اليوم التالي بدا غريبا , مخيفا , أجواؤه توحي إلى أن ما هو قادم أسوأ ... إلى أن ما هو قادم هو النهاية .
استيقظت روز في وقت متأخر قليلا , متعبة و مشوشة و لا تتذكر ما حدث إلا بشكل جزئي فجلست في مكانها و أخذت نفسا عميقا ثم نظرت حولها لتجد نفسها في غرفتها فشعرت بالأمان , عدلت وسادتها ثم اتكأت عليها و أخذت تتذكر ما حدث في اليوم السابق و أول ما جعلها تنتفض كان الزي الذي رأت جين يرتديه : زي الأمن الملكي التابع لإيفان عندها ابتعدت عن السرير و فتحت الخزانة لتبحث عنه لكنها لم تجد شيئا فيها ثم فتشت بقية الغرفة لكنها لم تعثر على شيء , خرجت من الغرفة إلى الرواق فلم تسمع شيئا
كان المنزل هادئا بشكل مخيف جدا , بشكل يوحي إلى أنها النهاية بشكل جعل روز تفقد شعور الاطمئنان و هي تدخل غرفة المعيشة التي تتوسط المنزل حيث كان التلفاز مطفأ و الستائر منسدلة كأن المنزل غير مسكون , جالت روز بعينيها حتى وقع بصرها على البذلة السوداء الملقاة بشكل عشوائي على الأريكة فاقتربت منها كي تتفقدها و بمجرد أن رفعتها أمامها سمعت صوتا يناديها فالتفتت لتجد جين واقفا خلفها يسألها:
" روز ماذا تفعلين ؟ لماذا استيقظت و لم تناديني ؟ "
التفتت روز إليه و هي تحمل البذلة ثم سألته : " ما هذا ؟ "
اتسعت عيناه للحظة ثم اقترب و أخذ البذلة ثم قال بارتباك : " بذلة العمل , نسيتها هنا البارحة "
نظرت روز إليه و لاحظت الارتباك في عينيه و نبرة صوته فقالت بهدوء : " ليس من عادتك لكن لا بأس , لا بد أن انهياري البارحة جعلك تخلط الأمور "
التفتت إلى النافذة فرأت الأجواء الكئيبة في الخارج ثم التفتت إليه و قالت : " علينا أن نذهب إلى العمل الآن , تأخرنا "
أشار جين إلى المطبخ و قال : " كلي شيئا أولا ثم نذهب معا "
أومأت بالموافقة ثم ذهبت إلى المطبخ بينما بقي جين في الغرفة يتنفس الصعداء براحة لأنها لم تكتشف أمر البذلة ثم أخذها و خرج إلى السيارة و أخفاها في صندوقها كي لا تراها روز مجددا .
أما روز فكانت في المطبخ تضع الشاي في الكوب و تحاول ربط الأحداث بين ارتباك جين و ما حدث البارحة و البذلة , فجأة تذكرت أنها رأته في اليوم الماضي ببذلة الأمن الملكي و أن سامر حذرها منه و أخبرها بكل شيء عنه , تذكرت الشارة بوضوح و كذلك رمز إيفان على ذراعه و هي تضع الإبريق على الطاولة بغير انتباه عندها أسقطت الكوب الزجاجي فتحطم لكن الصوت عند روز لم يكن صوت كوب زجاجي تحطم بل شيئا آخر لأن عقلها عاد بها إلى حديقة إيفان , إلى الجو الغائم , إلى سامر يعتذر أمامها و يقر بندمه .... إلى جين ببذلة الأمن الملكي يصوب سلاحه نحوه و يقتله , كل شيء عاد دفعة واحدة بشكل مخيف , بشكل ثقيل و واقعي كأنه يحدث مرة أخرى . عندما سمع جين صوت تحطم الزجاج ترك ما بيده و ذهب إليها و بمجرد أن دخل المطبخ وجدها تقف أمام الزجاج المكسور و عيناها متوجهتان إلى الفراغ فاتجه إليها و توقف أمامها ثم مد يده بحذر نحوها كي يخرجها من المطبخ لكنها ضربت يده بعنف و ابتعدت عنه و هي تصرخ فيه و تقاومه , بالرغم من كل محاولاته لتهدئتها إلا أن جين لم ينجح لأول مرة في هذا , فجأة توقفت و أخذت نفسا عميقا ثم ذهبت إلى الغرفة و أخذت تبحث فيها و هي تصرخ : " أين أخفيتها ؟ "
إلا أنه لم يرد بل كان يحاول تهدئتها و السيطرة عليها , فتحت روز درج الخزانة لتتفاجأ بشيء لم تتوقع أن تجده في منزلها يوما فمدت يدها و حملته و أخذت تقلبه بين يديها : كانت شارة الأمن الملكي التابع لإيفان و التي قدمها لجين , عبارة عن مشبك ذهبي قدمه له كإثبات لولائه له و بأنه فرد من أفراد الأمن الملكي إلى جانب البذلة و السلاح .
