اقترب المساء عندما عادت روز إلى المنزل , بمجرد أن دقت الباب فتحته والدتها فورا و ابتسمت لها كعادتها قائلة : " يبدو أنني سبقتك في العودة هذه المرة "
اقتربت روز منها لأول مرة و قالت : " سأسبقك إذا المرة القادمة "
ثم سكتت قليلا و سألت : " هل هذه رائحة طعام ؟ "
ضحكت والدتها و قالت : " برأيك رائحة ماذا هي ؟ "
فكرت روز قليلا ثم أجابت : " تبدو رائحة أرز باللحم "
مدت والدتها يدها إليها و قالت : " هي كذلك , رائحة أرز باللحم كما تحبينه , هيا إلى البيت "
نظرت روز إلى يدها التي تمدها إليها و ترددت في الاقتراب منها فقالت والدتها : " روز , لا داعي للخوف فيدي لن تؤذيك "
ردت روز بنبرة تردد : " الأمر لا يتعلق بالأذية , إنما أنا متعودة على أن أمسك يد جين فقط "
ابتسمت والدتها قائلة : " لا بأس في الأمر إن كنت مترددة فيه أو خائفة أو غير معتادة , سنبدأ معا إن أردت "
مدت روز يدها ببطء نحوها ثم لامست أصابعها يد والدتها و ببطء التفت حول يدها و شدتها بقوة و دخلتا معا إلى المنزل حيث أخذتها والدتها إلى غرفتها و أخذت كيسا أخرجت منه فستانا أزرق سماوي اللون مثل الذي كانت ترتديه و قالت : " مررت اليوم على محل للألبسة النسائية , رأيت هذين الفستانين و لم أستطع مقاومة التصميم خصوصا و أنه بنفس لون عينينا "
سكتت قليلا و هي تبتسم ثم تابعت قائلة : " و أردت أيضا أن نبدو متشابهتين "
ابتسمت روز بشكل جعل قلب والدتها يرفرف ثم قالت : " نحن بالفعل كذلك "
شردت والدتها فيها للحظة ثم قالت : " سأذهب الآن لأبدأ إعداد العشاء بينما ترتدينه أنت "
ابتسمت روز لها ثم غادرت والدتها الغرفة و بقيت روز فيها , أخذت تقلب الفستان بين يديها و تتمعن تفاصيله و لونه ثم ارتدته , بعد أن أنهت وقفت تنظر إلى نفسها في المرآة ثم مدت يدها إلى الشريطة التي تزين شعرها و أزالتها ببطء لتفرد شعرها الطويل على ظهرها و كتفيها ثم ابتسمت قائلة و سيلان من الدموع ينزلان على خديها : " كنت تحبه كثيرا و هو مفرود على ظهري , بمجرد أن أفقت من الصدمة لأعود إليك وجدتهم يأخذونك بعيدا عني و أنا عاجزة , لكنني أحاول من أجلك فلا تتأخر عني "
ثم تركت الشريطة على الطاولة و خرجت من الغرفة , بمجرد أن وصلت إلى المطبخ و رأتها والدتها ابتسمت و اتسعت عيناها قائلة :
" أنت دائما جميلة "
اقتربت روز خطوتين منها ثم ردت : " أنا جميلة مثلك "
و بينما كانت والدتها شاردة فيم قالته سألت روز : " ماذا علي أن أفعل أنا الآن ؟ "
أجابت والدتها : " ستقومين بطهي الأرز بينما أطهو أنا اللحم "
عندما بدأت روز تطهو الأرز في القدر ابتسمت و قالت بشرود :
" تعودت على أن يتدبر جين كل شيء , جرب طبخي مرة واحدة , إلى جانب أنه سجن بسببي فأنا قصرت في حقه "
ردت والدتها : " يمكن إصلاح كل شيء يا روز فلا تقلقي , تحتاجين إلى الوقت فقط "
مسحت روز سيل الدموع على خدها ثم قالت : " بمجرد أن يعود سأصلح كل شيء , أعده بهذا , سأجتهد من أجله ليرى المرأة التي كان يريدها "
اقتربت منها والدتها و قالت : " أنت مازلت المرأة التي يريدها , لم يتغير شيء فيك و ما حدث كان مدبرا و كان سيحدث في جميع الأحوال "
لم تتحرك روز من مكانها أو تبتعد عنها كما تعودت أن تفعل معها بل اقتربت منها خطوة و قالت: " كيف لي أن أصلح ما حدث ؟ "
أجابت بيلا : " نبدأ خطوة بخطوة ... كأم و ابنتها , حتى نصل إلى النور , أولا عليك الاعتناء بنفسك فلا يجب أن يراك أحد ضعيفة و مهزومة و إذا أردت أن تنهاري فاختبئي عندي و انهاري "
ثم أطفأت نار الموقد و قالت : " و ستنطفئ النيران التي بداخلك هكذا تماما "
ابتسمت روز لها مجددا و قالت : " لم أتوقع أن تكون الحياة ممتعة هكذا معك "
ردت بيلا : " ممتعة لأنها معك , دعينا نذهب إلى غرفتك الآن و نتحدث قليلا ريثما يعود البقية "
هزت روز رأسها بالموافقة ثم ذهبت معها إلى الغرفة كما طلبت .
