الحادث الأخير غير كل شيء و قلب كل الموازين , جين أخذ روز إلى منزلهما بعيدا عن المنزل الذي عاشت فيه مع جاسمين كي لا تسوء حالتها و حتى تتقبل عائلتها بحد ذاتها الصدمة , أما شقيقتها ايميلي فدخلت في اكتئاب حاد جعلها تغلق على نفسها في غرفتها و توقفت عن الدراسة لمدة .
الأسبوع الأول قضته روز في غرفتها منفصلة عن العالم , لا تأكل شيئا , لا تشرب , لا تتحدث و لا تجيب إذا كلمها أحد . فقط مستلقية على السرير تنام أحيانا و تستيقظ , أما جين فلاحظ كل شيء و قرر التدخل أولا بمحاولة التحدث معها أحيانا إلا أنها لا تستجيب له , يمسك يدها لكنها لا تشعر به حتى بدأ تغيير ما يطرأ عليها .
بعد انقضاء ثلاثة أيام أخرى , شيء ما بدأ يظهر عليها في تلك الأمسية عندما اقترب منها جين و جلس بجانبها ثم قال برجاء :
" روز أنت لم تأكلي شيئا منذ الصباح , تعالي فقد حضرت لك وجبة خفيفة "
لكنها لم تتحرك من مكانها , لم تنظر إليه أو تحرك عينيها نحوه , فقط استمرت بالتحديق بالسقف فاقترب منها قليلا لكنها ابتعدت عنه حتى كادت تسقط من السرير فابتعد إلى الخلف كي لا تخاف منه , بينما بقيت روز تحدق في جوانب الغرفة كأنها تنتظر شيئا ما ثم التفتت إلى الباب و أخذت تنظر إلى الرواق خلفه كأنها تنظر إلى شيء ما ثم نهضت من مكانها لتغادر الغرفة إلا أن جين أوقفها حين أمسك بيدها و سألها بقلق : " إلى أين تذهبين ؟ "
لكنها لم تجبه بل ذهبت خارج الغرفة كأنها تتبع شخصا ما , هنا بدأ القلق يتفاقم عند جين و تبعها إلى الطابق العلوي حيث كانت تبدو كأنها تبحث في الغرف عن شخص ما أو تلحق به , وقف جين عند باب الغرفة ينظر إليها و هي تتجول في جوانب الغرفة كأنها أضاعته , شعر بالأسى عليها فاقترب منها و أمسك ذراعها بلطف و قال بصوت منخفض : " تعالي , لنذهب إلى الغرفة و نرتاح قليلا اتفقنا ؟ "
انتفضت فزعة من لمسته و حدقت فيه برعب ثم قالت : " خالتي جاسمين هناك , لنلحق بها ... لا تدعها تذهب "
نظر إليها بحيرة لا يعرف ما عليه أن يفعل لكنه قرر طمأنتها فقال :
" أنت هنا معي بأمان , اتفقنا ؟ "
إلا أنها خطت خطوة نحو باب الغرفة قائلة : " لكنها ستذهب "
أمسك بذراعيها من الخلف بلطف و قال : " لن تذهب , ستذهبين إلى النوم و تلحق هي بنا و تبقى بجانبك , اتفقنا ؟ "
نظرت إليه ببراءة و قالت : " تعدني ؟ "
أجاب مطمئنا : " أعدك , أنت الآن عليك أن ترتاحي ... تنامين أولا ثم نتناقش فيم تريدين "
سارت معه إلى الغرفة كما طلب منها ثم جلس يراقبها و يعدل الغطاء عليها و هي تحاول النوم .
مضت ثلاث ساعات و اقترب منتصف الليل عندما طرأ عليها أول تغيير و هي نائمة , ارتفعت حرارتها و بدأت تهذي , لم يوقظها و لم يتحرك من مكانه بل بقي يراقبها كما كان يفعل قبل ساعات و كما كان يفعل منذ رآها أول مرة في حياته , انتبه إلى كل حركة و رعشة و كل كلمة قالتها دون وعي منها و سجل كل شيء في ذاكرته و أكثر ما كررته في هذيانها هو اسم " جاسمين " .