التفتت روز بهدوء مخيف ثم تقدمت نحوه خطوة تلو الأخرى حتى توقفت أمامه ثم رفعت الشارة أمام وجهه و قالت بهدوء مخيف :
" ما هذا ؟ "
أبعد جين الشارة عنه ببطء ثم قال بذات الهدوء : " روز ستفهمين كل شيء لاحقا , ضعي الشارة جانبا و لنغادر الغرفة "
إلا أن روز أحكمت إمساكها و هي ترفعها و تكرر : " لن أضعها قبل أن تخبرني ما تفعله هذه الشارة هنا في منزلنا , بدأت أشك في أنك جين بالفعل "
تراجعت خطوة للخلف و أكملت :" هل أنت جين فعلا ؟ .... منذ أن عدت من القصر و أنت متغير , عدت إلي غريبا و ليس نفس الشخص الذي ذهب "
اقترب جين منها و قال : " أنا لم أتغير , ما زلت نفس الشخص الذي ذهب لكن هناك أشياء يجب أن تبقى مخفية عنك لمصلحتك و حفاظا عليك "
إلا أنها صرخت عليه لأول مرة : " منذ متى تخفي عني سرا ؟ متى اتفقنا على إخفاء الأسرار عن بعضنا ؟ منذ متى صرت لا تثق بي ؟
الشخص الوحيد الذي لا يثق بي هو الغريب و ليس زوجي "
أشارت روز إلى النافذة و هي ترفع الشارة ثم قالت : " هذه الشارة هي سبب الدمار الذي في الخارج و كلانا يدرك هذا جيدا إلا أنك عدت إلي تلبسها و تحاول إخفاءها فوق ذلك , هل كنت معهم طوال الوقت ؟ "
اقترب منها ليأخذ الشارة إلا أنها ابتعدت و هي تنظر إليه من الأعلى إلى الأسفل كأنها تراه لأول مرة ثم نظرت إلى الشارة و عيناها تمتلئان بالدموع و قالت : " تريدها ؟ "
اعتدل في وقفته ثم قال : " بل أحتاجها "
رمت روز الشارة عند قدميه على الأرض و قالت : " أنت اخترتها بدلا عني فلتدفع ثمن اختيارك "
ثم غادرت الغرفة نحو غرفتهما لتجمع أغراضها إلا أنها تفاجأت برسالة من مركز الأمن مكتوب فيها :
" الأوضاع في الخارج خطيرة فلا تغادري المنزل إلا للضرورة , يمكنك متابعة العمل من المنزل , ابقي بعيدة عن الخطر و لا تقتربي من منزل عائلتك لأنك تشكلين خطرا عليهم "
تفاجأت روز من الرسالة لأنها لم تكن ترغب في البقاء مع جين في بيت واحد و هو بتلك البذلة , كل شيء بالنسبة لها كان مشوشا و مخيفا و غير مفهوم , لم تعد تفهم السبب الذي يجعل جين يملك تلك البذلة و لم تعد تفهم السبب الذي يجعله يعود إليها بذلك الشكل , حتى شارة الأمن الملكي صارت بالنسبة لها لغزا آخر .
رمت الأغراض من يدها ثم خرجت من الغرفة و في الطابق السفلي رأت جين يتجه نحو الباب بتلك البذلة عندها نادته فالتفت فورا فبالرغم من كل شيء مازال قلبه يلتفت إليها كلما نادته عندها رأت الشارة مجددا معلقة على صدره و ذراعه بوضوح فتوقفت تنظر إليها بتمعن ثم رفعت رأسها إليه و قالت : " أنا لن أذهب و لن أغادر هذا المكان , بل سأبقى حتى أعرف ما تخطط له حتى لو كان نهايتي "
اكتفى جين بالنظر إليها نظرة بدت كأنها الأخيرة تمعن فيها تفاصيلها التي يحبها خصوصا شعرها و عينيها ثم غادر .