أشارت بيلا إلى السرير فجلست روز ثم جلست والدتها مقابلة لها و قالت : " سنجلس كل يوم هكذا , نتحدث عن كل ما يخيفك أو يزعجك , لن تضطري لإخفاء أي شيء أو كتمه و الاحتراق به , نتحدث هنا كيفما شئت حتى تشعري أنك بخير "
سألت روز باهتمام و كأنها كانت تنتظر لحظة كهذه منذ زمن :
" نتحدث عن أي شيء ؟ هل يمكن أن نبدأ بدفتري ؟ "
أجابت والدتها : " حسنا لنبدأ بالدفتر "
تنهدت روز ثم وضعت الدفتر بينهما على السرير و قالت : " اشتريت هذا الدفتر قبل تقلدي منصب رئيسة قسم المراقبة بمدة قصيرة , إنه ليس مجرد دفتر عادي بل المرآة العاكسة لمشاعري , أسراري , و كل التفاصيل المهمة في حياتي ... أيا يكن ما تريدين معرفته فهو مسجل هنا "
ردت والدتها : " لا تقلقي لن أقرأه , أعدك "
ردت روز فورا : " لا لا لا لا , أنا أريدك أن تقرئيه و ربما إذا عرفت كيف أفكر أو بما أشعر يمكنك مساعدتي في تخطيه , يمكنك قراءته وقت ما شئت فأنا لن أثق بغير عائلتي و جين في الحفاظ عليها "
ثم وضعت الدفتر بين يديها , ابتسمت والدتها و هي تمسك الدفتر ثم قالت : " حسنا سأهتم بأمر هذا لاحقا , لنتحدث قليلا عما حدث بعد الزفاف , اخبريني كيف قضيت الأيام الأولى ؟ "
خفضت روز رأسها بأسى ثم أجابت بعد لحظة صمت : " في البداية انعزلت عن العالم بشكل كلي , لم أخرج من غرفتي أو أغادر سريري , إلى درجة أنني نسيت أن لدي هاتف و نسيت أن أشحنه , تذكرته بعد أيام "
كانت والدتها تنصت باهتمام إلى كل حرف تقوله و بمجرد أن أنهت كلامها سألتها: " أين كان جين من كل هذا ؟ "
أجابت روز فورا فالسؤال بدا لها كاتهام موجه له : " معي ... كان معي , لم يفارقني و لو لحظة , لم يكن ينام أو يغادر المنزل حتى "
ابتسمت والدتها : " كنت أعرف أنه الشخص المناسب و أنه أهل ثقة "
استغربت روز : " لكن لم يحدث بينك و بين جين لقاء إلا يوم الخطوبة "
ابتسمت والدتها و ردت بثقة : " بلى حدث ذلك دون علمك , جاءني ذات يوم بعد الاعتراف و أخبرني بمشاعره تجاهك , و وعدني بأنه سيهتم بك و يرعاك و يصونك و يحميك بأي ثمن و يبدو أن وعوده لم تكن حبرا على ورق كما ظننت "
هزت روز رأسها متفاجئة : " حبر على ورق ؟ هل ظننت أنه شخص سيء ؟ "
اعتدلت في جلستها و قالت :" ليس سيئا بل ليس أهل ثقة لكنه أثبت العكس , أرجو أن يعود بخير و سلامة فسجنه في السجن الملكي أمر مخيف "
أنزلت روز رأسها و قالت بصوت منخفض : " هذا أمر آخر يؤرقني , لا أثق بإيفان نهائيا بالرغم من أنه لم يصدر قرارا رسميا بإعدامه إلا أنني أخاف أن يؤذيه هناك في السجن "
مدت والدتها يدها نحوها و رفعت رأسها و قالت : " جين قوي و يعتمد عليه , لن يؤذيه شيء هناك و سيعود كما وعدك , الأهم الآن أن تكوني كما أراد "
ثم أشارت إلى مكتبها الذي كانت تضع عليه حاسوبها و بقية الوثائق و قالت : " و أن تسعي للانتقام لما فعلوه فردا فردا , اتفقنا ؟ "
سألت روز و هي تنظر خلفها للحاسوب :" من أين أبدأ ؟ "
أجابت والدتها :" من يوم الاعتراف "
التفتت فورا و سألت مستغربة : " ما علاقة يوم الاعتراف بكوني سأنتقم منهم ؟ "
ردت والدتها :" أذكر أنك تحدثت يومها عن حادثة سرقة , بنك , شخص لا يسعى للسرقة بل إلى شيء آخر , لم لا تبدئين به ؟ لم لا تبدئين بالتحقيق في أمر إيفان أيضا ؟ "
فكرت روز قليلا ثم ردت : " بالفعل !! نحتاج إلى ملف إدانة كامل لهما , سأبدأ فورا "
ثم ابتعدت على الفور نحو الطاولة التي وضعت عليها الحاسوب و قامت بتشغيله , أخذت والدتها كرسيا و جلست بجانبها تنظر إليها فسألت روز : " ماذا تفعلين ؟ "
أجابت : " سأبقى معك هنا , لن تضطري بعد الآن إلى فعل شيء بمفردك سأكون معك في كل خطوة حتى عندما تعودين إلى بيتك اتصلي بي في أي وقت "
شردت روز في الحاسوب و هي تقول : " العودة ؟ أصبحت أحن فجأة إلى منزلي "
ردت والدتها فورا : " يمكننا الذهاب إليه غدا بعد أن تنهي عملك إن شئت , تتفقدينه و نبقى قليلا ثم نعود "
هزت رأسها بالموافقة و قالت : " حسنا بالرغم من أنه موحش بدونه "
وضعت والدتها يدها على كتفها و قالت : " كل مر سيمر ... صبرا فقط يا روز "
