بمجرد أن فقدت روز وعيها شعر جين بالذعر لأول مرة بعد أن اعتاد الثبات أمامها فهي لم تفقد الوعي أمامه هكذا دون سبب من قبل فهزها بلطف أولا ثم بعنف عندما لم يلق إجابة منها , نظر إلى المكان حوله فاجتمع حوله أفراد من الأمن يسألون عما حدث لها و سرعان ما علت الأصوات و انتشر التوتر بينهم فرفع جين رأسه إلى أحد زملائه و طلب منه الانحناء إليه ليهمس له قائلا :
" أحضروا سيارة خاصة لنقلها إلى المشفى بسرعة , احرصوا على أن لا ينتبه الأمن الملكي لكم "
أومأ الشاب بإيجابية ثم غادر بسرعة ليحضر السيارة بينما التفت جين إلى روز يبعد خصلات شعرها المبللة بالعرق عن وجهها الشاحب و هو يهمس : " ماذا فعلت بنفسك في غيابي يا روز ؟ "
تم نقل روز إلى مستشفى المدينة و وضعها في غرفة خاصة بعيدا عن ضجيج الأمن الملكي الذي كان يراقب المكان و حفاظا عليها من أي ذعر أو انهيار مفاجئ , قامت الممرضة بإطفاء الأضواء و إسدال الستائر تفاديا لأي تحفيز لنوبات الهلع في ذات الوقت الذي كانت فيه الطبيبة تفحص علاماتها الحيوية ثم قاست سكر الدم و الذي كان منخفضا بسبب نقص التغذية عند روز فهي لم تأكل منذ الليلة الماضية بعدها جاءت ممرضة أخرى سحبت عينات دم شاملة و أخذتها إلى المخبر لمعرفة بقية النقائص بعد تحليلها , كل هذا حدث أمام جين الذي كان معها في الغرفة يراقب الطبيبات و هن يقمن بعملهن و يتفقد باب الغرفة و الرواق بين الفيئة و الأخرى ليضمن عدم وجود الأمن الملكي في المكان أو اقترابهم منها .
بعد مغادرة الطبيبات و الممرضات الغرفة أغلق جين باب الغرفة ليضمن الهدوء في المكان في حال استيقاظها , ثم جلس على الكرسي يراقب ملامح روز المتعبة و ارتعاشها بين الفيئة و الأخرى و تمتماتها الغير مفهومة , رفع هاتفه كي يضعه على الوضع الصامت ضمانا للهدوء في الغرفة فتفاجأ بعدد المهمات التي تم تكليفه بها من طرف الأمن الملكي فتنهد بضيق و عيناه تنتقلان بين الهاتف و بذلته و روز , يعلم أنها ستكتشف هذا يوما و يعلم أنها لن تقبله و يعلم أن هذا سيفتح بوابة نحو ما هو أصعب و أنه قد يؤدي إلى زيادة الاضطراب عند روز لكنه لا يستطيع التنازل عن الوعد الذي قطعه للحاكمة و أنه لا حل آخر .
مضت ساعات قضاها جين في مراقبة روز دون أن يتحرك أو يلهى عنها بهاتفه و بين الفيئة و الأخرى تدخل ممرضة لاستبدال أكياس المحاليل ما زاد قلقه و جعله يتساءل في نفسه :
" ماذا فعلت روز بنفسها لتصل إلى هذه المرحلة من الانهيار ؟ "
فجأة انتبه إلى الضوء المشتعل في هاتفها على الطاولة فأخذه ليتفقده كان اتصالا من زين عندها التفت إلى الساعة المعلقة في حائط الغرفة و التي كانت تشير إلى التاسعة ليلا عندها أخذ الهاتف و خرج من الغرفة .
الرواق خارج غرفتها كان هادئا جدا , لا أمن ملكي ولا أطباء يمرون بجانب الغرفة و لا ممرضون يدخلون أو يخرجون , هذا ما حرص عليه جين بعد نهاية الفحص فهو لم يكن بحاجة إلى مساعدة في حمايتها لأنه الأمان الوحيد بالنسبة لها , اتكأ على الحائط بجانب الزجاج المطل على الغرفة كي يستطيع رؤيتها و يتابع وضعها . إلا أن الأمر انتشر بسرعة عند الأمن الملكي و في القصر كأنه كان منتظرا , عندها اجتمع الحاكم إيفان مع أعضاء مجلسه لمناقشة الأمر , بدأ المجلس بكلمة من الحاكم يقول فيا :
" يبدو أن ما قالته تلك الممرضة كان صحيحا و أنه لم يأت من فراغ , أين الدفتر ؟ "
اقترب أحد المساعدين و أعطاه الدفتر فرفعه أمام الحضور و قال :
" قرأت الدفتر بالفعل و ها أنا أوجه بوصلتي نحو روز , أول ما سنستهدف الآن هو ملفها الصحي و عائلتها , آتوني بالدفتر و افرضوا مراقبة دقيقة على عائلتها و امنعوا كل تواصل بينها و بين عائلتها "
أومأ الحضور بالموافقة ثم توجه فريق من الأمن الملكي نحو عيادة روبرتو للمجيء بالملف الطبي .