بمجرد مغادرته أخذت روز هاتفها و اتصلت بمسؤول قسم الأمن و طلبت تنظيم اجتماع طارئ عن بعد مع مجلس الإدارة لأنهما لم تستطع الخروج من منزلها بسبب الخطر في الخارج .
جلست على كرسي أمام الطاولة و وضعت حاسوبها المحمول و هاتفها ثم بدأت المكالمة المشفرة مع مجلس الإدارة ثم طلبت تسجيلات لما يحدث في المدينة , أرسل قسم المراقبة تسجيلات للساحة الكبرى التي اجتمع فيها الناس يتظاهرون ضد الحاكم و يطالبونه بترك القصر و إخلاء سبيل شقيقته , أما الأمن الملكي فكان يحيط بالقصر ليمنعهم من الدخول موجهين أسلحتهم نحوهم فأمعنت روز النظر في التسجيل و هناك رأته : رأت جين يقف مع الأمن الملكي و يوجه سلاحه نحوهم عندها التفتت إلى أعضاء المجلس و قالت : " يجب أن ننقل المتظاهرين إلى مكان أأمن من ساحة القصر تفاديا لأي أذى من الأمن الملكي "
صمتت قليلا و هي تمعن النظر في جين ثم أكملت : " و من الخونة الغرباء "
أومأ أعضاء المجلس بالموافقة و أرسلوا بعثة لتبعد المتظاهرين عن القصر أما روز فأخذت دفترها الذي اعتادت تسجيل ملاحظات حول عملها فيه و كتبت : " تصفية الخونة "
فجأة تذكرت دفترها الأبيض الذي كتبت فيه أسرارها و تذكرت اللحظة التي قدمتها فيه إلى روبرتو عندها أخذت تفكر قائلة :
" ماذا لو كان كل هذا سلسلة تم التخطيط لها ؟ كيف استطاع القاتل دخول صالة مؤمنة بأفراد الأمن بسهولة و قتل شخص فيها إذا لم يكن لديه من يسهل له ذلك من داخل الصالة ؟ "
ثم سجلت في دفترها مجموعة ملاحظات و ربطت بينها بأسهم توضح ترتيبها : " حفل زفاف ... أمن منتشر حول الصالة ... غريب في الحفل ... حادث تسميم ... موت جاسمين .... اعتراف سامر بأن جين سهل عليه دخول الحفل و قتلها "
توقفت عند هذه الجملة و تذكرت اللحظة التي اعترف فيها سامر بأن جين هو من أخبره بكل تفاصيل الحفل و الصالة و أخبره بأهمية جاسمين عند روز و كيف يمكن أن يؤثر موتها عليها ثم ربطت بين الملاحظات بأسهم : " اعتراف جين ... الزفاف ... حادثة في زفاف تم تأمينه ... ضحية تم اختيارها بعناية ... تصفية زميل "
ثم رفعت رأسها و قالت : " علي استعادة الدفتر "
تركت ما بيدها ثم نهضت و غادرت المنزل بسرعة .
