بين أروقة السجون الملكية ذات الإنارة الخافتة , حيث يجلس جين في إحدى الزنزانات المغلقة يفكر في حل للخروج من هذا المأزق , عندما سمع صوت الباب الرئيسي يفتح يليه صوت خطوات ثابتة تتجه نحوه , لم يتحرك من مكانه بل رفع عينيه نحو الباب حيث رأى شابا لا يصعب عليه معرفته أو تمييزه , وقف الشاب أمامه و وضع يديه في جيوبه و ابتسم قائلا :
" أخيرا , في المكان الذي يليق بك , لكن لا تقلق يا جين سأعمل على إنهاء هذه الوضعية المزرية قريبا , سأسدي لك خدمة و أقنع الملك بإعدامك "
لم يظهر جين أي تأثر بكلامه بل ابتسم قائلا : " حتى و أنت واقف أمامي لم تجرؤ على الاقتراب مني , ألست ضعيفا محبوسا أمامك ؟ يمكنك أن تفعل ما تشاء , إن كنت تستطيع هذا من الأساس "
وضع دييغو يديه على باب الزنزانة بغضب و صرخ فيه : " لا تتحداني يا جين , أنا لست ضعيفا مثل سامر حتى تستفزني هكذا , أستطيع أن أنهي أمرك بكل سهولة لكن ليس مباشرة هكذا "
ثم نظر إلى المكان حوله و قال : " أعلم أن سجن لن يذلك , أنت لا تنتهي بهذه السهولة , هل كنت تعتقد أنني لا أعرف نقطة ضعفك أو كيف أستعملها ؟ "
جين لم يرد بل استمر في النظر إلى الفراغ أمامه إلا أن دييغو ابتعد للخلف خطوة و قال : " الشقراء الجميلة , بمفردها الآن و ليس لديها من يحميها فأنت محبوس هنا , ترى كيف سيكون شعورك حين تراها جثة هامدة ؟ "
فجأة رفع جين رأسه إليه و اندفع نحوه بغضب ثم وضع يديه على الزنزانة و صرخ فيه : " إياك , أحذرك من الاقتراب منها أو حتى النظر إليها و لو عن طريق الخطأ "
إلا أنه ابتسم قائلا : " و إلا ماذا ؟ ماذا يمكنك أن تفعل و أنت محبوس هنا ؟ ما رأيك أن أقنع الملك بإبقائك هنا إلى الأبد أو ربما إرسالك إلى مكان آخر "
جين لم يرد بل عاد إلى مكانه و جلس فيه يحاول السيطرة على نفسه قبل أن يفتعل مشكلة أكبر و يعلق بين جدران القصر و لا يستطيع العودة إلى روز .
نظر إليه دييغو من الأعلى إلى الأسفل باشمئزاز ثم قال : " سيفتك بك هذا الحب يوما "
إلا أن جين لم يرد كعادته بل استمر في النظر إلى الفراغ أمامه فغادر المكان .
أما روز فبعد عودتها إلى منزل عائلتها , أخذتها والدتها إلى غرفتها التي حرصت على تنظيفها و ترتيبها دائما حتى في غياب روز التي كانت تبدو كأنها تدخل منزلها لأول مرة في حياتها و ليس بعد غياب أشهر فقط , فتحت النافذة و وقفت تنظر إلى الحديقة الخلفية و إلى الشجرة الكبيرة فيها ثم أغلقت النافذة بقوة و اتجهت نحو الخزانة و فتحتها و رتبت ثيابها فيها و بمجرد أن أخذت آخر ثوب وجدت دفترها الأبيض في الحقيبة , وضعت الثوب جانبا ثم أخذت الدفتر و قلبت الصفحات سريعا حتى وقع نظرها على ثاني صفحة
لم تكن الصفحة ما جذب انتباهها بقدر الاسم المكتوب فيها بخط جميل و الذي كان " جين " فجلست في مكانها و هي تمرر أصابعها على الاسم هامسة : " كل كلمات الاعتذار لا توفيك حقك لكنني لا أملك غيرها ... أنا آسفة "
ثم تركت الدفتر جانبا و أخذت حاسوبها و قامت بتشغيله و فتحت فيه ملفا أسمته : " سامر " , حدقت في الاسم طويلا ثم همست :
" ستدفع ثمن ذلك , و سيكون غاليا جدا "
أول ما أضافته صورته من ذلك اليوم ثم كتبت مجموعة ملاحظات تخص الفترة الماضية و جريمته التي ارتكبها يوم زفافها كي ترتب أفكارها و تخطط لما هو آت , بعد لحظات فتح الباب و دخلت والدتها ثم جلست بجانبها و قالت بقلق :
" روز , ارتاحي أولا ثم ابدئي العمل "
إلا أنها ردت دون أن تبعد عينيها عن الشاشة : " لا يمكنني , إنه مسجون بسبب تقصيري و لا داعي لجعله يدفع ثمنا أكبر "
ثم أرسلت إلى مركز الأمن كي يرسلوا إليها كل تسجيلات المراقبة الأخيرة التي بدأت منذ زفافها .