في ذات الوقت الذي أنهى فيه جين المكالمة مع زين و شرح له الوضع و بأنه سيتولى أمر رعاية روز في الوقت الحالي , خرجت الممرضة من الغرفة ثم قالت و هي تبتسم : " المريضة مستيقظة و واعية جيدا , يمكنك الدخول إلى الغرفة لكن يرجى الحفاظ على الهدوء و الظلام في الغرفة تفاديا لأي انهيار ريثما أستدعي طبيبا "
نظر إلى هاتفه ثم اتصل بصديقه روبرتو :
" روبرتو كيف حالك ؟ "
رد روبرتو و عيناه تتسعان من الصدمة : " جين ؟ قل أنه أنت حقا و أن هذا ليس حلما "
ابتسم للحظة و هو ينزل رأسه ثم أجاب : " إنه أنا بالفعل "
ترك مكانه من شدة السعادة و أخذ يدور في المكتب ذهابا و إيابا و هو يكلمه : " أنا لا أصدق أنك بخير حقا , أخبرني بذلك , لم يؤذك الحاكم صحيح ؟ هل عدت إلى روز ؟ "
أجاب و هو ينظر إليها من زجاج الغرفة : " نعم عدت إليها لكنها لم تكن بخير و انهارت بالفعل "
اتسعت عيناه من الهلع و هو يسأل : " ماذا حدث لها ؟ أين أنتما ؟ "
أجاب و هو ينظر إلى المكان حوله : " في مشفى المدينة أو
" مشفى إيفان " كما يلقبونه , تعرضت لانهيار صحي بسبب قلة النوم و الأكل و اضطررت إلى إسعافها لكنني لا أعرف إذا ما كان اضطرابا أو بالفعل بسبب قلة النوم و الأكل , و لا أعرف أيضا السبب الذي جعلها تصل إلى هذه المرحلة "
فتح روبرتو ملفها أمامه و أخذ يتفقد آخر ما كتبه من ملاحظات ثم أجاب : " الذنب , روز كانت تلوم نفسها طوال الوقت على العقوبة التي تعرضت إليها و رأت أنه الحل الأمثل لتعاقب نفسها على ذلك
توقفت عن الأكل و النوم لأنها كانت تظن أنك أيضا محروم منهما في السجن و أنه يجب أن تعيش هي أيضا نفس الظروف "
انتبه جين إلى أنها بدأت تستيقظ عندها سارع إلى التأكد مجددا من سلامة المكان ثم قال لصديقه : " يبدو أنها تستيقظ و يجب أن أكون معها الآن , سنناقش بقية التفاصيل لاحقا "
للحظة نظر روبرتو إلى الفراغ أمامه ثم قال : " جين هل لي بخدمة من فضلك ؟ أعلم أنك أيضا غارق في الكثير من المشاكل بعد خروجك و بالأخص روز لكن هناك أمر مهم علي إخبارك به "
سأل جين بقلق : " إلى أي مدى هو مهم ؟ "
سكت روبرتو للحظة جعلت الرعب يسير في جسد جين لأول مرة ثم قال : " إلى درجة أن زواجكما قد يتدمر "
شعر جين أن المشفى ينهار على رأسه إلا أنه أفاق على صوت صديقه و هو يقول : " يجب أن تأتي إلى عيادتي لاحقا و سنناقش الأمر لأنه لا أحد غيرك يمكنه إنقاذ الوضع "
أنهى جين المكالمة و أخفى هاتفه ثم دخل الغرفة حيث كانت روز مستلقية على السرير تنتظر , اقترب منها و عدل وضعيتها لتبدو نصف جالسة ثم جلس بجانبها و قال :
" أنت بخير , أنت بأمان هنا , لا شيء سيؤذيك هنا "
أجابت دون أن تبعد عينيها عنه : " أعرف , لم يكن الاضطراب فلا تقلق "
فجأة دخلت الطبيبة رفقة الممرضات اللواتي فحصنها و تفقدت علاماتها الحيوية ثم التفتت إلى جين و قالت : " حالتها مستقرة , تم تعويض النقص الحاد في السكر و السوائل , ويبدو أن المهدئ أعطى مفعوله في راحة الجسم الذي استنزف طاقته بسبب الاضطراب لكن هذا لا يعني أنه ستخرج من المستشفى في الوقت الحالي "
تغيرت ملامح روز إلى الانزعاج و سألت : " ماذا تقصدين ؟ لماذا علي البقاء أكثر ؟ "
أجابت الطبيبة : " تحتاجين إلى البقاء تحت الملاحظة و مراقبة العلامات الحيوية للحفاظ على توازن الجسم بعد الانهيار التي تعرض له , كما أنك بحاجة إلى البقاء بعيدا عن كل ما يثير ذعرك خصوصا و أن الأوضاع في الخارج أصبحت أخطر "
نظرت روز إلى النافذة لكنها لم تستطع رؤية ما بالخارج بسبب الستائر عندها اقتربت الممرضة و رفعتها قليلا فقالت الطبيبة :
" تم وضعك في جناح لا يطل على المدينة بل الحديقة التي تتوسط المشفى بعيدا عن أي ضجيج , كما سيتم عزلك عن أي خبر يخص أوضاع المدينة تفاديا لأي انهيار , كما منعنا الزيارات حفاظا على الهدوء لكن يمكن لزوجك فقط البقاء معك "
التفتت روز إليه بعد أن أدركت أنها تكرر نفس الخطأ معه و أنها تبعده مجددا عن عمله فقالت : " ماذا عن عملك ؟ إننا نكرر نفس الخطأ "
نظر إلى بذلته للحظة ثم قال : " يمكنني حقا تدبر الأمر هذه المرة دون التعرض إلى عقوبة , ثقي بي "
لم تطمئن روز لهذه الإجابة لكنها أخفت قلقها بداخلها كي لا تفسد فرحة عودة جين إليها ,
حل المساء عندما دخل زين الغرفة و على وجهه أمارات القلق من اختفاء روز و من أن لا أحد صرح بمكانها إلا في وقت متأخر , بمجرد أن رأى روز جالسة و جين إلى جانبها ارتخت ملامحه و شعر بالراحة و اقترب منهما ثم وقف بجانبها و وضع يده على رأسها قائلا : " أخفتنا عليك , لا سيما أن الخبر انتشر بسرعة "
نظر كل من روز و جين إلى بعضهما بقلق ثم التفتت روز إلى شقيقها و قالت : " هل وصل الأمر إلى القصر ؟ هل عرف الملك؟"
أجاب زين : " لا أعتقد ذلك لكنه انتشر بسرعة في المدينة و الناس يعتقدون أن الأمن الملكي هزمكم "
روز التفتت إلى جين بسرعة و قالت بقلق : " يجب أن أخرج من هنا الآن "
إلا أنه أعادها قائلا : " قالت الطبيبة أنك تحتاجين إلى الراحة لذا ليس هناك مكان تذهبين إليه الآن , سأتدبر أنا الأمر "
نظر زين إلى الساعة في يده ثم اقترب من روز و قبل جبينها ثم قال : " يجب أن أذهب قبل أن يبدأ حظر التجوال , سأخبر أمي كي تمر عليك غدا "
ردت روز : " سأذهب إلى منزلي غدا كي أرتاح هناك لأن الأمن الملكي سيأتي إلى هنا و لا أريد أن يروني "