في اللحظة التي أشارت إليها الساعة إلى الواحدة ليلا , استيقظت روز مرعوبة مجددا و يداها تغطيان وجهها كأنها تحميه من شيء ما يندفع نحوه , تتنفس بسرعة و تضع يدها على قلبها بألم ثم وضعت يدها على قلبها كأنها تعيده إلى مكانه أما جين الجالس بجانبها فأحاطها بذراعيه لتهدئتها إلا أنها لم تهدأ بل بدأت تدفعه و تضربه بقسوة كأنها تدفع عن نفسها من شيء خطير , لم يعرف ما يفعله فقرر الاتصال بروبرتو ليستشيره أما روز فاندفعت من مكانها و أخذت تبحث في زوايا الغرفة عن الطيف الذي رأته في كابوسها , أما جين فقد كان يصف لصديقه ما يحدث لها كي يخبره بما عليه فعله و بعد أن استمع إليه أخذ يتفقد ملفات الأمراض النفسية التي درس عنها و شخصها ثم قال بتردد :
" بصراحة يا جين أنا لا يمكنني أن أجزم لك فيم أصاب روز , هناك العديد من الاحتمالات و لكل منها طريقة علاج خاصة "
رد جين بقلق : " ما الحل إذا ؟ إنها لا تتوقف عن البحث في الغرفة عن شيء لا وجود له , كيف أتصرف ؟ "
تنهد باستسلام ثم قال : " حسنا دعنا أولا نتصرف في هذه الليلة , عليك أولا ألا تلمسها بشكل مفاجئ كي لا تجعلها تضربك كدفاع عن نفسها , لا تقل لها اهدئي باندفاع لأنها بالفعل عاجزة عنه بل عليك إعادتها للواقع "
سأله و هو يغادر الغرفة بحثا عنها : " كيف أفعل ذلك ؟ "
أجابه و هو يبحث في الملفات :" لا تشغل اضاءة قوية , استعمل اضاءة خافتة كي لا تهلع , لا تقترب منها بسرعة بل حدثها بصوت منخفض ثم عليك إعادتها للواقع بأن تجعلها تلمس ثلاثة أشياء لا يهم ما تكون : كرسي أو طاولة أو حتى يدك أنت حتى لا تشعر بالخوف , ثم اجلس معها محافظا على مسافة آمنة و تنفسا معا لبضع ثوان كي يهدأ نبضها "
أخيرا وجدها في غرفة في نهاية الطابق العلوي تبحث خلف الستائر و تفتح النافذة و تحاول الصعود إليها و تنادي على جاسمين فتوقف أمام الباب و نظر إليها بفزع ثم سأل صديقه : " ماذا علي أن أفعل ؟ إنها تبحث عنها خلف الستائر و النافذة مفتوحة "
ترك روبرتو الملف من يده و عيناه تتسعان ثم همس له : " إياك و أن تقترب منها و هي في هذه الحالة , ابق بعيدا عنها و إياك و أن تهلع أمامها أو تصرخ ... حافظ على هدوئك "
لكنه رد بهلع : " كيف أهدأ و هي سترمي بنفسها من الطابق الثاني للبيت ؟ "
رد روبرتو بنبرة يحاول الحفاظ فيها على أعصابه : " إياك أن تصرخ , أنت المرساة الوحيدة القادرة على إخراجها من هذا , ابق مسترخيا و لا تنظر إليها بهلع هذا سيساعدها على الهدوء , كلما انفعلت خافت هي و قد تقوم بما هو أخطر , عليها أن ترى فيك الشخص المسيطر .... الآن ضع الهاتف جانبا و قم بما قلته لك "
ترك جين الهاتف كما طلب صديقه ثم اقترب من النافذة التي تقف فيها روز و مد ذراعيه إليه قليلا و قال بهدوء : " روز أنظري إلي
تعالي معي ... هيا إلى غرفتك "
نظرت إليه و قالت بصوت مبحوح : " لكنها ذاهبة ... يجب أن أوقفها "
اقترب خطوة أخرى و قال : " سنذهب إليها لكن ليس هكذا و ليس الآن , هكذا ستسقطين و تتأذين و الوقت متأخر , أعدك بأن نجدها غدا معا لأنها ستعود "
سألته ببراءة : " ستعود حقا ؟ "