نظرت والدتها إليها بإشفاق ثم غادرت الغرفة , روز لم ترفع رأسها عن الحاسوب لكنها شعرت بها و هي تغادر و لم تعرها أي اهتمام .
ثم وضعت الحاسوب جانبا و أخذت مذكرتها مع قلم و أخذت تكتب عما حدث مؤخرا و بمجرد أن وصلت إلى حادث السجن و ختمت جملتها ب " السجن الملكي " راودتها فكرة مخيفة و وضعت القلم جانبا ثم همست لنفسها : " ماذا لو كان هذا مخططا له ؟ ماذا لو لم يكن هدفهم سجنه بل إعدامه سرا ؟ ماذا لو فعلوا ذلك ؟ "
أخذت هاتفها على الفور و اتصلت بزميلتها من قسم المراقبة :
" مايفا , هذه أنا روز "
ابتسمت مايفا و هي تنظر للشاشات أمامها و ردت : " كيف لي أن لا أعرف صوتك ؟ هل أنت بخير ؟ "
اختفى الذعر من صوت روز ثم ردت : " لا لكنني أحاول أن أكون كذلك "
لم تجد ما تقوله لكنها حاولت المساعدة : " أنا أعرف أن الأمر صعب خصوصا و أن القرار اتخذ ظلما في حقه لكنك تعرفين أنهم خططوا لكل هذا "
روز ردت بانهيار : " و أنا علي تصحيح هذا , لذا أريد مساعدتك في شيء "
ردت مايفا : " بالتأكيد , أنا هنا في أي وقت "
نظرت إلى حاسوبها ثم ردت : " أريد كل تسجيلات المراقبة للمدينة و القصر إن أمكن من تاريخ زفافي إلى اليوم , أريد كل التقارير المتعلقة بالأوضاع منذ ذلك اليوم أيضا "
التفتت مايفا إلى كيم الجالس أمامها و ردت : " سنرتبها أنا و كيم من أجلك و نرسلها غدا "
لكنها رفضت قائلة : " أريدها الآن , لا مجال للتأخير فأنا سأكون غدا في المركز "
ردت مايفا باستسلام : " حسنا حاضرة "
ثم أغلقت الخط و جمعت الفريق حولها ثم بدأوا في تجهيز ما طلبته روز و إرساله لها .
بمجرد أن بدأت روز تستلم التسجيلات أخذت ترتبها أولا حسب تاريخها و لم تنتبه لمرور الوقت حتى دخلت والدتها قائلة :
" روز تعالي , العشاء جاهز "
التفتت مستغربة : " العشاء ؟ "
ردت والدتها مؤكدة : " نعم إنها الثامنة مساء "
نظرت روز حولها و إلى الحاسوب الذي نفذت بطاريته فنهضت و وصلته بالشاحن و خرجت مع أمها من الغرفة و بمجرد أن وصلتا إلى الرواق سألت روز : " لماذا المنزل فارغ ؟ أين أبي و زين و إيميلي ؟"
أجابت والدتها : " سيكونون هنا بعد لحظات , تعالي لنجلس معا و نشاهد برنامجا "
التفتت روز إلى الخلف و سألت مجددا : " لكن ماذا عن العشاء ؟ "
أجابت الأم : " إنه جاهز , أنا أعددته "
روز نظرت إليها مستغربة ثم سألت : " منذ متى ؟ فليس من عادتك هذا "
ضحكت الأم ضحكة قصيرة ثم قالت : " ليس لأنك لم تتذوقي طبعا يعني أنني لا أجيد ذلك , أدركت أن هذا المنزل لا يحتاج خادمة بل يحتاج أن تجتمع العائلة فيه و تضمد جروحها فيه "
روز ردت بنبرة جافة : " لا تنكري فضل جاسمين علينا , لولاها لما وصلنا إلى ما نحن عليه بدء من زين وصولا إلى إيميلي و بالأخص أنا "
اقتربت والدتها منها ثم وضعت يدها على كتفها و قالت : " روز لا أنكر أنني نادمة على الوقت الذي لم أمضيه معك حين كنت طفلة و أنني مستعدة لأقدم أي شيء كي أعوضك عما فات "