أومأ زين ثم غادر الغرفة قبل أن يتأخر الوقت و تطبق عليه العقوبة
بينما بقي جين إلى جانب روز في الغرفة , أخذ الكرسي و اقترب منها ثم أمسك بيدها و قال : " روز أنا عدت , لم يعد هناك ما تتعبين نفسك بسببه أو تلومي نفسك عليه , لا تقولي أنك قضيتي الوقت في غيابي في الاكتئاب "
نظرت روز حولها ثم ابتسمت و قالت : " فعلت لكنني بعدها أردت القيام ببعض الأشياء لأجلك "
ابتسم لابتسامتها ثم سألها : " ماذا تعلمت لأجلي ؟ "
أجابت روز : " تعلمت الإسعاف , نظم الأمن دورات في الإسعاف تحسبا لأي طارئ و شاركت لكنني فشلت في البداية "
قالت جملتها الأخيرة و هي تطأطئ رأسها خجلا عندها مد يده إلى ذقنها و رفعه ثم قال مبتسما : " إلا أنك حاولت مجددا لتنجحي , أليس كذلك ؟ "
أومأت بإيجابية و قالت : " و سأظل أحاول لأجلك كما فعلت أنت من أجلي "
عدل الغطاء عليها و قال : " لكن قبل ذلك تحتاجين إلى الراحة كي تعودي قوية إلى العمل "
نظرت حولها ثم قالت : " جد حلا أنا لا أتحمل البقاء هنا "
أطفأ المصباح الوحيد في الغرفة ثم قال : " تحملي هذه الليلة فقط و سنغادر غدا قبل مرور الأمن الملكي على المستشفى و ستتابعين فترة الاستراحة في المنزل "
سألت مجددا : " هل ستسمح لي بإكمال العمل من المنزل ؟ "
أومأ بإيجابية ثم قال : " سأسمح بالقدر الذي لا يتعبك "
ثم ساعدها لتعود إلى وضعية الاستلقاء و انتظر حتى نامت , تمعن في ملامحها ليدرك مرة أخرى مقدار التعب و المعاناة التي أرهقتها في غيابه , مد يده للحظة إلى شعرها إلا أنه تراجع قبل أن تصل يده إليها تذكر أنها نفس اليد التي أمسك بها شعار إيفان فشعر للحظة بأنه خانها بالفعل بالرغم من أنه كان لصالحها فأبعد يده و همس :
" أنا آسف ... أرجو أن تسامحيني "
عندها دخل أحد زملائه من مركز العمل الذي اعتاد العمل فيه و قال له : " جين الأمن الملكي هنا و لا بد من إخراج روز قبل أن يروها "
التفت جين إليه و قال : " سيمرون من هنا ؟ "
أجاب زميله : " سيمرون على كل الغرف و هذه من بينها , سنخرج من الباب الخلفي للمستشفى و هناك ستجد سيارة خاصة توصلكما إلى منزلك "
أومأ جين بالموافقة ثم اقترب من روز و حملها عندها استيقظت و نظرت حولها ثم إليه عندها اتسعت عيناها و أسندت رأسها إلى كتفه فقال : " سنغادر الآن , المنزل أفضل لترتاحي فيه "
نظرت روز حولها ثم سألت : " هل الأمن الملكي هنا ؟ هل هناك خطر ؟ "
هز رأسه نافيا و قال : " كلا بل سنذهب إلى المنزل لترتاحي فيه "
عندها حاولت النزول من بين ذراعيه إلى الأرض إلا أن دوارا قويا أصابها حتى فقدت القدرة على الوقوف فسارع إلى إسنادها قبل أن تقع على الأرض , أحاطها بذراعه حول ظهرها و أمسك يدها بيده الثانية بقوة ثم قال : " برفق , خطوة خطوة حتى نخرج , لا تضغطي على نفسك كثيرا "
روز التفتت إليه عندها حملها مجددا و قال لها : " دعيني أحملك , جسدك ما زال ضعيفا و لن تتمكني من الوقوف أو السير "
عندها أسندت رأسها إلى كتفه و غادرا المستشفى من الباب الخلفي إلى السيارة التي تم تجهيزها لهما و ذهبا إلى المنزل .
كان فريق الأمن الملكي قد وصل إلى عيادة روبرتو , دخل الفريق إلى العيادة و عندما سمعت بريتني صوت خطوات الأقدام رفعت رأسها فاتسعت عيناها من شدة الذعر و حاولت استدعاء روبرتو إلا أن الأمن الملكي لم يسمح لها بذلك بل أمروها بالابتعاد عن مكتب الاستقبال ثم وقف الحراس حولها لمنعها من الحركة عندها خرج روبرتو و بحث بعينيه عنها و بمجرد أن رآها قابله الذعر في عينيها الزرقاوين فحاول السيطرة على الموقف , اقترب قائد الحرس من روبرتو و نظر إليه من الأعلى للأسفل باستعلاء و تكبر ثم قال بصوته المخيف : " روبرتو سميث , الطبيب المسؤول عن حالة روز جين ألبرتو صحيح ؟ "
أصبحت روز معروفة بهذا الاسم بعد زواجها من جين بدلا من
" روز دون " نسبة إلى والدها , أجاب روبرتو بنبرته الثابتة :
" نعم أنا هو , ما الأمر ؟ "
رد القائد : " بأمر ملكي من الحاكم ستسلمنا ملف المريضة روز حالا "
رد روبرتو بثبات : " لن أسلمكم شيئا يخص أي مريض من مرضاي , تعهدت حين أنهيت دراستي و بدأت العمل بأن أحفظ أسرار مرضاي و أن لا أسلمها لأحد مهما كان , لذا لن تأخذوا الملف "
اقترب أحد الحراس من مكتب روبرتو كي يأخذ الملف إلا أن روبرتو وقف بينه و بين باب المكتب فدفعه بعنف حتى اصطدم بالجدار بقوة و سقط أرضا عندها حاولت بريتني التملص من أيدي الحراس لتصل إليه , دخل الحارس المكتب و أخذ الملف ثم خرج و وقف أمام روبرتو الجالس أرضا و قال : " لن يستمر حكمكم الموالي لشارل طويلا و ستدفعون ثمنه غاليا "
أخذ الحراس الدفتر و غادروا مكتب روبرتو الذي تركوه في حالة فوضوية بعد بحثهم الهمجي عن ملف روز الطبي , وقف روبرتو بصعوبة بفضل مساعدة بريتني و دخل المكتب ليتفقد حاله ثم قال بضيق : " أخذوا الملف و بعثروا المكتب , كيف سأقابل جين الآن ؟
هذه المرة لن يسامحني فعلا "
ردت بريتني الممسكة بذراعه : " ليس ذنبك , عددهم كان كبيرا و كدت تتأذى , يجب أن نذهب الآن إلى مشفى لفحصك فالاصطدام كان قويا "
رد و هو ينظر للمكتب : " يجب أن نخبر الأمن على الأقل كي يتصرفوا بسرعة لأن أسرار روز لم تعد في مكان آمن "
كان يشعر أن العالم كله ينهار حوله و أن الأمور تسير نحو الأسوأ و أنه أثبت بأنه لم يكن أهلا لثقة صديقه و دمر كل ما بناه من أجل أن يخرج روز من الهاوية .