أجاب محاولا إقناعها : " بالطبع , سـتأتي كل يوم من أجلك . لكن الآن يجب أن نرتاح قليلا كي نستقبلها غدا بنشاط"
نزلت من النافذة ثم أنزلت رأسها و قالت : " لكنني خائفة , سأرى أشياء مخيفة "
اقترب خطوة أخرى و هو يمد يده : " يمكنك أن تستيقظي و ستجدينني معك , يمكنك أن تستيقظي ألف مرة إن شئت سأكون معك "
رفعت رأسها و سألته : " تعدني ؟ "
أجاب بابتسامة : " أعدك "
اقتربت روز منه بخطوات حذرة و فجأة أمسكت بيده بقوة كأنها غريق نجا بأعجوبة أما جين فحاول ألا يلمسها بشكل مفاجئ كي لا تعود إلى حالتها السابقة بل أخذ هاتفه و قال لها :" أنت بأمان , دعينا نعدك أولا إلى السرير , حسنا ؟ "
اكتفت بهز رأسها بنعم ما جعله يطمئن قليلا ثم أخذها إلى الغرفة و قبل أن يدخلا سألها : " هل تريدين النوم هنا ؟ أم أغير لك الغرفة ؟ يمكنني تغييرها من أجلك "
هزت رأسها نافية و قالت : " سأنام هنا , أغلق النافذة و أسدل الستار "
نظر إلى النافذة ثم رد : " حسنا حاضر "
أغلق النافذة و أسدل الستائر كما طلبت ثم التفت إليها فوجدها تنظر إلى الباب فاتجه نحوه و أغلقه ثم جلس بجانبها محافظا على تلك المسافة و قال : " أغلقت النافذة و أسدلت الستائر و أغلقت الباب , لا شيء يمكنه اختراق هذا , يمكنك النوم الآن "
نظرت إلى الباب و سألته مجددا : " هل سنجدها ؟ "
أراد أن يمد يده إلى كتفها ليربت عليه كي تطمئن لكنه تراجع كي لا تخاف منه و لا تعود إلى نفس الحالة فاكتفى بالنظر إليها قائلا :
" سنجدها بالطبع , لكننا سنحتاج للكثير من الوقت و نحن نحتاج إلى أن نجهزك من أجل ذلك , نامي الآن و لا تفكري في شيء سأتدبر أنا كل شيء "
نظرت إليه كأنها تتعلق بمرساة كي لا تغرق بينما كان جين يراقب كل التغييرات الطارئة عليها , جسدها المرتجف و عيناها التي لا تستطيع التحكم في رعشتهما و جسدها الذي بدأ يثقل , شك في نوبة حمى لكنه لم يستطع التأكد فاقترب منها و قرب يده من جبينها دون أن يلمسها ثم سألها : " هل يمكنني أن أتفقد حرارتك ؟ تبدين محمومة "
نظرت إلى يده ثم هزت رأسها بالموافقة فوضع يده على جبينها و بالفعل كانت كذلك , لم يظهر أمامها أي ذعر بل حاول الحفاظ على أعصابه قدر المستطاع ثم نهض لكنها أمسكت بيده و ترجته :
" لا تذهب , ابق هنا ... أنا خائفة "
انحنى نحوها و قال : " لن أبتعد , خمس ثوانٍ أحضر فيها كمادات باردة تخفض حرارتك و سأبقى هنا معك دائما "
نظرت إليه برجاء : " خمس ثوانٍ ؟ "
أجاب مؤكدا : " خمس ثوانٍ "
تركت يده تنزلق من يدها ثم خرج من الغرفة نحو الحمام و وقف أمام مرآة الحمام ينظر إلى نفسه فيها و يكلمها : " أيًا كان ما حدث فيجب أن تخرج منه روز سريعا "
ملأ اناء بالماء البارد و أحضر منشفة ثم عاد إلى الغرفة حيث كانت عيناها معلقتان على الباب تنتظر عودته و بمجرد أن دخل الغرفة ارتسمت على وجهها ابتسامة مطمئنة , جلس بجانبها و أخذ المنشفة الصغيرة التي كان غمرها بالماء و وضعها على جبينها و جلس ينتظر انخفاض حرارتها لكنها أمسكت يده و قالت : " لا تتركني بمفردي , أنا خائفة و هم قادمون إلي "
نظر إليها مركزا في كلامها ثم قال :" ستجدينني معك دائما كلما شعرت بالخوف , سنجد حلا لكل هذا , أعدك "
