الصباح حمل في طياته المزيد من التعب لروز , استيقظت كعادتها متعبة و مرهقة و مكتئبة , بالفعل بدأ الاكتئاب يتسلل إليها فلم تعد تخرج من غرفتها أو تغادر سريرها بل مستلقية و تحدق بالسقف و زوايا الغرفة و النافذة كأنها تنتظر شيئا ما و تخاف من قدومه لكنها هادئة بشكل مريب .
ثم نهضت بثقل و إعياء و نظرت إلى الطاولة بجانب السرير فوجدت هاتفها عندها تذكرت أن لديها هاتف , أبعدت خصلات شعرها المبعثرة على وجهها ثم أخذت تتفقد الهاتف و ما فيه فوجدت الكثير من الرسائل التي كانت ذات مصدر واحد و هو سامر الذي اختفى فجأة , وجدت أن محتوى الرسائل واحد لم يتغير و الذي كان تهديدات بإنهائها كغيرها من عناصر الأمن التابعين للحاكم السابق طريح الفراش شارل , تنهدت بضيق ثم وضعت الهاتف جانبا و غادرت الغرفة بإعياء نحو الحمام و أخذت حماما سريعا و بدلت ثيابها ثم خرجت تجفف شعرها بمنشفة حيث وجدت جين في المطبخ يعد الفطور , و عندما رآها توقف في مكانه متفاجئا لكنه حاول قدر المستطاع أن لا يظهر صدمته , اقتربت منه و جلست على كرسي و سألته : " ماذا تفعل ؟ "
أجاب و هو يحمل فنجانين أبيضي اللون : " أعد القهوة , و التي سيكون لك منها نصيب "
ردت بتشاؤم : " لا أحبها "
سأل ممازحا : " هل لأن لونها أسود ؟ "
أجابت و هي تنظر للإبريق : " لا بل لأنها تذكرني بأشياء لا أريد أن أتذكرها "
صب كمية منها في فنجان ثم وضعه أمامها و قال : " يجب على الإنسان ألا يربط الذكريات بأشياء أو أماكن فلا ذنب لها في ذلك , إن كنت تحبين القهوة و تخافين شربها فعلى الحب أن يغلب الخوف دائما"
نظرت إلى الفنجان ثم سألت : " ألن تؤذيني إذا شربتها ؟ "
حمل فنجانه و نظر إليها مبتسما ثم أجاب : " فلنشربها معا إذا , لن أسمح لها بأن تؤذيك "
قربت فنجان القهوة من شفتيها و هي تنظر إليه و هو يشربها بهدوء ثم شربت رشفة منها و ابتسمت و هي تنظر إلى الفنجان قائلة : " إنها حلوة جدا "
نظر إليها ثم قال : " هل رأيت ؟ إنها لا تؤذي , هل مازلت تحبينها الآن ؟ أم تخافين منها ؟ "
أجابت : " إنها بالفعل لا تؤذي , و هي لذيذة "
تذكر أمر الموعد ثم نظر نحو النافذة و التفت إليها سائلا : " هل تريدين الخروج ؟ "
سرت في جسدها رعشة من فكرة الخارج ثم نظرت إلى النافذة و لم ترد بل بدت كأنها تنظر إلى شيء ما و تتبعه بعينيها لكنه قام من مكانه و أسدل الستار قائلا : " يمكننا أن نسدل الستار إن شئت لكن لا يوجد شيء في الخارج "
نظرت إليه و قالت : " لكنني رأيت امرأة في الخارج , في الحديقة خلف تلك الشجرة "
نظر إلى الشجرة ثم قال :" حقا ؟ سأتدبر أمرها لاحقا , لكن الآن دعينا نفعل شيئا مختلفا , سنخرج قليلا "
اتسعت عيناها رعبا و حدقت فيه : " نخرج ؟ لا لا لا لا ... يجب أن نبقى هنا , إذا خرجنا سنتأذى , لا يمكن أن نخرج "
اقترب منها ثم كي يشرح لها : " لا يمكننا البقاء هنا دائما , صحيح أن المنزل يحمينا لكنه يسبب الاكتئاب إذا بقينا فيه كثيرا "
نظرت إلى زوايا المنزل ثم قالت : " لا لا لا , العالم خارج المنزل مخيف و غريب , أنا لن أخرج , نحن لن نخرج "
وضع يديه على خديها ثم قال : " روز أنظري إلي , نحن سنخرج معا كي نكتشف العالم , سنرى إذا ما كان خطيرا كما تقولين أم أنه ليس كذلك "
فجأة تذكرت الرسائل التي رأتها في الهاتف فأبعدت يديه و توجهت إلى الغرفة نحو الهاتف الموضوع على الطاولة و أخذته ثم فصلته عن الشاحن و أخذت تتفقد الرسائل التي وصلتها فيه مجددا , كانت رسائل تهديد و بينما هي تمرر الرسائل رأت جزء من صورة مرسلة يبدو أنها لامرأة و بمجرد أن مررت إصبعها لترى بقية الصورة سحب جين الهاتف فجأة من يدها و أمسك به في يده ثم قال
" لا تهتمي بما يقولونه , لن يمسك أحد طالما أنا موجود , هذه الرسائل مجرد أكاذيب "
سألت بفضول : " هل يعقل أن سامر هو صاحب الرسائل ؟ "
وضع الهاتف و قال : " سامر أو غيره , لا يهم , المهم أنه لن يمسَك بسوء , هيا لتكملي فطورك فلدينا موعد "
نظرت إلى النافذة ثم قالت : " لماذا لا تغير رأيك ؟ قلت أنني خائفة مما يوجد في الخارج "
أمسك بيدها ثم أخذها إلى النافذة و وضع يدها على المقبض و قال :
" افتحيها ... هيا "
أحكمت روز يدها على المقبض ثم أنزلته لتفتح النافذة و سحبتها للداخل لكنها غطت عينيها بيديها كي لا ترى تلك الأشباح مجددا فوضع يديه على يديها و قال : " لا يوجد شيء في الخارج , يمكنك أن تبعدي يديك "
لكنها رفضت قائلة : " إنها تقف عند الشجرة "
تذكر أنه عليه تصديقها و ألا يقول لا لما قالته فقرر إخبارها عن الطبيب : " حسنا إذا , ما رأيك في أن نذهب إلى المكان الذي سيخلصك منها ؟ "
التفتت إليه و أبعدت يديها عن عينيها و سألت : " هل يوجد من يمكنه ذلك ؟ "
حاول أن يشرح دون الإشارة إلى الطبيب النفسي : " الناس تجد حلولها عند الأطباء , يهرعون إلى الطبيب ليحصلوا على الطمأنينة حين يخافون من المرض , نحن أيضا سنهرع إلى طبيب يخلصك مما تخافين منه "
تغيرت ملامحها إلى الانزعاج على الفور : " لكنني لست مريضة , هل تعتقد الآن أنني مجنونة ؟ "
نظر إلى الحديقة المنزلية خلفها و قال : " لم أقل مريضة و لم أقل مجنونة , قلت خائفة و تحتاجين إلى من يساعدك على تجاوز مخاوفك "
روز تشبثت بذراعه و قالت : " لكنك ستساعدني على ذلك , صحيح ؟ "
أجاب على الفور : "بالطبع , لكنني أحتاج إلى متخصص في هذا ليساعدنا فقط "
سألت مجددا : " مساعد فقط ؟ ستكون موجودا , صحيح ؟ "
هز رأسه مؤكدا : " بالطبع , أعدك "
تنهدت براحة ثم قالت : " حسنا , لنجرب إذا , لكن الآن دعني أختار شيئا أرتديه فهذه الملابس لا تليق بموعد طبي "
نظر إلى الثوب و قال : " حسنا إذا , خذي وقتك "
بمجرد مغادرتها اتصل بصديقه ليتأكد من أن كل شيء معد للموعد حرص روبرتو على أن يكون اليوم خاليا من المواعيد و خصصه لروز فقط و أن لا يزوره أي زميل في العمل , هكذا بقيت عيادته الخاصة متاحة لروز و في خدمتها الممرضتين اللتان تعملان عنده
ثم ذهب إلى غرفة أخرى و بدل ملابسه .