حل المساء يحمل هدوء غير مطمئن , دخل الناس منازلهم بسرعة قبل أن يبدأ حظر التجوال الذي فرضه الحاكم خوفا من أي عقوبة ,
استيقظت روز و وجدت نفسها في غرفتها بعد أن نامت بمجرد وصولها إلى المنزل , استغرقت دقائق لتستوعب أنها في منزلها و هي تنظر إلى جوانب الغرفة ثم عادت إلى وضعية الاستلقاء عندما تذكرت أنها عادت مع جين , بعد لحظات فتح باب الغرفة و دخل جين يحمل صينية فيها أصناف مختلفة من الطعام عندها نظرت روز إليها و قالت : " ألا يبدو هذا كثيرا ؟ "
أجاب و هو يجلس بجانبها و يضع الصينية أمامها : " ليس بالنسبة لشخص لم يأكل جيدا منذ مدة "
ردت و هي تبتسم : " أنت تبالغ قليلا , السبب هو أنني انشغلت عنه و لم أجد وقتا له فقط "
أخذ اللقمة الأولى ثم قدمها لها عندها أكلتها ثم قالت : " لدي أسئلة كثيرة لك , أريد معرفة بعض الأشياء "
ابتسم و هو يقطع حبة التفاح بالسكين و قال : " ماذا تريدين أن تعرفي ؟ أيتها الفضولية الغريبة "
تغيرت نظرتها إلى الخجل للحظات ثم سألت : " أنا لست غريبة حسنا ؟ السؤال الأول هو : منذ متى كنت تريد الزواج مني ؟ "
توقف للحظة ثم نظر إليها و قال : " تريدين معرفة أسراري إذا , حسنا منذ ثلاث سنوات عندما رأيتك في قسم الأمن السيبيراني "
ابتسمت روز ثم سألت سؤالا آخر : " لدي سؤال آخر , اختفيت لمدة قبل زفافنا و لم يكن هناك من يعرف أخبارك . أين اختفيت ؟ "
تذكر السبب عندها لم يرغب في إخبارها ففكر في كذبة مناسبة ثم قال : " كنت مكلفا بمهمة سرية مغلقة و انتهت عندما عدت "
أومأت بإيجابية و هي تصدق ما قال ثم سألت سؤالا مفاجئا :
" هل تعرف قاتل جاسمين ؟ "
رفع رأسه متفاجئا و رد بسؤال آخر : " لماذا هذا السؤال ؟ "
أجابت : " أردت أن أعرف إذا ما كنت مهتما "
قدم لها قطعة التفاح فاستلمتها مبتسمة و أكلتها عندها رد : " أنا مهتم و أعدك بأن أجده "
ابتلعتها و ردت فورا : " إنه سامر و أنا أراه في كوابيسي , ماذا عنك ؟ لماذا تهتم ؟ "
قدم لها قطعة أخرى و قال : " لأنه أوصلك إلى هذه الحالة و أنا من سيجعله يدفع الثمن , ليس بالسجن لأنه ليس كافيا "
استلمت القطعة و قالت دون أن تأكلها : " كيف ستجعله يدفع ثمن أفعاله ؟ هل ستقتله ؟ "
أومأ بإيجابية فورا : " طبعا و دون أي تردد "
اتسعت عيناها فجأة من صدمة الإجابة و قالت : " لا أذكر أننا كنا نقتل المجرمين في عهد شارل , كنا نسجنهم "
رد و هو يرتب الأواني في الصينية بعد أن أنهت الأكل : " لكننا في عهد إيفان الآن و هو من أمر بذلك "
ردت بانزعاج : " لكن ليس لدينا ولاء له , نحن لا نتبعه "
أجاب و هو ينهض من جانبها : " ربما يجب أن نفكر في ذلك قليلا ربما هذا هو الأفضل "
ثم غادر الغرفة و تركها مستغربة من إجاباته و تغيره المفاجئ , اعتدلت روز في مكانها و استلقت لترتاح ثم عاد جين و أسدل الستائر و جلس بجانبها عندها فكرت قليلا ثم قالت :
" جين أخبرني , ماذا حدث لك في السجن ؟ "
التفت نحوها و رد مستغربا : " ماذا تقصدين ؟ "
نظرت حولها ثم إليه و ردت : " أنت كنت في السجن الملكي أي تحت حراسة إيفان , و هذا يعني أنه كان من الممكن أن يؤذيك , قل لي أنه لم يقترب منك "
أجاب و هو يعدل الغطاء عليها : " لم يفعل , بقيت في زنزانة منفردة حتى خرجت منها و لم يقترب مني أحد "
ابتسمت و هي تتنهد براحة : " كنت خائفة جدا "
شغل إضاءة المصباح الصغير بجانبها ثم جلس بجانبها ينتظر أن تنام إلا أنه لاحظ احمرار وجهها و الذبول في عينيها فمد يده نحو جبينها ليجد أن حرارتها ارتفعت عندها عدل الغطاء عليها و قال :
" لا أحد يمكنه إيذائي , أعدك بهذا "
ثم نهض من مكانه و أحضر كمادات باردة لخفض حرارتها ثم عاد و جلس بجانبها .