ابتسمت روز ثم التفتت إلى الحاسوب و تفقدت موقع الأمن الذي كان يخفي الكثير من أسرار الدولة لكنها لم تجد شيئا يمكن استعماله لإدانة إيفان فقالت بأسى : " يبدو أنني تسرعت لن يترك إيفان خلفه ما قد يدينه , موقع الأمن الملكي مشفر و هو السبيل الوحيد لهذا "
سألت والدتها بفضول : " ألا يمكنك اختراقه ؟ أنت سيبيرانية "
أجابت روز : " يمكنني ذلك بسهولة , لك إذا فعلت فسيصل إنذار إلى أنظمة القصر و يعاقب الجميع بقرار مجنون من ذلك المختل , لا أريد المخاطرة بأحد , يكفي أننا خسرنا شقيقته و جين و كارن "
سألت والدتها مجددا : " من كارن ؟ "
أجابت روز : " زميلة في قسم الأمن السيبيراني من قصر جودي , سجنت لأنها أكثر من يجيد اختراق الأنظمة و لأنها عارضت إيفان مع شقيقتها "
نظرت والدتها إلى النافذة و قالت : " أمر مؤسف , الحل الوحيد المتبقي هو شارل , هل لديك أخبار عنه ؟ "
ردت روز : " لا فأنا ممنوعة من زيارة القصر إلا بإذن رسمي من إيفان , لكن لو حدث شيء فهو لن يتردد في إعلانه و التباهي به "
نظرت الاثنتان إلى الساعة ثم قالت بيلا : " تأخروا كثيرا , الظلام يخيم في الخارج "
هذه الجملة دوت في رأس روز كإنذار خطر فقالت :" الظلام يخيم في الخارج ؟ الساعة السابعة ؟ حظر التجوال "
سألت بيلا بعدم فهم : " ماذا ؟ "
التفتت روز نحوها بقلق و قالت : " فرض إيفان حظر تجوال يبدأ من الساعة السابعة مساء و كل مخالف لهذا القانون يتعرض للسجن لمدة مجهولة يحددها الملك حسب الحالة , لن يتهاون في عقوبة أقارب أفراد الأمن "
كانت عينا والدتها تتسعان من القلق عندما رن الجرس فجأة فزفرتا براحة و ردت والدتها : " لقد عادوا في الوقت المناسب "
اتجهت كلتاهما إلى الباب الرئيسي الذي فتحته بيلا فوجدت إيميلي مع والدها فقالت بسعادة: " كنا قلقتين من أن تتأخرا أكثر و تعاقبا بسبب القانون الجديد "
دخل دون و هو يقول بانزعاج : " بدأ الأمن الملكي بالانتشار أكثر بسبب هذا القانون , كادوا يمسكون بنا "
ردت إيميلي : " المدينة شبه ميتة فالجميع عادوا إلى بيوتهم بسبب القانون إلا نحن تأخرنا قليلا "
ثم أغلقت بيلا الباب بعد أن دخلت إيميلي لكنها تجمدت فجأة و سألت متفاجئة : " أين زين ؟ "
نظر البقية إلى بعضهم متفاجئين من السؤال فبيلا توقعت أن يأتي معهما بينما توقع دون أن زين قد عاد من الأساس فسألها :
" ألم يعد ؟ "
هزت رأسها نافية و قالت بذعر : " لا لم يعد , ظننت أنه سيعود معكما "
نظر الجميع إلى بعضهم متفاجئين و منهم روز التي اتسعت عيناها بذعر و أخذت هاتفها ثم اتصلت به , بعد لحظات رد زين فقالت باندفاع : " زين أين أنت ؟ "
رد زين بنبرة هادئة لا تعكس أي ذعر : " روز أعلم أن الخبر وصلك , لا داعي للخوف "
ردت روز باندفاع : " كيف لا تريد مني أن أخاف و أنت بين أيديهم الآن ؟ أخذوا جين و الآن أخذوك , أين أنت ؟ "
رد زين : " لا يهم أين أنا , المهم أن أعود و هذا غير وارد الآن , عليكم انتظاري فحسب اتفقنا ؟ "
هزت روز رأسها نافية بغير وعي و صرخت فيه : " دعني أتدخل هذه المرة , أنا أستطيع إنقاذك فكفوا عن معاملتي على أنني كائن هش و ضعيف "
كان والداها و شقيقتها ينظرون إليها بدهشة , أخيرا بدأت روز القوية تعود و تثبت نفسها للجميع , تنهد زين ثم رد باستسلام :
" حسنا , انتبهي على نفسك يا روز , ستجديننا في دورية أمن في الشارع الرئيسي وسط المدينة "
أغلقت روز الهاتف ثم اتجهت إلى الغرفة و أخذت بذلتها السوداء ثم ارتدتها و فردت شعرها الأصفر ثم أخذت هاتفها و قالت :
" لن أسمح له بأن يأخذه كما أخذ جين , لن يهزمني هذه المرة "
اقتربت من والدتها و قبلت خدها ثم قالت : " سنعود نحن الاثنين , أعدك "
غادرت روز المنزل ركضا نحو مركز الدورية في وسط المدينة كما وصف زين , قلبها يدق بسرعة مع كل خطوة و رجفة جسدها لا تشعر بها حتى أنها لا تشعر بالعالم حولها أو بنظرات الناس الغريبة لها , كل ما تشعر به هو خوفها على أهلها و رغبتها في إنقاذهم و عدم تكرار ما حدث مع جين , في غضون ساعة وصلت روز إلى دورية الشرطة التي أخبرها عنها زين و التي كانت محاطة برجال الأمن الملكي الذين يسيطرون على المدينة , أوقفها اثنان منهم عند الباب الرئيسي للدورية بيديه اللتين رفعهما أمامها كحاجز قائلا : " توقفي , إلى أين بهذه السرعة يا سيدة ؟ "