و في وسط كل ذلك الخوف شعرت روز ببعض الطمأنينة فنامت , أما جين فأخذ دفترا صغيرا و دون فيه كل ما قالته روز و حدث لها و شعرت به فجأة تذكر هاتفه فأخذه و عاود الاتصال بروبرتو الذي كان ينتظر اتصاله و رد على الفور :
" هل كل شيء بخير ؟ هل استطعت تهدئتها ؟ "
نظر جين على الساعة بجانبه و قال : " أعتذر لأنني اتصل في وقت متأخر , هدأت أخيرا و استطاعت أن تنام "
ضحك روبرتو ضحكة قصيرة و قال : " لا تعتذر يا صديقي , لا يوجد شيء كهذا بيننا , أنا لم أنم بل كنت أبحث في الأعراض التي ذكرتها لي و جهزت برامج علاج نختار منها بناء على المرض الذي أصاب روز "
تنهد جين بضيق و رد : " لا أعتقد أنها ستتقبل فكرة العلاج , نحتاج إلى أن نقنعها به "
نظر روبرتو إلى الحاسوب أمامه و رد :" روز في حالة ضعف هناك احتمال بأن تستسلم للأمر , تحتاج إلى أن تهيئ لها بيئة تتجاوب فيها مع العلاج "
سأله بعدم فهم : " ماذا علي أن أفعل ؟ "
أجاب بجدية : " أولا لا تتعامل معها على أساس أنها شخص مريض يحتاج إلى علاج , بل شخص متعب يحتاج إلى سند , حاول ألا تذكر أمامها فكرة المرض حين تكون تحت أي نوبة و الأهم اجعلها محاطة بأناس تشعر بالأمان معهم "
نظر جين إلى روز النائمة بجانبه ثم رد : " لا يمكنني جمعها بعائلتها في هذه الفترة , هم أيضا في حالة حزن "
رد روبرتو ببساطة : " إذا بعائلتك , وفر لها جوا من الطمأنينة مع والديك , تحتاج إلى أن تبقيها على اتصال بواقعها في الفترة التي تكون فيها تحت العلاج و أهم محور في العلاج هو أنت "
سأل بعدم فهم : " أنا ؟ كيف أكون محورا مهما في العلاج ؟"
أجاب روبرتو : " روز وجدتك في لحظة ضعفها هذه و الآن هي تراك الكتف الذي تستند عليه , يجب أن تكون قويا و صبورا لأن مثل هذه الحالات المرضية تحتاج إلى أن يكون مرافقها صبورا "
سأله مجددا : " هل هذا يعني أنك عرفت مرضها ؟ "
نظر روبرتو إلى الملفات أمامه ثم قال : " أحتاج إلى التأكد فقط , لكن حسب ما فهمته مما حدث إلى الآن فالاحتمال الأكبر هو اضطراب ما بعد الصدمة "
سأله جين بقلق : " و هل هو خطير ؟ هل سيؤثر عليها ؟ "
أجاب روبرتو : " في الواقع يا جين , هو خطير قليلا في ظروف كهذه و يحتاج إلى السيطرة عليه سريعا قبل أن يتطور و يتحول إلى أمراض أخرى و هذا غير مستبعد , لهذا أخبرتك بأن تبدأ العلاج من الغد "
ترك جين دفتره ثم ذهب إلى الغرفة حيث كانت روز نائمة و وقف أمام الباب ينظر إليها دون أن يقترب منها ثم قال : " روبرتو أنا تائه , الأوضاع في البلد تحتاج إلى أن أعود للعمل سريعا لكنني لا أستطيع تركها هكذا "
وضع روبرتو الملفات جانبا ثم قال : " عليك أن تركز على روز و تجد قاتل جاسمين و لا أنكر أن روز تعرفه , علينا أن نسيطر على المرض قليلا حتى نعرف من روز قاتل مربيتها لتتمكن من القبض عليه "
سكت جين قليلا ثم قال : " أعتقد أنني أعرفه , بقي علي إيجاده "
سأله بفضول : " من يكون ؟ كيف عرفته ؟ "
أجاب جين : " إنه سامر , بعد محاولة اغتيالي و اختفائه , انتهى الأمر بهذه الجريمة , كان يستطيع أن يقتل أحدنا لكنه اختار جاسمين "
سأله بعدم فهم : " لكن لماذا ؟ "