كانت الساعة تشير إلى السابعة و النصف صباحا عندما انتشر الأمن الملكي في المدينة بأعداد كبيرة و أشكال مخيفة و وقفوا في الطرقات و أمام مداخل المباني خصوصا الأمن ما أثار ذعر الناس
أما ما زاد الموقف رعبا فهو العصابات التي بدأت عملها و كسرت المحلات و سرقت ما فيها بينما اتجه بعضها إلى حديقة السلام لإكمال عملهم هناك و هو تحويلها إلى حديقة فاخرة باسم " إيفان "
ثم إغلاقها أمام العامة , كان الجو غائما إلى درجة أنه بدا ليلا و ليس نهارا ما جعل المدينة مخيفة و اضطر الناس إلى التوقف عن العمل .
في ذلك الوقت كانت روز في مركز الأمن مع جين , أصرت اليوم على الذهاب إلى العمل معه كي لا توقعه في أي مشكلة و أشرفت على مراقبة الأوضاع من قسم المراقبة و بعد تسجيل أهم الملاحظات حدث شيء غير متوقع : لم يعد الناس إلى منزلهم التزاما بحظر التجوال بل وقفوا في وسط المدينة أمام الأمن الملكي المنتشر و بدأوا بالصراخ احتجاجا على قرارات إيفان الأخيرة التي زادت الأوضاع سوء , إلا أن الأمن الملكي أحاطهم و بدء قمع المظاهرات بقسوة مخيفة و بمجرد أن رأت روز هذا أخذت هاتفها و اتصلت بجين كي تطلب منه التدخل مع فريقه إلا أنه لم يرد ,
ازداد الوضع خطورة عندما بدأ الأمن الملكي بضرب المتظاهرين بشكل عنيف ما جعل روز تنتفض للحظة عند رؤيتهم , كل شيء بدا بالنسبة لروز مخيفا و هي ترى المدينة تتدمر و السكان يتعذبون و شعرت بأنها فشلت في مهمتها و دورها في حماية مدينتها إلا أنها استفاقت على صوت مسؤول الأمن السيبيراني يقول :
" جهزوا تقريرا مفصلا عن وضع المدينة كي نرسل فرق التدخل لتسيطر على الوضع "
كتبت روز التقرير و أرسلته إلى رئيس قسم الأمن العام ثم غادرت قسم الأمن السيبيراني إلا أنها وجدت الأمن الملكي يقف عند باب مكتبه فلم تستطع الدخول من أجل الاجتماع فخرج رئيس القسم و طلب منها العودة إلى قسم المراقبة ثم لحق بها إلى هناك حيث أجري الاجتماع , وضعت روز التقرير على الطاولة أمام الشاشات التي كانت تعرض مظاهرات العامة و قمع الأمن الملكي ثم قالت :
" هذا تقرير مفصل عن عدد أفراد الأمن الملكي و انتشارهم لقمع المظاهرات , يمكننا التحرك "
أخذ رئيس القسم التقرير و ذهب إلى أفراد الأمن الخارجي لتجهيزهم من أجل التدخل , في تلك اللحظة رن هاتف روز برسالة من رقم مجهول فأخذته و خرجت من القسم لترد بعيدا عن أنظار الجميع إلا أنها تفاجأت بصوت الشخص الذي رد عليها قائلا :
" روز هل يمكن أن نلتقي في حديقة إيفان لنتحدث ؟ هناك ما يجب أن تعرفيه "
ردت روز بانزعاج : " بأي صفة تتصل بي ؟ هل تبقى شيء نتحدث فيه ؟ "
رد بنبرة ندم : " أعرف أن ما فعلته كان خاطئا منذ لحظة اتخاذ القرار و أريد التقدم باعتذار خاص لك و للأمن و العودة للعمل "
للحظة تأثرت روز بكلامه ثم قالت : " هذه الأكاذيب لن تنفع معي أنا لست طفلة صغيرة "
رد بنبرة بها شيء من الحزن : " يمكنك ألا تصدقيني , لا بأس في الأمر لكن هناك أشياء يجب أن تعرفيها "
سألت روز : " أشياء مثل ماذا ؟ "
أجاب بنبرة حاسمة : " أشياء مثل السبب الحقيقي الذي جعل جين يتزوجك , السبب الحقيقي لسجنه و ما حدث في السجن "
ردت روز : " أعرف كل هذا , حيلتك لن تنطلي علي "
أخذ نفسا عميقا ثم قال : " ماذا عن قاتل جاسمين ؟ هل تعرفين كيف استطاع الدخول بالرغم من أن الحفل كان مؤمنا بعدد كبير من رجال الأمن و الذين كان أغلبهم زملاء جين ؟ "
تغيرت ملامح روز و اصفر وجهها و قالت بتردد : " ما هذا الذي تقوله ؟ أنت كنت مختفيا و أعلنت ولاءك لإيفان . كيف لي أن أصدقك ؟ "
رد بثبات : " هل تساءلت يوما عن السبب ؟ "
أجابت روز بذات التردد : " أنا لا أهتم "
رد سامر بجملة خطيرة :" أنت تهتمين لكنك تحاولين إنكار الأمر و أنا لن أدعك تعيشين في الجهل مع ذلك الأحمق , دعينا نلتقي الآن في حديقة إيفان و سأخبرك بكل شيء "
ألقت روز نظرة إلى نهاية الرواق لتتأكد من أنه خال ثم قالت : " حسنا , لن أتأخر "
ثم أغلقت الخط و غادرت المركز نحو الحديقة كما طلب منها .