لم تكن المدينة في حالة جيدة , المطر يتساقط بغزارة و الأمن الملكي منتشر في كل مكان إلا أن روز استمرت في طريقها نحو عيادة روبرتو مشيا تحت المطر و البرد دون أي اهتمام بما يحيط بها حتى وصلت إليها و توقفت عندها تنظر إليها كما لو أنها تنظر إلى ساحة إعدام ثم تقدمت بخطوات ثابتة إلى داخل العيادة و هناك استقبلتها بريتني مبتسمة كعادتها إلا أن روز قابلتها بعبوس مخيف و سألتها : " هل روبرتو هنا ؟ "
أجابت بريتني : " نعم هو كذلك , لكنك مبتلة يا روز و ستمرضين إذا بقيتي هكذا "
إلا أن روز دخلت المكتب دون أي استئذان و عندما رآها استغرب من شكلها و نهض مسرعا نحوها سائلا بلهفة : " هل أنت بخير ؟ لماذا أتيت هكذا تحت المطر ؟ "
رفعت روز رأسها لتظهر عيناها الغاضبتين و قالت : " أريد دفتري الآن "
تغيرت ملامحه إلى الخوف و قال : " روز اهدئي و ستفهمين كل شيء , الغضب سيؤذيك فاهدئي قليلا "
إلا أنها رفعت صوتها : " ماذا تعرف أنت عن الأذية ؟ أي نوع من الأطباء أنت ؟ خدعتني أنت و صديقك و أقنعتماني بأنني مجنونة و سرقتما أسراري و قدمتماها إلى أعدائي على طبق من ذهب و تتحدث الآن عن الهدوء "
اقترب روبرتو منها و قال بهدوء : " روز أرجوك , هناك أشياء لا يمكن أن تعرفيها الآن لكن عليك أن تتحلي بالهدوء و الصبر "
رفعت روز يدها و أشارت إلى النافذة المطلة على القصر و قالت :
" أي صبر ؟ صديقك يرتدي زي أعدائي و أنت تنكرت في زي الطبيب النبيل و أخذتما أسراري و أقنعتماني بأنني مجنونة كي ألجأ إلى صديقك , على ماذا أصبر ؟ "
اقترب منها و قال : " روز هناك أمور يجب أن تبقى سرية لمصلحتك و حفاظا على صحتك , جين يعرف ما يفعل و عليك أن تثقي به "
ردت روز بعصبية و وجهها يتحول إلى اللون الأحمر و أنفاسها تتسارع : " بمن أثق ؟ بمن يرتدي زي أعدائي ؟ كان من المفترض أن يعود إلي زوجا لا غريبا "
فجأة بدأت رؤيتها تتشوش و الألوان حولها تبهت و الغرفة حولها تتهاوى و نبضها يتسارع , في هذه اللحظة دخل جين و رآها ترتجف و تميل نحو الأرض عندها اقترب منها بسرعة و حاول إسنادها إلا أنها دفعته بعنف عنها ثم هوت على الأرض فأسرع نحوها و أمسك بها قبل أن تصل إلى الأرض ثم فقدت الوعي , عندها اقترب منها روبرتو و تفقد ضغطها فوجده مرتفعا عندها التفت إلى جين و قال : " الضغط مرتفع جدا , أعدها إلى المنزل و دعها ترتاح قليلا "
ثم نظر إلى زيه و أكمل : " و ابق بعيدا عنها بهذا الزي "
نظر جين إلى الزي بحزن عندها وضع روبرتو يده على كتفه و قال : " أنا آسف إن كنت فظا لكنها بحاجة إلى أن تبقى بعيدا عنها بهذا الزي , لكن سيأتي يوم و تعتاد على رؤيتك به و ستدرك أنك ضحيت من أجلها حين ارتديته "
تنهد جين تنهيدة عميقة ثم حمل روز بين ذراعيه و غادر العيادة نحو المنزل .
في المنزل كل شيء كان مختلفا و غريبا كما لو أن روز لم تكن في منزلها بل في مكان آخر مع شخص لا تعرفه , استيقظت مفزوعة بعد كابوس مرعب رأت فيه نفسها في القصر محتجزة و بعد لحظات جاء جين و ظنت أنه سينقذها إلا أنه خنقها فجأة و أثناء ذلك رأت إيفان يقف خلفه يحمل دفترها و عندما التفتت إليه مجددا رأت شارة الأمن الملكي تلمع بوضوح على ذراعه , جلست روز في مكانها تتذكر كل تفاصيل الكابوس عندها لمعت في رأسها فكرة الدفتر فانتفضت من مكانها و أخذت تبحث في الغرفة عنه إلا أنها لم تجده , فخرجت من الغرفة بسرعة نحو البهو الذي توسط المنزل و هناك رأت جين واقفا ينظر إلى حقيبتي سفر وضعهما على الطاولة عندها اقتربت منه و قالت بصوت منخفض ثابت خال من أي رجفة : " ما هذا ؟ "