أجابه : " ليزعزع استقرار روز و ينهي أمرها بسهولة , يجب أن تخرج روز من هذا سريعا قبل أن يستغل ضعفها "
نظر روبرتو إلى الساعة ثم قال : " إذا دع هذا علي , اذهب الآن و خذ قسطا من الراحة , أما بخصوص الغد فموعدها محجوز و يمكنك أن تحضرها متى ما شعرت بالراحة فالعيادة مفتوحة من الصباح الباكر حتى السادسة مساء "
رد جين بإرهاق : " سأحاول تدبر الأمر , شكرا لك "
رد روبرتو : " لا تنس أن صديقك معك في هذه المرحلة حتى تخرج منها , لن أتركك أبدا "
ابتسم جين ابتسامة متعبة ثم رد : " لن أنسى صنيعك هذا أبدا ما حييت "
ثم أنهى المكالمة و وضع الهاتف و الدفتر جانبا ثم اعتدل في جلسته و اتكأ على الجدار خلفه و بقي يراقبها حتى غلبه التعب و نام .
كانت الساعة تشير إلى العاشرة و النصف صباحا عندما استيقظ جين أخيرا , و بمجرد أن فتح عينيه نظر إلى الغرفة حوله و تذكر ما حدث ليلة البارحة فهب جالسا مكانه و التفت إلى روز , نظر إلى ملامحها المتعبة ثم عدل الغطاء عليها ثم نهض من مكانه و غادر الغرفة .
أخذ حماما سريعا ثم اتجه إلى المطبخ و أخذ يفكر في الحالة التي قد تستيقظ روز عليها , حضر فنجان قهوة يستعيد به نشاطه ثم جلس يشربه و يتصل بصديقه زين شقيق روز :
" صباح الخير يا زين , كيف حالك ؟ "
زين رد بنبرة مكتئبة : " لست في أفضل حال لكنني أحاول الاستمرار "
رد جين محاولا مواساته : " أعرف أن الكارثة كانت كبيرة لكنك تحتاج إلى التماسك , تحتاج إلى الاستمرار "
نظر زين إلى المدينة من نافذة مكتبه ثم قال : " إنني أحاول بالفعل , عدت إلى العمل لعله يلهيني , كيف حال روز ؟ "
استرق جين نظرة إلى الأعلى ثم أجاب بأسى : " أعتقد أنها الأسوأ حالا بينكم , قضت أسوأ عشرة أيام في حياتها "
سأل زين باهتمام : " مكتئبة ؟ "
نظر جين إلى فنجانه ثم أجاب : " بل أسوأ , أعتقد أنها مصابة باضطراب ما لكنه لم يتحدد بعد "
ابتعد زين عن المكتب فورا ثم سأله بذعر : " مريضة ؟ هل حدد مرضها ؟ هل أخذتها إلى طبيب ؟ "
جين أجاب محاولا تهدئته : " تحدثت مع صديقي في الأمر , لم نحدد المرض و لم تبدأ أي علاج بعد , أنتظر أن تهدأ أولا حتى تستطيع تقبل المرض و العلاج "
رد زين منهارا : " ما الذي تنتظره ؟ لا يمكن أن تسوء حالها أكثر أعتقد أنه الاكتئاب "
فكر جين قليلا ثم رد : " أعتقد أن ما يحدث لها أكبر بكثير من الاكتئاب لكنني سأجد حلا و لهذا اتصلت بك "
سأل زين بعدم فهم : " ما الذي أستطيع فعله ؟ "
نهض جين من مكانه و وقف أمام المغسلة ثم أجابه : " دورك أن تحاول التصالح مع ما حدث , لن أقول تخطى الأمر لأن الفقدان صعب لكن على الأقل حاول أن تتماسك , روز تحتاج بيئة مستقرة تشعر فيها بالأمان الذي فقدته , سأبدأ أنا مع أبي و أمي ريثما تحاول أنت و عائلتك التعافي مما حدث "
رد زين بتفهم : " أفهم الأمر , سأحاول تنسيق الأمر مع أمي و أبي هل يمكن أن أتحدث معها ؟ "
نظر إلى الطابق العلوي ثم أجاب : " في الواقع روز نائمة الآن , قضت ليلة صعبة بين الحمى و الكوابيس و نامت في وقت متأخر "
تنهد زين باستسلام ثم رد : " حسنا , سأنتظر أن تستطيع التحدث على الأقل "