بعد لحظات خرجت روز بفستان أحمر , نصف شعرها مرفوع بشريطة حمراء و تحمل حقيبة بيضاء صغيرة في يدها اليمنى في يدها الأخرى هاتفها , نظرت إلى زوايا المنزل إلا أنها لم تجده فتسلل إليها شعور بالذعر من فكرة اختفائه .
أما جين فكان يقف أمام الباب الرئيسي بانتظارها , بمجرد أن رأته أسرعت باتجاهه و أمسكت بيده بقوة بين يديها فنظر إلى يديها اللتان تحكمان الإمساك به ثم سألها :
" هل كنت تعتقدين أنني غادرت ؟ "
نظرت إلى عينيه و أجابت : " فكرة اختفائك فقط تثير الذعر , فماذا لو تحققت ؟ "
نظر إلى يديها مجددا ثم أجاب : " إذا فلتمسكي بي هكذا بقوة حتى لا تتحقق "
ثم غادر الاثنان في سيارته السوداء نحو العيادة .
- عيادة الطبيب روبرتو سميث -
كانت العيادة عبارة عن مبنى صغير أبيض مستقل في حي هادئ وسط المدينة لكنها كانت مكانا هادئا بعيدا عن مشاكل البلد و القصر تزينها حديقة خلفية صغيرة بها أرجوحة , أما الجهة الأمامية فكانت عبارة عن باب زجاجي يكشف ما خلفه , مكتب استقبال تقف فيه ممرضتان شابتان و غرفة مستقلة , أما الممر الضيق فكان يؤدي إلى مكتب روبرتو . مع ذلك فأجواء العيادة كانت تعطي شعورا بالراحة و لا يشعر المريض فيها بأنه آت للعلاج .
بمجرد أن وصلت روز مع جين إلى الباب الزجاجي توقفت روز أمامه مترددة في الدخول لأنه لم يكن مجرد موعد طبي بل خطوة نحو رحلة طويلة و متعبة و مختلفة , لاحظ جين ترددها فنظر إلى العيادة أمامه ثم إليها و قال : " روبرتو صديقي المقرب , عيادته ليست مخيفة , المكان في الداخل يشعر بالراحة فهو ليس مظلما لأن الشمس تضيئه , و روبرتو شخص لطيف و قد وعد بأنه سيكون المرافق الأنسب لنا في هذه الرحلة "
نظرت روز إليه بشك ثم سألته : " هل ستكون رحلة طويلة ؟ "
هز رأسه نافيا : " سأحرص على أن تكون مريحة , أنت فقط تجاوبي مع العلاج و دعي الباقي علي "
سألته مجددا : " هل تعدني ؟ "
أمسك بيدها بقوة و قال : " أعدك "
سارت روز مع زوجها نحو العيادة حيث استقبلتهما ممرضتان شابتان تجلسان في مكتب الاستقبال عند المدخل إحداهما طويلة بيضاء ذات شعر أسود طويل اسمها بريتني و عينان عسليتان أما الأخرى فقصيرة و سمراء و عيناها خضراوان اسمها تيفاني و التي اتسعت عيناها لمجرد رؤية جين يدخل من الباب قبل أن تنطفئ ملامحها لمجرد أن رأت روز معه , أما زميلتها بريتني فرحبت بهما و ابتسمت قائلة :
" مرحبا بكما , روبرتو في انتظاركما بالمكتب لكن قبل الدخول نريد أن نسجل معلومات عن المريضة قبل أن يبدأ الموعد تحسبا للمواعيد القادمة "
روز سألت باستغراب : " مواعيد قادمة ؟ "
تدخل جين ليشرح الأمر قبل أن تنفعل : " موعد واحد لن يكون كافيا لنعالج المرض لكن أعدك أن ينتهي الأمر بسرعة , حسنا ؟ "
قال ذلك و هو يبعد خصلات شعرها عن وجهها فردت روز باستسلام : " حسنا , اتفقنا "
كانت تيفاني تراقب ما يحدث بينهما و نار الغيرة تحرق قلبها من الداخل و هي تضغط على القلم حتى كسرته , لاحظت زميلتها ما فعلته فأدارتها لتقابلها و سألت باستغراب : " ما بك ؟ لماذا فعلت ذلك ؟ لماذا كسرتِه ؟ "
انتبهت تيفاني لما فعلته ثم ردت بلا مبالاة : " نفذ الحبر منه , لا حاجة لي به بعد الآن "
ثم أخذت القلم المكسور و رمت به في السلة و عند عودتها إلى المكتب جلست على الكرسي بقوة حتى كادت تقع لكن زميلتها التفتت هذه المرة بانزعاج : " تيفاني ما بك ؟ ماذا حدث لك فجأة ؟ أنت تكسرين الأشياء و تكادين تحطمين الكرسي الآن "
التفتت تيفاني إليها غاضبة : " بريتني دعيني , ليس بي شيء و ليس هناك داع لأسئلتك الكثيرة "
ابتعدت بريتني عنها و أظهرت اللامبالاة لكنها في الواقع كانت تشك في شيء تخفيه زميلتها .