أجاب دون أن يلتفت إليها : " سنذهب إلى القصر "
اتسعت عيناها من شدة الدهشة و ردت : " القصر ؟ ماذا سنفعل في القصر ؟ "
رفع رأسه و نظر إلى الفراغ أمامه ثم قال بعد لحظة صمت : " مكافأة من الحاكم لأعضاء الأمن الملكي حسب ما قيل في التعليمة و في الأخبار "
عقدت روز ذراعيها ثم اتكأت على الحائط و قالت بسخرية : " للأمن الملكي و ليس لي , أنا لست من الأمن الملكي "
سكتت قليلا ثم تابعت : " أو لنقل أنني لست خائنة لنفسي و غيري "
تنهد جين بضيق ثم قام من مكانه و اتجه إليها ثم قال : " لكنك زوجتي و القرار يشملك لأنك من أهلي "
قلبت شفتيها و هي تومئ بنعم و تنظر إلى الأرض ثم رفعت رأسها إليه و قالت : " من أهلك إذا , سأعفيك من هذا و ننفصل "
رد على الفور كأن الفكرة آذته : " لا , لن ننفصل , يجب أن يستمر زواجنا "
ضحكت روز ضحكة طويلة ساخرة ثم قالت : " زواجنا ؟ يستمر ؟ هل تكذب علي أم على نفسك ؟ أي زواج بقي بيننا و أنت خنتني مع أعدائي ؟ أنت ارتديت زي أعدائي ألا تعي هذا ؟ أنت تأخذني و تضعني بين يدي أعدائي "
توقفت و هي تهز رأسها يمينا و يسارا كأنها لا تستطيع تصديق الأمر ثم رفعت رأسها نحوه ليرى سيلين من الدموع على وجنتيها و هي تكمل كلامها : " نحن صرنا غريبان ... أنا لم أعد أعرفك بهذا الزي ... هل تعلم ماذا ؟ ... كان يجب أن نبقى غريبين كما كنا في البداية ... لو فعلنا ذلك لما تأذى أحدنا الآن "
إلا أن جين قابل هذه الدموع ببرود قاتل و هو يقول : " أمامك عشر دقائق قبل أن نغادر المنزل "
و لم يغادر الغرفة بل بقي واقفا وسطها ينظر إليها و هي كذلك غير مصدقة أنه بالفعل جاد في كلامه و ينتظر أن تجمع أغراضها من أجل الذهاب عندها تغيرت نظرتها و ظهرت في عينيها لمعة و هي تسأله : " هل أنت جاد ؟ ... أنت لست كذلك , صحيح ؟ "
لكنه اكتفى بالصمت و هو ينظر إليها ثم إلى النافذة ثم قال : " لن أزيدك أكثر من عشر دقائق ... و إلا سآخذك كما أنت دون أي شيء آخر تحتاجينه "
ثم أخذ حقيبته و اتجه نحو الباب و قبل أن يخرج قال دون أن يلتفت إليها : " لا داعي لأن تذكري أمامي سيرة إنهاء الزواج لأنني لن أنهيه .... سأكون بانتظارك في الأسفل "
ثم غادر الغرفة بسرعة و بمجرد أن وصل إلى الطابق السفلي نزلت دموعه رغما عنه , أما روز فبقيت تنظر إلى طيفه بعد أن غادر ثم التفتت و هي تقلده ساخرة : " لا داعي لأن تذكري أمامي سيرة إنهاء الزواج لأنني لن أنهيه .... لا داعي لأن تذكري أمامي سيرة إنهاء الزواج لأنني لن أنهيه .... من يعتقد نفسه ؟ سأتصل بزين و أخبره كي يأخذني لكن قبل ذلك سأخبر مسؤول الأمن الخارجي كي يأخذه إلى حيث ينتمي "
ثم أخذت هاتفها و أغلقت باب الغرفة و اتصلت بمسؤول الأمن الخارجي و هي الجهة الأمنية التي يعمل جين عندها :
" سيد أندريه لدي طلب من فضلك , أرجو منك ألا ترفضه "