رفعت روز هاتفها الذي عرضت فيه بطاقتها الالكترونية التي تتضمن هويتها كرئيسة قسم المراقبة و قالت : " أنا رئيسة قسم المراقبة من الأمن السيبيراني , لي الحق في الدخول "
تمعن الرجل في ملامح وجهها فلم يصعب عليه معرفتها لأنها معروفة و الجميع يتحدث عنها و هي واحدة من المطلوبين عند الملك , لم ينزل يديه التي كانتا حاجزا بينها و بينه بل قال ببرود يعكس قسوته كفرد من أفراد الأمن الملكي : " بأمر من الملك لا يمكنك الدخول "
ردت روز بانفعال : " كيف يمنعني من الدخول ؟ منعني من دخول القصر و الآن من دوريات الشرطة ؟ "
كانت دوريات الشرطة الصغرى تحت سيطرة الملك , على عكس مركز الأمن الأكبر و الذي كان قسم الأمن السيبيراني جزء منه ,
استمر الرجل في النظر إليها و هي ترمقه بنظرات الغضب دون أن يرد , تنهدت روز تنهيدة طويلة ثم قالت : " إما أن تبتعد عن طريقي أو أدخل بطريقتي الخاصة "
كانت روز قد فقدت سيطرتها على نفسها و هي ترى يدي الملك تطال أسرتها بعد جين , و بينما هي واقفة تتحدى الحارس جاء شاب ذو شعر بني و عينان زرقاوان , لم يصعب على روز معرفته فقد كان سامر الذي لم يفارقها في فترة ما و أصبح الآن أقسى كوابيسها , توقف أمامها ثم قال بابتسامته المستفزة التي اعتادت عليها روز : " روز مرحبا بك , كنت أتساءل عن سبب النور المنتشر في المركز بالرغم من الظلام الذي حل "
كان الظلام قد بدأ يحل بالفعل فالوقت تأخر , كانت روز تتنفس بسرعة و هي تسمع كلماته الساخرة ثم تنهدت تنهيدة طويلة و قالت بنبرة غاضبة : " أعد إلي عائلتي , ألم تكتفي بجين ؟ الآن تطال عائلتي ؟ "
رفع سبابته في وجهها ثم حركها يمينا و يسارا و قال ببرود :
" جين لا يعنيني يا روز , أخذت ثأري منه ذات يوم رغم أن الأمر لم ينجح , أنت الآن ما أسعى إلى تدميره "
سألت روز بانفعال : " ماذا تعني ؟ لا تقل أنك آذيته في القصر "
رد ببروده المعتاد : " لا أبدا , ذلك لا يشفي غليلي , ليس بهذه السهولة .... هل تعتقدين أنه يصعب علي تدميركم ؟ لا يصعب علي أبدا لكن رؤيتك تركضين و تتعبين و تخافين و تلهثين يسعدني جدا ما رأيك في أن نسجن شقيقك لمدة أسبوعين مثل جين ؟ "
تنهدت روز بقوة ثم قالت : " ماذا تريدون مني ؟ أنا لا أفهم "
اقترب منها خطوة ثم قال : " تصفيتك أسهل ما يكون لكن ليس قبل أن نجعلك تندمين لأنك دعمت شارل و حكمه , بسبب شارل نحن عشنا في الظلام و أنت دعمته "
ردت روز : " شارل لم يدمر أحدا , أنتم من اختار طريقا مظلما بسبب أنانيتكم و طمعكم "
نظر إليها و كأنه يتقزز منها و قال :" متى ستتوقفين عن إعطاء الدروس كأنك ملاك طاهر ؟ "
ردت بانفعال : " حين تتوقفون عن تدمير كل شيء , أنظر إلى المدينة حولك , الناس تعيش في الخوف و الذعر منذ اقتحمتم القصر "
نظر سامر حوله بالفعل , بدا و كأنه مستغرب مما رأى فظنت روز أنه اقتنع بكلامها فاتسعت عيناها إلا أنه ضحك ضحكة طويلة عالية ساخرة و قال : " دمرنا كل شيء ؟ .... لا أبدا , نحن أعدنا بناء كل شيء كما يجب أن يكون "
ردت روز برجاء : " سامر , أعد إلي شقيقي , لم يفعل شيئا , لا ذنب له فيم يحدث "
فجأة قال بابتسامة : " حسنا سأعيده إليك "
اتسعت عينا روز من شدة الصدمة فهي لم تتوقع ردا بهذا البرود و لا موافقة بهذه السرعة , اقترب منها و هو ينظر إلى عينيها قائلا :
" هذه هي البداية يا روز ... نحن لم ننته "
ثم ابتعد و عاد إلى المركز و أخبر الحراس بأن يحضروا شقيقها بينما بقيت روز واقفة أمام باب المركز تنظر إليه و هو يغادر لكن داخلها كان يشتعل من الغضب و الحيرة فهي لم تتوقع موافقة باردة كهذه لإطلاق سراح شقيقها , بعد لحظات رأت شقيقها يخرج من المركز و بمجرد أن خطا زين أول خطوة خارج المركز اندفعت نحوه و عانقته بقوة قائلة :
" أنت بخير أليس كذلك ؟ لم يؤذك أحد ؟ "
بادلها شقيقها العناق قائلا : " لا تخافي , أنا بخير , كنت سأمر على إيميلي في الجامعة لكنهم اعترضوا طريقي"