كان الجو في الخارج غائما و المدينة خالية من السكان بعد أن عادوا إلى منازلهم بفضل تدخل عناصر الأمن و إيقاف الأمن الملكي لكنهم بقوا في الشرفات و النوافذ يصرخون رافعين أعلاما عليها شعار شارل , المحلات مغلقة و بعضهما محطمة و الزجاج متناثر على الأرض .
أما حديقة إيفان فلم تكن أفضل منهم , شعار شارل مرمي أرضا و رايته ممزقة تقابلها راية إيفان عملاقة ترفرف مع نسمات الهواء , الصمت خيم على المكان كأنها مدينة أموات و ليس مدينة شارل المشرقة كما كانت تسمى , روز كانت تسير و تتأمل المكان قائلة في نفسها : " لطالما كان إيفان الرماد الذي يخشى الجميع أن يتسخوا به ... عاد إيفان و هذا ما يحدث حين يعود الرماد "
توقفت روز أمام تمثال إيفان الذي كان مغطى استعدادا للكشف عنه إلا أنها رفعت الغطاء عنه و حين رأت روز إيفان قالت :
" لقد فعلتها و هزمتنا لكن لماذا يستدعيني سامر إلى هنا ؟ "
فجأة سمت صوت خطوات تقترب منها فالتفتت لترى الشخص القادم خلفها .
في ذلك الوقت دخل جين مركز الأمن مع بعثته من الأمن الملكي لعملية الأمن التي صار مكلفا بها , توقف الجميع عن الخطة التي كانوا يجهزونها للإطاحة بإيفان و الانقلاب عليه و تظاهروا بمراقبة المدينة و تجهيز التقارير كما أمروا بينما بقي جين يتجول في قسم المراقبة ثم اتجه نحو كيم و انحنى نحوه ثم همس قائلا :
" هل خرج الأمن الخارجي من المركز ؟ "
أجاب كيم : " ليس بعد , ننتظر إشارة منك "
نظر إلى بقية أفراد قسم المراقبة ثم اقترب من كيم و سأله : " أين روز ؟ "
أجاب كيم : " كانت في اجتماع مع مسؤولي المركز لكن الاجتماع انتهى و عاد القادة , قدمت تقريرا لهم من أجل التدخل لإيقاف عملية قمع الأمن الملكي للمتظاهرين و قد نجح الأمر "
تنهد بسعادة لأن روز نجحت في هذا ثم انحنى مجددا و قال : " هل عادت إلى هنا ؟ "
التفت كيم و عيناه تتسعان قلقا : " لا ليست في المركز , لا أحد رآها في أي مكان بعد الاجتماع "
فجأة دخل مسؤول الأمن السيبيراني و اتجه نحو كيم ثم انحنى نحوه و سأله : " أين روز ؟ هل استلمت تقريرا حول وضع القصر ؟ "
رد كيم : " ألم تعد إلى قسم الإدارة ؟ ظننتها عادت لأنها خرجت من المركز "
نظر الثلاثة إلى بعضهم بقلق لأنه لا أحد يعلم عندها أشار مسؤول الأمن السيبيراني إلى الشاشة و قال : " تفقد أهم الأماكن في المدينة المكتبة و حديقة شارل فورا "
وجه كيم الكاميرات إلى كل أنحاء الحديقة حتى استقرت على روز تقف مقابلة لسامر وسط حديقة شارل عندها اتسعت عينا جين و قال: " ماذا تفعل روز هناك ؟ "
التفت كيم إليه و قال : " لا بد أنه خدعها "
رد جين و هو يبتعد : " علي إبعادها عنه حالا قبل أن يؤذيها "
إلا أن رئيس المركز أوقفه و قال مشيرا إلى ثيابه : " البذلة يا جين , ستسبب مشكلة أخرى مع روز "
التفت جين إلى الشاشات و رأى سامر يقترب منها عندها قال : " لا وقت لتغييرها ثم إنها ستعرف أمرها في نهاية المطاف , يجب أن أصل إليها قبل فوات الأوان "
ثم غادر المركز سريعا نحو الحديقة .
كانت الحديقة خالية من الناس أو من علامات الحياة , الرياح الخفيفة تجر الأوراق المتساقطة على الأرض و الصمت يعم المكان إلا من صوت روز التي كانت تعاتب سامر قائلة :
" ما الذي يجعل الإنسان يصل إلى هذه الدرجة من الضعف و يتبع طريقا يعرف أن نهايته الهاوية ؟ "
أجاب سامر متظاهرا بالندم : " كانت لحظة ضعف , الجميع ضغط علي و عاملوني على أنني غريب لأنهم كانوا يرونني ضعيفا , طالما رأوني هامش الصفحة الذي يتجاهله الجميع "
ردت روز بابتسامة : " أنا أفضل هامش الصفحة لتسجيل الملاحظات المهمة "
زيف سامر الابتسامة و قال : " لكنك اخترت جين تلك الليلة ليرافقك بالرغم من أنه غريب في حين أنك كنت تستطيعين اختياري لأننا طالما كنا رفقة في قسم الأمن السيبيراني "
ردت روز : " و أنت اخترت إيفان بالرغم من أننا كنا رفقة "
اقترب خطوة منها و قال : " لكنني نادم الآن و أريد العودة "
نظرت روز إلى بذلة الأمن السيبيراني التي كان يلبسها ثم مدت يدها و قالت : " فلنعد إذا "
نظر سامر إلى يدها و قال : " ماذا لو لم يقبلني المركز ؟ ماذا لو رأوا أنني غريب عنهم لأنني أذنبت "
ردت روز : " لا أحد غريب لأنه أذنب ... الغريب الحقيقي هو الذي يختار الطريق الخطأ في ذات الوقت الذي يعرف أنه فعل ذلك و لكنه يستمر فيه "
اقترب سامر منها خطوة أخرى و مد يده نحوها إلا أنهما سمعا صوتا مخيفا خلفهما ينادي : " روز !! "