رد السيد أندريه بنبرة تعكس راحته لأنه سمع صوتها و لأنها كانت بخير : " سعيد جدا لأنك بخير يا روز , كنا نخشى أن تطالك يد إيفان لأنك في القائمة السوداء , يمكنك أن تطلبي ما تشائين فأنا في خدمتك "
ردت روز و هي تسترق النظر إلى الباب لتتأكد من أن جين لم يأت ثم قالت : " أريدك أن ترسل بعثة من الأمن الخارجي لتلق القبض على جين بتهمة الخيانة , هذه هي فرصتنا لأنه في المنزل الآن "
سأل السيد أندريه باستغراب : " تريدين أن نلقي القبض على زوجك ؟ مسؤول الكتيبة الخارجية للأمن الملكي ؟ هل أنت جادة فيم تقولين ؟ "
ردت روز : " طبعا جادة لأنه خائن , خان مملكته و حاكمه و زوجته و الشارة التي علقها على كتفه لثلاث سنوات , كيف لا أفعل به هذا ؟ "
تنهد تنهيدة طويلة ثم أجاب : " لا أستطيع ذلك , هل تعرفين ما عقوبة إيذاء أو إلقاء القبض على فرد فقط من أفراد الأمن الملكي ؟ توقيف شامل لكامل نشاطنا و بالتالي تعطيل الانقلاب الذي نجهز له فما بالك إلقاء القبض على قائد كتيبة كاملة , عودي إلى رشدك يا روز و كفى تهورا , سمح الأمن الملكي ببعض النشاطات الخفيفة و بالتالي أصبح بإمكاننا متابعة العمل على الانقلاب بشكل سري أما أنت فسوف تعودين إلى تدريبك على الإسعافات كما كنت "
سألت روز : " كيف سأعود و أنا سأذهب معه إلى القصر كما أمر ذلك المجنون ؟ "
أجاب أندريه : " سمح لأقارب أفراد الأمن الملكي بالتحرك بحرية محدودة لذا سنحتاجك كجاسوسة هناك و يمكنك متابعة التدريب هنا بالرغم من أنك ستكونين مراقبة , تحدثت مع مسؤول قسمك و أنت مكلفة بالحصول على معلومات حول القصر "
ردت روز بنبرة تعكس استسلامها للواقع : " حسنا سأحاول أن أكون أكثر حذرا "
ثم أنهت المكالمة سريعا عندما جاء جين فجأة و قال ببرود : " ألن تتحركي ؟ أم تريدين أن آخذك بطريقتي الخاصة ؟ "
أخفت روز الهاتف و قالت بجفاء : " إنني آتية "
ثم ذهبت معه إلى السيارة حيث اتجها إلى القصر الذي ستبدأ فيه رحلة مختلفة , حيث يصبح جين غريبا حقيقيا عن روز و تقابل أيضا المزيد من الغرباء فيه .
توقفت السيارة بعد رحلة نصف ساعة أمام القصر و نزلت روز منها و هي تنظر إليه , لم يعد المكان الذي كانت تزوره منذ أشهر كأنه بيتها الثاني بل مكانا غريبا , مختلفا عما تعودت عليه و مخيفا لأنه يخفي خلفه الكثير من الأسرار و يسكنه الغرباء و الأعداء , التفتت عندما شعرت به بجانبها فوجدته يمد يده إليها كي تمسكها لكنها لم تفعل بل ردت بنبرة جافة : " أنا لا أمسك أيدي الغرباء "
ثم خطت خطوتين قبل أن يوقفها قائلا : " هاتفك "
التفتت إليه مستغربة : " ماذا ؟ "
كرر كلامه موضحا : " أعطيني هاتفك , لا يمكنك الدخول و هو
معك , سأحتفظ به لبعض الوقت "
ردت بعصبية : " هل جننت ؟ هل أنت جاد في حبسي هنا ؟ "
رد بعصبية مكتومة و هو يضغط على كلماته : " لا تجادليني يا روز , هات الهاتف و ادخلي "
إلا أنها رفعت الهاتف و قالت : " و إلا ماذا ؟ "
فسحبه فجأة من يدها و قال : " و إلا أخذته بإرادتي , لا تختبري صبري مرة ثانية , كوني مطيعة "
ردت روز و الدموع تتجمع في عينيها : " أنا لم أعد أشعر بأننا زوجان بل غريبان , أنا لم أعد أعرفك "