ابتعدت روز عنه و هي تمد يديها إلى وجهه قائلة : " كنت خائفة جدا , أعدك بأن لا يتعرض لك أحد مجددا "
ابتسم زين قائلا : " لا تخافي , لم يكونوا ليؤذوني , فعلوا ذلك لإخافتك فقط "
ثم أمسك بيدها و قال : " دعينا نعود إلى المنزل , تأخر الوقت و سيقلق أبي و أمي "
وصل الاثنان إلى المنزل بحلول الظلام حيث استقبلتهما والدتهما و بينما هي تعانقهما قائلة : " أنا سعيدة لأنكما بخير "
سالت دمعة على خد روز التي قالت : " أنا آسفة جدا "
إلا أن شقيقها ابتعد عن والدتهما و اتجه إليها ثم مسحها قائلا : " لا تلومي نفسك يا روز , أنت لم تخذلي أحدا و كل هذا كان بسببه "
عندها اقتربت إيميلي و فتحت ذراعيها و قالت : " ما رأيكم في عناق جماعي ؟ "
رد زين فورا : " نعم , نعم ... عناق جماعي "
اجتمعوا معا في عناق جماعي كما قالت إيميلي و بينما هم كذلك قال الأب : " كل شيء سيتصلح , صبرا فقط "
ثم أشارت إلى الطاولة و قالت : " ما رأيكم في أن نجتمع الآن حول الطاولة كما كنا نتمنى "
اجتمعت الأسرة أخيرا حول الطاولة كما كانت تتمنى , روز بجانب والدتها تضع يدها في يدها , إيميلي بجانب والدها بينما يجلس زين في الوسط , أمامهم الطعام الذي أعدته روز و أمها يمدحونه و يضحكون دون أن يذكر منهم موضوع جين أمامها تفاديا لانهيارها أو حزنها , بعد الطعام اتجهت روز مع ايميلي لغسل الأواني إلى المطبخ بينما بقي والداها مع زين يشاهدون التلفاز , روز كانت ترتب الأواني الزجاجية التي كانت ايميلي تغسلها على الطاولة بينما يخترق مسامعها صوت المذيعة و هي تقرأ تفاصيل ما يحدث في المدينة بسبب قرارات الملك الأخيرة و تخوف السكان مما يحدث خصوصا بعد اعتقال مجموعة من أفراد الأمن , بعد أن أنهم ايميلي غسل أحد الكؤوس و قدمته لروز كي تخبئه إلا أنها لم تنتبه إلى أن روز كانت شاردة و لم تتسلمه فسقط الكأس و انكسر , صوته اخترق مسامع روز ففقدت السيطرة على نفسها و انهار المطبخ حولها , لم تعد ترى مطبخ منزلها بل الحديقة التي أقيم فيها الزفاف و ظلام أمسية الزفاف , الطاولات المزينة تحيط بها إلا أن حضور الحفل غير موجودين و بينما هي تلتفت يمينا و يسارا بحثا عن أي أحد توقف نظرها عند المرأة الخمسينية الواقف عند المنصة, عرفتها روز فورا من ثيابها و ملامح وجهها فاتجهت نحوها فورا قائلة : " أمي جاسمين , أنت هنا ... دعيني آخذك إلى مكان آمن , هناك قاتل في الزفاف "
إلا أنها لم تتحرك من مكانها رغم محاولات روز , التفتت روز إليها كي تخبرها بضرورة الرحيل لكنها تفاجأت بملامحها المخيفة و عيناها الغائرتان و الدماء التي تسيل من جانب فمها فأفلتت يديها ذعرا من شكلها و تراجعت للخلف بخطوات بطيئة بينما كانت جاسمين تسير نحوها بنفس البطء و تردد : " كان هذا بسببك ... ستخسرين كل من هم حولك بسبب منصبك و أفعالك "
تلفتت روز يمينا و يسارا بحثا عن أي مساعدة و فجأة تذكر قلبها شخصا تعودت على الاختباء عنده دائما فنادت عليه فورا :
" جين ... أين أنت ؟ ... أنقذني "
لم تتوقع روز أن يرد لكنها سمعت صوته بعيدا يناديها فتلفتت إلى الخلف و رأته ببذلته السوداء لكنه كان مقيدا و يقف خلفه شاب دون أي ملامح و بمجرد أن مدت يدها إليه تفاجأت بدماء تنزل من فمه و عندما رفعت رأسها رأت الفتى الواقف خلفه يطعنه في الظهر , حاولت الاقتراب منه إلا أنها وجدت يديها مقيدتين إلى الخلف .
فجأة شعرت بيد تلمس ذراعها و عندما التفتت وجدت والدتها بجانبها , نظرت حولها فوجدت نفسها على الأرض في حجر والدها محاطة بوالدتها و شقيقها و على وجوههم علامات القلق .
التفتت روز يمينا و يسارا فأدركت أنها ما زالت في منزل أسرتها و أن لا شيء مما رأته حقيقي عندها تنهدت و قالت : " أنا بخير "
هز والدها رأسه نافيا : " لا أنت لست كذلك , دعيني آخذك إلى غرفتك "
و كطفلة صغيرة حملها بين ذراعيه و أخذها إلى الغرفة و وضعها على السرير بينما جلست والدتها بجانبها و قالت : " سأبقى هنا هذه الليلة أيضا "
ابتعدت روز عن الوسادة و أسندت رأسها إلى والدتها و نامت بينما ظلت والدتها معها تلك الليلة .