رفع سامر رأسه و التفتت روز لكنها تفاجأت مما رأته , جين ببذلة الأمن الملكي و شعار إيفان على ذراعه و في يده سلاح يقف خلفها و على وجهه علامات الغضب , اقترب سامر خلفها و قال في أذنها بصوت منخفض ثابت : " هل رأيت أن ما قلته صحيح ؟ من منا الشخص الذي أعلن ولاءه لإيفان ؟ من منا يلبس شعاره ؟ من منا الغريب الحقيقي ؟ "
اقتربت روز من جين حتى وقفت أمامه و عيناها تتسعان من شدة الصدمة ثم أمسكت بالشارة التي على ذراعه بقوة و قالت بهدوء مخيف : " ما هذا ؟ "
مد يده إلى يدها و قال : " سأشرح لك كل شيء في الوقت المناسب لكن عليك الآن أن تبتعدي عن هذا المكان , الأمن الملكي آت إلى هنا و أنت تعرفين أن سامر شخص خطير "
نظرت روز إليه و قالت :" من منكما الشخص الخطير ؟ الشخص الذي أعلن ندمه أم من يلبس زي عدوي ؟ "
بمجرد أن وضع يده على يدها أبعدتها بعنف ثم أحكمت يدها على الشارة و هزته بقوة قائلة : " لماذا أنت صامت ؟ أجب ... لماذا ترتدي هذا الزي ؟ "
فجأة قال سامر من خلفها : " روز هذا لك "
التفتت روز إلى الخلف فرأته يحمل دفترها الأبيض في يده عندها اتسعت عيناها من الصدمة و قالت : " ماذا يفعل هذا عندك ؟ "
أجاب سامر : " قدمه إلي روبرتو , صديق جين "
التفتت روز إلى جين تنتظر منه شرحا إلا أنه قابلها بصمت مخيف لم تفهم معناه , اقترب سامر منهما و قال :
" أرأيت يا روز ؟ كنت تعتقدين دائما أنك ستجدين بذرة خير في الناس و اقتربت من جين بالرغم من أنه كان غريبا عنك و ظننت أنك كنت تعرفينه جيدا , الآن عاد إلى مكانته التي يستحقها غريبا كما كان "
فجأة سمعوا أصوات سيارات و صراخ و عندما التفتوا رأت روز دخانا من وسط المدينة يتصاعد نحو السماء عندها قال سامر :
" يبدو أن المجرمين الذين عفا عنهم إيفان قد حرقوا المدينة , كل هذا تم تأمينه و الحفاظ عليه من طرف الأمن الملكي و يبدو أن أحدهم معنا "
التفتت روز إلى جين و أمسكت الشارة مجددا بقوة و قالت بصوت مهتز و الدموع في عينيها : " هل تعرف ماذا فعلت ؟ أنت خنت بلدك , خنت نفسك و خنتني .... أنت تحمي من يدمرون بلدنا , أنت تدمر مجهود أجيال من العائلة الحاكمة لحماية البلد , هل تعرف ما ذنب الأبرياء الذين تسمع صراخهم الآن ؟ "
لم يرد جين عليها بل اكتفى بالنظر إليها بصمت قاتل فأكملت :
" أنهم وثقوا بشخص مثلك , أنت لست ابن البلد بل غريب عنه , لا أتوقع أن تحميه "
إلا أن جين مد ذراعه و أبعدها إلى الجانب و استمر في دفعها إلى الخلف و سلاحه موجه نحو سامر قائلا : " ألاعيبك هذه لم تعد تجدي نفعا لأنك انتهيت "
إلا أن روز قالت بثبات : " هل ستقتله بعد أن كشف حقيقتك ؟ "
التفت جين إليها و قال : " أنت لا تفهمين شيئا فابقي بعيدة عما يحدث , تعرفين تماما أنه يخدعك لكنك لا تستطيعين تصديق الأمر"
إلا أنها فاجأته عندما قالت : " و هل علي تصديق شخص يرتدي زي عدوي و يرفع سلاحه على شخص خالي اليدين ؟ "
رد جين محاولا الحفاظ على أعصابه : " أمر الزي لا يعنيك , أنا أدرى بأسباب ارتدائه "
عندها أكمل سامر بالمفاجأة الأخيرة قائلا : " حتى مرضك يا روز صار حديث القصر , الملف أصبح عند الحاكم و جين هو من أوصل تيفاني إلى القصر "
لم تستطع روز تحمل الصدمة فتجمدت مكانها عندها تابع قائلا :
" نعم جين هو من سهل دخول القاتل إلى زفافك بالرغم من أن الحفل كان مؤمنا من طرف رجال الأمن , كان يستطيع تسميمك أنت لكنه لم يفعل بل اختار أعز انسان على قلبك و قتله كي يدمرك نفسيا فتلجئي إليه و يضعك بين يدي إيفان بسهولة "
ارتجفت روز و هي تسمع هذه الاعترافات الشنيعة حتى أنها لم تعد ترى جين حاميها البطل بل أسدا يريد الانقضاض عليها فابتعدت عنه حتى توقفت في الخلف حائرة بينهما ثم مدت يدها نحو يده التي تمسك بالسلاح و قالت : " أنت لست قاتلا ... إن كان كل هذا كذبة فأثبت لي الأمر و لا تقتله , دعنا نسجنه و ندعه يرى أنه لا أحد يستطيع تفرقتنا "
إلا أنه أبعد يدها و قال : " دعيني أفعل ما يجب أن أفعل , فهذا هو المصير الذي يستحقه "
نظرت إلى سامر خلفها ثم عادت بنظرها إليه و قالت : " لست أنت من يحدد مصيره , دعنا نسلمه إلى المركز "
عندها أنزل جين يده التي كانت تحمل السلاح بهدوء ثم مد يده الثانية إلى ذراع روز و سحبها خلفه عندها تنهدت براحة ظنا منها أن كل شيء انتهى أخيرا لكنها اهتزت فجأة عندما سمعت صوت إطلاق نار تلاه صمت مخيف فالتفتت إلى الخلف لتجد سامر يسقط أرضا ثم التفتت مجددا إلى جين لتتفاجأ بأنه من قتله فابتعدت عنه خطوة إلى الخلف بفزع و عيناها تتسعان و هي تنظر إليه ثم إلى جثة سامر الملقاة أرضا ثم قالت : " كان محقا في تحذيره , كنت أنت الغريب الحقيقي , أنت الشخص الذي كان علي الحذر منه "