نظر إليها ببرود قاتل ثم قال بنبرة قتلتها أكثر : " احتفظي بشعورك لنفسك و ادخلي القصر فالأنظار تلاحقنا "
بمجرد أن خطت روز الخطوات الأولى من الباب إلى الرواق الطويل المؤدي إلى البهو الذي يتوسط القصر استقبلهما إيفان بذراعين مفتوحتين كأنه يستقبل ابنه خلفه مساعده دييغو بنظرته الحاقدة , نظر ايفان إليهما و قال بسعادة : " جناحكما مجهز , الطريق من هناك "
قالها و هو ينظر إليهما بابتسامة عريضة عندها أشار جين إلى روز بالذهاب قبله كي يسير خلفها فتفاجأت من ردة فعله و ذهبت قبله بخطوات غاضبة تكاد تكسر البلاط تحتها و هو خلفها بخطوات هادئة بينما بقي إيفان في الخلف ينظر إليهما بابتسامة شريرة و هو يقول لمساعده : " لم أتوقع أن يحضرها , هل رأيت كيف كان هناك برود بينهما ؟ "
رد دييغو : " ما زلت غير مطمئن لهما , ماذا لو كان تمثيلا ؟ "
أجاب إيفان بثقة : " نلحقهما بنافين , إنهما هنا بين أيدينا و الأمر سيكون سهلا "
أومأ دييغو و قال ببرود : " بدأت المتعة إذا "
في ذلك الوقت دخلت روز الجناح المخصص لها و لجين , كان عبارة عن مساحة جمعت غرفة كبيرة الحجم و مكتبة صغيرة إضافة إلى حمام و شرفة مطلة على حديقة القصر , فتح جين باب الغرفة و أشار لها بالدخول ثم أغلق الباب و قال :
" لدي عمل علي إنجازه الآن , لا تفتعلي أي مشكلة في غيابي "
وضعت يديها على خصرها و قالت بسخرية : " و ماذا بعد سيادة الأمير ؟ بماذا تأمر أيضا ؟ "
تنهد جين باستسلام ثم خرج و أغلق الباب بإحكام بالمفتاح و ترك روز هناك تدور في الغرفة حول نفسها , منزعة و قلقة و هي تنظر للغرفة حولها عندما داهمها دوار مفاجئ و شعرت بالتعب فجلست على الكرسي و هي تتنفس بصعوبة .
في ذلك الوقت دخل جين قسم السجون حيث كانت جودي شقيقة الحاكم و كارن ثم اتجه إلى زنزانة جودي و وقف أمامها ثم أشار للحارسين بالذهاب بعيدا عندها نفذا الأمر ليبقى معها وحده فانحنى احتراما لها و قال : " أعتذر بشدة لأنني تأخرت عنك سيدتي , انشغلت بترتيب الكثير من الأمور "
وقفت جودي و اتجهت نحو الباب و على محياها ابتسامة تتسع ثم قالت : " أنا سعيدة لمجيئك , كنت واثقة بأنك ستنجح في تنفيذ الخطة , كيف هو وضع البلاد ؟ "
تغيرت ملامحه إلى الحزن و قال : " إيفان دمر كل شيء , العصابات تسرق المحلات و تدمر المنشآت كما أنه دمر حديقة السلام و بنى فيها تمثالا له و أسماها باسمه , اضطررت للسكوت عن كل هذا و معاملة روز بجفاء و أحيانا بعنف و أنا أتألم لتنجح الخطة فحسب "
تنهدت جودي ثم قالت : " لقد بدأنا ننجح بالفعل , يوجد في القصر نظام أمني معقد جدا و عليك فك شفراته كي تسهلوا اقتحام القصر , هذا النظام يضم : نظام فتح الأبواب و إغلاقها , الإنذارات و أنظمة المراقبة . ستسرب إلى القصر كل يوم مجموعة من أفراد قسم الأمن السيبيراني ليفككوا أجزاء منه حتى يسهل اقتحام القصر عند الانقلاب "
أومأ لها بالموافقة و وغادر عندها أوقفته قائلة : " يمكن ل روز فعل ذلك , فهي سيبيرانية "
التفت إليها نصف التفاتة و قال : " لا يمكنها فهي متعبة في الوقت الحالي , كما أن ملف مرضها و أسرارها كلها مع إيفان , و هذه مشكلة معقدة علينا إيجاد حل لها "
أومأت الحاكمة فغادر جين إلى غرفة الاجتماعات .