اليوم التالي بدا كئيبا , بدء من الغيوم الرمادية التي غطت السماء و الناس العابسين في الشوارع الذين يتحركون تحت مراقبة الأمن الملكي كأنهم دمى تحركها الخيوط , استيقظت روز مبكرا و لم تجد والدتها في الغرفة و كعادتها لم تبد ردة فعل لأنها تذكرت ما حدث ليلة البارحة , غادرت سريرها و غرفتها دون أن تفتح نافذة الغرفة كالعادة و بمجرد أن خرجت من الغرفة شمت رائحة تعودت عليها في البيت : رائحة القهوة , فعلمت أنها ليست بمفردها في المنزل .
نزلت الدرج بخطى ثقيلة و اتجهت نحو الحمام حيث المغسلة , و بمجرد أن وقفت أمامها رأت وجهها الكئيب الشاحب , تمعنت فيه جيدا ثم همست : " هذا الوجه ليس غريبا علي , فأنا كنت هكذا قبل أن يدخل حياتي , هذا الوجه سيكون غريبا على الناس في الخارج "
غسلت وجهها على عجل ثم غادرت الحمام نحو المطبخ حيث وجدت شقيقتها تحضر القهوة فاقتربت منها و ألقت التحية و عانقتها بقوة ثم سألتها : " أين أمي ؟ "
أجابت إيميلي : " قالت أن لديها عملا مهما , لم تذهب إلى عيادتها و لم تخبرني إلى أين ذهبت "
نظرت روز حولها ثم سألتها مجددا كما لو أنها تذكرت شيئا : " ألم تتأخري عن محاضرات اليوم ؟ "
تغيرت ملامح إيميلي و ظهر عليها الأسى و هي تجيب :" أمر الملك بإلغاء هذه السنة و إغلاق الجامعة , خسرت هذا العام و أنا مضطرة لإعادته العام المقبل , لذا فتخرجي الذي بقي عليه بضعة أشهر مؤجل إلى السنة المقبلة "
بقدر ما كان الأمر مؤلما لإيميلي فهو كان صادما لروز و زاد من حقدها على الحاكم , أيقظ الأمر شيئا ما بداخلها , شيئا لن ينام حتى تنتقم فوضعت يدها على كتفها و قالت : " أعدك بأن يدفع الثمن "
ثم نظرت إلى الساعة خلفها و قالت : " يجب أن أذهب الآن , سيمر الأمن الملكي على المركز بعد قليل و يجب أن أكون هناك "
ردت إيميلي بحزن : " حسنا , انتبهي على نفسك "
خطت خطوتين نحو الباب ثم عادت إلى الخلف قائلة : " سأحاول الخروج مبكرا من موعدي مع روبرتو, ثم نخرج معا قبل حظر التجوال , اتفقنا ؟ "
ردت إيميلي و هي تبتسم ابتسامة متعبة : " حسنا "
أسرعت روز نحو غرفتها و بدلت ثيابها على عجل ثم غادرت المنزل بسرعة نحو المركز .
عندما خرجت روز من المنزل لم تبد لها المدينة كما اعتادت عليها السماء كانت رمادية كما لو أنها تعكس الشعور الذي بداخل سكانها الناس تسير في الشوارع نحو عملها كما لو أنهم أسرى يقتادون نحو السجون , أما أفراد الأمن الملكي فكانوا منتشرين في كل زاوية يراقبون تحركاتهم .
لم تشعر روز بطول الطريق الذي سارته لأنها كانت هائمة في ملامح الناس , تشعر بالأسى لحالهم و في نفس الوقت تبحث عن وجه تعرفه و تريد رؤيته في وجوه كل هؤلاء الغرباء الذين يعرفونها و لا تعرفهم و يلقون التحية عليها بابتساماتهم المتعبة التي ترى فيها أملهم الأخير , حتى وصلت أخيرا إلى المركز و الذي لم يكن حاله أحسن من حال المدينة , عند الباب الرئيسي وقف حارسان على كتفيهما شارة الأمن الملكي و قد عرفتها روز فورا من علامة النسر التي تميزها و التي كانت سابقا علامة الأمان أما الآن فقد صارت علامة الخوف . و بفضل بطاقتها تمكنت روز من المرور إلى المركز, المكان كان أكثر كآبة من المدينة , زملاؤها كانوا يعملون على تجهيز تقارير مفصلة عن وضع المدينة لتسليمها للقصر تحت رقابة الأمن الملكي و لم يتمكن أحد من إلقاء التحية عليها لأن إظهار الاحترام لها أصبح ممنوعا , حاولت روز تجاهل ما يحدث كي لا تنفعل و اتجهت نحو مكتبها لكن عندما خطت بضع خطوات إلى الداخل بعيدا عما يحدث توقفت أمام شاب قطع طريقها , لم تضطر روز لأن تسأل او ترى وجهه فقد عرفته من طريقة وقوفه فتنهدت بضيق و قالت : " هل ستقف في طريقي هنا أيضا ؟ "