ابتسم جين بألم ثم قال : " سأحاول جعلها بخير , أعدك "
نظر زين إلى باب المكتب ثم رد : " يبدو أنه علي الذهاب , العمل لا يراعي حزن الانسان "
ضحك جين ضحكة قصيرة ثم صمت كأنه تذكر شيئا ثم قال : " العمل ؟ تذكرت أنني لم أناقش تفاصيل غيابي و غياب روز مع إدارة الأمن "
سأل زين باهتمام : " هل سيكون الأمر خطيرا ؟ "
أجاب جين باستسلام : " إذا تأخرت أكثر قد تفرض علي عقوبة , لكنني لا أستطيع تركها بمفردها "
فكر زين قليلا ثم أجاب : " أنا لا أعرف ما الحل , لا يمكنني إرسال ايميلي إليها فهي أيضا مكتئبة و أغلقت على نفسها في الغرفة لكن قد تستطيع أمي المساعدة "
سمع جين صوت خطوات تقترب من الطابق السفلي فالتفت إلى الخلف و قال : " يبدو أنها استيقظت , يجب أن أعرف في أي حالة هي "
تنهد زين و أنهى الحديث قائلا : " حسنا إذا , روز أمانة بين يديك "
نهض جين من مكانه و قال : " لا داعي لأن تقلق عليها "
ثم أغلق الخط و اتجه نحو الدرج حيث كانت روز تقف و تنظر إلى المنزل كأنها تكتشفه على الفور و بمجرد أن رأته يقف أمامها ابتسمت مطمئنة ثم سألته : " أين كنت ؟ "
أجاب فورا : " هنا , لم أذهب إلى أي مكان , كنت أنتظر استيقاظك و حضرت فنجان قهوة "
روز نظرت إلى الطاولة خلفه ثم سألت : " هل لي أنا أيضا بفنجان قهوة ؟ "
أجاب : " أفضل أن تأكلي شيئا آخر أولا ثم تشربين القهوة لاحقا , اتفقنا ؟ "
روز لم ترد بل مدت يدها إليه كأنها تطلب منه أن يمسكها ففعل على الفور و أخذها نحو الطاولة و جلس بجانبها بعد أن صب لها منها في الفنجان ثم أخذ يراقبها و هي تشربها بهدوء , لم ترتجف و لم تبد خائفة هذا طمأنه قليلا لكنه بقي قلقا من هذا التغيير المفاجئ , تردد للحظة ثم قال : " روز هل أنت بخير ؟ "
روز أجابت على الفور : " نعم أنا كذلك "
لم يطمئن لهذا الهدوء فقرر أن يختبرها : " إذا كنت كذلك فأنا أستطيع الذهاب إلى العمل الآن "
ثم هم بالنهوض لكنها أسرعت لتمسك به و في أثناء ذلك أسقطت الفنجان بالخطأ فأحدث صوتا اخترق مسامعها و ذكرها باللحظة التي سمعت فيها صوت ارتطام جاسمين بالأرض , تجمدت و هي تمسك به فقرر التدخل قبل أن يفقد السيطرة عليها , أمسك بيدها و وضعها على الطاولة و قال : " أنظري إلي , أنت هنا معي في البيت , لا يوجد ما يخيف "
نظرت روز إلى الطاولة ثم إليه و قالت : " لا يوجد قاتل هنا ؟ لن يتسمم أحد ؟ "
تفاجأ من كلامها و اتضح أنها كانت تعرف أن جاسمين قتلت و من الممكن أنها تعرف الفاعل فأجاب : " لا يوجد أحد و لن يتسمم أحد , نحن في البيت و هذا مجرد حادث بسيط , سأجمع الزجاج المكسور و ينتهي كل شيء "
هزت رأسها بالموافقة فجمع الزجاج و أخذ بيدها ثم ذهبا إلى غرفة المعيشة ثم أجلسها مقابل التلفاز الذي شغله جين على فلم قصير و وضع عليها غطاء و جلس بجانبها و قال : " سنشاهد فلما معا و ننسى ما حدث , حسنا ؟ "
التفتت إلى النافذة كأنها ترى شيئا في الخارج لكنه أمسك بوجهها بين يديه و قال : " لا يوجد شيء هناك , أنت معي و ما يوجد هنا فقط هو الحقيقي "
هزت رأسها بإيجابية ثم اتكأت على ذراعه تشاهد الفلم الذي لم تركز في محتواه لأنها كانت شاردة .