أخفى جين سلاحه ثم قال بهدوء : " روز أنت لم تفهمي شيئا و لا يمكنني إخبارك بما يحدث لكنني أعدك بأن أشرح كل شيء حين يحين الوقت المناسب "
أشارت روز إلى البذلة بإصبعها ثم قالت : " ماذا ستشرح أكثر من هذا ؟ ألا ترى هذه البذلة ؟ ألا ترى ما فعلته ؟ "
نظر جين إلى البذلة ثم إلى جثة سامر و قال : " روز أنا أعرف تماما ما أفعل و أعرف نتائج أفعالي , ستفهمين الأمر حين يحين الوقت المناسب , دعينا نغادر الآن قبل أن يصل الأمن الملكي "
عقدت روز ذراعيها و قالت بسخرية وسط الدموع : " ماذا سيفعل الأمن الملكي ؟ يؤذيني ؟ تخاف علي ؟ "
ثم هزت رأسها نفيا و أكملت : " لا شيء سيتغير لأنك آذيتني قبلهم بهذه البذلة و بهذا الخذلان , كنت حمقاء حين صدقت اعترافك , ليتك لم تعد من القصر ... ليتني أبقيتك غريبا كما كنت "
لاحظ جين ارتجاف جسدها , عيناها اللتان تتحركان كثيرا و لا تستطيع السيطرة عليهما , أنفاسها المتقطعة و السريعة فاقترب منها إلا أنها كانت تبتعد عنه بخطوات بطيئة و تتمايل , أما روز فكانت تشعر كأن قلبها سيخرج من مكانه و ترى المكان يتهاوى حولها حتى سقطت إلا أن جين أسرع و أمسك بها قبل أن تقع على الأرض , أبعد جين خصلات شعرها عن وجهها ثم اتصل بروبرتو و طلب منه أن ينتظره في منزله ليفحصها ثم حملها و عاد بها إلى المنزل .
لم تستيقظ روز طوال الطريق و لا في المنزل عندما وصل جين بها , عندما دخل إلى المنزل وجد روبرتو في انتظاره و الذي اتسعت عيناه عندما رأى جين ببذلة الأمن الملكي , وضع جين روز على السرير في الغرفة ثم اعتدل في وقفته ينظر إليها عندها اقترب صديقه و قال بنبرة ثابتة : " هل يمكنك أن تشرح لي ما هذا ؟ "
تنهد جين تنهيدة طويلة تعبر عما يشعر به ثم أخبر صديقه بالقصة و طلب منه أيضا إبقاء الأمر سرا ثم التفت إلى روز ينظر إليها و إلى ملامحها المتعبة ثم قال : " هذا اتفاق بيني و بين شقيقة الحاكم , اضطررت للتنكر هكذا في هذا الزي كي يصدق إيفان الأمر و أبقى قريبا من القصر كجاسوس لصالح الأمن , لكنني لا أستطيع إخبارها لأنها ستفسد الخطة "
بعد أن فحص روبرتو ضغط روز التفت إليه و قال : " أنت محق في هذا لأنه على ما يبدو أنها لم تتحمل الأمر "
نظر إليها ثم إليه و سأله : " هل هي بخير ؟ "
أجاب روبرتو : " ضغطها منخفض جدا و لهذا فقدت الوعي , تحتاج إلى الراحة "
صمت لثانية ثم قال : " لكنها لن تتقبل الأمر عندما تستيقظ و ستقرر الابتعاد عنك "
فجأة سمع الاثنان صوت إشعار في هاتفيهما عندها أخذا يتفقدانهما و هناك كانت المفاجئة , كل مواقع أخبار البلد نشرت خبرا من القصر : " حظر تجوال مشدد على جميع السكان إلا بإذن من الأمن الملكي و أن عقوبة المخالفين ستكون شديدة و أن القطاعات العامة و الخاصة لن تعمل إلا بإذن من الحاكم و حتى الجامعات ستظل مغلقة "
نظر روبرتو إلى صديقه و قال : " ما العمل الآن ؟ "
أجاب جين و هو ينظر إلى شاشة هاتفه : " لم يوقف أفراد الأمن عن نشاطهم و هذا يعني أنه يريدهم أن يعملوا لهدف ما "
صمت قليلا ثم أكمل بابتسامة ساخرة : " إنه مجنون و يحتاج إلى علاج , سيكون لي الشرف أن أحضره إليك لتعالجه "
ضحك روبرتو من رده ثم قال : " مجنون مثله مكانه السجن و ليس عيادتي "
بعد لحظات وصلت رسالة إلى جين في الخط الذي يستعمله للتواصل مع الأمن الملكي مكتوب فيها : " إلى أفراد الأمن الملكي فلتتركوا أماكن إقامتكم و تتجهوا إلى القصر مع أسركم كمكافأة من الحاكم على ولائكم "
نظر جين و روبرتو إلى الشاشة ثم إلى بعضهما باستغراب ثم قال روبرتو : " هل هو جاد أم يمزح ؟ القصر ؟ "
أجاب جين و هو يخفي هاتفه : " علي أن آخذها معي بالرغم من أنها مخاطرة لكن على الأقل ستكون أمام عيني "
نظر روبرتو إلى روز ثم قال بقلق : " هذه مخاطرة كبيرة , قد تتأذى روز إذا دخلت القصر "
نظر جين إليها و قال بضيق : " لن يؤذيها و أنا متأكد , إيفان يريد أن نوجه نحن الاثنان السلاح إلى بعضنا و لهذا اتخذ هذا القرار , إذا لم ننفذه فأخشى أن تدفع روز الثمن "
رد روبرتو : " لكن قد يدفع أحدكما الثمن بسبب طلقة خاطئة "
لم يرد جين بل التفت إلى النافذة ينظر إلى القصر البعيد و يفكر في مصيرهما و مصير البلاد .