روز دخلت المكتب برفقة جين , لم يبد المكتب مخيفا كما كانت تعتقد بل كان مريحا كثيرا و اضاءته قوية تشعر الانسان بالراحة و حتى الابتسامة التي استقبلها بها روبرتو لم تشعرها بأنها قادمة للعلاج بل كأنها تخوض تجربة أجمل لكن بدا عليها فرط في اليقظة و هي غير مسترخية في جلستها و تراقب أدوات الطبيب , روبرتو أخذ قلما و مجموعة أوراق أمامه و بدأ يشرح لروز سيرورة العلاج كي يحافظ على هدوئها و يتفادى أي رفض منها :
" روز مرحبا بك في عيادتي , قبل أن أكون طبيبا نفسيا أنا أقرب صديق إلى جين , أعرفه منذ سنوات و أعرف كل شيء عنه , سعيد لأنك اتخذت خطوة العلاج دون أي ضغط و أؤكد لك أنني سأسعى لأخرجك من الخوف الذي أنت فيه "
روز سألت باستغراب : " هل هذا يؤكد لي مجددا أنني مريضة أو مجنونة ؟ "
جين نظر إليه على الفور كي يتصرف ففهم روبرتو ما يعنيه و ابتسم لروز قائلا : " أبدا لست مجنونة , لكن حسب ما وصفه لي جين فأنت تبدين مصدومة و متعبة و نحن هنا لنخرجك من الصدمة و نستعيد روز القوية التي يعرفها الجميع و يثق بها , أليس هذا ما تريدينه ؟ "
روز ردت بأسى : " هذا يبدو مستحيلا , لا أعتقد أنها أصبحت موجودة "
رد روبرتو مبتسما : " بلى هي موجودة , لكنها نائمة في مكان ما و تحتاج لمن يوقظها و هذا الشخص الذي سيوقظها هو أنت "
سألت روز باهتمام : " كيف لي أن أفعل هذا ؟ "
ابتسم روبرتو للاهتمام الذي بدا عليها ثم أشار إلى الدفتر الذي أمامه و سألها : " ما المكتوب في الصفحة الأولى من الدفتر ؟ "
اقتربت روز و قرأت الكلمة المكتوبة على الصفحة قائلة : " روز , اسمي مكتوب على الصفحة الأولى لكن لماذا ؟ "
أعاد روبرتو الدفتر إلى المكتب أمامه و قال : " في هذا الدفتر سأسجل كل ما يتعلق بمرضك لأعرف كيف نتصرف معك , لكن هل تعلمين ما الشيء الجميل في هذا الدفتر ؟ "
سألت روز مجددا : " ما الشيء الجميل فيه ؟ "
أجاب روبرتو : " أنه لن يستمر معنا للأبد , سأدعك تحرقينه حين تتحررين من المرض "
سألت روز بحماس : " سأتحرر منه حقا ؟ و ستسمح لي بذلك ؟ "
ضحك الاثنان من براءتها ثم أكد روبرتو كلامه : " أعدك بذلك , كل ما أريده هو أن تستمري في العلاج و تستجيبي له مهما كانت الصعوبة التي سنمر بها , لا تتوقفي مهما شعرت بالضغط أو الخوف "
روز ردت مؤكدة : " أعدك بذلك , سأحاول بقدر استطاعتي "
جين شعر بالراحة من كلامها لكن الأمر لروبرتو لم يكن مطمئنا لحماسها هذا , فتح الدفتر و قال : " حسنا دعينا نبدأ الآن , قبل كل شيء أخبريني عن نفسك أي شيء تريدين قوله عن نفسك يمكنك إخباري به "
فكرت روز قليلا ثم أجابت : " في الحقيقة أنا ابنة جراح أعصاب مشهور و طبيبة نفسانية لكنني لم أدخل مجال الطب مثلهما كما يبدو متوقعا , دخلت مجال الأمن من أجل أن أحمي عائلتي لكن ... "
ثم سكتت و لم تكمل لأنها بدت و كأنها تذكرت شيئا لا ترغب في تذكره , بدأت تفرك يديها كمن ارتكب ذنبا و يخشى أن يكشف أمره أو يعاقب على ما فعله و تنظر إلى زوايا الغرفة كأنها تخشى أن يراها أحد أو يسمعها , سجل روبرتو ملاحظات حول سلوكها
فجأة انفتحت النافذة بقوة بسبب رياح قوية فاندفعت روز و قفزت مختبئة خلف ظهر جين , لاحظ روبرتو سلوكها ثم سجله و نهض من أمام المكتب ثم أغلق النافذة و أسدل الستائر ثم قال : " هل هكذا أفضل ؟ "
روز هزت رأسها بإيجابية ثم عادت إلى مكانها بجانب جين و أمسكت بطرف قميصه بقوة , لاحظ روبرتو الأمر فسجله ثم قال :
" ما رأيك في أن نتحدث عما حدث ؟ ما الذي غيرك هكذا ؟ "
روز ترددت ثم التفتت إلى جين كأنها تطلب منه إذنا بأن تخبر روبرتو عن الحادثة , نظر إليها ثم قال : " أخبريه بكل شيء , لا داعي للخوف فكل شيء سيبقى حبيس هذه الجدران "
هزت رأسها بالموافقة ثم التفتت إلى روبرتو و ردت بتردد :
" كان ذلك في حفل الزفاف ... في تلك الليلة ... "
توقفت روز عن الكلام و شردت في الفراغ , لاحظ جين الأمر فأراد إعادتها إلى الواقع لكن روبرتو منعه قائلا : " انتظر لحظة , هذا أيضا من الأعراض , دعنا نتأكد إذا ما كانت روز معنا أو في الحادث "
فجأة التفتت روز فزعة نحو الخلف و بدت كأنها تبحث عن شيء ما فأعطى روبرتو إذنا لجين بأن يسألها عما تبحث , اقترب جين منها ثم سألها : " عما تبحثين ؟ "
روز أجابت دون أن تبعد عينيها عن الزاوية : " الكأس انكسر , هناك في الزاوية و هناك رائحة أزهار الياسمين بقوة هنا "
التفت جين إلى روبرتو الذي سأله : " الياسمين ؟ "
أجاب جين : " الصالة التي أقمنا فيها الحفل , الطاولات كانت مزينة بمزهريات فيها أزهار الياسمين "
رد روبرتو : " روز الآن في حفل الزفاف , رائحة الياسمين شمتها قبل الحادث ثم الكأس .... "
جين فهم الأمر فورا : " الكأس الذي سقط من يد جاسمين , هذا هو الصوت الذي سمعته روز , صوت الزجاج "
أمال روبرتو رأسه إلى اليمين حيث كانت روز تجلس ثم سألها :
" روز ما رأيك في زيارة الحديقة ؟ ستحبينها "
التفتت روز على الفور و هزت رأسها نافية بأنفاس متقطعة : " لالا لا لا , لا يمكن لن أذهب , هذا مستحيل "
مال جين نحو الأمام قليلا ثم همس لصديقه : " جسدها يرتجف و غارقة في العرق ... ماذا سنفعل ؟ "
رد روبرتو : " لا تدعها تنفعل , هذه أعراض الاضطراب , تولى أمر تهدئتها , إنها تثق بك أنت فقط فابق قريبا منها , أما أنا فسأتم أمر الملف هنا "
سجل روبرتو ملاحظاته حول ما رآه و سمعه من روز ثم فتح درج المكتب و أخذ منه ملفا أخضر اللون كتب عليه " الإضرابات النفسية " و أخذ معه كتابا عنوانه : "مبادئ العلاج النفسي "
ثم قارن ما وصفه جين سابقا عن حالتها و ما قالته روز إضافة إلى ما سجله من ملاحظات حول سلوكها في أول جلسة ثم كتب في الدفتر كلمة : " PTSD " بجانبها : " اضطراب ما بعد الصدمة "
محتمل أن تطول مدته لأكثر من سنة .