رد الفتى مبتسما : " لم أتوقع أن تبدي قوية رغم ما حدث , لا يبدو عليك أنك تأثرت بغياب جين "
رفعت رأسها إليه فرأت ابتسامته الماكرة على وجهه عندها تنهدت و قالت : " دييغو إن كنت تعتقد أن غياب جين دمرني فأنت مخطئ
لا شيء يمكنه الوقوف في وجهي "
اقترب منها و قال بسخرية : " أرى ذلك بالفعل "
لم ترد روز عليه بل استمرت في رمقه بنظرة تحد حتى غادر المكان نحو القصر ثم اتجهت إلى مكتبها و الذي كان أيضا مراقبا بحارسين عند الباب , تجاهلتهما روز و دخلت ثم أغلقت الباب إلا أن أحدهما فتحه و بقي خارج فعادت إليهما و سألت بانزعاج :
" من قال لك أن تفتح الباب ؟ "
رد الحارس ببرود : " هذه هي الأوامر الملكية , ستعملون تحت مراقبتنا "
كتمت روز غضبها داخلها ثم عادت إلى المكتب و جلست حائرة فيم ستفعل , بعد لحظات دخل المكتب شاب من قسم المراقبة و قد كان كيم الشاب ذو العيون الرمادية من فريق روز , ألقى التحية و بقي واقفا أمامها يسألها : " سيدتي بماذا تأمرين اليوم ؟ "
استرقت روز نظرة إلى الحارسان ثم قالت : " كيم ما حال بقية الأقسام ؟ "
التفت نحو الحارسان ثم إليها و قال : " كحال هذا المكتب , الجميع مراقب حتى شاشات مراقبة المدينة التي تشرفين عليها "
تنهدت بضيق ثم قالت :" جهزوا لي تقارير حول حال المدينة و تقريرا سريا حول حال القصر , إضافة إلى تسجيلات المراقبة للمدينة و القصر إن أمكن من تاريخ زفافي إلى اليوم , أريد كل التقارير المتعلقة بالأوضاع منذ ذلك اليوم أيضا "
رد كيم مستغربا : " سبق و أرسلتها لك سيدتي "
التفتت روز و قالت بصرامة : " أريد النسخة الورقية و ليس الالكترونية , لا يجب أن يقع أي منها في أيديهم لأنها ستسهل عليهم تخريب المدينة "
هز رأسه بالموافقة ثم سأل مجددا : " هل تأمرين بشيء آخر ؟ "
و لأول مرة ظهر الضعف على محياها و هي تجيب : " أريد خبرا عن جين , جد شخصا يستطيع الوصول إليه و معرفة حاله "
نظر خلفه ثم قال : " سأبحث عن شخص يستطيع الوصول إليه و أخبره بذلك لعله يستطيع إيصال شيء منك له "
اتسعت عيناها ثم قالت : " نعم هذا أفضل , أخبره أن يأتي إلى هنا ثم يذهب إليه "
هز رأسه بالموافقة ثم غادر المكتب بينما التفتت روز إلى حاسوبها و فتحته و أخذت تحاول اختراق موقع الأمن الملكي .
في تلك الأثناء كان ايفان مجتمعا مع مجموعة من مساعديه في غرفة مراقبة المدينة من القصر ينظرون إلى نتائج قانون المراقبة و إلى الظلام الذي بدأ ينتشر في المدينة ثم التفت إلى الشاشة التي تعرض حديقة السلام : تلك الحديقة الجميلة التي أنشأها شارل للسكان و سمح للجميع بالدخول إليها و الجلوس فيها ثم قال ببرود :
" دمروها .... حالا !!! و امنعوا أي تدخل للأمن بعد التنفيذ "
ثم أضاف : " و غيروا أسماء جميع المنشآت إلى إيفان "
رد الحراس : " حاضر "
و اتجهوا إلى المدينة حيث طلب الحاكم .
كانت حديقة السلام أول ما أنشأه شارل حين تسلم الحكم قبل ثلاثين عاما , كان شابا طموحا مسعاه الوحيد خدمة المملكة و الشعب فعمل على جعل المدينة أفضل مكان للعيش , لم يعرف الناس معه معنى الطبقية و تمت معاملة الجميع معاملة عادلة لا تفرق بين أحد , و من شدة حبه للبلد أنشأ حديقة السلام في وسط العاصمة و جعلها متاحة للجميع من أجل الراحة و الاسترخاء و لأن شعبه كان يحبه و استحسن هذا المشروع فقد عملوا معا على إضافة تمثال له في وسط الحديقة من مالهم الخاص تكريما له و تقديرا لجهوده في حماية البلاد و النهوض بها .
إلا أن ايفان أمر ببساطة بتدميرها كجزء من خطته للسيطرة على البلاد و محو أي أثر لشارل فيها , انتشرت مجموعة كبيرة من جنود القصر تضم أكثر من مئة جندي في الحديقة وسط صراخ الناس الخائفين مما يحدث و بدأوا يحطمون النافورات الجميلة و يقطعون الأشجار التي تزين الحديقة .