أشارت الساعة إلى التاسعة و النصف ليلا عندما نهض جين من مكانه إلا أنها أمسكت به مجددا و ترجته مثل المرة الأولى قائلة :
" لا تذهب , ستأتي هذه المرة أيضا و أنا خائفة "
سألها : " من التي ستأتي ؟ "
نظرت إليه ببراءة : " جاسمين آتية , لأنني أنا من قتلها "
شعر بأنها تخفي شيئا و أراد التأكد منه فاقترب منها و سألها :
" كيف ذلك ؟ أنت كنت معي "
و تجنب ذكر حفل الزفاف امامها كي يتجنب إخافتها , نظرت إلى النافذة ثم إلى الباب خلفه تتأكد من أنه لا أحد يستمع ثم أجابت :
" كان هناك قاتل في حفل الزفاف , أرسل إلي رسالة قبل الزفاف بأنه سيقتل أحدا لكنني اعتقدت أنه شخص عابر يمزح أو ما شابه "
أصغى إليها باهتمام و هو يسجل كلامها في ذاكرته ثم سألها :
" هل تعرفين من هو على الأقل ؟ "
روز لم تجبه بل اكتفت بالنظر إلى الأرض فسألها مجددا :
" هل أنت خائفة منه ؟ "
هزت رأسها بالنفي و أجابت : " لا , أنا السبب الذي جعله يقتلها و إذا أخبرتك سيقتلك أنت أيضا "
فهم جين الأمر أخيرا ثم قرب يده من شعرها ثم استأذنها بأن يلمسه فسمحت له عندها أخذ خصلة أمامية و لفها حول سبابته بلطف ثم قال : " لن يفعل ذلك , أعدك ... أنت فقط أخبريني بما حدث "
لكنها رفضت مجددا فقرر ألا يضغط عليها ثم مد يده إليها و أشار إلى الغرفة و قال : " هل نذهب للنوم الآن ؟ "
نظرت إلى الغرفة فرأت طيف امرأة يقف عند الباب فتشبثت و قالت : " لا , إنها هناك ... في الغرفة "
التفت إلى الغرفة لكنه لم ير شيئا فقرر مجاراتها في كلامها :
" حسنا , لن تذهبي إلى الغرفة , ابقي هنا و سأحضر لك غطاء "
و عندما هم بالنهوض أمسكت به و قالت : " لا تذهب , ستأخذك معها "
نظر إليها بحيرة ثم قرر البقاء ريثما تنام , ساعدها على الاستلقاء ثم جلس بجانبها ينتظر أن تنام لكنها لم تفعل , اقترب منها ثم سألها :
" ألن تنامي ؟ "
هزت رأسها نفيا : " لا أستطيع , ستأتي اليوم أيضا "
رد على الفور : " فلتخبريني إذا , ماذا تريدين أن أفعل لها ؟ "
أجابت مترجية : " لا تدعها تأخذني معها "
عدل الغطاء عليها ثم رد : " أعدك بذلك , نامي مطمئنة"
بعد ساعة من مراقبة باب الغرفة استسلمت روز أخيرا و نامت و بعد أن تأكد جين من أنها كذلك غادر الغرفة بهدوء كي لا تشعر به
و أجرى مكالمة مع صديقه في شرفة المنزل كي لا تسمعه :
" روبرتو لقد وجدنا طرف الخيط , روز اعترفت بأن جاسمين قتلت و لم تخبرني بعد بالفاعل "
فكر روبرتو ثم رد : " هناك حلقة ناقصة , عليك أن تعرف كيف وصل التهديد إليها "
سأل جين بعدم فهم : " تهديد ؟ أي تهديد ؟ "
أخذ روبرتو يشرح له : " إن كانت روز قد اعترفت بأنه قد كان هناك قاتل في الزفاف فهذا يعني أنه لم يستهدفها بشكل مباشر , بل استهدف طمأنينتها و دمر شعورها بالأمان "
دخل جين إلى الغرفة التي كان في شرفتها و أخذ ينظر إلى زواياها باحثا عن هاتف روز الذي وجده موضوعا على الطاولة حيث تركه منذ عودتهما تلك الليلة , فتحه فوجد أن البطارية منتهية عندها وصله بالشاحن و أخذ يتفقد ما فيه حتى وجد ما كان يبحث عنه , الكثير من رسائل التهديد التي كانت تصل إلى روز منذ يوم الاعتراف حتى ليلة البارحة عندها رد على صديقه :
" هذه هي , وجدتها ... روز كانت تتلقى رسائل تهديد منذ يوم الاعتراف حتى ليلة البارحة "
رد روبرتو و كأنه يشك في شيء : " جين , تفقد آخر رسالة قبل الزفاف و ما بعد ليلة الحادث "
رد و هو يمرر الرسائل ليصل إلى تاريخ الزفاف : " حسنا , أمهلني لحظة "
ثم بحث عن تاريخ ما قبل الزفاف بليلة و هناك وجد رسالة تقول :
" يوم الغد سيكون يوما لا ينسى يا روز "
رسالة لا تحمل توقيعا و من رقم مجهول , ثم تفقد بقية الرسائل التي أرسلت بعد الزفاف : " روز .. أين أنت ؟ هل خفت ؟ ... هل أخافتك ليلة البنك و ليلة الزفاف ؟ "
و أخرى تقول : " قد تكونين أنت التالية ... و قد يكون جين "
لكن هذه الرسالة كانت موقعة على خلاف غيرها بحرف " س "
توقف جين عند هذه الرسالة ثم قال لصديقه : " روبرتو هذه الرسالة موقعة بحرف " س " على خلاف بقية الرسائل , و رسالة تقول ليلة البنك , هذا التهديد يلاحق روز من قبل أن الاعتراف "
سأل روبرتو : " فيمن تشك ؟ "
أجاب دون تردد : " في سامر , كل الأدلة تشير إليه : محاولة قتلي ثم اختفاؤه المفاجئ و توقيعه على الرسائل , كان حارسها الشخصي قبل مدة لكنني منعت هذا , لم يكن هدفه حراستها "
روبرتو سأل مستغربا : " من عين شخصا غريب الأطوار حارسا عليها ؟ "
أجاب جين بانزعاج : " الإدارة قبل أن تعرف أنه جاسوس من إيفان "
رد روبرتو بقلق : " إذا هذه هي , الأحجية اكتملت , سامر كان جاسوسا من ايفان و أرسل كي يقضي على روز بشكل غير مباشر و ذلك بتهديد أمنها "
نظر جين إلى الغرفة التي تنام فيها روز ثم رد : " و الآن تأكد دوري في أن أتدخل في الأمور الملكية "
إلا أن صديقه تدخل كي يمنعه : " لا أرجوك , لا تخاطر و لا تتدخل مجددا في أمور القصر , لم يعد شارل حاكما لتبق آمنا "
رد جين بجدية : " صحيح أنه حاول اغتيالي سابقا لكن هذا لا يعني أنني سأسمح له بالوصول إلى روز "
روبرتو تنهد باستسلام : " جين أرجوك , روز ليس لديها غيرك , فكر في الأمر قليلا "
تنهد جين بقلة صبر ثم رد : " حسنا سأفكر في الأمر , إذا نلتقي غدا في عيادتك "
نظر روبرتو إلى الساعة ثم قال : " تأخر الوقت و طالما أن روز نائمة فلتحظَ أنت ببعض الراحة "
فرك جين عينيه بتعب ثم رد : " نلتقي غدا في عيادتك "
ثم أغلق الخط و اتجه إلى الغرفة حيث كانت روز نائمة ثم نام هو الآخر و حظى بليلة بعيدة عن كوابيس روز لأول مرة غير مستعد للرحلة الشاقة التي ستبدأ غدا من عيادة روبرتو .