ثم التفتت إليهما يراقب التصاقها به و يدها التي تضعها بين يديه
ثم أجاب : " هذه الحالة تسمى اضطراب ما بعد الصدمة , قد تكون مزمنة في بعض الحالات لكن بالنسبة لروز فأنا لا أعرف بصراحة روز تحتاج إلى مسامحة نفسها و التوقف عن الشعور بالذنب و التعامل مع الحادث كأنه مجرد حادث في حياتها و ليس كذنب ارتكبته هي و هذا لن يكون سهلا "
سأل جين باهتمام : " و العلاج ؟ "
تنهد بضيق : " ليس بالرحلة السهلة , أولا علينا أن ننظم حياتها المبعثرة و نعيدها للواقع ثم نبدأ في العلاج الفعلي "
نظر الاثنان إليها ثم قرر روبرتو إنهاء الجلسة هنا : " دعنا نتوقف هنا في الوقت الحالي , ستعيدها إلى المنزل و تحاول أن تجنبها أي محفز يثير آلية الدفاع عندها , حافظ على هدوء المنزل ثم سنخطط للمراحل القادمة "
هز جين رأسه بالموافقة قائلا : " حسنا لا مشكلة , سنبدأ بما ذكرته يتحسن الوضع قليلا "
و بمجرد أن أخذ جين بيدها أوقفه صديقه قائلا : " انتظر , هل لي بلحظة معك على انفراد ؟ "
نظر جين إلى روز ثم وجه الكلام إليها : " هل يمكن أن تنتظري أمام الغرفة ؟ لن أتأخر أكثر من خمس دقائق "
روز سألت بخوف : " خمس دقائق ؟ "
أجاب مؤكدا : " خمس دقائق , أعدك "
أخذ بيدها و خرجا من المكتب نحو بعض الكراسي المصفوفة أمام مكتب الاستقبال حيث وعدت بريتني بأن تبقى معها بينما عاد جين إلى المكتب حيث كان صديقه ينتظره لكن هذه المرة على وجهه ملامح القلق ثم سأله : " ألم تفكر في أمر العمل ؟ أنت تعلم أنك لا تستطيع التغيب كثيرا عنه لأنه يمكن أن تعاقب "
أجاب جين و علامات اللامبالاة تعلو وجهه : " أعرف و قد تصل العقوبة إلى السجن , لكنني لا أستطيع تركها بمفردها في المنزل أو إعادتها إلى العمل "
نظر روبرتو إلى ملفها و قال : " ستكون أحيانا في حالة هدوء كاذب و تظن أنها بخير و تطلب العودة إلى العمل , لن تستطيع الرفض لأن هذا سيزيد الأمر سوء "
رد جين بجدية : " هل تعلم ما الذي يزيد الأمر سوء بالفعل ؟ هو رسائل التهديد التي تصلها في الهاتف و تعلم بأمرها و تحاول إخفاء الشعور بالخوف , كما أنها تعلم بأمر العقوبة و ستعود من أجل حمايتي "
وضع روبرتو الملف في الدرج ثم قال : " الحل الوحيد هو أن تكون قريبا منها في العمل , لا تبعدها تفاديا لأي انفعال و تستطيع التدخل في أي طارئ , فقط حافظ عليها بعيدا عن أي ضغط "
هز رأسه بتفهم ثم خفض رأسه يفكر قليلا فشعر فجأة بيد صديقه على كتفه فرفع رأسه إليه ليجده يقف بجانبه و يقول : " أما أنت فستجدني هنا لأساندك , يمكنك الاتصال بي في أي وقت تشعر فيه بالضغط "
ثم أشار إلى الباب و قال : " قبل أن تغادرا سأقترح شيئا , ما رأيك في أن تخرجا في موعد مثل موعد الاعتراف سيذكرها بالأوقات الجميلة قبل الحادث و يساعدك أيضا في الشعور ببعض الراحة "
أما خارج المكتب , روز كانت جالسة على الكرسي حيث تركها أمام نظرات تيفاني التي كانت تراقب تفاصيلها على عكس بريتني التي اقتربت منها و قالت بلطف : " سيدة روز , هل تريدين شيئا ؟
ربما تريدين ماء "
روز هزت رأسها نافية ثم ردت بنفس النبرة : " لا شكرا , سأكون بخير بمجرد أن يعود جين "
في هذه اللحظة أسقطت تيفاني كأسا من شدة غيرتها و غضبها , الصوت ارتد في أذن روز مثل صوت الكأس التي سقط يوم زفافها فبدأت تبحث بعينيها في المكان و جسدها يرتجف , لاحظت بريتني التغيير الذي طرأ عليها فاتجهت نحو مكتب روبرتو و دخلت فورا دون استئذان و قالت بصوت عال : " روبرتو ... يجب أن تأتي , هناك شيء يحدث مع روز و أنا لا أستطيع فهمه "
اندفع الاثنان بمجرد سمعاهما لهذا إلا أنهما توقفا عند مدخل الغرفة على منظر روز جالسة على الأرض تنظر إلى الفراغ و بريتني منحنية نحوها بحيرة لا تعرف ما تفعل أما تيفاني فكانت واقفة أمام المكتب الذي أسقطت منه الكأس , أشار روبرتو للجميع بالتزام الصمت ثم اقترب من صديقه و همس : " اقترب منها بهدوء فأنت أكثر من تثق به , لا تلمسها بشكل مفاجئ كما أخبرتك و أعد تمرين عد الأشياء "
هز رأسه بالموافقة ثم اقترب منها ببطء و جلس بجانبها دون أن يلمسها و همس لها : " أنت في أمان ... إنه مجرد كأس , نحن مازلنا عند روبرتو , تذكرين ؟ "
رفعت روز رأسها فرأت روبرتو أمامها , اقترب منها هو الآخر و جلس على مقربة منها و قال : " ليس هناك ما يخيف , سنعيدك للبيت , اتفقنا ؟ "
نظر جين إلى يدها ثم سألها : " هل أساعدك على الوقوف ؟ "
روز مدت يدها إليه فحاول ألا يتلهف لها إلا أن روبرتو أشار له بأن ينتظر قائلا : " لنعدها أولا إلى الواقع , خمس أشياء كما اتفقنا سابقا "
سأل ليتأكد : " خمس أشياء ؟ "
أجاب مؤكدا : " خمس أشياء "
نظر جين حوله ثم قال : " ماذا ترين حولك ؟ عدي لي خمس أشياء ترينها "
روز نظرت حولها ثم أجابت : " نبتة في الزاوية , مكتب , أقلام , كرسي , باب "
رد فورا : " أحسنت , المسي الآن خمس أشياء "
روز مدت يدها ثم قالت : " البلاط , كرسي , يدك , الباب ... قميصك "
رد فورا : " أحسنت , أنت الآن بخير , هل تريدين أن نخرج ؟
قليلا فقط لن نتأخر و سنذهب إلى مكان هادئ "
هزت رأسها بالموافقة ثم وقفت بمساعدته دون أن تلتفت إلى الخلف أو تنتبه لمن هم حولها , روبرتو لحق به إلى خارج العيادة حيث كان يغلق باب السيارة بعد أن أوصلها إليها ثم اتجه نحو صديقه و قال بابتسامة متعبة : " هذا لم يكن متوقعا , أعتذر كثيرا على ما حدث "
هز روبرتو رأسه نافيا و قال : " لا تعتذر , كنت أتوقع ذلك , هكذا عرفنا كيف يمكن أن نتصرف , قبل أن ننسى , هذه هي المهدئات التي ستساعدها على النوم في هذه الفترة "
استلم جين الورقة ثم ركب السيارة بجانب روز التي بدت شاردة في المنظر خارج السيارة .