بينما كانت روز جالسة على الكرسي , وجهها أصفر و ملامحها متعبة و أنفاسها متسارعة دخل إيفان برفقة تيفاتي و في يده ملفها الطبي و دفترها الأبيض اللذان بمجرد أن رأتهما روز اتسعت عيناها من شدة الدهشة , رفع إيفان الدفتر و الملف و قال بابتسامة ساخرة : " لمن هذان ؟ "
إلا أن روز لم ترد بل استمرت في النظر إليه بعينين ذابلتين و وجه أصفر و أنفاس متسارعة عندها اقترب منها و توقف أمامها ينظر إليها ثم هز رأسه لليمين و اليسار بسخرية و قال :
" أرأيت مصيرك يا روز ؟ انتهى بك الأمر غريبة في القصر الذي كنت تدخلينه بحرية منذ ثلاث سنوات , ماذا اعتقدت نفسك أنت و شارل و نافين ؟ ماذا جنيت من ولائك لهما ؟ "
ثم انحنى نحوها و أكمل : " انتهى بك الأمر ضعيفة , أسيرة عندي و بين جدران قصري "
ثم التفت إلى تيفاني ثم إليها مجددا و أكمل : " انظري إلى من انتهى بهم الأمر عند الولاء لي , أسياد القصر ... هذه الجميلة بجناح خاص و جين بأقرب المناصب لي .... أما أنت فأسيرة غريبة "
اعتدل في وقفته و قال : " أنت الآن مذعورة كما كتب هنا و تحتاجين إلى من يهدئك و يعيدك إلى الواقع , ماذا لو لم يوجد هذا الشخص كما كتب ؟ لنرى ما سيحدث "
ثم نادى على الحارس أمام الباب و قال له : " ابحث عن جين و أخبره بأن يذهب مع الدورية إلى المدينة "
و التفت إلى روز قائلا : " أما هذه فأبقوها هنا "
عندها انطفأت مقاومة روز و فقدت الوعي , راقب ايفان و تيفاني جسدها الممدد بلا حراك بابتسامة انتصار ثم غادرا الجناح كما لو أنهما قاما بإنجاز عظيم .
مرت ساعات قبل أن يعود جين مع الدورية من المدينة في وقت متأخر , دخل الجناح بخطى ثقيلة و أغلق الباب خلفه و بمجرد أن التفت رأى روز ممددة على الأرض بلا حراك , لوهلة ظن أن إيفان قد قتلها فأسرع نحوها و تفحصها فلم يجد أثرا لدم أو إصابات فشك في التسمم , حملها و وضعها في السرير ثم فتش الغرفة فلم يجد أثرا لأي طعام قدم لها عندها عاد إليها و عدل وضعيتها فوضعها على جانبها للتأكد من سلامة مجرى التنفس , ثم وضع يده على عنقها ليتفاجأ بنبض ضعيف و سريع عندها مرر يده على جبينها ليجدها باردة و متعرقة فهمس : " هبوط حاد في الضغط , أحدهم كان هنا و قال شيئا ما دمرها "
أحضر وسادة ثانية وضعها تحت قدميها ثم أحضر إناء به ماء بارد مسح به وجهها برفق و للحظة نسي ولاءه لإيفان و نسي بذلته و شارته و أمسك يدها ثم همس لها كما اعتاد : " روز ... أرجوك استيقظي .. أنا هنا "
ناسيا أن كلمة " أنا هنا " هي مصدر الرعب و انعدام الأمان عند روز .
بعد مدة بدأت روز تستعيد وعيها تدريجيا برؤية مشوشة و ضبابية و عندما حاولت التركيز في الرؤية توضحت أمامها ملامح جين المذعورة و بذلته و شعرت بيدها في يده فسحبتها بعنف و حاولت النهوض مستندة إلى الجدار و الدوار يعيق حركتها عندها حاول جين التدخل لتهدئتها قائلا : " روز , اهدئي .... إنه أنا , أنت في أمان معي "
عندها التفتت إليه و ردت بابتسامة مريرة : " نعم بأمان ... معك أنت و بهذا الزي بالضبط "
نظر إلى الزي ثم إليها عندها التفتت إلى الجدار و أولته ظهرها بينما بقي جين ينظر إليها و ملامحه ترتخي شيئا فشيئا , أما روز فسالت دموعها و هي تدرك أن حياتها تدمرت و هي حبيسة القصر و أن زوجها خذلها و باعها لأعدائها .
لم تكن الجملة التي قالتها روز مجرد اتهام صريح بالخيانة لزوجها بل مفتاحا لباب مغلق يخفي خلفه سلسلة من المشاكل و المتاعب و الآلام .
خلف جدران القصر تبدأ سلسلة جديدة من الاتهامات و الخوف و الألم و الدموع .
سلسلة عنوانها " طلقة خاطئة "