا لمْ يشعلْ بعدُ. وبينَ يديهِ رقعةٌ جلديةٌ نقشَ عليها طلسمٌ غامضٌ، راحَ يتأملهُ بعينينِ نصفِ مغمضتينِ، كأنما يقرأُ ما وراءَ النقوشِ، أوْ ما بينَ الشقوقِ. ثمَّ سمعتْ خطواتٌ حذرةٌ تقتربُ منْ عتبةِ غرفتهِ، فأمرَ ليثٌ تابعهُ تاجًا بأنْ يفتحَ البابَ. دخلَ صابرٌ حافيًا، يجرُّ أنفاسهُ كما لوْ كانَ يصعدُ جبلًا منَ الهمِّ، حاملًا بيدهِ وعاءً نحاسيًّا داميَ اللونِ، وبيدهِ الأخرى قنينةً فخاريةً مغلقةً بخرقةٍ مشدودةٍ بخيطٍ أسودَ. وقفَ عندَ المدخلِ دونَ أنْ يرفعَ عينيهِ، وقالَ بصوتٍ خافتٍ: «أحضرتُ المطلوبَ يا مولانا، الماءَ منَ المقبرةِ كما أمرتني، والطستَ أيضًا.» لمْ ينظرْ إليهِ ليثٌ، بلْ قالَ بهدوءٍ: «ضعِ الطستَ على الأرضِ.» امتثلَ صابرٌ، ثمَّ جلسَ متكورًا في زاويةٍ مظلمةٍ، ويداهُ ترتجفانِ على ركبتيهِ، وعيناهُ تتنقلانِ بينَ ظلِّ ليثٍ والوعاءِ. ظلَّ الصمتُ معلقًا لوهلةٍ، ثمَّ سألهُ ليثٌ دونَ أنْ يلتفتَ: «أينَ زوجتكَ؟» «في فراشها يا مولانا، تركتها هناكَ. قالتْ لي إنني أتعلقُ بقشةٍ، لكنني سئمتُ، فقدْ مضتْ سنونَ وأنا أنتظرُ، وَ. . .» قاطعهُ ليثٌ بإشارةٍ منْ يدهِ، ومدَّ يدهُ الأخرى إلى القنينةِ، فنزعَ الخرقةَ، وسكبَ الماءَ برفقٍ في الوعاءِ النحاسيِّ. انسابَ الماءُ برائحةٍ طينيةٍ نفاذةٍ، وكأنهُ يحملُ رائحةَ الموتى. نقرَ ليثٌ بأصابعهِ ثلاثَ مراتٍ على جانبِ الوعاءِ، وقالَ بنبرةٍ أقربَ إلى الهمسِ: «إنْ كنتَ تريدُ أنْ يتمَّ الأمرُ، فعليكَ أنْ تتحملَ الثمنَ.» همسَ صابرٌ بخوفٍ: «سأدفعُ، سأدفعُ أيَّ شيءٍ، فقطْ ساعدني.» رفعَ ليثٌ رأسهُ، ونظرَ إليهِ نظرةً مباشرةً لأولِ مرةٍ، وقالَ ببطءٍ: «لستُ أنا منْ سيساعدكَ، بلْ عينكَ وما وعدتْ بهِ.» تجمدَ وجهُ صابرٍ، ولمْ يفهمِ المقصدَ، لكنهُ لمْ يجرؤْ على السؤالِ. أغلقَ ليثٌ القنينةَ، ثمَّ مدَّ يدهُ ناحيةَ الوعاءِ، وغمسَ طرفَ إصبعهِ في الماءِ، وأخذَ يرسمُ دوائرَ غيرَ مرئيةٍ على الأرضِ أمامهُ. كانَ الليلُ خارجَ الغرفةِ يتقلصُ، وكانتِ القريةُ غارقةً في النومِ. لكنَّ ما استدعيَ في تلكَ اللحظةِ لمْ يكنْ منْ أهلِ القريةِ، بلْ منْ جوفِ أرضها. دوى صوتٌ خافتٌ منْ تحتِ الوعاءِ، وكأنما اختنقَ الهواءُ ذاتهُ فجأةً، ثمَّ تهادى فوقَ سطحِ الماءِ غشاءٌ رقيقٌ، ما لبثَ أنْ تشققَ كأنهُ جلدٌ قديمٌ يسلخُ. جثا ليثٌ على ركبتيهِ، وأخذَ ينفثُ في راحتيهِ أنفاسًا طويلةً، ثمَّ قربهما منْ فوهةِ الوعاءِ دونَ أنْ يمسهُ. ارتفعتْ رائحةٌ حارقةٌ منَ الداخلِ، ممزوجةٌ برائحةِ صدأٍ وماءٍ راكدٍ، فارتجفَ صابرٌ دونَ أنْ يدريَ، وتلفتَ كمنْ سمعَ نداءً لا يفهمُ لغتهُ. قالَ ليثٌ، وعيناهُ مسمرتانِ في النقطةِ التي بدأَ فيها الماءُ يغلي وحدهُ دونَ نارٍ: «سترى الآنَ إنْ كانَ لكَ نصيبٌ فيها أمْ لا.» ثمَّ نهضَ، وسارَ إلى زاويةِ الغرفةِ حيثُ وضعتْ كومةٌ صغيرةٌ منَ الرمادِ والأعشابِ اليابسةِ، فتناولَ منها شيئًا بدا كأنهُ حفنةُ ترابٍ مائلٍ إلى السوادِ، وعادَ يذرهُ فوقَ الماءِ المغليِّ وهوَ يتمتمُ بصوتٍ غيرِ مسموعٍ. فجأةً، انبعثَ صوتٌ خافتٌ منْ داخلِ الوعاءِ، كأنَّ أحدهمْ يهمسُ منْ تحتِ السطحِ. لمْ تكنِ الكلماتُ مفهومةً، لكنها حملتْ شيئًا كالحزنِ أوِ الغضبِ أوْ كليهما معًا. تراجعَ صابرٌ حتى اصطدمَ كتفهُ بالحائطِ، ثمَّ قالَ بصوتٍ متهدجٍ: «أسمعتَ؟ هناكَ صوتٌ، هناكَ صوتٌ!» ردَّ ليثٌ دونَ أنْ يلتفتَ: «اجلسْ، وأغلقْ فمكَ، ولا تتفوهْ بكلمةٍ.» ثمَّ أضافَ: «إنْ طردَ الماءُ بخارهُ ناحيةَ النافذةِ، فإنَّ الطريقَ مفتوحٌ أمامكَ لتنالَ مرادكَ، وإنِ اتجهَ ناحيةَ البابِ، فانسَ الأمرَ كليًّا.» انتظرَ الاثنانِ في صمتٍ متوترٍ، يراقبانِ الدخانَ الرماديَّ الذي بدأَ يتسللُ منَ الوعاءِ ببطءٍ مريبٍ. تراقصَ البخارُ لحظةً، ثمَّ مالَ بجسدهِ الخفيفِ ناحيةَ النافذةِ المواربةِ، كأنَّ نسمةً خفيةً تجذبهُ إليها. لمعتْ عينا ليثٍ، وقالَ: «عينكَ وما وعدتْ بهِ يا صابرُ.» شهقَ صابرٌ وقالَ: «أيعني هذا أنَّ زوجتي ستحبلُ؟» اقتربَ منهُ ليثٌ بخطوةٍ، وقالَ بنبرةٍ بدا فيها صوتهُ وكأنهُ خارجٌ منْ كهفٍ عميقٍ: «ستحبلُ، لكنْ يجبُ أنْ تغسلَ قدميها بهذا الماءِ قبلَ طلوعِ الفجرِ، وأنْ تدفنَ ثيابها التي نامتْ بها تحتَ شجرةِ الجميزِ التي تقعُ خلفَ المسجدِ الكبيرِ.» سألهُ صابرٌ متوترًا: «وإنْ رآني أحدٌ؟» ردَّ ليثٌ بجفافٍ: «إنْ رآكَ أحدٌ؟ ستموتانِ معًا، أنتَ وهيَ.» ارتبكَ صابرٌ، ثمَّ انحنى يقبلُ يدَ ليثٍ قائلًا: «أنا طوعُ أمركَ يا مولانا، سأفعلُ كلَّ ما تأمرني بهِ.» تراجعَ ليثٌ، وأشارَ بيدهِ تجاهَ البابِ: «اغربْ عنْ وجهي، ارحلْ منْ هنا.» خرجَ صابرٌ راكضًا وهوَ شبهُ باكٍ، يحملُ الوعاءَ كمنْ يحملُ قدرهُ بينَ يديهِ، بينما بقيَ ليثٌ وحدهُ في الغرفةِ، يراقبُ بقايا البخارِ تتلاشى فوقَ الوعاءِ النحاسيِّ، وكأنها ختمٌ على عهدٍ لمْ يكتبْ بعدُ. كانَ بزوغُ الصبحِ كثيفًا، يضغطُ بجسدهِ الثقيلِ على أسطحِ البيوتِ، ويعصرُ بقايا النجومِ حتى تتلاشى في سمائها. في طرفِ القريةِ، عادتِ الخطواتُ المتعثرةُ إلى المقابرِ. فتحَ تاجُ الدينِ، الذي كانَ نائمًا بجوارِ بابِ كوخِ ليثٍ، عينيهِ فجأةً على وقعِ أنفاسٍ لاهثةٍ. رأى صابرًا يقتربُ، محنيَّ الظهرِ، حاملًا الوعاءَ فارغًا وكأنهُ يحملُ قلبهُ المخلوعَ، وملامحهُ مشوهةٌ بعرقٍ وخوفٍ وسؤالٍ لا يملكُ لهُ جوابًا. وقفَ تاجٌ يحدقُ فيهِ بصمتٍ، ثمَّ قالَ: «ماذا فعلتَ؟» لكنَّ صابرًا لمْ يردَّ. مرَّ منْ أمامهِ دونَ كلمةٍ، كأنما عبرَ على حافةِ حلمٍ. دفعَ بابَ كوخِ ليثٍ بكتفهِ، ودخلَ. لمْ يكنْ ليثٌ قدْ تحركَ منْ مكانهِ. قالَ صابرٌ بصوتٍ مبحوحٍ: «غسلتْ قدميها بالماءِ، ودفنتُ الثيابَ. لمْ يرني أحدٌ. فعلتُ كلَّ شيءٍ كما أمرتني.» ابتلعَ ريقهُ بصعوبةٍ، ثمَّ استطردَ: «وقدْ سقطتْ قطرةُ دمٍ منْ أنفها بمجردِ أنِ انتهينا، شعرتُ بالخوفِ، لكنها أخبرتني أنها لا تشعرُ بأيِّ وجعٍ.» رفعَ ليثٌ رأسهُ فجأةً، وحدقَ في صابرٍ قائلًا: «قطرةُ دمٍ؟» «أجلْ، قطرةٌ صغيرةٌ، كدمِ البكارةِ.» نهضَ ليثٌ ببطءٍ، وابتسمَ ابتسامةً باهتةً وقالَ: «عظيمٌ.» جلسَ صابرٌ على الأرضِ بعدَ أنْ هدهُ التعبُ، وقالَ: «ومتى ستحبلُ؟» اقتربَ ليثٌ ثمَّ جلسَ أمامهُ، وأشعلَ عودًا جافًّا، ونفثَ دخانهُ في وجهِ صابرٍ وقالَ: «في ليلةِ الرابعَ عشرَ منْ شوالٍ معَ تمامِ البدرِ، تتكونُ النفسُ في النفسِ، ويتمُّ المرادُ بأمرنا.» حدقَ فيهِ صابرٌ بعينينِ نصفِ مغلقتينِ، كأنَّ النومَ يغلبهُ أوْ كأنَّ شيئًا ما بدأَ يسري في دمهِ، ثمَّ هوى على جانبهِ، وكأنهُ سقطَ منْ داخلهِ. اقتربَ تاجُ الدينِ، الذي كانَ يراقبُ منَ الخارجِ، وتفحصَ جسدَ صابرٍ قائلًا: «يا مولانا، إنَّ وجههُ مصفرٌّ، وأنفاسهُ ثقيلةٌ.» ردَّ ليثٌ بهدوءٍ: «سيرتاحُ الجسدُ. أما الروحُ فهيَ الآنَ تحلقُ في ملكوتهِ.» ثمَّ نهضَ، وغطى وجهَ صابرٍ بخرقةٍ قديمةٍ، وأخفضَ وهجَ الضوءِ في الغرفةِ. وسادَ الصمتُ، إلا منْ صوتِ أنينٍ خافتٍ، لمْ يكنْ واضحًا منْ أينَ يصدرُ. في الليلةِ نفسها، كانتِ المقابرُ تبتلعُ الضوءَ وكأنها لا تشبعُ. ليلٌ كثيفٌ، ثقيلٌ كفخٍّ حجريٍّ. بينَ القبورِ، كانَ ليثٌ واقفًا، موليًا ظهرهُ للريحِ، وعيناهُ معلقتانِ بشيءٍ لا يرى. خطواتٌ بطيئةٌ تقطعُ الظلامَ، يرافقها خشخشةُ ترابٍ كأنَّ أحدهمْ يجرفُ الليلَ نفسهُ. توقفَ الصوتُ عندَ حافةِ ضريحٍ نصفِ مطمورٍ، ثمَّ جاءهُ الصوتُ مبحوحًا ومألوفًا: «ليثٌ.» لمْ يلتفتْ، بلِ اكتفى بالقولِ: «كنتُ في انتظاركَ.» ظهرَ دودمانُ، أوْ بالأحرى ظهرَ صوتهُ أولًا. كانَ كما كانَ دومًا، لا شكلَ لهُ إلا ما يتركهُ منْ أثرٍ. ظلٌّ كثيفٌ بينَ الأطيافِ، لا يرى إلا في ارتجافِ القلوبِ. قالَ دودمانُ: «سرعتَ الخطوةَ، وفتحتَ البوابةَ، وعكرتَ الماءَ، وما زلتَ تفكرُ في الحملِ؟» ردَّ ليثٌ: «أنا أخططُ. كلُّ خطوةٍ محسوبةٌ، وكلُّ قطرةِ ماءٍ تتعكرُ لها ثمنٌ. بينما أنتَ تتركني أتحملُ كلَّ شيءٍ وحدي.» ضحكَ دودمانُ ضحكةً كأنها احتكاكٌ صادرٌ منْ جوفِ الأرضِ، ثمَّ قالَ: «منْ يمدُّ يدهُ إلى الغيبِ، يجبُ أنْ يتحملَ لسعةَ الزمنِ يا ليثُ.» ثمَّ أضافَ: «الطفلُ الذي في بطنها ليسَ ابنَ صابرٍ فحسبُ. لقدْ زرعتَ فيهِ شيئًا منكَ، وهذهِ هيَ المخالفةُ الأولى.» استدارَ ليثٌ فجأةً وكأنَّ الريحَ لدغتهُ قائلًا: «لقدْ زرعتها بأمركَ، وليسَ بمحضِ إرادتي.» سكتَ دودمانُ، ثمَّ قالَ ببطءٍ: «ليسَ كلُّ ما يزرعُ ينبتُ كما ينبغي. وها أنتَ قدْ فتحتَ الطريقَ، ومنْ يمشي في هذا الطريقِ لا يلتفتُ وراءهُ.» قالَ ليثٌ وقدْ عضَّ على كلماتهِ: «أخبرني بما هوَ قادمٌ.» اقتربَ ظلُّ دودمانَ حتى صارَ كأنهُ يمتدُّ منْ قدميْ ليثٍ نفسهِ، وقالَ: «ما هوَ قادمٌ يحتاجُ إلى تضحيةٍ يا حافي، وبقدرِ التضحيةِ سيكونُ ما تنالهُ، لكنْ بأوامرَ.» نظرَ ليثٌ إلى الأرضِ، ثمَّ إلى السماءِ التي اختفتْ نجومها، وقالَ: «أوامرُ منْ؟» قالَ دودمانُ: «منْ لمْ ينطقْ لسانكَ باسمهِ منْ قبلُ. يجبُ أنْ تنطقَ الاسمَ، وأنْ تدفعَ الثمنَ.» ثمَّ اختفى الظلُّ فجأةً، وكأنَّ الأرضَ ابتلعتهُ. وبقيَ ليثٌ وحدهُ، يسمعُ اسمهُ يترددُ منْ بينِ القبورِ، لكنهُ لمْ ينطقْ بهِ. بلِ اكتفى بأنْ همسَ لنفسهِ: «عندما يحينُ الوقتُ، سأنطقُ بهِ.» انزوى ليثٌ خلفَ بابِ غرفتهِ، وأدارَ المفتاحَ ليغلقهُ بإحكامٍ، وكأنما يخشى أنْ تلحقَ بهِ الأشباحُ التي لمْ يعدْ يفرقُ إنْ كانتْ تسكنُ رأسهُ أمِ الواقعَ. أسندَ ظهرهُ إلى الخشبِ الباردِ، يتنفسُ بعنفٍ، وصدى الجلبةِ التي أحدثها صابرٌ في الخارجِ ما زالَ يرنُّ في أذنيهِ كضربِ النواقيسِ القديمةِ في قاعِ صدرهِ. مشى إلى وعاءِ النارِ وركعَ أمامهُ كأنهُ يتهجى ملامحهُ في انعكاسِ وهجهِ، ثمَّ مدَّ كفهُ ليغترفَ منهُ شيئًا، لكنهُ لمْ يفعلْ. جلسَ على الأرضِ، وأدارَ وجههُ ناحيةَ الحائطِ، وطأطأَ رأسهُ كطفلٍ موبخٍ، كأنما يحتملُ شيئًا أكبرَ منْ جسدهِ الهزيلِ. خيلَ إليهِ أنَّ ظلًّا يتهادى بعيدًا خلفَ نافذةِ الغرفةِ، فترددَ في عينيهِ خيالٌ أنثويٌّ، طويلٌ ونحيلٌ، بثوبٍ أسودَ ضاربٍ إلى الرماديِّ. لمْ يلتفتْ إليها، بلْ تجاهلها. لكنَّ «بخيتةَ» لمْ تكنْ خيالًا، بلْ كانتْ واقفةً هناكَ، على بعدِ خطواتٍ. تراقبهُ منْ وراءِ شجيراتِ السنديانِ المتيبسةِ، وكأنها تأكلُ ملامحهُ بعينيها، وهيَ تهمسُ لنفسها: «عينكَ وما وعدتْ بهِ يا حافي.» اختفتْ بخطواتٍ حذرةٍ في الظلالِ، وعادَ ليثٌ يستندُ إلى سريرهِ الحديديِّ المتآكلِ. مرتْ نصفُ ساعةٍ وكأنها يومٌ كاملٌ. وفي منتصفها، تمزقَ صمتُ المكانِ بضربةٍ قويةٍ على البابِ. نهضَ ليثٌ فزعًا وترددَ، ثمَّ اقتربَ وفتحَ، وما إنْ فعلَ حتى باغتتهُ «بخيتةُ» بجسدها، إذْ دفعتِ البابَ بكتفها، ودلفتْ إلى الداخلِ بحدةٍ، ثمَّ أغلقتهُ وراءها دونَ أنْ تنتظرَ إذنهُ. ارتبكَ وتراجعَ خطوتينِ إلى الوراءِ، يتفحصُ ملامحها كمنْ يراها لأولِ مرةٍ. قالَ بحدةٍ شبهِ متلعثمةٍ: «منْ أنتِ؟ ولماذا تأتينَ بينَ الحينِ والآخرِ لتطلي ثمَّ تمضينَ؟ ماذا تريدينَ؟» رفعتْ رأسها، وكانتْ نظراتها كأنها تصفعهُ. جزتْ على أسنانها وردتْ بصوتٍ خفيضٍ لكنهُ غليظٌ، مليءٌ بالنذرِ: «سيحرقونكَ يا ابنَ الفقيرِ. أنا آتي لأحذركَ، وأنتَ كالبغلِ لا تفهمُ. تمشي في طريقٍ لا تعرفُ عنهُ شيئًا، وتواصلُ سيركَ كمنْ ربطوا عينيهِ وعلقوهُ في رحًى.» احمرَّ وجههُ، وبرزتْ شرايينُ عنقهِ، إذِ استثارتهُ كلماتها، بلْ أهانتهُ. أطبقَ عينيهِ، وبدأَ يهمهمُ، يحاولُ أنْ يستدعيَ شيئًا منَ اللاشيءِ، يرددُ تعاويذَ لمْ يتمرنْ عليها بما يكفي. كانتْ نبرتهُ واهيةً، وروحهُ ترتجفُ، لكنهُ لمْ يتوقفْ. لمْ تتراجعْ «بخيتةُ»، بلْ وقفتْ قبالتهُ بثباتٍ، وبدأتْ تتمتمُ هيَ الأخرى. وما إنْ نطقتْ أولى كلماتها حتى شعرَ بثقلٍ يسقطُ على كتفيهِ. ارتجفَ، وحاولَ الوقوفَ مستويًا، لكنَّ قدميهِ انحرفتا. بدأَ وعاءُ النارِ في ركنِ الغرفةِ يهتزُّ، وتصاعدتْ نارهُ بلا سببٍ، ويدهُ التي حاولَ رفعها لمْ تطاوعهُ. تسارعتْ أنفاسهُ، فسقطَ على ركبتيهِ، وصرَّ على أسنانهِ، ثمَّ شهقَ فجأةً كأنَّ شيئًا نزعَ منهُ. اقتربتْ منهُ «بخيتةُ»، وانحنتْ، ثمَّ همستْ بجوارهِ وكأنها توجهُ رسالتها الأخيرةَ: «سأترككَ لعينكَ وما وعدتْ بهِ يا ليثُ.» ثمَّ نهضتْ، وأدارتْ مقبضَ البابِ، وخرجتْ بخطواتٍ محسوبةٍ، لتغلقَ البابَ وراءها بصوتٍ مكتومٍ. عمَّ السكونُ. ثمَّ، منَ العدمِ، انبعثتْ تلكَ الرائحةُ؛ رائحةُ الرمادِ المبللِ والعطنِ القديمِ. التفتَ ليثٌ ببطءٍ نحوَ البابِ. وها هوَ دودمانُ يقفُ أمامهُ، متلحفًا بعباءتهِ المعتادةِ، نصفهُ في الضوءِ ونصفهُ في الظلِّ، وبعينهِ المطفأةِ يتفرسُ فيهِ بصمتٍ. حدقَ ليثٌ في دودمانَ بوجهٍ مشوشٍ وشاحبٍ، وأنفاسهُ لا تزالُ متقطعةً، ويداهُ ترتجفانِ كغصنينِ في مهبِّ ريحٍ داخليةٍ. لمْ يقمْ منْ على ركبتيهِ، بلِ اكتفى بأنْ مدَّ عينيهِ ناحيةَ الكائنِ الذي طالما خافهُ، ولمْ يعدْ يعرفُ إنْ كانَ يخشاهُ أمْ يستنجدُ بهِ. قالَ ليثٌ بصوتٍ أقربَ إلى التنهيدةِ: «لماذا هيَ أقوى مني؟» اقتربَ دودمانُ ببطءٍ، خطواتهُ لا تحدثُ صوتًا، فقطْ رائحةُ العفنِ التي تسبقهُ، كأنما يزهقُ الحياةَ أينما مرَّ. وقفَ أمامَ ليثٍ، وقالَ بنبرةٍ هادئةٍ لكنها تقطرُ سخريةً: «لقدْ أخبرتكَ منذُ البدايةِ أنَّ هذا الطريقَ ليسَ سهلًا.» رفعَ ليثٌ عينيهِ، يحاولُ أنْ يتماسكَ، ثمَّ قالَ: «منْ تكونُ هذهِ؟» تنهدَ دودمانُ، ثمَّ أدارَ وجههُ ناحيةَ وعاءِ النارِ الذي خمدتْ نيرانهُ، ونظرَ إليهِ كأنما يرى فيهِ ما لا يرى، وقالَ دونَ أنْ يلتفتَ: «"بخيتةُ" كانتْ قبلكَ، مشتْ في هذا الطريقِ قبلكَ بكثيرٍ، وكانتْ أطوعَ منْ ريحِ الخريفِ في يدي، لكنْ. . .» صمتَ لحظةً ثمَّ تابعَ: «لكنها اعتصمتْ بقوةٍ أكبرَ مني.» قطبَ ليثٌ حاجبيهِ، وقالَ متعجبًا: «اعتصمتْ؟ أتعني أنها تركتكَ؟» ابتسمَ دودمانُ ابتسامةً كأنها تمزقُ جلدهُ اليابسَ، ثمَّ التفتَ إليهِ وقالَ: «تركتني. لكنْ ليسَ بإرادتها هيَ. بلْ هيَ قوةٌ أقدمُ وأعظمُ مني.» اقتربَ أكثرَ، ثمَّ انحنى، وهمسَ في أذنِ ليثٍ: «قوةٌ لا أستطيعُ الاقترابَ منها، تحرسها وتبعدني عنها.» ابتلعَ ليثٌ ريقهُ، وقالَ: «أيعني ذلكَ أنها كانتْ مثلي؟» ردَّ دودمانُ وهوَ ينهضُ واقفًا: «بلْ أشدُّ. مشتْ في الطريقِ الذي لا تزالُ تراهُ في أحلامكَ فقطْ، لكنها رجعتْ.» حدقَ فيهِ ليثٌ طويلًا، ثمَّ قالَ: «ولماذا تركتها تفعلُ بي ذلكَ؟» قهقهَ دودمانُ فجأةً، ضحكةً مبحوحةً كصوتِ مفصلٍ مكسورٍ، ثمَّ قالَ: «أنا لمْ أترككَ يا حافي، فقوتها أكبرُ منْ قوتي، لكننا معًا. . .» وأشارَ إليهِ بإصبعهِ الطويلةِ المعقوفةِ، وأردفَ: «سنكسرُ قوةَ "بخيتةَ" ومنْ معها. إنْ جاءتكَ ثانيةً فلا تستمعْ إليها.» ثمَّ مشى نحوَ البابِ، ووقفَ مكانَ "بخيتةَ" تمامًا، وقالَ دونَ أنْ يلتفتَ: «في الليلةِ القادمةِ ستبدأُ حكايتكَ. حكايةُ ليثٍ الحافي.» اخترقَ البابَ بجسدهِ، فاندفعتْ نسمةٌ باردةٌ إلى الغرفةِ، أطفأتْ ما تبقى منْ وهجِ النارِ. وظلَّ ليثٌ وحدهُ، يحدقُ في وعاءٍ خمدتْ نارهُ، بينما بدأَ عقلهُ يتوهجُ. فانبطحَ على سريرهِ، وبدا لهُ أنهُ قدْ غفا. كانَ النعاسُ يتسللُ إلى جفنيْ ليثٍ كقطٍّ خفيفِ الخطى، يحومُ حولَ رأسهِ ثمَّ يقفزُ فجأةً على صدرهِ فيثقلهُ. استسلمَ لجفنهِ المتهدلِ، وتركَ جسدهُ ينسابُ إلى عالمٍ رماديٍّ لا نورَ فيهِ ولا عتمةَ، كأنهُ لا يزالُ عالقًا بينَ الحلمِ والكابوسِ. رأى نفسهُ جالسًا عندَ عتبةِ غرفتهِ، ساكنًا كتمثالٍ صامتٍ نحتَ منَ الترقبِ. لا ضوءَ سوى نورِ النجومِ المتدلي منَ السماءِ، يتخللُ شقوقها كرذاذِ الفضةِ، ينسكبُ عليهِ دونَ أنْ يدفئهُ. ظلَّ يتأملُ ذلكَ النورَ. كانَ وديعًا، بريئًا كوجهِ طفلٍ، ومعَ ذلكَ كانَ يثيرُ في نفسهِ شيئًا مجهولًا؛ سؤالًا ظلَّ يترددُ في أعماقهِ منذُ أنْ عرفَ الطريقَ: «ما مصدرُ هذا النورِ؟ ومنْ أينَ تأتي الظلمةُ؟ وإنْ كانَ كلاهما موجودًا منذُ البدايةِ، فمنْ منهما كانَ الأولَ؟ وإنْ كانَ مصدرهما واحدًا، فلماذا أصبحا ضدينِ؟ ما الذي جعلَ النورَ يرفعُ إلى أعلى، والظلمةَ تحبسُ في الأسفلِ؟» لمْ يكنْ صوتهُ يسمعُ، بلْ كانتِ الأسئلةُ تتلوى في صدرهِ كدخانٍ يبحثُ عنْ مهربٍ. وفجأةً، شعرَ بشيءٍ يتحركُ خلفهُ. استدارَ ببطءٍ كما لوْ أنَّ الهواءَ منْ حولهِ أصبحَ أثقلَ. وما إنْ وقعَ بصرهُ عليهِ حتى تجمدَ في مكانهِ. كانَ يقفُ هناكَ طيفٌ بشريٌّ في الظاهرِ، لكنهُ لا يشبهُ أحدًا منَ البشرِ. طويلُ القامةِ، عريضُ الكتفينِ، تتدلى منهما عباءةٌ منْ جلدٍ أسودَ، تتماوجُ أطرافها وكأنها تنفثُ سوادًا لا يرى. وجههُ كأنهُ مشقوقٌ منَ المنتصفِ؛ نصفهُ الأيمنُ كأنما جبلَ منْ طينٍ محروقٍ، بينما نصفهُ الأيسرُ أملسُ كالعظمِ المصقولِ، لا عيونَ فيهِ، بلْ تجويفٌ تنبعثُ منهُ حمرةٌ متقدةٌ. عيناهُ متضادتانِ؛ إحداهما بيضاءُ تمامًا كأنها مصقولةٌ بالثلجِ، والأخرى سوداءُ كالفحمِ، فيها نقطةُ ضوءٍ متراقصةٌ. شفتاهُ كشقينِ أزليينِ، كلما تحركتا، بدتِ الكلماتُ منهما وكأنها تخرجُ منْ باطنِ الأرضِ. اقتربَ منهُ دودمانُ بخطًى لا تحدثُ صوتًا. جلسَ إلى جوارهِ دونَ أنْ يطلبَ الإذنَ، ثمَّ مالَ برأسهِ قليلًا ناحيتهُ، وهمسَ بصوتٍ عميقٍ يشبهُ صدًى في مغارةٍ: «أتعلمُ يا ليثُ، أنَّ النورَ والظلمةَ كانا واحدًا في البدءِ، لمْ يكونا متفرقينِ. كانا كتلةً ساجدةً بينَ يديِ الخالقِ، بلا اسمٍ ولا شكلٍ، لكنهُ أرادَ أنْ يفرقهما. منحَ النورَ اسمًا، وألقى على الظلمةِ لعنةً. ومنذُ ذلكَ الحينِ، وكلٌّ منهما يبحثُ عنِ الآخرِ. لكنَّ ما لا يعرفهُ البشرُ، هوَ أنَّ الاثنينِ حينما يلتقيانِ، يوقظانِ شيئًا آخرَ. شيئًا أقدمَ منَ الزمنِ، وأقوى منَ الفجرِ، وأبقى منَ الليلِ.» سكتَ دودمانُ لحظةً، ثمَّ رفعَ رأسهُ ونظرَ إلى السماءِ. كانَ ضوءُ النجومِ يخبو فجأةً، كأنها تسحبُ منْ قبتها كحباتِ عنقودٍ نضبَ ماؤهُ. ثمَّ التفتَ إليهِ، وقالَ بنبرةٍ أقربَ إلى التغني: «أنتَ يا ليثُ لستَ كسائرِ البشرِ، لستَ تابعًا للنورِ، ولا خادمًا للظلمةِ. أنتَ منَ الطينِ الذي خالطتهُ النارُ، ومنَ اللحمِ الذي رأى الجنةَ ثمَّ حرمَ منها. أنتَ منْ سيجمعُ ما تفرقَ، وأنتَ منْ سيكتبُ بنارهِ سطورَ النهايةِ.» ثمَّ مدَّ يدهُ، ولمْ يشعرْ ليثٌ إلا ويدهُ تسحبُ وتجذبُ إلى الداخلِ؛ إلى قلبِ الغرفةِ. فجأةً، أصبحَ واقفًا في وسطها، والنورُ منْ حولهِ غائبٌ. أضاءتِ الغرفةُ بلونٍ برتقاليٍّ ساطعٍ، حينَ اشتعلتِ النارُ في وعاءِ النحاسِ وحدها، كأنَّ يدًا خفيةً سكبتْ فيها وهجَ الشمسِ. رأى دودمانَ واقفًا خلفَ الوعاءِ، يمدُّ ذراعيهِ إلى أعلى، والنارُ تستجيبُ لهُ كأنها تطيعهُ، ترتفعُ وتتلظى وتدوي. شعرَ بحرارتها تلسعُ وجههُ، فارتدَّ إلى الخلفِ. وفجأةً استفاقَ. لهاثهُ يقطعُ سكونَ الليلِ، وجفنهُ يرتعشُ، وجسدهُ غارقٌ في عرقٍ باردٍ. نظرَ أمامهُ، فإذا بدودمانَ يقفُ أمامهُ؛ بجسدهِ، بوجههِ، بذراعيهِ. لمْ يكنْ حلمًا، ولمْ يكنْ خيالًا. فتحَ ليثٌ فمهُ ليتكلمَ، لكنَّ دودمانَ سبقهُ، وصوتهُ هذهِ المرةَ هادئٌ كبحيرةٍ سكنتها العواصفُ طويلًا: «هذهِ الليلةُ يا ليثُ هيَ بدايةُ الطريقِ. طريقكَ الحقيقيُّ الذي رسمَ لكَ منْ قبلِ أنْ تولدَ. الطريقُ الذي خلقتَ منْ أجلهِ، والذي لمْ تعرفْ أمكَ ولا "بخيتةُ" كيفَ تكملانهِ.» اقتربَ منهُ خطوةً، ثمَّ قالَ بصوتٍ لمْ يكنْ فيهِ تهديدٌ بلْ يقينٌ: «أنا أبوكَ. وأنتَ ابنُ عالمينِ. نصفكَ منَ البشرِ، ونصفكَ مني، وأنتَ هنا لتكملَ المسيرةَ.» سادَ الغرفةَ صمتٌ ثقيلٌ، كأنَّ الهواءَ نفسهُ صارَ يتجنبُ الحركةَ. كانتْ نظراتُ ليثٍ مشتتةً، بينَ عرقهِ الذي يبللُ جبهتهُ، وبينَ وجهِ دودمانَ الذي بدا كأنهُ لا يعرفهُ، كأنهُ مخلوقٌ منْ تناقضٍ عتيقٍ، شيءٌ ينهضُ منْ قلبِ أسطورةٍ، لا منْ واقعٍ منظورٍ. تقدمَ دودمانُ، ورفعَ كفًّا مغطاةً بعلاماتٍ ووشومٍ غريبةٍ، كأنها كلماتٌ منْ لغةٍ كتبتْ منذُ قرونٍ. ثمَّ مدَّ يدهُ نحوَ وعاءِ النارِ، وأشارَ إليهِ أنْ يقتربَ. ليثٌ، رغمَ ترددهِ، خطا خطوةً، ثمَّ أخرى. لمْ يكنِ الخوفُ هوَ ما يحركهُ، بلْ شيءٌ أعمقُ، كأنَّ صوتهُ الداخليَّ يسوقهُ نحوَ المجهولِ بإيمانٍ لا يدري منْ أينَ أتاهُ. قالَ دودمانُ، بصوتٍ بدا كأنهُ يخرجُ منْ فمهِ ويهتزُّ في جدرانِ الغرفةِ ذاتها: «انظرْ إلى النارِ. هذا هوَ البابُ الأولُ. بابُ النجومِ. بابُ الخروجِ منْ جلدكَ ودخولكَ في أولِ طريقِ حلبِ النجومِ.» قطبَ ليثٌ جبينهُ، إذْ لمْ يفهمْ. لكنَّ دودمانَ لمْ ينتظرْ فهمهُ، بلْ أكملَ: «النجومُ ليستْ مجردَ ضوءٍ. النجومُ رحمُ الكلمةِ الأولى التي نزلتْ منْ فمِ السماءِ حينما انفتحتْ، والتي نزلَ منها أصلُ كلِّ طاقةٍ. وأنتَ يا ليثُ هوَ الوعاءُ، وتملكُ اليدَ. لكنْ ينقصكَ السرُّ الذي بهِ ستحلبُ النجومَ.» ثمَّ انحنى دودمانُ، وسحبَ منْ تحتِ عباءتهِ وعاءً صغيرًا منْ حجرٍ أسودَ، محفورَ الجوانبِ برموزٍ دقيقةٍ حدَّ الرهبةِ، ومدهُ نحوَ ليثٍ. «أمسكْ هذا. اسمهُ حاضنُ الوهجِ. وما ستحلبهُ ليسَ حليبًا، بلْ هيَ قوةٌ مرصودةٌ فوقَ كلِّ النجومِ، أقدمُ منَ المجراتِ، أطهرُ منَ النورِ، وأفسدُ منَ النارِ.» ثمَّ أشارَ نحوَ وعاءِ النارِ الكبيرِ، وقالَ: «مدَّ يدكَ. لكنْ قبلَ أنْ تفعلَ ذلكَ، يجبُ أنْ تتلوَ النشيدَ. النشيدَ الذي يفتحُ مسامعكَ للطاقةِ. استمعْ إليَّ ورددْ خلفي، دونَ أنْ تسألَ عنْ معنًى أوْ مقصدٍ.» ثمَّ بدأَ دودمانُ يتمتمُ، وصوتهُ يتصاعدُ وينخفضُ كنبضٍ كونيٍّ: «يا وهجَ البدءِ المحرمِ. يا شقَّ السرِّ الساكنِ في أضلعِ الغابرينَ. يا رجعةَ الضياءِ حينَ يبتلعهُ جوفُ الظلمةِ. افتحْ بابَ الميتةِ العتيقةِ، وانقطْ منْ جبِّ السماءِ دمعةً منْ نواةِ القمرِ، حلبةً منْ جنينِ النجمِ، كيْ تولدَ منَ العتمةِ خطًى لا يبصرها الأحياءُ.» رددَ ليثٌ وراءهُ، مرتجفَ الصوتِ، لكنهُ كانَ ماضيًا في الترديدِ، كأنَّ الصوتَ لا ينبعُ منْ حلقهِ بلْ منْ شيءٍ أعمقَ داخلهُ. وما إنْ أنهى الترديدَ حتى انقلبَ وهجُ النارِ. تصاعدَ اللهبُ فجأةً، لكنها لمْ تكنْ نارًا مألوفةً. أصبحتْ تميلُ إلى الزرقةِ، ثمَّ إلى البنفسجيةِ، ثمَّ ظهرتْ شراراتٌ بيضاءُ لا تشبهُ النيرانَ، بلْ تشبهُ ومضاتِ برقٍ انغمستْ في حفرةٍ صغيرةٍ. صرخَ ليثٌ لا إراديًّا، لكنهُ لمْ يتراجعْ. قالَ دودمانُ وهوَ يراقبهُ بعينينِ لا تطرفانِ: «مدَّ يدكَ واسحبِ الوهجَ. هذهِ أولُ نجمةٍ ستحلبها. وإنْ لمْ يهتزَّ قلبكَ، فاعلمْ أنكَ ولدتَ لتكونَ حلابَ الزمانِ.» ترددَ ليثٌ لحظةً، ثمَّ رفعَ كفهُ المرتجفةَ، وغمسها ببطءٍ في الوهجِ الغريبِ. وما إنْ لامستْ أصابعهُ اللهبَ، حتى شعرَ بوخزٍ يتسللُ إلى عظامهِ، كأنَّ كلَّ وريدٍ فيهِ يعادُ تشكيلهُ. وتسللَ الضوءُ إلى عروقهِ. ثمَّ سكنَ كلُّ شيءٍ. وسحبَ يدهُ ببطءٍ. وفي راحتهِ، كانتْ هناكَ قطرةٌ واحدةٌ. قطرةٌ مضيئةٌ شفافةٌ لكنها ثقيلةٌ، لها وزنُ حجرٍ ودفءُ نجمٍ يحتضرُ. أخذَ دودمانُ الوعاءَ الحجريَّ، وقالَ: «انتهتِ الخطوةُ الأولى. الآنَ دخلتَ طريقًا لا رجوعَ فيهِ. ومنْ هذهِ الليلةِ، لكَ نصيبٌ منْ كلِّ نجمةٍ في السماءِ، وكلُّ قوةٍ تحلبها منَ النجومِ، يمكنكَ تشكيلها لأغراضكَ.» ثمَّ أدارَ ظهرهُ، واقتربَ منَ الجدارِ، وبلغَ صوتهُ الأخيرَ قبلَ أنْ يتلاشى: «استعدَّ يا ليثُ، فمنَ اليومِ ستكونُ قويًّا، أقوى منْ كلِّ بشرِ الأرضِ.» ثمَّ صمتَ لحظةً واستطردَ في حديثهِ: «أقوى منْ كلِّ ملوكِ الجنِّ. كلُّ قوةٍ في الأرضِ أوْ في السماءِ، تراها أوْ تشعرُ بها، ستكونُ طائعةً لكلِّ رغباتكَ وأوامركَ. أنتَ منَ اليومِ حلابُ النجومِ.» ثمَّ تلاشى وكأنهُ لمْ يكنْ.

أكملت هذا الفصل

هذا هو آخر فصل في الرواية.

تفاعل مع الفصل
0 تفاعل
قيّم هذا الفصل
0.00 / 5 · 0 تقييم

التعليقات

0 تعليق
لا توجد تعليقات على هذا الفصل حتى الآن.