في مكان آخر , خلف أسوار القصر حيث كان ايفان يتربع على العرش الملكي الذي أخذه من شقيقه و ابنه الذي أعدمه يقف خلفه مساعده و ذراعه الأيمن , دييغو ذلك الشاب الذي أهدر شبابه في طريق مظلم ينظران إلى التقارير المفصلة التي وصلتهما حول الحالة الأمنية للبلد و أدوار كل فرد في الأمن و من بينهم روز , أخذ ايفان ملفها بين يديه ثم قال : " هذه الشقراء هي أكثر من عارض حكمي , لكن التقرير الأخير يقول أنها تغيبت كثيرا عن العمل "
رد دييغو : " اختفت بعد الحادث في الزفاف , لا بد أنها مكتئبة , حتى زوجها لا أثر له "
رد بصرامة : " ستعيدونهما غصبا , و تنهون أمرهما على الساحة أرسل تعليمة إلى سامر ليكمل مهمته , لكن قبل هذا هناك أوامر أخرى "
سأل دييغو بنبرة هادئة : " ما أوامرك ؟ "
أجاب بابتسامة عريضة : " جهزوا لعملية خطيرة , استهدفوا أي منشأة قام شارل ببنائها و لتكن العملية باسم الأمن الملكي "
هز دييغو رأسه بالموافقة ثم غادر الغرفة نحو غرفة الحرس و أخذ اثنين منهم نحو غرفة الاجتماعات ليجهزوا للمهمة حيث وقفوا أمام كاميرات مراقبة المدينة و أخذوا يتفقدون كل الأماكن المهمة حتى وقع اختيارهم على الحديقة الكبرى الواقعة وسط المدينة و التي يتوسطها تمثال الملك و بينما كان دييغو يتفقد أوضاع الحديقة لمح تحت إحدى الأشجار منظرا يراه لأول مرة : جين جالس مع روز و يتحدثان , اتسعت ابتسامته و قال : " تلك الزاوية , سترسلون مجموعة تقضي على كل من فيها حالا "
أرسل الحارسان أمرا إلى رجال القصر الذين اتجهوا إلى الحديقة .
انتشر الحراس في الحديقة و لم يتركوا شبرا منها إلا وقفوا فيه و قاموا بتفتيش الأشخاص الجالسين فيه دون استثناء , أما في مكان منزوٍ من الحديقة حيث كان جين يجلس مع روز سمع أصوات قريبة منهما فالتفت إلى الخلف و رأى الحراس منتشرين في المكان
فاقترب منها و مد يده إليها لتقف كي يغادرا المكان و قال :
" دعينا نغادر المكان , هيا "
روز نظرت خلفه ثم سألت : " لمن ينتمون ؟ "
استغرب من كونها تعي ما يحدث و حاول ألا يقلقها فأشار إلى باب الحديقة قائلا : " هيا نذهب و سأخبرك من يكونون لاحقا , هيا "
فجأة بدأ الحراس بتخريب المكان و تحطيم التماثيل فيه ثم اتجهوا إلى تمثال الملك شارل و بدأوا بتحطيمه بينما كان يسحبها بلطف نحو باب الحديقة إلا أن روز توقفت حين سمعت صوت تحطيم الحجر فتوقفت و التفتت إليهم متفاجئة مما رأته و بمجرد أن خطت خطوتين نحوهم شعرت بيد تسحبها للخلف فتوقفت و التفتت إليه منزعجة : " إنهم يخربون مملكتنا , هل سنتركهم يفعلون ذلك و نهرب ؟ "
أجاب و هو ينظر للمخرج : " بالطبع لا , لكن لن ندخل في مواجهة مباشرة معهم "
هزت رأسها نافية : " بل سنفعل , لأنه واجبنا , هل نسيت لمن تنتمي ؟ أنت بالذات يجب أن تتدخل لأنك من الأمن الخارجي "
أحكم يده التي تمسك بها ثم أشار إلى الباب مجددا و قال :
" حسنا إليك الخطة , سنذهب إلى مركز الأمن الرئيسي و ننسق معهم , اتفقنا ؟ "
هزت رأسها بالموافقة أخيرا ثم ذهبت معه , أما حيث كان الحراس يخربون الحديقة وقف المسؤولان عن العملية سامر و دييغو يراقبان روز و جين و هما يغادران المكان , التفت سامر إلى زميله و قال : " دورهما الآن و أنا من سيتولاه "
رد دييغو ببرود دون أن يلتفت إليه : " لست ندا له , تولى أمر روز أما أنا فسأنهي أمره بسهولة "
تغيرت ملامح سامر إلى الغضب و صرخ فيه : " هل تعني أنني ضعيف ؟ "
أجاب بنفس البرود : " هل رأيت كيف أنه يسهل استفزازك ؟ كيف لك أن تواجه شخصا مثله و أنت بهذا الضعف ؟ بالرغم من كل شيء يبقى جين شخصا قويا لا يستخف به , تولى أمر روز و لا تناقشني كثيرا "
ثم ذهب و تركه يحترق في غضبه .
أما في سيارة جين المتجهة إلى مركز الأمن الرئيسي , رن هاتفي روز و جين في نفس الوقت فأخذ كل منهما هاتفه ليتفقده و إذ بهما يجدان نفس الرسالة مرسلة إليهما : صورة لهما في الحديقة مرفقة بالكلمات التالية : " كلاكما هدف مطلوب لدى الحاكم , و لن يمضي وقت طويل قبل أن تدفعا ثمن ولائكما لشارل كغيركما "
أخذ جين الهاتف من يدها و وضعه جانبا ثم قال : " لا تهتمي بما يقولونه , أعدك بأن لا يمسك أحد "
روز التفتت إليه و قالت بنبرة جادة خالية من أي خوف :
" لكنك لم تعدني بأن لا يمسك أنت أي أحد ؟ "
سأل مستغربا : " ألست خائفة على نفسك ؟ "
أجابت بثقة : " ليس و أنا معك , لا معنى لحياتي إن لم تكن فيها , لذا عدني هنا بأن لا تقوم بأي مخاطرة "
أجاب بتردد لأول مرة : " لا أستطيع أن أضمن هذا , المكان حولي محاط بالكثير من الأعداء لذا لا أضمن بأني قد أفي بالوعد "
روز نظرت إلى الطريق أمامها ثم قالت : " إذا حاول على الأقل "
و لأول مرة عجز جين عن طمأنتها أو أن يعدها بشيء ما على الأقل .