في الحين دوى صوت الإنذارات في قسم المراقبة بالأمن السيبيراني يهز المكان حتى أن روز تركت ما بيدها و اتجهت نحو غرفة الكاميرات حيث كان أعضاء الأمن واقفين أمامها يراقبون ما يحدث , اقتربت روز منهم حتى توقفت أمام الشاشات و سألت دون فهم : " ماذا يفعلون ؟ "
أجاب كيم : " يدمرون الحديقة و يغيرون أسماء المنشآت , أنظري إلى المستشفيات و غيرها إنهم يزيلون اللافتات التي وضعها الحاكم سابقا و يضعون أخرى تحمل اسم ايفان مكانها "
هزت روز رأسها نافية دون أن تبعد عينيها عن الشاشة : " حتى شارل لم يجرؤ على تسمية أي منشأة باسمه لأنه بنى كل شيء من أجلنا , من هو ليفعل هذا ؟ "
رد كيم : " إنه مجنون ببساطة , المسكين يعاني من جنون العظمة و لهذا ينسب الفضل لنفسه "
التفتت روز إليه و قالت بغضب : " ألن نفعل شيئا ؟ هل سنبقى هنا مكتوفي الأيدي و هو يدمر مدينتنا ؟ "
رد كيم : " ليس لدينا حل يا سيدتي , أفراد الأمن الملكي قائمون على حراسة هذه العملية و أي تدخل منا سينهي أمرنا في السجن , لن نخاطر كما خاطر القادة قبلنا و تبقى المدينة دون حماة "
و في القصر , كان إيفان ينظر إلى ملفات قادة و أفراد الأمن الذين سجنهم ثم قال : " أطلقوا سراحهم .... إلا هذا , مددوا فترته أسبوعا آخر "
حاول أحد الحراس الاعتراض : " لكن يا مولاي , هذا ليس في صالحنا "
رد بصرامة : " نفذوا الأمر , إنهم عاجزون في نهاية المطاف و أعلنوا عن تمديد فترة بقاء جين هنا في كل وسائل الإعلام "
ثم التفت إلى الشاشات و بالضبط الشاشة التي تعرض مركز الأمن و قال : " لنرى ماذا ستفعلين الآن يا روز ؟ "
اتجه حراس القصر نحو قسم السجون و أطلقوا سراح القادة كما أمر ايفان و بينما هم كذلك مر أحدهم بجين الجالس في زنزانته دون أن يتحرك و قال بسخرية : " مؤسف أن إقامتك ستمتد أسبوعا آخر يا جين "
ثم غادر ضاحكا , إلا أن جين لم يبد أي ردة فعل كعادته بل قال في نفسه : " هذا سيدمرها أكثر "
آنذاك كانت السيدة بيلا زارت روبرتو في مكتبه , كانت تريد أن تعرف كل شيء عن وضع ابنتها و لم يمانع روبرتو إخبارها بالأمر
بل وضع الدفتر أمامها و قال : " لا يمكنني إخبارك بل التفاصيل فأنت تعلمين يا سيدتي أننا كأطباء لا نفشي أسرار مرضانا "
ردت بيلا بنبرة هادئة تعكس وعيها بالأمر : " أعرف الأمر جيدا يا روبرتو فأنا أيضا طبيبة نفسانية , لكنني أحدثك كأم . لم تكن علاقتي بروز جيدة منذ صغرها فقد تولت الراحلة جاسمين رعايتها لأنني انشغلت بالعمل , أنت طبيب مثلي و ستفهم الأمر "
أومأ متفهما ثم قال : " أعرف الأمر لأنني بالأساس اعتمدت في دراساتي على كتبتك و لك فضل كبير علي سيدتي , و لأكون صريحا فأنا أبذل جهدا كبيرا مع روز و أعدك بأن تتعافى "
ابتسمت بيلا ثم سألت :" لكنني الآن أسعى لاستعادة ابنتي , ماذا علي أن أفعل ؟ "
تنهد روبرتو ثم قال : " روز فقدت المرساة التي أنقذتها من ظلام الاضطراب و دورك كأم أن تنقذيها من الهاوية , أنا لا أستطيع إخبارك بما تقوله روز هنا في الجلسة لكن يمكنك أن تجلسي معها في المنزل تستمعين لها كأم و تحللين الأمر كنفسانية "
قالت بيأس : " لكنني لم أكن قريبة منها مثلما كان جين "
رد مواسيا :" لا أحد منا يمكن أن يكون كما كان جين , و أنا لا أطلب منك أن تكوني كذلك , أنا أطلب منك أن تكوني معها كأم و ابنتها "
هزت رأسها متفهمة ثم شرح لها روبرتو وضع روز و كيفية التصرف معه دون أن يفشي كلمة مما اخبرته روز عما تشعر به و تخفيه فقط كي يساعد في بناء الجسر الذي يربط بين الأم و ابنتها .
كان النهار قد انتصف عندما عاد القادة فورا إلى مركز الأمن و لم يتمكن أحد من الاحتفال بسبب وجود الأمن الملكي , إلا أن القادة اتجهوا إلى قاعة الاجتماعات و عقدوا اجتماعا سريا بعيدا عن أعين الأمن الملكي بينما اتجه أحد أفراد الأمن إلى قسم المراقبة حيث كانت روز و دخله ثم وقف خلفها و قال : " سيدتي قادة الأمن هنا , تم إطلاق سراحهم و هم في قاعة الاجتماعات يعقدون اجتماعا سريا "
اتسعت عينا روز و تذكرت جين على الفور فأسرعت إلى قاعة الاجتماعات و دخلت دون أن يلاحظها الأمن الملكي ثم سألت بحماس : " هل جميعكم هنا ؟ "
رد رئيس قسم الأمن العام و الذي كان جين تابعا له : " مع الأسف لا , بقي جين فقط و تم تمديد فترة بقائه إلا أجل غير محدد , لا نعلم لماذا اقتصر الأمر علينا فقط "
للحظة لم تعد روز ترى القاعة أو من فيها بل غادرت المركز تحت أنظار من فيه الذين استغربوا من فيه . كانت تبدو كأنها دمية تتحرك و ليس إنسانا , لا تشعر بالعالم حولها بل سارت نحو المنزل كأنها مبرمجة لتصل إليه دون أن تضيع و بمجرد أن وصلت دقت الجرس و بعد لحظات فتحت شقيقتها الباب و سألت باستغراب :
" روز ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت ؟ هل حدث شيء ؟ "
إلا أن روز سقطت مغشيا عليها .