الغريبان · الفصل 9 · عقوبة الغارق
73%
الغريبان

عقوبة الغارق

الفصل 9

racha roufaida بقلم: racha roufaida · 2026/08/28 07:54
الفصل 9 من 11 73%
الفصل 9 2 مشاهدة آخر تحديث: 2026/08/28 07:54
بعد انتهاء التدريب ذهبت روز إلى مكتب مسؤول الأمن كي تحصل على معلومات تخص عقوبة جين و انتهاءها , المكتب كان كغيره محاطا بالأمن الملكي إلا أنها تمكنت من الدخول بفضل بطاقتها ثم أغلقت الباب و توجهت إلى الشاشة التي كان يقف أمامها مسؤول الأمن و مسؤول الأمن السيبيراني يتفقدان أوضاع المدينة و انتشار الأمن الملكي فيها , كان الأمن الملكي يعامل السكان كأنهم دمى يحركونها كيفما شاءوا بينما الناس عاجزون عن المعارضة و لو بالإيماءة بل اكتفوا بتبادل النظرات التي تعلن رفض هذه القرارات , بينما في القصر جلس الحاكم يراقب الأحوال في المدينة فخورا بنفسه لأنه جعل الناس تخاف منه و من غضبه ثم قال : " نفذوا أمر إطلاق سراح العصابات حالا و أمنوا لهم نشاطهم في المدينة " أومأ دييغو بالموافقة ثم خرج رفقة فرقة من الأمن الملكي نحو قسم السجون الذي كان تحت حراسة الأمن التابع للحاكم السابق ثم توقفوا أمام الباب يأمرونهم بالتنحي جانبا للدخول إلا أن أفراد الأمن وقفوا في طريقهم يمنعونهم من الدخول , أشار دييغو للأمن الملكي بالابتعاد إلى الخلف قليلا ثم وقف بملامح صارمة أمام مسؤول حرس السجن و يديه إلى الخلف ثم قال بنبرة تحذيرية : " أمامك دقيقة قبل أن آمرهم بتدمير المكان على رؤوسكم , فلا تختبر صبري " نظر الحارس إلى صديقه الذي أومأ له بالابتعاد و على وجهه أمارات الاستسلام ففعل ذلك عندها دخل الأمن الملكي السجن و انتشروا فيه و أخذوا يحررون كل من فيه من عصابات و زعمائها ثم جمعوهم في البهو الكبير و وقف دييغو أمامهم ثم قال كمن يلقي خطابا : " اليوم هو يومكم , الحاكم المحترم إيفان أعطاكم حريتكم التي حرمكم إياها شارل سابقا و يقول لكم : انطلقوا و دمروا ما بناه شارل لنبني بلدا يليق بنا و بانتقامنا " هتف المجرمون فرحا بقرار الحاكم كأنه أعاد لهم حقهم و استمروا في تكرار اسمه في هتافاتهم كأنه أنقذ أبطالا ثم انطلقوا في شوارع المدينة عائدين إلى أوكارهم التي يخططون فيها لنشر الرعب و لكن هذه المرة تحت حماية ملكية مطلقة . أما في قسم المراقبة حيث كانت روز تراقب المدينة مع باقي مسؤولي الأمن اشتعلت أضواء الإنذار الحمراء في غرفة المراقبة , تبادلت روز النظرات مع المسؤولين ثم التفتت إلى كيم أحد عناصر المراقبة و سألت : " ماذا يحدث ؟ " قال و هو يعدل الكاميرات التي كان مسؤولا عن تحريكها مع زملائه : " نحاول أن نعرف الأمر " اقتربت روز و أبعدت يده ثم وجهت الكاميرا إلى المنتصف و قالت له : " أنت تركز على المنتصف " ثم التفتت إلى المراقبين على اليمين و قالت : " أنتم توجهون الكاميرات إلى الجهة اليمنى " بعدها التفتت إلى الباقين على اليسار و قالت : " و أنتم اليسار " أومأ المراقبون بالموافقة و وجهوا الكاميرات حيث طلبت روز و هناك توضحت الصورة جيدا : أخطر العصابات هاجمت المدينة و بدأت بتخريبها " سأل كيم : " ماذا سنفعل فهم محاطون بالأمن الملكي ؟ " التفتت إلى بقية المسؤولين و قالت : " علينا التدخل , حالا " أومأ المسؤولون بالموافقة ثم استدعوا بقية الأفراد إلى غرفة الاجتماعات الكبرى و هناك أمروهم بالتوجه إلى المدينة و إيقاف المخربين , انقسم أفراد الأمن إلى مجموعات منظمة ثم انتشروا في المدينة بينما اتجهت روز إلى بقية الفتيات في قسم الأمن السيبيراني و قالت بصرامة : " بدأ افراد الأمن الاشتباكات مع مجموعات من العصابات التي تخرب المدينة , نتوقع أن يعود البعض منهم مصابين فكن مستعدات " تركت الفتيات الحواسيب و أجهزة المراقبة و اتجهن إلى القسم المخصص للحالات العاجلة و أخذن يجهزن أدوات الإسعاف , أما روز فذهبت إلى مسؤولي الأمن حيث كانوا يراقبون الوضع و وقفت أمامهم ثم وضعت شارتها على الطاولة , استغرب الحاضرون هذا التصرف ثم سأل مسؤول الأمن السيبيراني : " ماذا نفهم من هذا التصرف يا روز ؟ هل تتخلين عنا في أحلك الظروف ؟ " أجابت روز بثبات : " لا أبدا , بدأت الطريق عن قناعة تامة و لن أحيد عنه أو أغيره مهما حدث , و الآن الظروف تتطلب أن أتخذ قرارا مختلفا " سأل المسؤول بفضول : " و أي قرار تتخذينه في ظروف كهذه ؟ " رفعت رأسها و أجابت : " أريد أن يتم نقلي إلى فرقة التدخل العاجل كي أشارك في صد الأمن الملكي و ما يفعله " انتفض مسؤول الأمن العام من مكانه فورا : " لا لن أقبل طلبا كهذا في ظروف كهذه , وجد الرجال لحماية النساء في هذا البلد و لهذا ستتولين مسؤولية قسم الأمن السيبيراني و الإسعافات " ردت روز بعصبية : " لا , لا يمكن للشبان أن يتولوا الأمر بمفردهم فهم يحتاجون دعما , يجب أن نتدخل أيضا " رد المسؤول بنفاذ صبر : " روز هذا قرار لا يمكن مناقشته أو معارضته , ستبقى الفتيات هنا لإدارة شؤون قسم الأمن السيبيراني و تقديم الإسعاف " اقترب مسؤول الأمن السيبيراني : " روز هذا قرار انتحاري , يجب أن تبقي هنا في قسم المراقبة للمساعدة في توجيههم أثناء التدخل " حاولت الاعتراض : " و لكن ... " إلا أن المسؤول أنهى الحديث و أمرها بالعودة إلى مكتبها , عادت روز إلى مكتبها غاضبة و جسدها يرتجف إلا أنها وجدت الملفات التي طلبت تجهيزها حول أوضاع القصر جاهزة , جلست أمام المكتب و أخذت أوراق لاصقة لتكتب ملاحظات حول الملفات , أخذت الملف الأول و الذي كان حول شكل الأمن الملكي و بدأت تكتب : * أكثر من عشرة آلاف مجند . * ينتشرون في كل أرجاء المدينة . * نشاط الأمن مراقب . * يلخص نشاط كل يوم في ملف يقدم إلى القصر . ثم توقفت و سألت نفسها : " لكن كيف يرتب القصر هذه الملفات في قسم الأمن الملكي ؟ " فجأة تذكرت إخفاقها في تدريب الإسعاف عندها تركت القلم و أخفت الأوراق ثم أغلقت مكتبها و ذهبت إلى مكتب الطبيبة ثم دقت الباب و دخلت , استقبلتها الطبيبة بابتسامتها المعتادة فجلست على الكرسي مقابلة للطبيبة و قالت : " أرجو أن لا أكون أزعجتك أو قاطعت عملك " ابتسمت الطبيبة ثم أجابت : " لا أبدا , أنا هنا من أجل الجميع , هل احتجت شيئا ؟ " ردت روز و هي تفرك يديها : " في الواقع لم أكن راضية عن أدائي في التدريب و لم أستطع أداء أي عمل و أنا أفكر في أي نتائج سلبية بسبب عدم اتقاني للخطوة الأولى " وضعت الطبيبة ما بيدها ثم ضمت يديها و قالت : " لا بأس في الأمر يا روز لأنه شيء جديد عليك , ستتقنينه مع الوقت , المهم أن تتدربي عليه كثيرا " توقفت روز عن فرك يديها ثم التفتت إليها و قالت : " لهذا أنا هنا , أريد أن أعيد التدريب أكثر من مرة لأتقنه , فهل يمكنك مساعدتي في هذا ؟ " أومأت الطبيبة بالموافقة ثم قالت : " بالتأكيد سيسعدني هذا , لنكرر التمرين إذا " ثم اتصلت بمسؤولي غرفة التدريب و طلبت تجهيزها , بعد لحظات عاد أحد المسؤولين و قال للطبيبة : " الغرفة جاهزة " أشارت الطبيبة إلى الباب ثم طلبت من روز أن تلحق بها إلى قاعة التدريب التي تم تجهيزها , بمجرد أن دخلت روز مع الطبيبة إلى القاعة بدأت الطبيبة تشرح التمرين مجددا لروز : " تخيلي الدمية أمامك شخصا ينزف بشدة و في هذه الحالة لا تملكين خمس دقائق للتفكير لذا عليك التصرف بسرعة و لا تنسي الخطوات الأساسية : نحافظ على أمان المكان و ننقل المصاب إلى مكان آمن أو نحيط المكان بعناصر الأمن , نحدد مكان النزيف ثم نضغط مباشرة فوق الجرح و نحافظ على وضعيتنا دون رفع اليد , الجو داخل غرفة المحاكاة ثقيل جدا : دخان و أصوات إنذار و تسجيلات لصراخ أناس , ستجدين الدمية في إحدى الزوايا , عليك أن تهدئي و تركزي و تتنفسي جيدا حتى لا يصاب الضحية بالذعر أو تكوني مصابة ثانية " حفظت روز الخطوات و الملاحظات ثم قالت : " فهمت , حاضرة , سأحاول تطبيق ما قلته بالحرف " و أكملت داخلها : " و أجعلك فخورا بي " أشارت الطبيبة إلى الخارج ثم قالت : " لنخرج و نبدأ من خطوة الاقتحام " خرجت الطبيبة خلفها روز التي وقفت أمام الباب بينما بدأت الطبيبة تعد عدا تنازليا استعدادا للاقتحام و مع إشارتها دخلت روز الغرفة و بدأت مراقبة الغرفة حولها : دمى تجسد عناصر الأمن و الأمن الملكي كأنهم في اشتباك , ظلام كثيف , دخان خانق و أصوات عالية , دخلت روز الغرفة و أخذت تبحث عن الدمية التي تجسد المصاب فرأتها في إحدى الزوايا عندها تذكرت تأمين المصاب قبل إسعافه فراقبت المحيط حولها ثم ركضت نحوه و أسندته كما لو أنها تسند شخصا حقيقيا و أخذت تنظر يمينا و يسارا عندها رأت زاوية فارغة فيها طاولة فأسرعت نحوها ثم قلبت الطاولة لتحميهما من أي هجوم , بينما كانت الطبيبة تسجل الملاحظات خارج الغرفة حيث كانت تراها من شاشات المراقبة , بعد أن أمنت روز المصاب و أخذت تتعامل معه كأنه إنسان حقيقي فبدأت تهدئه و تطمئنه , بعدها نظرت يمينا و يسارا فرأت قفازات قريبة منها إلا أنها كانت بعيدة عن الطاولة التي كانت تحميها فنظرت حولها ثم أسرعت و أخذت القفازات و عادت إلى المصاب ثم كشفت موضع الإصابة و أخذت الضماد بحركة سريعة ثم وضعته بشكل صحيح على الإصابة و ضغطت عليه ثم أخذت تنظر يمينا و يسارا تحسبا لأي خطر . ضغطت الطبيبة زر جرس إنهاء التمرين من مكتب المراقبة خلف زجاج الغرفة و قالت عبر مكبر الصوت : " انتهى التمرين , يمكنك أن تبتعدي عن الدمية يا روز " اشتغلت الأضواء داخل غرفة المحاكاة و توقف الجهاز الذي كان يطلق الدخان ثم دخلت الطبيبة و هي تنظر حولها ثم توقفت أمام روز و قالت و هي تنظر للدمية : " الفرق بين أدائك في التمرين الأول و التمرين الثاني أنك تصرفت بتأن و حكمة على عكس التمرين الأول الذي تصرفت به بسرعة دون تفكير , في حالات كهذه علينا الحفاظ على هدوء المصاب و أن لا نزيد ذعره لأننا مصدر الأمان هنا , أرجو أن تتذكري هذا حين تطبقين الأمر على الواقع " هزت روز رأسها بالموافقة ثم ردت : " أشكرك كثيرا على صبرك معي " ابتسمت الطبيبة : " هناك الكثير من الأمور التي ستتعلمينها يا روز و ستتقنينها مع الوقت " ثم نظرت إلى الساعة و قالت : " سنكتفي بهذا لليوم , يمكنك العودة إلى عملك في مكتبك " أومأت روز بالموافقة ثم غادرت نحو مكتب مسؤول الأمن و بعد أن أخذت إذنا كالعادة من الأمن الملكي دخلت ثم أغلقت الباب لتضمن عدم انصات الأمن الملكي لما سيقولانه ثم جلست مقابلة له و قالت : " سيد غابرييل أنت الشخص الوحيد الذي أستطيع أن أسأله و أعلم أنك تملك الإجابة " شفر بعض الملفات في حاسوبه لضمان عدم وصول الأمن الملكي إليها في غيابه ثم أجاب : " لا أضمن لك إجابة شافية يا روز لكن يمكنك أن تسألي ما تشائين ؟ " سألت برجاء : " أليس لديك معلومة عن موعد خروج جين ؟ مضى أكثر من أسبوعين و هو في السجن الملكي و أنا قلقة عليه جدا " أبعد يديه عن الحاسوب و قال : " أنا لا أعرف يا روز , نحن ممنوعون من الذهاب للقصر أو الحصول على معلومة منه , كما أنهم منعونا من العودة إلى السجن الملكي إلا كمعتقلين , إضافة إلى ذلك لا نستطيع اختراق موقع الأمن الملكي و كل محاولة فاشلة منا تعرضنا لخطر أكبر" تغيرت ملامح روز إلى العبوس و هي ترد : " أحيانا أفكر في الذهاب إلى القصر و ترجي الحاكم للعفو عنه أو أن آخذ العقوبة عنه " رد على الفور بعصبية : " أحذرك من هذا , نحن لم نخاطر هكذا لنسقط عند قدمي إيفان و نرجو منه العفو على تضحيتنا من أجل الوطن , يجب أن نستعيد المملكة مهما كلف الأمر " هزت رأسها يمينا و يسارا بيأس : " لا أحد يستطيع أن يفهم ما أشعر به , كنت أتمنى منذ سنوات أن أكون له و خشيت أن لا يقبلني لأنني غريبة و حين حصلت عليه دمروا زفافي و أخذوه مني و كلما حاربت أبعدوه عني " تغيرت نظرته إلى الإشفاق ثم قال : " روز أنت بالفعل غريبة , أنت هنا في قسم الأمن منذ خمس سنوات , أتيت إلى هنا في الثامنة عشر من أجل التربص أثناء دراستك و كنت متفوقة و نلت إعجاب الإدارة رغم أنك كنت غريبة الأطوار لأن الشخص الطبيعي يحتفل بإنجاز كهذا بينما أنت قابلت الأمر ببرود , كان لديك الفضل في حل أغلب القضايا و أصعبها و لم تضعفي أمام شيء أما الآن تضعفين أمام قرار كهذا تعلمين أن جين بريء منه و أن الملك تعمده ليبعده عنك " رفعت روز رأسها و أجابت : " تماما , إنني أفكر أحيانا في العودة بالزمن إلى اللحظة التي حلمت فيها بكل هذا و حققته , لو لم أدخل هذا المجال و أتفوق فيه لما صرت مهددة و لو لم يرني جين هنا في ذلك اليوم لما تزوجني و أصبح عالقا هكذا , كانت حياته طبيعية قبل أن أدخلها " ابتسم القائد و قال : " و هذا ما يجعلك غريبة يا روز , كنت استثناء عند شارل و كان يثق بك و الآن أنت استثناء عند إيفان لأنه يستهدفك , أنت لست غريبة لأنك غريبة أطوار بل لأنك استثنائية فكري في هذا على نحو إيجابي و ستجدين دافعا للتقدم , أما بالنسبة لجين فإنه سيعود سأحاول إيجاد حل لتقليص مدة سجنه " عند سماعها الجملة الأخيرة اعتدلت فورا في جلستها و قالت : " لكنك قلت بأننا لن نطلب شيئا كهذا من الملك " رد و هو يكمل عمله في الحاسوب : " نعم لكننا سنجد حلا آخر " فكرت قليلا ثم سألته مجددا : " ألن تفكر في قرار نقلي إلى فرقة التدخل ؟ ربما تغير رأيك " أجاب بحدة دون النظر إليها : " لا , قرار لا رجعة فيه , يمكنك العودة إلى عملك " تنهدت بقوة ثم خرجت و بمجرد أن أغلقت الباب خلفها قالت في نفسها :" سأذهب معهم دون أن تراني " في مكتب روبرتو في عيادته النفسية , انتهى موعد أحد مرضاه و غادر العيادة بينما اعتدل روبرتو على الكرسي ليرتاح بعد نهاية الجلسة ثم نظر إلى التقويم أمامه و تساءل في نفسه : " ترى ما أحوال روز ؟ علي إعادة الدفتر إليها لتكتب قليلا ثم تعيده إلي كي أعرف كيف تفكر بعد القرار الأخير و أعرف أحوالها مع العمل " ثم فتح درج المكتب و هنا كانت المفاجأة : لا أثر للدفتر , استغرب روبرتو في البداية ثم قال في نفسه : " لعلي غيرت مكانه و نسيت أو أن إحدى الممرضتين غيرت مكانه عندما رتبت المكتب " نهض من مكانه و بحث في كل شبر من المكتب إلا أنه لم يجده عندها فتح الباب و استدعى تيفاني التي بمجرد أن سمعت اسمها ارتعشت دون أن يلحظ ذلك ثم دخلت المكتب بعده فوجدته ينظر حوله ثم سألها : " تيفاني كان هناك دفتر أبيض في درج المكتب , ألم تريه ؟ " أجابت بتردد و عيناها تدوران في المكتب : " لا .. لا أبدا فأنا لم أدخل مكتبك أبدا " لاحظ عيناها اللتان تتحركان كثيرا ثم سألها : " تيفاني , هل أنت بخير ؟ " نظرت في عينيه و أجابت بتردد : " أنا بخير ... بخير , ما الذي قد يصيبني ؟ " أمال رأسه قليلا ثم قال : " عيناك تتحركان كثيرا , هل أنت متعبة من شيء ؟ هل تشعرين بالضغط في العمل ؟ " ضحكت ضحكة قصيرة صفراء ثم أجابت : " لا أبدا ... إنما السهر كثيرا يتعبني " أومأ كأنه يتفهم الأمر ثم قال :" حسنا إذا طالما أنك لم تريه فيمكنك الذهاب , كنت في حاجة إليه كثيرا , هل يمكن أن تستدعي بريتني من أجلي ؟ لعلها رأته " هزت رأسها بالموافقة ثم قالت : " حسنا سأفعل " خرجت تيفاني من المكتب ثم تنهدت براحة و عدلت ثيابها ثم توجهت إلى زميلتها و قالت بنبرتها الجافة المعتادة :" روبرتو يستدعيك إلى مكتبه " تركت بريتني ما بيدها ثم ذهبت إلى مكتب روبرتو و أغلقت الباب خلفها كما طلب ثم اقتربت منه و سألته : " ما الأمر روبرتو ؟ قلت أنك في حاجة إلي " أجاب روبرتو بانهيار : " بريتني دفتر روز الأبيض اختفى , كنت احتفظ به في درج المكتب و الآن لا أثر له , هل غيرت مكانه حين نظفت المكتب ؟ " أجابت بريتني بنبرة هادئة تعكس صدقها : " أنا لم أرتب مكتبك بعد يا روبرتو , أجلت الأمر إلى يوم الأربعاء لأنك لن تعمل فيه , و حتى لو نظفته كنت لأعيد الدفتر إلى مكانه " جلس روبرتو على الكرسي و وضع رأسه بين يديه و قال : " إنها مشكلة كبيرة , يحتوي الدفتر على جميع أسرار روز و مخاوفها و حتى تفاصيل مرضها و الخطر الذي يهددها فإذا اختفى ستحل كارثة و الأسوأ إذا وصل إلى أعدائها " جلست بريتني على الأرض مقابلة له و قالت و هي تبعد يديه عن وجهه : " روبرتو اهدأ , خذ نفسا عميقا " رد بانهيار : " كيف سأهدأ و أسرار مريضتي عند أعدائها ؟ جين أعز صديق لي وثق بي ثقة عمياء لأعالج شريكة عمره و أنا دمرت كل شيء " هزت رأسها نافية و قالت : " أنت لم تدمر شيئا , أنت اجتهدت كثيرا في علاج روز , عرفت مرضها من بين الكثير من الاحتمالات , جهزت لها خطة علاج متكاملة و أنت تسهر على نجاحها , اختفاء الدفتر ليس ذنبك , علينا أن نعرف أولا كيف اختفى الدفتر ثم نحاول إيجاده " هذه الجملة أيقظت فيه روح الطبيب النفسي التي فقدها عند ذعره و تذكر تيفاني و ترددها عند الإجابة و عيناها اللتان كانتا تدوران في المكتب و ضحكتها الصفراء فرفع عينيه إلى بريتني و قال : " أعتقد أنني عرفت أين ذهب الدفتر و إن كانت توقعاتي صحيحة فنحن في كارثة " اتسعت عيناها و هزت رأسها نافية : " هذا لا يمكن , مستحيل " أجاب مؤكدا : " تيفاني أخذت الدفتر إلى الحاكم " فجأة رن هاتفه و عندما رأى الاسم على الشاشة اتسعت عيناه ثم قال لبريتني بنبرة يسيطر عليها الخوف لأول مرة : " إنها روز " بادلته بريتني نفس النظرة ثم قالت :" يجب أن ترد و حاول أن تلهيها عنه , على الأقل حتى عودة جين فهو الوحيد القادر على استعادته " أومأ بالموافقة ثم رد ليسمع صوت روز من الطرف الآخر : " أهلا روبرتو , كيف حالك ؟ أرجو أن لا أكون اتصلت في الوقت الخطأ " ضحك ضحكة قصيرة ثم قال : " لا أبدا , يمكنك الاتصال في أي وقت " ضحكت بخجل ثم قالت : " في الواقع حدث الكثير من الأمور مؤخرا و أتعبتني كثيرا , أريد أن أمر عليك و آخذ دفتري لفترة , أرغب في الكتابة كثيرا لأتخلص من بعض الثقل الذي يؤلمني " كانت يدا روبرتو ترتجفان و هو يستمع إلى طلب روز و ينظر إلى بريتني بعينان يملؤهما ذعر لم تره أبدا فيه منذ بدأت العمل عنده نظر حوله ثم قال : " روز مازلت بحاجة إلى الدفتر لأنني وجدت فيه أشياء مهمة لكنني سأحاول إنهاء العمل به قريبا , عدا ذلك يمكنك أن تخبريني بما يثقلك في جلسة أبرمجها وقت ما شئت " تنهدت ثم ردت : " هل يمكن أن أمر عليك بعد العمل ؟ " أجاب محاولا إخفاء تردده : " حسنا ستجدينني في العيادة " أغلق الهاتف ثم وضعه جانبا و وضع يديه على وجهه مجددا ثم قال لبريتني : " روز طلبت دفترها و هي آتية ... كيف سأخبرها بما حدث ؟ " أبعدت بريتني يديه مجددا ثم قالت : " يؤسفني أنك ستضطر لعدم إخبارها , غير معها الموضوع كلما طلبته و انتظر حتى يعود جين من السجن الملكي , هو الوحيد القادر على استعادته " تنهد بألم و نظر إلى الفراغ أمامه قائلا : " أنا لست صديقا جيدا , في الوقت الذي يضحي فيه جين بنفسه من أجل أمننا دمرت أنا حياة زوجته و أكثر إنسانة أحبها في حياته , أي نوع من البشر أنا ؟ " هزت رأسها نافية : " أنت صديق جيد , أنت أفضل إنسان يمكن أن يتعرف عليه أي شخص , شاطرت صديقك في مشاكله و حملت معه و مع زوجته عبئا لا يتحمله جبل شامخ , المشكلة ليست فيك بل في تيفاني التي أعمتها الغيرة , سيستعيد جين الدفتر لكن قبل ذلك عليك أن تعيد إليه روز التي يريدها , اتفقنا ؟ لا تجعل ما فعلته تيفاني يدمرك , أنت شخص قوي بل أقوى شخصا عرفته " سكتت قليلا ثم أكملت : " و أحببته " رفع رأسه إليها متفاجئا و قال : " أليس غريبا ؟ " ابتعدت و لون وجهها يتحول إلى اللون الأحمر : " ما هو الغريب ؟ " أجاب بثبات : " الحب ؟ أليس غريبا ؟ أليس غريبا أنك أحببت شخصا لا تعرفين عنه شيئا غير أنه الأفضل في مجاله ثم اكتشفت أنه الأضعف و مع ذلك ما زلت تحبينه ؟ " ابتسمت ثم أجابت : " الحب دائما غريب , لم يكن الحب يوما شيئا عاديا أو طبيعيا , لطالما كان شيئا غريبا " تذكر للحظة كلام جين عن الحب حين كان يخبره عن روز و التي لم يكن يكف عن الكلام عنها و عن حبه لها منذ ثلاث سنوات : " الحب شيء غريب لأنه يدفعنا إلى فعل أشياء غريبة , قد تحب إنسانا و تهيم به لكن حين تراه تبتعد عنه كأنه عدوك " ابتسم روبرتو و هو يتذكر صديقه ثم قال : " لم يجمع الحب يوما شخصين متشابهين , جين كان قويا و صلبا يصعب كسره أو يستحيل كسره إن صح التعبير , أما روز فقوية من الخارج و هشة من الداخل و كلاهما كقطع الأحجية تكمل بعضها لتحصل على صورة متكاملة " اقتربت بريتني منه و قالت : " ماذا عنك ؟ ألم تجد قطعتك الناقصة لتكمل أحجيتك ؟ " نظر إليها ثم ابتسم أخيرا و قال : " وجدتها بالفعل , إنها أمامي " ابتسمت بريتني و عيناها تمتلئان بالدموع حتى سالت من إحدى عينيها فمد يده و مسحها , ليعلن الاثنان قصة حب بدأت بين غريبان. أما في القصر , كان الحاكم في غرفة الاجتماعات الكبرى لا يتوقف عن السير في الغرفة ذهابا و إيابا غير مكتف بآخر قراراته و لا يشعر بأنه سيطر على الجميع , فجأة دخل سامر خلفه فتاة جميلة بملابس ممرضة شعرها بني و عيناها خضراوان تحمل دفترا أبيض , بمجرد أن رآه الحاكم زاد انزعاجه خصوصا و أنه لم يتم تصفيته بعد , اقترب سامر و الفتاة ثم انحنى احتراما له و قال : " يبدو أننا تقدمنا خطوة للأمام في ملف روز " سأل الحاكم : " كيف ؟ " أجاب سامر و هو يشير إلى تيفاني : " أعرفك على تيفاني الجميلة أجمل هدية تصلنا لتساعدنا في تصفية روز " رد الحاكم بعصبية : " من تعتقد نفسك لتندخل غرباء إلى القصر ؟ هل نسيت مكانتك ؟ " أجاب محاولا تهدئته : " كلا لم أنس و أعرف أن القصر ليس بالمكان الذي يقبل الغرباء و لكن هذه الجميلة ليست بغريبة , أعرفك على تيفاني و هي ممرضة لدى الطبيب النفسي الذي تتعالج عنده روز في الوقت الحالي " تغيرت ملامح الحاكم فورا و جاراه في الحديث : " تتعالج عند طبيب نفسي ؟ " أومأ سريعا : " نعم طبيب معروف و اسمه روبرتو سميث , لديه عيادة خاصة وسط المدينة , أتتك اليوم بالدفتر الذي تكتب روز فيه أسرارها و نقاط ضعفها " التفت الحاكم إلى تيفاني و سألها : " هل هناك شيء آخر يتعلق بنقاط ضعف روز غير الدفتر ؟ " أجابت تيفاني : " ملفها عند روبرتو و يحتوي على تفاصيل مرضها و تأثيره عليها إضافة إلى تفاصيل حول النوبات " أومأ بنعم سألها :" هل يمكنك الحصول عليه ؟ " أجابت و هي تحني رأسها : " لا أعرف لأنه لا بد من أن روبرتو عرف بأمري و قد يمسك بي " فكر الملك قليلا ثم قال : " لنتأنى في الأمر , سأدع الأمر للأمن الملكي أما أنت فيمكنك البقاء في القصر في الوقت الحالي , خذها إلى جناح نافين السابق " أومأ له ثم أخذها إلى الجناح بينما نظر الحاكم إلى الدفتر الذي تركته له على الطاولة و قال في نفسه : " بالرغم من أنها مفيدة إلا أنها عثرة أخرى في طريقي و يجب التخلص منها " بعدها استدعى أحد المراقبين في السجن الملكي و الذي أتى سريعا لأن المسافة لم تكن طويلة جدا ثم سأله : " كيف هي أحوال جين ؟ هل هو على حاله ؟ " أجاب المراقب : " لم يغير رأيه في الولاء و لم يبد أي تردد فيه كلما سألناه عنه " فكر قليلا ثم قال : " أحضروه إلي إذا , فوقت العمل الجدي قد بدأ " أومأ الحارس ثم غادر مسرعا . آنذاك كان جين يتحدث مع الحارس الذي كان همزة الوصل بينه و بين الحاكمة بعد أن أبعد البقية و تظاهر بأنه من سيتولى أمره , نظر جين إلى البذلة و كذلك الحارس الذي سأله : " هناك أمر آخر مهم , كيف ستقابل السيدة روز بها ؟ " تنهد و هو يفكر ثم قال : " حتى لو أخفيت الأمر ستعلم يوما , لأنه على ما يبدو أن الأمر سيطول " أومأ الحارس : " يبدو كذلك لأن الحاكم مازال يصدر قرارات أكثر وحشية " التفت إليه و سأله : " ألم يقرر بعد مصيري ؟ " أجاب الشاب : " لم تصلنا إجابة منه بعد , إنه ليس بالشخص الذي يمكن التعامل معه بسهولة , لن يثق بك بسرعة " فجأة سمع الاثنان صوت حراس يقتربون من الزنزانة فاعدل الشاب في وقفته بينما بقي جين جالسا في مكانه و ينظر إلى الفراغ أمامه , وقف مسؤول الحراس أمامه و قال : " جين ... الحاكم يستدعيك " نهض من مكانه و توجه نحو الباب إلا أن الحارس استوقفه قائلا : " البذلة ... أم أنك نسيت ؟ " نظر الشاب إليه بينما جين استدار للخلف و نظر إلى البذلة للحظة بدا فيها لهم مترددا فاستعدوا لسحب أسلحتهم إلا أن جين تقدم و أخذ البذلة ثم اتجه نحو الباب حيث ذهب مع الحراس إلى غرفة المراقبة حيث كان الحاكم يتابع الاشتباكات بين الأمن الملكي و السلك الأمني التابع للحاكم السابق الذين كانوا يحاولون إيقافهم من تخريب الحديقة عندما سمع صوت الحارس خلفه يقول : " مولاي جئنا به كما أمرت " التفت إيفان للخلف و عندما رآه قال بابتسامة غريبة : " أنت هنا , مرحبا بك , تعال " ثم أشار للحارس بالذهاب بينما اقترب جين نحوه كما أمر و توقف أمام شاشات المراقبة عندها أشار إلى حيث كان المخربون يدمرون تمثال الحاكم السابق في الحديقة و يفسدونها ثم قال : " هل ترى ما يحدث في الحديقة ؟ " أجاب بثبات يخفي خلفه غضبه : " نعم " عندها أكمل كلامه : " هذه الحديقة كانت تسمى حديقة السلام لكنها لا تعجبني , سيغيرون شكلها و أهم ما يجب أن يتغير هو تمثال شارل و سيقومون بتدميره لأني الحاكم الفعلي الآن و أنا من يجب أن يشيد تمثاله " سأل جين و هو ينظر للشاشة : " و ما المطلوب مني ؟ " أجاب الحاكم : " بما أنك من أفراد الأمن الملكي فأنت مجبر على حماية هؤلاء المخربين و ستقضي على كل من يقترب لإفساد المهمة , لاحقا ستصبح المسؤول عن الدورية التي تراقب مركز الأمن " أومأ بالموافقة ثم ذهب رفقة مجموعة من أفراد الأمن الملكي و هو يزيف الجمود على وجهه و يتمنى ألف مرة أن لا تراه روز من مركز المراقبة . كانت روز قد تخفت وسط فرقة التدخل التي اتجهت إلى وسط المدينة حيث بدأت الاشتباكات مع المخربين و لم يتمكن أحد من تمييز روز بين أفراد الأمن بسبب القناع الذي غطى وجهها و بينما هي كذلك توقفت فجأة عندما شعرت بيد تمسك بيدها بقوة لتوقفها فاستدارت فزعة لتجد زميلها مايكل يمسكها و يبعدها عنهم نحو شجرة قريبة أخفاها خلفها و بعد أن تأكد من سلامة المكان التفت إليها و قال : " سيدتي ماذا تفعلين هنا ؟ " أجابت و هي تنظر إلى الاشتباك خلفه : " أحاول إيقافهم كي لا يستمروا في تدمير الحديقة , ماذا يبدو لك ؟ هل كنت تعتقد بأنني سأقف في المركز و أشاهدهم يدمرون مملكتنا ؟ " التفت مجددا يتأكد من سلامة المكان ثم استدار إليها و قال : " هذه مخالفة لأوامر رئيس المركز و يمكن أن تعاقبي عليها , علم الرئيس بذهابك و يستدعيك فورا " ردت بعصبية : " فليفعل ما يشاء المهم أنني لم أبقى مكتوفة اليدين و أراقب الدمار يحل بالمدينة " أفلت ذراعها التي كان يمسكها بقوة ثم قال : " أعتذر لإمساكك هكذا لكن الرئيس قرر تكليفك بمهمة و علينا العودة الآن " ألقت نظرة أخيرة على المكان ثم قالت باستسلام : " حسنا لنذهب " غادر الاثنان الحديقة بينما استمرت الاشتباكات في الخلف لنصف ساعة قبل أن يسمع الجميع صوت سيارات تتوقف في المكان عندها توقف الجميع و التفتوا إلى الخلف ليجدوا أفراد الأمن الملكي يدخلون الحديقة و الصدمة الأكبر أن جين كان يتقدمهم بزي الأمن الملكي يحمل سلاحا غير سلاحه الذي اعتادوا عليه و ملامح وجهه متغيرة , توقفت دورية الأمن الملكي أمام عناصر الأمن و العصابات تنتظر قرارها لأن الكلمة الأخيرة كانت للأمن الملكي و القصر عندها نظر جين إلى العصابات التي وقف أفرادها جنبا إلى جنب كأنهم جيش واحد و ليس مجموعة عصابات و أفراد الأمن الذين لم يستوعبوا بعد أن جين ثم قال بنبرة صارمة تعكس جديته و أن ما يرونه ليس وهما : " بأمر ملكي فليعد عناصر الأمن إلى المركز حالا بينما العصابات إلى أوكارها دون أي مراقبة بعد إتمامها الأمر الموجه إليها " للحظة عم صمت مخيف يعكس صدمة الجميع حتى العصابات التي تعودت على أن جين يمسكها و يزج بها في السجن حتى أن بعض رؤسائها يعرفونه شخصيا و يتمنون تصفيته هم الآن يحصلون على أمر بتدمير حديقة الحاكم السابق منه شخصيا . انتشرت العصابات تتم العمل الموجه إليها بينما بقي أفراد الأمن مذهولين مما رأوه فأشار جين إلى عناصر الأمن الملكي بالذهاب قائلا : " ستتم العصابات عملها هنا بمراقبتي أنا شخصيا يمكنكم العودة إلى مركز الأمن الملكي " نفذ عناصر الأمن الملكي الأمر و عادوا إلى مركزهم بينما بقي جين مع أفراد الأمن , التفت يمينا و يسارا يتأكد من عدم وجود أفراد الأمن الملكي ثم قال : " دعونا نذهب خارج الحديقة و سأشرح ما يحدث هنا لأن المكان مراقب من القصر " غادر عناصر الأمن مع جين خارج الحديقة و اختبأوا خلف سيارات الأمن التي تركوها أمام مدخل الحديقة بعيدا عن مراقبة الملك و بمجرد أن هدأت الأوضاع و قبل أن يبدأ جين بشرح الأمر تلقى لكمة مفاجئة من أحد زملائه جعلت الدماء تنزل من فمه إلا أن البقية تدخلوا و أبعدوه عنه , مسح جين الدماء عن فمه ثم التفت إلى الخلف يتأكد من أن لا أحد من أفراد الأمن الملكي رأى هذا ثم أخذ نفسا عميقا و بدأ في شرح ما حدث قائلا : " أعرف أن الأمر صادم لكنني لست منهم " رد زميله الذي ضربه بعصبية : " كيف لست منهم و أنت ترتدي ملابسهم و شارتهم ؟ و فوق ذلك توقفنا عن عملنا ؟ أنت خائن بالفعل " نظر جين خلف السيارة مجددا ليتأكد أن لا أحد من أفراد الأمن الملكي عاد ليتنصت إليهم ثم قال : " لا وقت للشرح لكنني لست منهم بالفعل , بعد دخولي السجن علمت شقيقة الحاكم أنني هناك فأرسلت إلي حارسا و نسقنا معا خطة أكون فيها جاسوسا لصالحها كي أسهل اقتحام القصر " سأل شاب آخر بعدم ثقة : " و ما الذي يثبت الأمر ؟ " مد جين يده إلى جيبه و استخرج منه ورقة بيضاء ثم قال : " هذه هي الرسالة التي أرسلتها إلي شقيقة الحاكم عندما كنت في السجن طالبة المساعدة , كنت فرصتها الوحيدة لأنني آخر من بقي هناك . أنا مضطر لمعاملتكم بهذه القسوة أمام الحاكم لأحافظ على ثقته بي و أسهل لكم اقتحام القصر " تأكد عناصر الأمن من الأمر عندما رأوا خط يد الحاكمة و توقيعها الذي كان مميزا و لا أحد يستطيع تقليده فأنزل زميله الذي ضربه رأسه و قال بخجل : " أنا آسف فقد آذيتك " رد جين و هو يمسح الدماء عن فمه : " لا بأس فلو كنت مكانك لفعلت نفس الأمر , أطلب منكم إخبار رئيس قسم الأمن بالأمر و شرحه له ريثما أعود , أنا مضطر لتعطيل دوركم في كل مرة كي أضمن ثقة الحاكم بي وقتها سأحصل على كل تفاصيل أوضاع القصر و المداخل السرية ليسهل عليكم الانقلاب " رد أحد زملائه : " إذا عد معنا و أخبره " نظر خلفه مجددا ثم قال : " لا أستطيع علي إنهاء الأمر هنا و العودة سريعا إلى القصر قبل أن يشك الحاكم بي و تفشل الخطة , هذه هي فرصتنا الأخيرة " سأل نفس الزميل الذي ضربه : " هل تريد أن نخبر السيدة روز عن الأمر ؟ إنها قلقة عليك " هز رأسه نافيا بسرعة و قال : " لا لا لا ... إياكم و فعل ذلك لأنها قد تتهور و تفسد كل شيء عندما تغضب , دعوا الأمر سرا بيننا كي لا يشعر الحاكم بشيء " وعده زملاؤه بإخفاء الأمر ثم تفرقوا قبل أن يشك البقية بهم , عندها عاد جين إلى الحديقة يراقب المخربين و هو يتمون عملهم تحت حماية الأمن الملكي بينما بقية عناصر الأمن غادروا المكان . عاد جين إلى القصر بعد أن أتم الأمن الملكي و المخربون عملهم ثم اتجه إلى غرفة الحاكم الذي استقبله بسعادة قائلا : " لم أتوقع أن توقف زملاءك في العمل , ظننت أنك تخدعني " أجاب جين بنبرة خالية من المشاعر : " لماذا أفعل و أنا سلمتك روحي هنا أمام حلفائك ؟ ... أخبرتك بالفعل بأنني أرغب في بداية جديدة " رد إيفان بسعادة : " لقد ساهمت في تدمير حديقة شارل بالفعل و أنهيت أحد المعالم التي تثبت ملكه , سيبدؤون غدا في إنشاء " حديقة إيفان " مكانها و يصبح ذلك المكان أيضا لي " انحنى جين أمامه و قال : " أي شيء لخدمتك " و أكمل في سريرته : " و أي شيء لنهايتك حتى لو كان نفسي " ثم اعتدل في وقفته عندها اقترب منه إيفان و قال : " ستبقى في القصر خمسة أيام أخرى , تخرج فقط في دوريات الأمن الملكي و تعود , بعدها أطلق سراحك ليبدأ عملك في المراقبة " أومأ جين بالموافقة فنادى إيفان على أحد الحراس و عندما دخل قال له : " خذه الآن إلى غرفة خاصة بدل السجن " ذهب جين مع الحارس و قلبه يدق بسرعة , تارة خوفا من أن يكشف أمره و تارة لسعادته بنجاح الخطة و تارة خوفا من ردة فعل روز . قبل نهاية الدوام , اجتمع أعضاء الأمن مع المسؤولين لمناقشة ما حدث ذلك اليوم و بدأ مسؤول الأمن العام بما فعلته روز و مخالفتها للأمر , وقف أمام الحضور و قال بصرامة : " تصرف كهذا ما كان يجب أن يكون بادرا من شخص مثلك يا روز , تصرفت بتهور في أوضاع خطيرة جدا , ماذا لو أصبت ؟ " ردت روز ببرود : " و أين المشكلة ؟ كأي فرد من زملائي " التفت المسؤول إليها و تفاجأ من ملامحها الباردة , وجهها الشاحب و عيناها الغائرتين فتغيرت نبرته و أصبحت لينة عندما قال : " روز أنت سيبيرانية و لست من فريق التدخل , ذلك ليس عملك أنت عملك هنا بين الحواسيب و الكاميرات تراقبين الوضع و تسهلين التدخل على زملائك " اقترب مسؤول الأمن العام و قال : " لا تنقصي من قيمة دورك كسيبيرانية فقد كان لديك دور كبير في نجاح الكثير من المهمات عندما كانت الأوضاع هادئة و ستنجحين أيضا في ظل ما يحدث الآن " اكتفت روز بالصمت عندها تمعن مسؤول قسم الأمن السيبيراني في ملامحها و عرف السبب فورا عندها أشار إلى زميله بأن يسمح له بالكلام ففعل عندها اقترب من روز و قال : " روز أعرف تماما أن فعلك هذا نابع من شعورك بالمسؤولية بعد العقوبة القاسية التي تلقاها جين , جميعنا هنا ندرك ما يعنيه لك و أن غيابه طال كثيرا و أنه لم تعد لديك قدرة على احتماله , لكن خطوة انتحارية كهذه لن تعيد إليك جين بل ستزيد إصرار إيفان على تصعيد الوضع " روز نظرت إلى الفراغ أمامها و قالت بنبرة جافة : " أريد مغادرة المركز , أشعر بالتعب " رد رئيس المركز : " دعينا نرسل معك حارسان تفاديا لأي مشكلة مع الأمن الملكي " ردت روز : " لا داعي للأمر فلا أحد سيتعرض لشبح على أي حال " ثم غادرت المركز نحو منزلها , المدينة كانت مراقبة من الأمن الملكي كالعادة و الذين كانوا يرمقون روز بنظرات تعددت معانيها بين السعادة بالحال التي وصلت إليها و بين من تمنى رؤيتها على هذه الحال . وصلت روز أخيرا إلى منزلها بحلول الظلام ثم دخلت و أغلقت الباب خلفها بإحكام , فرأت والدها و شقيقها يشاهدان الأخبار في التلفاز و التي كانت حول الحال التي آلت إليها البلاد بعد قرارات الحاكم الأخيرة , تقدمت روز خطوتين إلى أمام ثم توقفت أمام والدها الذي هب نحوها بمجرد أن دخلت يتفقدها إن كانت سليمة من الحوادث الأخيرة ثم قال : " روزي أخبريني أنت لم تغادري المركز في ظل ما يحدث ؟ " روز نظرت إليه بعينين نصف مفتوحتين و قالت بصوت ضعيف : " أبي ... إنني أغرق " فجأة فقدت روز وعيها , أسرعت والدتها و شقيقتها إليها بينما حملها والدها إلى أريكة في غرفة الاستقبال التي توسطت المنزل , جلست شقيقتها قريبة منها ثم سألت والدها و هي تمعن النظر فيها : " هل تعتقد أنها نوبة من نوبات اضطراب ما بعد الصدمة مثل ما حدث المرة الماضية ؟ " قال بحيرة : " لا أعرف لأننا لا نعلم ما حدث قبل أن تأتي " أحضرت والدتها إناء فيه ماء و أخذت تصب منه كميات قليلة على روز إلا أن زوجها أوقفها قائلا : " ليس هكذا , ستفزعينها حين تستيقظ و نفقد السيطرة عليها إذا كانت نوبة اضطراب " إلا أن روز استيقظت فجأة فابتعدت والدتها إلى الخلف قليلا, نظرت روز يمينا و يسارا فاستوعبت أنها في غرفتها عندها اقترب والدها منها و قال : " روز أنت في المنزل مع والدتك و والدك , في غرفتك " أومأت روز بإيجابية و قالت : " أعرف ذلك , هذه ليست نوبة الاضطراب , أعتقد أنه الجوع " ردت والدتها بعتاب : " روز لا أصدق أنك تعاقبين نفسك هكذا , الجوع لن يعيد إليك جين و لن ينقذ البلاد " نظرت روز إلى الفراغ أمامها و قالت : " لا أحد يهتم به هناك , لا بد أنه محبوس وحده في زنزانة بين أربع جدران لا يأكل و لا ينام , كيف سآكل شيئا أو أنام مرتاحة بينما هو يعاني هناك ؟ و ربما أسوأ قد يسلطون عليه عقوبة ما " اقترب شقيقها و قال مطمئنا : " رغم ذلك فأنا متأكد من أن جين يستطيع التحمل , لم يبقى إلا القليل يا روز و يعود إليك " ضحكت ضحكة قصيرة ساخرة ثم ردت : " يستطيع التحمل ؟ لا أحد يستطيع تحملك ذلك المكان مهما بلغت قوته , ثم إنه في بؤرة الشر بين الأعداء , من يضمن لي سلامته ؟ من يضمن لي أنهم لم يعذبوه أو يسمموه مثلما يفعلون مع الحاكم ؟ " سأل والدها باستغراب : " كيف ذلك ؟ شارل لم يمت " ردت روز : " صحيح لكنهم يقومون بقتله ببطء بأدوية تميت الأعضاء ليخرجوا لاحقا إلى العامة و يقولوا أنه مات بسبب المرض , أعدوا لهذا طاقما طبيا كاملا في جناحه " قالت والدتها و هي تبكي : " الملك شارل لا يستحق هذا , عاش حياته فداء للجميع و لم يبخل على أحد , قدم مصلحة الجميع على مصلحته و في النهاية لقي أبشع مصير " تنهدت روز و هي تعتدل في جلستها ثم قالت : " حاول مسؤولو الأمن التدخل لإخراجه و مع ذلك لم يوافق الحاكم , انتهت كل الحلول و لم أعد أعرف ما أفعل " خرجت والدتها من الغرفة لتحضر لها ما تأكله بينما والدها التفت إليها و ابتسم قائلا : " سيخرج يا روز , كفي فقط عن معاقبة نفسك فعقوبة الغارق التي تنفذينها على نفسك لن تعيده إليك , لا يجب أن يجدك غارقة عندما يعود " استمرت روز بالتحديق في الفراغ و هي تسأله : " هل تعتقد أنه سيسامحني لأنني السبب في هذا ؟ " أجاب و هو ينظر إليها : " لن يكون مضطرا لذلك لأنه ليس ذنبك أساسا " فجأة تذكرت روز أنه كان عليها أن تمر بروبرتو قبل أن تعود إلى المنزل فمدت يدها إلى الهاتف إلا أن والدها سبقها إليه قائلا : " روز لا تقتربي من أي منبه يثير النوبة أو يذكرك بشيء , هكذا اتفقنا " ردت روز : " لا علاقة للهاتف بالأمر , ثم إنني وعدت روبرتو بأن أمر عليه لاستعادة دفتري و لم أفعل , لا بد أنه ينتظرني و قد تأخر الوقت لا أريد أن يقع في ورطة حظر التجوال بسببي " عندها سلمها والدها الهاتف لتتصل به , كان روبرتو يغلق العيادة رفقة بريتني عندما رن هاتفه فجأة برقم روز فرفع رأسه إليها عندها وضعت يدها على كتفه و قالت : " رد عليها و كما قلت لك , ألهها عنه " رد روبرتو بعد لحظة تردد عندها سمع صوت روز من الطرف الآخر يقول : " روبرتو أرجو أن لا أكون أزعجتك " قال روبرتو بتردد : " لا أبدا , لكنني قلقت عندما لم تأت إلى العيادة أرجو أن تكوني بخير " ردت روز : " شعرت بإعياء شديد بسبب ضغط العمل فعدت إلى المنزل , الكثير من الأشياء السيئة تحدث " قال روبرتو ناصحا : " لا تدعي العمل يلهيك عن العلاج و لا تسمحي له بالضغط عليك " نظرت روز إلى النافذة بجانبها ثم اعترفت : " لأكون صريحة معك فأكثر ما يضعفني حاليا هو غياب جين أكثر من ضغط العمل " سأل باهتمام : " ألا تعرفين متى سيطلقون سراحه ؟ أو أي خبر عن حاله ؟ " ردت روز بحزن : " لا ليس لدي , الأمن الملكي يرفض مشاركة أي معلومة عنه و لا أستطيع الوصول إلى القصر فأنا في قائمة الممنوعين من دخوله " تنهد بضيق ثم سألها : " هل تريدين أن أبرمج لك جلسة تتحدثين فيها عما يثقلك ؟ " أجابت روز بحزن : " لا يبدو الأمر ممكنا لأنني أخشى إن تغيبت يوما فقد يتعرض لعقوبة أخرى " سجل روبرتو هذه الملاحظة عنه لأنه لاحظ أنها أصبحت تلوم نفسها على كل شيء يحدث بينما تابعت روز كلامها : " و أنا لا أريد أن يبعدوه عني , عشرون يوما كانت كافية لهدم ما تبقى داخلي , لكنني سآتي حين يعود , سأحاول اختيار وقت لا يعرضه لأي عقوبة " نظر روبرتو إلى الملاحظات أمامه ثم قال : " يمكن لجلستنا أن تتم في الهاتف أو آتي إلى منزلك بعد عودته إن شئت " سألت بحماس : " هل يمكن أن تنجح الجلسة في المنزل ؟ " أجاب مؤكدا : " يمكن بنسبة ما , بحيث تجدين راحتك في التصرف و يمكن تقييم السلوك وقتها بكل مصداقية " ابتسمت روز أخيرا : " سيكون هذا أفضل , شكرا روبرتو " أنهى روبرتو المكالمة بسرعة ببعض النصائح لروز قبل أن تطلب دفترها أو تسأل عنه ثم أخفى الهاتف في جيبه و رفع رأسه إلى السماء قائلا : " لا أصدق أنني خذلتها و اضطررت للكذب " وضعت بريتني يدها على ذراعه و قالت : " أنت قلتها , كنت مضطرا , من يعلم كيف يمكن أن تتفاعل روز مع هذا ؟ " نظر إلى القصر بعيدا ثم قال : " متى ستعود يا جين ؟ فأنا من يحتاجك هذه المرة " أما في القصر فقد جلس الحاكم يراجع حصيلة إنجاز ذلك اليوم ثم توقف عند تخريب الحديقة و نجاح العملية ثم قال : " أطلقوا سراحه غدا " انحنى دييغو إليه و قال بتعجب : " نعم ؟!!!" كرر كلامه : " أطلقوا سراح جين غدا ليبدأ عمله و تبدأ الخطة " سأل دييغو بانزعاج : " هل هذا يعني أنك وثقت به فعلا ؟ " أجاب بعد أن ضحك ضحكة سخرية قصيرة : " لا أبدا , لكن حان وقت استعماله كأداة مثله مثل غيره , و أيضا حان وقت إبعاد سامر عن الساحة " أومأ بالموافقة ثم استمر بمراقبته و هو يتفقد باقي إنجازات الأمن الملكي لذلك اليوم . كان الهدوء يخيم على المدينة في تلك الليلة إلا أنه لم يستمر طويلا فقد قطعه صوت خطوات أفراد الأمن الملكي و هم يسيرون في المدينة مثل جيش و يتجهون نحو حديقة شارل المعروفة و التي يحبها الجميع , خرج الناس إلى النوافذ و الشرفات ليطلوا لكنهم لم يفهموا شيئا و منهم روز التي غادرت المنزل فورا بثياب نومها لتوقفهم و بمجرد أن وصلت خلفهم إلى الحديقة تجاوزتهم و هم واقفون عند المدخل فدخلت بينهم حتى وصلت إلى مقدمتهم كي توقف قائدهم إلا أنها توقفت مصدومة حين رأته و عرفته أو هكذا ظنت روز طوال حياتها , كان جين هو قائد تلك البعثة و هو من سيشرف على إعطاء إشارة تدمير الحديقة , نظرت روز إلى ثيابه و شارة الأمن الملكي على ذراعه ثم قالت هامسة بصدمة : " ماذا تفعل هنا ؟ ما هذا الذي ترتديه ؟ " إلا أنه صرخ عليها فجأة : " ابتعدي قبل أن يكون لك نفس مصير هذه الحديقة " إلا أنها لم تبتعد بل اقتربت منه دون تلمسه و قالت بصدمة : " هل هذا أنت فعلا ؟ " ثم وضعت أطراف أصابعها على الشارة و سألت : " و ماذا تفعل هذه هنا ؟ " إلا أنه أمسك بيدها بعنف فشعرت روز أن لمسته أحرقتها فاستيقظت فزعة لتجد نفسها في غرفتها و في منزلها و أن لا شيء من ذلك حقيقي , أسندت رأسها إلى الوسادة و هي تحاول التنفس بينما جسدها كان مشلولا و غارقا في العرق ثم التفتت إلى الساعة بصعوبة فوجدتها تشير إلى الواحدة ليلا مثلما كان في الحلم فهمست لنفسها : " كان مجرد حلم " التفتت إلى الساعة بجانبها فإذ بها الثامنة صباحا نظرت إلى زوايا الغرفة لتستوعب أنها في منزلها ثم نهضت بصعوبة و غيرت ملابسها ثم غادرت غرفتها , لم يكن هناك أحد في المنزل عدا شقيقتها المتوقفة عن الدراسة في المطبخ و التي ابتسمت بمجرد رؤيتها و ألقت التحية : " صباح الخير روز , تبدين أفضل من البارحة " التفتت روز إلى المرآة التي في الرواق ثم ردت بعد أن رأت نفسها و ملامحها المتعبة : " أنت لا تجيدين المديح , وجهي شاحب كشبح مخيف " أشارت شقيقتها إلى الفطور على الطاولة و قالت : " ربما لأنك لا تأكلين جيدا , أعدت أمي الفطور من أجلك قبل أن تذهب " نظرت إلى الساعة في هاتفها ثم قالت : " لا وقت لدي , تأخرت اليوم كثيرا , يجب أن أصل إلى المركز قبل الأمن الملكي " اقتربت منها و هي تعاتبها : " الأمن الملكي ... الأمن الملكي ... الأمن الملكي , هذا ما تكررينه كأنهم وحش سيلتهمك , هم يريدون هذا لك , أن تفكري فيهم طوال الوقت و في إرضائهم و أن تهملي نفسك و أن تبقي ضعيفة " ابتعدت روز نحو الباب الرئيسي و قبل أن تخرج قالت : " إن لم أسبقهم بخطوة نحو القصر لاستعادته سيسبقونني بألف ميل إليكم و أنا لست مستعدة لخسارة شخص آخر " ثم غادرت و أغلقت الباب خلفها , حدقت شقيقتها في الباب المغلق ثم همست : " إلى متى ستظلين على هذه الحال ؟ تتحملين أعباء لست مسؤولة عنها " كان الأمن الملكي قد وصل إلى المركز قبل ساعة إلى المركز لكن هذه المرة بقيادة جين و الذي أثار دخوله استغراب الجميع و حيرتهم , أشار إلى بقية الأفراد بالانتشار في بقية أقسام المركز بينما ذهب هو إلى قسم الأمن السيبيراني حيث تعمل روز و لم تختلف ردة فعل أفراد قسم الأمن السيبيراني عن غيرهم خصوصا كيم و مايكل أقرب صديق له و الذي ترك كرسيه و توجه إليه فورا ثم أمسك بشارة الأمن الملكي بقوة و غضب كبيرين قائلا : " ما هذا ؟ تختفي خلف قضبان السجن الملكي و نقلق على مصيرك لتعود إلينا بهذا الزي , أي نوع من الخونة أنت ؟ " ثم رفع يده ليضربه إلا أن زميله كيم أمسك بيده قبل أن يفعل ثم سحبه بعيدا عنه قائلا : " اهدأ قليلا فالأمن الملكي هنا و إذا سمع هذا فسنقع في مشكلة أكبر " سحب مايكل يده بقوة و قال : " ألا ترى ما يرتديه ؟ كيف طاوعك قلبك أن تخوننا ؟ أنت كنت فردا منا و زوجتك أيضا فرد منا , كيف سيكون شعور روز حين ترى أكثر شخص قريب منها يرتدي زي أعدائها ؟ أنت بالفعل الغريب الوحيد بيننا " التفت جين إلى الخلف كي يتأكد من عدم وجود أفراد الأمن الملكي قريبين ثم قال : " ليس لدي الكثير من الوقت هنا لكن القصة طويلة جدا لأخبركم بها " اندفع مايكل نحوه مجددا إلا أن كيم حال دون اقترابه منه ثم قال موجها كلامه ل جين : " اختصر إذا قبل أن يورطنا مايكل مع الأمن الملكي " قرر جين أن يخبرهم بالأمر ليضمن وجود أفراد في صفه يساعدونه فيم طلبت جودي عندها أغلق باب القسم ثم جمعهم حوله و قال : " حين كنت في السجن الملكي استطاعت شقيقة الحاكم التواصل معي و اتفقنا على خطة ألا و هي أن أكون جاسوسا في القصر , اضطررت إلى تزييف الولاء للحاكم و انضممت للأمن الملكي و لكنني لم أحصل على ثقته الكاملة لأن هذا القرار صدم الجميع حتى الحاكم " ألقى مايكل نظرة إلى الخلف ليتأكد من عدم اقتراب الأمن الملكي من الغرفة ثم التفت إليه و سأله : " ماذا عن روز ؟ " أجاب فورا : " لا تخبروها بشيء و لا حتى بالأسباب " عدل كيم نظاراته ثم قال : " لا يمكنك إبقاء شيء كهذا سرا عنها , أنت تعرف أنه إذا رأتك بهذا الزي فسيتدمر زواجكما " أجاب بنبرة هادئة : " أعرف ذلك و ستعرف بالأمر في نهاية المطاف لكن إذا عرفت روز الآن فستعتقد أنني جاسوس من البداية و إذا أخبرتها بالأسباب فإنها ستقترح ألف حل غير هذا و أنا لا أستطيع التنازل عن الوعد الذي قطعته للسيدة جودي لأن هذا هو الحل الوحيد لأكون جاسوسا في القصر فلا أحد سيستطيع الدخول إليه " سألت سارة من قسم المراقبة الذي تعمل فيه روز : " و ماذا لو عرفت لاحقا ؟ ماذا سيكون مصير زواجكما ؟ " أجاب و هو ينظر للباب : " لن أنفصل عنها , سنعيش معا وسط كل هذا و لن تعرف الأسباب حتى ينتهي الانقلاب و أضمن سلامة الجميع " اقترب كيم منه ثم وضع يده على كتفه و قال مشجعا : " إذا نحن معك في هذا , ماذا تريد منا أن نفعل ؟ " أجاب : " أريد أن تلتزموا بكل ما آمر به حين أمر مع الدورية و أن تتظاهروا بالغضب مني , و شيء آخر أهم : أن تهتموا ب روز في تلك الفترة في حال تعرضت لأي نوبة " هز الجميع رؤوسهم بإيجابية عندها التفت جين إلى باب القسم فرأى خيالات للأمن الملكي خلفه عندها قال : " يجب أن أذهب قبل أن يشكوا في شيء , عودوا إلى أماكنكم " ثم اتجه للباب إلا أن سارة أوقفته سؤالها : " ماذا عن روز ؟ إذا أتت و سألت في الإدارة عنك فماذا نقول ؟ لأنها طلبت منهم أن يتقدموا بطلب رسمي للعفو عنك " التفت إليها و قال بابتسامة : " سأعود إليها اليوم بعد أن أغير هذا الزي " ثم غادر و هو يفكر في كل مخاطراتها من أجل طلب العفو له ثم توجه إلى مسؤولي الأقسام و أخبره بالاتفاق بينه و بين جودي و طلب منهم تجهيز كل الإجراءات من أجل الانقلاب . دخلت روز المركز متأخرة على غير العادة و ذهبت إلى قسم المراقبة و بدأوا مناقشة الأوضاع في المدينة فجأة انطلقت إنذارات الخطر فتوجهوا إلى الشاشات بتفقد ما يحدث : العصابات التي تم العفو عنها من قبل الحاكم يدمرون المكتبة الكبرى و الساحة المحيطة بها , عندها أرسلت روز إشارة لفرق الأمن بالتدخل بينما أمر الحاكم من القصر أن يقوم الأمن الملكي بتأمين عملهم . بمجرد أن عاد أفراد قسم المراقبة إلى عملهم في مراقبة محيط المكتبة سأل كيم و هو ينظر للشاشة : " سيدة روز هل تريدين أن نطلب تسجيلات داخلية من كاميرات المراقبة داخل المكتبة ؟ " إلا أنه لم يلق ردا فالتفت إلى الخلف و لم يجدها فنظر إلى البقية بحيرة عندها قال مايكل و هو ينظر للشاشة : " هل يعقل أنها ذهبت للمكتبة ؟ " أخذ كيم هاتفه و اتصل بجين فورا و بمجرد أن رد سأله : " أين أنت ؟ " أجاب جين و هو يقود سيارته التي استعادها من الأمن الملكي بعد أن صادرها حين أخذه : " في طريقي إلى المكتبة , هل هناك مشكلة ؟ " رد كيم و هو ينظر إلى الشاشات : " روز تسللت رفقة فرقة الدخل من الأمن الخارجي إلى المكتبة , لا يجب أن تراك بذلك الزي " اتسعت عيناه و رد بصوت مرتفع من شدة الصدمة : " منذ متى تذهب روز مع فرق التدخل إلى مواقع العمليات ؟ " أجاب كيم : " منذ دخلت السجن تأخذ روز مهمات انتحارية و هي غير مدربة عليها , تسللت سابقا مع فرقة التدخل و كادت تعاقب و ها هي تكررها , تريد إثبات أنها قادرة على القيام بأي مهمة دون مساعدة أحد " فكر بسرعة و هو ينظر أمامه ثم إلى بذلته السابقة التي أحضرها له ذلك الشاب من السجن ثم أخذ نفسا عميقا و قال : " لدي حل لهذا فلا تقلق " ثم توقف في إحدى الزوايا بعيدا عن الأنظار و بدل ملابسه ثم أخفى ثياب الأمن الملكي في صندوق السيارة و هو يقول : " هذه الثياب أفضل , تناسبني و تشعرني بالراحة " ثم أكمل طريقه نحو المكتبة بسرعة . كان الأمن الملكي قد تلقى أمرا من الحاكم بتدمير المكتبة الكبرى و التي تحمل اسم شقيقه , كانت المكتبة أيضا من أفضل ما شيد شارل في المدينة و لم يسمها باسمه بل عرفت ب " مكتبة النور " لأنه كان يرى أن العلم نور يضيء طريق شعب مملكته و لم يجعل دخولها يقتصر على فئة ما بل كانت متاحة للجميع إلا أن إيفان دمرها في طريقه لمحو كل ما له علاقة بشقيقه و حكمه و يبني مكانها تمثالا له يمجد نفسه فيه و ينتقم لما يسميه : " الأيام التي ظلمه فيها كل من شارل و جودي " نفذ الأمن الملكي الأمر بسرعة و توجه إلى المكتبة و بعد أن طردوا كل من فيها من مسؤولين و قراء قاموا بإتلاف الكتب فيها و حرقها و تخريب الرفوف و كسر الأبواب الزجاجية و تخريب الإنارة , كان الجو غائما و الشمس مختفية خلف السحاب ما جعل الجو يبدو كأنه الليل و ليس منتصف النهار عندما بدأت الاشتباكات مجددا بين الأمن الملكي و المخربين ضد عناصر الأمن المؤيدين لحكم شارل إلا أن مركز الأمن أرسل لهم تحذيرا بوجود روز معهم متخفية و ضرورة إبعادها عن المكان , كانت روز تحاول الوصول إلى داخل المكتبة لتخرج المخربين الموجودين فيها إلا أنها اضطرت للاشتباك مع أحدهم وسط الخراب أمام باب المكتبة و بين الفيئة و الأخرى تشعر بدوار يضعفها , فجأة وصلت دورية أخرى من الأمن الخارجي و التي كانت بقيادة جين هذه المرة لكن روز لم تنتبه له بل أفراد الأمن الملكي الذين استغربوا وجوده لأنهم يعرفون أنه منهم و زملاؤه الذين سعدوا بعودته و بأن معه دعما , أشار مسؤول بعثة الأمن الملكي للبقية بالانسحاب و العودة إلى القصر بينما بقي أفراد الأمن الخارجي يقيمون الأضرار . ترك جين بعثته تقوم بعملها بينما ذهب رو لتفقد روز , كان يقترب منها خطوة تلو الأخرى ببطء كأنه يقترب من كنز ليكتشفه وسط الدمار ثم انقطعت الكهرباء عن الانارة العمومية و غرق المكان في ظلام طفيف بسبب الغيوم الرمادية التي غطت السماء بينما كانت روز واقفة على الرصيف أمام باب المكتبة و وجهها متسخ بالغبار , تسمع طنينا قويا في أذنيها يسكت الأصوات المحيطة بها و ترى المكان حولها يتهاوى نحو الأرض و هذا ما بدا لها لأنها هي من كانت تهوى إلا أنها لم تصل إلى الأرض أو تشعر بها لأن يدا التقطتها فرفعت رأسها بصعوبة و عندها رأت ملامح وجه وسط الضباب بدأت لها كأنها ملامح جين فظنت نفسها تتخيله أو أنه حلم حتى سمعت صوته الذي بدا بعيدا أو أسفل طبقة كثيفة من الماء : " روز ... تماسكي ... لا تنهاري هنا " إلا أنها همست بصوت ضعيف : " لا تذهب ... " ثم فقدت الوعي .

فصول الرواية

11 فصل