توقفت السيارة أمام مركز الأمن الضخم بعد طريق صامت ثم نزلت روز منها و نظرت إلى علوه الشاهق و كأنها تكتشفه لأول مرة و الابتسامة تشق طريقها في وجهها , وقف جين بجانبها و هو ينظر إلى ابتسامتها ثم قال : " يبدو أن هذا ما كنت تريدينه طوال الوقت "
روز نظرت إليه و قالت بسعادة : " سعيدة لأنك أحضرتني إلى هنا بالرغم من الظروف التي لا تليق بهذه الزيارة و لا الثوب حتى "
نظر إلى ثيابه هو الآخر و قال : " و لا حتى ثيابي , هيا لندخل "
لكنها توقفت أمامه و ترفع رأسها أمام علوه الشاهق كأنها تراه لأول مرة ¸بقي جين واقفا أمامها ينتظر أن تنهي تأمله و قد بدا عليها أنها اشتاقت إليه فلم يرغب في أن يفسد عليها متعة تأمله بل انتظر أن تنهي ذلك ثم سألها :
" هل أنت مستعدة للدخول ؟ أم تريدين وقتا أكثر لتأمله ؟ "
روز نظرت إليه ثم ابتسمت و قالت : " أريد رؤيته من الداخل "
دخل الاثنان من الباب الرئيسي و الذي كان أوتوماتيكي الفتح , ثم توقفا عند الرواق الرئيسي أمام حجم المبنى الهائل من الداخل و المليء بالأقسام , أشار جين إلى الأعلى ثم سألها :
" هل نذهب إلى قسم الأمن السيبيراني حيث تعملين ؟ "
نظرت ثم سألت كأنها تستأذن : " هل يمكننا ؟ "
أجاب : " الأمر يعتمد عليك , إن كنت تستطيعين تحمل ما يحدث فوق , فالمكان ليس هادئا مؤخرا "
تنهدت تنهيدة طويلة ثم أجابت : " دعنا إذا نستكشف ما يحدث فوق أولا , ثم نر إذا كنت أستطيع تحمله "
ثم اتجهت إلى الدرج لكنه أوقفها قائلا : " يوجد مصعد , يمكننا استعماله , أم أنك نسيتِ أمره ؟ "
نظرت إلى المصعد مطولا ثم أجابت : " أنا أتذكره , لكنني لا أريد الصعود فيه , يشعرني بالاختناق "
لم يعارض إرادتها و صعد الاثنان الدرج بخطوات متناسقة كأنهما شخص واحد و كلما صادفا فردا من أفراد الأمن ألقيا التحية احتراما لكن روز كانت أكثر التصاقا ب جين كأنها لا تعرف أي شخص في المكان غيره حتى وصلا إلى قسم الأمن السيبيراني .
كان عبارة عن غرفة واسعة , مليئة بشاشات المراقبة التي تعرض كل شبر من المدينة و المراقبون يسجلون كل شيء حول نشاط الناس و تحركاتهم , بمجرد دخول روز توقف الجميع عن العمل و التفتوا إلى الخلف ثم هتفوا بصوت واحد : " السيدة روز !!! "
ثم اجتمعوا حولها , روز لم تشعر بأي ذعر أو خوف بل كانت تحتضن صديقاتها بسعادة و تسأل عن الجميع , جين لم يتدخل أو يفسد عليها ما تفعله بل بقي يراقبها قريبا منها حتى أشارت له بيدها كي يقترب منهم و يشاركهم الحديث , روز جلست على كرسي و جين وقف خلفها بينما أحاط البقية بها و أخذت تخبرهم بكل ما حدث معها , بدت روز سعيدة باجتماعها بزملائها و كلما استدارت للخلف و رأت جين يقف قريبا منها زادت سعادتها و شعورها بالثقة و الرغبة في العودة للعمل أكثر .
و أثناء هذه اللحظات السعيدة . دخل فتى ذو شعر أسود و عينان بنيتان القسم يحمل في يده بعض الأوراق ثم نظر إلى روز و جين و قال : " مسؤول الأمن العام , السيد غابرييل هنا و ينتظركما في مكتب الإدارة "
اختفت الابتسامة من على وجوه الجميع و بالأخص روز التي التفتت إلى جين و نظرت إليه بذعر إلا أنه اقترب منها و قال مطمئنا : " لا داعي للخوف , لا بد أن الأمر متعلق بغيابك "
ثم أمسك بيدها بقوة و ذهب معها خلف الفتى إلى المكتب .
كان المكتب أكبر من سابقه حجما به طاولة كبيرة مستطيلة تتوسط القاعة اجتمع حولها مسؤولون كبار من كل جهات الأمن , وقف جين و روز أمامهم كما لو أنهما في محاكمة حقيقية تتفحصهما نظرات مسؤولي الأمن الذين وضعوا ملفيهما أمامهم على الطاولة
أخذ مسؤول الأمن الخارجي أحد الملفات بين احتفظ مسؤول الأمن السيبيراني بالملف الثاني , فتح الاثنان الملفين أمامهما و نظراتهما تنتقل بين جين و روز و الملفين اللذين يقلبانهما ثم أخذ مسؤول الأمن العام ورقة كانت موضوعة أمامه ثم وجه سؤاله للحاضرين :
" هل يعلم أحدكم ما هذا ؟ "
لم يجب أحد فتابع المسؤول كلامه : " هذا قرار أخير صادر عن الأمن الملكي , جاء بعد أن قدمنا آخر إحصائيات المراقبات في الشهر الأخير للقصر كما طلب الحاكم , و بناء عليه صدر حكم في حق جين بالسجن لمدة أسبوعين "
الاسم جعل الجميع يلتفت إليه بصدمة و منهم روز التي أمسكت بذراعه بقوة حتى اخترقت أظافرها ثيابه و شعر بها في ذراعه فمد يده ببطء إلى كتفها ليطمئنها لكنها لم تهدأ بل استمرت بالالتصاق به و هي تنتظر إجابة تتنافى مع ما يدور في رأسها لكن المسؤول قال بنبرة صارمة : " القرار ينص على أن كل فرد يتغيب عن عمله دون أي مبرر من جهة رسمية كالطبيب أو غيره يتم سجنه لمدة أسبوعين عقابا على تقصيره في عمله , يجري سير القانون منذ هذه اللحظة و على الغيابات التي بدأت منذ شهر , و عليه القرار سيطبق عليك منذ هذه اللحظة يا جين "
روز اندفعت فورا نحو السيد غابرييل و صاحت فيه بيأس :
" لكن هذا ليس عدلا و غيابه ليس سببا لعقوبة قاسية كهذه "
إلا أنه سحبها بلطف إلى الخلف و قال بصوت هادئ : " روز اهدئي , سنجد حلا للأمر , لا داعي للانفعال "
رد مسؤول الأمن العام : " لا أحد راض عن هذا القرار يا روز , ولا حتى أنا كمسؤول عنه , جين شخص مثابر و الجميع يعرف السبب الذي جعله يفعل هذا مع ذلك القرار ملكي "
روز تمسكت به أكثر و ردت : " إذا كنتم ستأخذونه فستأخذونني معه , لن يغادر أحدنا بدون الآخر "
نظر جين إلى المسؤولين ثم سأل مستأذنا : " هل لي بلحظة معها من فضلكم ؟ "
أشار مسؤول الأمن السيبيراني إلى الباب فالتفت إليها سائلا : " هل تريدين أن نذهب إلى قسم المراقبة الذي تحت مسؤوليتك ؟ "
نظرت روز إلى المسؤولين ثم وافقت على الأمر و ذهبت معه , في الرواق المؤدي إلى قسم المراقبة حيث كان الاثنان يسيران معا روز مدت يدها نحو ذراعه مجددا ثم قالت : " لا تعتقد أن إخراجي من هناك سيجعلني أتنازل عما قلته , أنت لن تذهب وحدك "
أشار إلى باب المكتب ثم قال : " ما رأيك أن تفتحي الباب ببطاقتك التي تركتها لك في الحقيبة ؟ "
روز نظرت إلى الحقيبة ثم فتحتها لتجد فيها هاتفها , أدويتها و كذا بطاقاتها , أخذت البطاقة المخصصة لفتح الباب ثم مررتها على الماسح ليفتح الباب و دخلت إلى مكتبها الذي كانت تتولى فيه مسؤولية قسم المراقبة , كان عبارة عن غرفة كبيرة مطلة على القصر الملكي , النافذة كانت مفتوحة و المكتب مرتب كما تركته روز منذ أشهر , أغلق الباب خلفهما فقال لها : " أخبرتهم بأن يحرصوا على نظافته و نفس الترتيب من أجلك , و لم يدخله أحد إلا من أجل التنظيف "
روز التفتت إليه و قالت بيأس : " دعني أفعل أي شيء لإلغاء القرار , أتعلم ماذا ؟ سأذهب إلى القصر ... نعم إلى القصر ... سأقنع الملك بأن يلغي القرار لأنه لا ذنب لك فيم حدث "
قالت كلماتها الأخيرة و هي تتجه نحو الباب إلا أنه أمسك بيدها ليوقفها قائلا : " روز اهدئي , إنهما أسبوعين فقط , سأخبر زين كي يأخذك إلى منزل أسرتك لتبقي هناك حتى موعد عودتي "
إلا أنها انتفضت و صرخت فيه لأول مرة : " دعني أفعل شيئا من أجلك و لو مرة , لا تعاملني على أنني عاجزة أو ضعيفة , أنا أستطيع إلغاء هذا القرار "
فجأة رن هاتفها ثم وصلتها رسالة , أخذت الهاتف ثم تفقدت محتوى الرسالة فإذ بها صور لمسؤولي الأمن و بعض من أفراده من بينهم جين الذي تم تشطيب صورته باللون الأحمر و صورتها التي تم إحاطتها بدائرة حمراء و توقيع بحرف "S" , تفاجأ الاثنان من الرسالة ثم أدارت الهاتف نحو وجهه و قالت : " هل فهمت أن هذا الأمر مخطط له ؟ إنهم يعرفون كل شيء , كانوا يعلمون أنك لن تبتعد عني لهذا أصدروا قرارا ظالما كهذا "
أبعد الهاتف ثم قال : " يجب أن تبقي بعيدة عنهم اتفقنا ؟ إلى حين عودتي , خلال هذين الأسبوعين سأفكر في حل "
إلا أنها رفضت مجددا : " لا يمكن أنا لا أريد العوة إلى هناك , إنها ما تزال موجودة "
فكر قليلا ثم رد : " إذا عودي إلى منزلنا , سأخبر زين بأن يحيطك بعائلتك إلى حين عودتي "
روز نظرت إلى باب المكتب ثم ترجته مجددا : " دعني أناقش رئيس الأمن على الأقل "
إلا أنه أشار إلى مكتبها و قال : " ذلك المكتب يحتاج إلى امرأة قوية تواجه مشاكلها و ليس امرأة تبكي عند أعدائها , حت لو مزقوني يا روز إياك و أن تترجي أحدا منهم , نحن بدأنا هذا الطريق لننهيهم لا لنبكي عند أقدامهم كي يشفقوا علينا "
فجأة دخل أحد الحراس و نادى عليه : " جين , مسؤول الأمن الخارجي يناديك , فالأمن الملكي هنا "
روز التفتت فورا : " الأمن الملكي ؟ "
رد الحارس : " القرار جاء من القصر لذا فالأمن الملكي هو من سيتدبر الأمر و ينفذه , لا علاقة لنا بالأمر "
و قبل أن يتمكنا من الرد دخل مسؤول الأمن السيبيراني و قال :
" لن تنفذ العقوبة هنا , بل ستنقل إلى السجن الملكي الذي يبعد عن مبنى الأمن بنصف ساعة , لن تذهب إلى القصر , يجب أن تذهب الآن "
التفت جين إليها مجددا و قال : " روز يجب أن أذهب , أي تأخير يضعك في دائرة الخطر , يجب أن تكملي العلاج لا تنسي هذا , خذي هذا دواؤك فأبقيه معك , لا تجعلي ما حدث ذريعة للتوقف أو الاكتئاب و العزلة "
هزت رأسها بالموافقة فقبل رأسها كما اعتاد عندما يريد طمأنتها ثم ذهب مع الحارس نحو القسم الخارجي الذي جهزت فيه سيارة خاصة لنقله إلى القصر .
في القصر الملكي , اجتمع الحاكم الحالي ايفان مع مساعده دييغو و سامر و أفراد الأمن الملكي على طاولة كبيرة أمامهم شاشة عملاقة مقسمة تعرض المملكة بكل مرافقها و أحد الأقسام يعرض كل فروع الأمن و من فيه , أشار الملك إلى الشاشة التي تعرض قسم الأمن السيبيراني و قال : " أريد رؤية ما يحدث هناك , أريد معرفة مصير جين و روز الآن "
اقترب دييغو من لوحة التحكم و عرض ما يحدث داخل القسم حيث رأوا جين يقاد نحو السجن الأمني فابتسم الملك قائلا : " أخيرا أبعدناه عن الساحة , دور روز الآن لنقضي عليها "
رد دييغو و هو مستمر بالنظر إلى الشاشة : " هذا ليس كافيا , علينا وضع حد لحياته "
ثم هم بالخروج إلا أن الملك أوقفه سائلا: " إلى أين ؟ "
أجاب دون أن يلتفت : " لأراه ضعيفا , خاضعا , ذليلا , هذا أحد أحلامي "
أما الملك فالتفت إلى البقية و قال : " ستجهزون مجموعة كبيرة من الحراس و ترسلونهم إلى المدينة , فليراقبوا كل شبر منها , مجموعة أخرى تراقب مراكز الأمن و نشاطها , أريد أن تعتقلوا رئيس قسم الأمن السيبيراني و رئيس قسم الأمن العام حالا و تضعونهما في السجن الملكي بجانب جين , و أخيرا دمروا حديقة السلام التي أنشأها شارل "
انطلق مبعوث منهم نحو أفراد الأمن الملكي و ألقى الأوامر عليهم فانقسموا و اتجهوا نحو مبنى الأمن على الفور .
في مبنى الأمن كانت روز مجتمعة مع مسؤولي الأمن لإيجاد حل لإخراج جين من القصر , فجأة اقتحم المركز مجموعة من رجال الأمن الملكي المكتب و بدأوا في اعتقال المسؤولين , روز لم تفهم ما يحدث كانت تلتفت يمينا و يسارا بذعر و هي تنظر إلى الحرس الملكي و هم يأخذون رئيس مركز الأمن العام و رئيس مركز الأمن السيبيراني , أثناء ذلك اقترب منها شاب يرتدي نفس بذلة الأمن الملكي و وقف مقابلا لها دون أن يبعد عينيه عنها و قال :
" أخيرا , اجتمعنا مجددا يا روز "
روز اندفعت نحوه بغضب و أمسكت بثيابه و صرخت فيه :
" كل هذا كان بسببك ... أنت من خطط لهذا ... ستدفع ثمنه غاليا "
إلا أنه أمسك بمعصميها و قال بنبرة جافة خالية من أي تأثر :
" بسببي ؟ أم بسببكم ؟ طوال حياتكم تعيشون في رفاهية دون أن تفكروا في معاناة الآخرين , عشت طفولتي هائما ضائعا في الفقر بسبب فقدان أهلي لكن ملككم المبجل لم يفكر فينا , بل كنتم تعيشون حياتكم في أمن و رخاء دون أن تفكروا فيمن يعيشون في الهاوية , لكن لا تنسي يا روز دوام الحال من المحال "
روز سحبت يديها بقوة و قالت : " لن يوصلك هذا الطريق إلى مبتغاك "
اقترب منها و قال : " بلى أوصلني , سيطرنا على البلد و على القصر , جين حبيس القضبان عاجز عن التصرف و أنت ... دعيني أقلها بشكل لائق , ضعيفة و ستضطرين للعمل كيفما يشاء الحاكم "
لم ترد روز على كلامه بل استمرت في النظر إليه و هو يغادر المكان رفقة زملائه بينما بقي القسم شبه فارغ لأن من بقي فيه كان بعض العناصر فقط .
روز نظرت إلى المكان حولها و إلى زملائها الذين كانوا تحت تأثير الصدمة مما حدث ثم قالت : " دعونا نتوقف هنا اليوم , عودوا إلى منازلكم و ارتاحوا , سنجتمع غدا هنا لنخطط من أجل العمل السري "
غادرت روز رفقة زملائها إلا أنها لم تذهب إلى منزلها بل قررت الذهاب إلى منزل أهلها هذه المرة , في الطريق أخذت هاتفها ثم فكرت قليلا و شكلت رقما ثم أجرت مكالمة و أخذت تنتظر الطرف الآخر الذي رد على الفور سائلا :
" أهلا , من معي ؟ "
روز أجابت بنبرة كئيبة : " روبرتو هذه أنا روز , حصلت على رقمك من هاتف جين "
ثم نظرت إلى هاتف جين الذي بقي معها , سأل روبرتو متفاجئا :
" من هاتفه ؟ أين هو ؟ "
ردت بنفس النبرة : " حدث شيء سيء , أخذه الأمن الملكي بسبب قرار ظالم من الحاكم و أخذوا معه مجموعة من أفراد الأمن , أنا ضائعة و خائفة "
تنهد روبرتو بأسى و قال : " لا تخافي , العيادة مفتوحة دائما و هاتفي متوفر في كل وقت , اتصلي وقتما تشائين , أين أنت الآن ؟"
روز أجابت : " ذاهبة إلى منزل عائلتي , لا أستطيع المبيت في المنزل بدونه , أنا أساسا منهارة بعدما حدث و أشعر بالتعب , لم أستطع احتمال ما حدث فاتصلت بك "
سأل باهتمام : " روز هل تستطيعين الدخول إلى منزل أهلك بعدما حدث ؟ "
روز أجابت : " أنا لا أعرف , ما أعرفه هو أنني بحاجة إلى زين و أني لن أحتمل البقاء في منزلي بدون جين "
نظر إلى ملفها ثم سألها : " هل تريدين أن ننظم موعدا من أجلك ؟ يمكنك التحدث فيه عما تشائين "
روز فكرت قليلا ثم قالت : " لدي الكثير الذي أرغب في قوله , سآتي غدا مساء إلى عيادتك فأنا لا أستطيع التغيب عن العمل غدا هل الوقت مناسب ؟ "
أجاب فورا : " بالطبع مناسب , سأنتظرك في العيادة "
ابتسمت روز ثم ردت : " أقدر لك هذا كثيرا "
رد روبرتو بسعادة : " سعيد لأنك أصبحت تستطيعين التحدث و العودة إلى العمل , لكن لا تنسي إذا شعرت بأي تعب فلا تضغطي على نفسك "
ردت محاولة إخفاء حزنها : " حسنا , حاضر , وداعا "
أما في القصر , اجتماع الملك لم ينته فبعد آخر قرار في حق الأمن
جلس أمام شاشة في بث مباشر عرض في كل شاشات التلفاز و شاشات العرض الضخمة في المدينة و مراكز الأمن ثم ابتسم قائلا
" منذ استلامي لهذا العرش شعرت بأن هذا البلد في حاجة إلى أن يعود إلى الاستقرار , لذا هناك قرارات عليكم الالتزام بها , يمنع التجول في المدينة بعد الساعة الثانية مساء و أي مخالفة ستعرض صاحبها لعقوبة و لضمان هذا سيتم نشر حراس أمن ملكيين في كل شبر من المدينة , أما بالنسبة للأمن فأنا لم أنساكم سيتم مراقبة نشاطكم بشكل مكثف من طرف الأمن الملكي و أي مخالفة من أي فرد ستعرض المركز بأكمله للاعتقال و أخيرا سيتم القضاء على كل ما له علاقة بحاكمكم العزيز السابق شارل لتعرفوا جيدا من هو الشخص المناسب لتخضعوا له "
ثم انقطع البث تاركا الناس في هلع و حيرة من القرارات الأخيرة , فجأة خرج مجموعة كبيرة من الحراس الملكيين من السيارات التي توقفت فجأة في الطرقات و انتشروا في كل جوانب المدينة و على الأرصفة و أمام المحلات و جميع المنشآت وسط فزع السكان .
في ذلك الوقت , توقفت السيارة التي أوصلت روز إلى وجهتها أمام منزل عائلتها ثم نزلت منها و اتجهت إلى المدخل و هي تنظر إلى حديقة المنزل كأنها تتذكر كل شيء و كل ما مرت به ثم توقفت أمام الباب و دقت الجرس , بعد لحظات فتح الباب و ظهرت منه أمها , روز رفعت رأسها إليها و قالت بصوت منخفض : " أمي ... "
و لأول مرة مدت أمها ذراعيها نحوها و قالت : " تعالي "
روز اقتربت منها بخطوات بطيئة ثم توقفت أمامها مترددة فيم عليها أن تفعل , بيلا اقتربت منا خطوة واحدة ثم قالت : " ليس هناك ما يخيف , تعالي "
روز اقتربت بخطوات ثقيلة نحوها و مدت ذراعيها و أحاطتها بهما ثم قالت : " سنصلح كل شيء , أعدك "
لم يكن مجرد حضن بل جسرا ربط مجددا بين أم و ابنتها .