نظرت روز إلى يدها ثم إليها و قالت : " حسنا دعيني أفكر في الأمر أولا "
ثم ابتعدت عنها و ذهبت إلى الغرفة التي توسطت المنزل و جلست على الأريكة مقابلة للتلفاز أما والدتها فبقيت عند مدخل الغرفة , وضعت روز وسادة في حجرها ثم التفتت إلى الباب حيث كانت والدتها تقف ثم قالت و هي تشير إلى المكان الخالي على الأريكة بجانبها : " ألن تأتي ؟ "
نظرت والدتها إلى الأريكة ثم إلى روز و اقتربت منها ثم جلست بجانبها و قالت : " اعتقدت أنك ستنزعجين إذا اقتربت منك , فهذا ما بدوت عليه و نحن في الرواق "
ردت روز دون أن تبعد عينيها عن التلفاز : " أنا لم أقل ذلك , لكنني مازلت أشعر أنني غريبة عنك "
اقتربت منها والدتها أكثر و ردت : " هذا ما أريد أن تتخطيه الآن , أن لا تشعري أنك غريبة معي . أن تشعري أنك ابنتي "
ثم أشارت إلى حجرها كي تستلقي فيه , لكن روز نظرت إليه و هي تفكر في الاقتراب منها أو عدمه , مدت والدتها يدها إليها و قالت :
" دعينا نكسر الحاجز الذي بيننا يا روز , و نبدأ كأم و ابنتها "
لم تبعد روز عينيها عن حجر والدتها و بمجرد أن مالت كي تستلقي فيه رن جرس الباب فجأة فاعتدلت روز في جلستها و هي تنظر للباب , التفتت والدتها للباب و قالت : " لا بد من أنه والدك "
ثم اتجهت للباب كي تفتحه أما روز فأطلت برأسها ناحية الباب و بمجرد أن رأت والدها يدخل المنزل صاحت : " أبي !!! "
ثم نهضت من مكانها و أسرعت ناحيته و عانقته بقوة , بادلها والدها العناق أمام أنظار أمها و شقيقيها اللذان وصلا معه , عندما ابتعدت عنه قالت و هي تمسك بيديه : " أنا اشتقت إليك كثيرا و كنت أنتظر العودة إليك بشدة "
رد الأب و هو يبتسم : " بعد أن مر الحادث أعدك أن آتي عندك كل يوم "
اقتربت منه روز أكثر و قالت : " هناك الكثير لأخبرك به "
أشارت والدتها إلى طاولة العشاء و قالت :" يمكنكما التحدث عما تشاءان بعد العشاء , هيا قبل أن يبرد "
ايميلي نظرت إلى زين و قالت : " دعنا إذا نغير ثيابنا بسرعة "
أما دون فاقترب من زوجته و همس لها : " لا تقولي حدث شيء بينهما "
ردت هامسة و هي تنظر إلى روز التي تجلس أمام الطاولة : " لا أعتقد ذلك لكنني أظن الأمور أسوأ ... و ستسوء أكثر "
قالت جملتها الأخيرة بحسرة ثم تفاجأت به يربت على ذراعها قائلا
" سنصلح كل شيء أعدك , ستعود روز إليك "
" لا أعتقد هذا يا دون , يبدو أن الأمر منته , نبرتها جافة معي "
" ستقترب منك شيا فشيئا , تحتاجين إلى أن تصبري عليها , دعيها تحضر طاولة العشاء معك و أجلسيها بجانبك , تصرفات بسيطة كهذه تحيي الكثير بداخلها "
هزت رأسها بالموافقة ثم نادت على روز و قالت : " روز دعينا نحضر مائدة العشاء معا "
التفتت روز إليها ثم نهضت من مكانها و اقتربت منها قائلة :
" نحن ؟ معا ؟ "
أجابت مؤكدة : " نعم , دعينا نحضر العشاء من المطبخ "
ثم مدت يدها إليها لكن روز لم تمسك بها فسحبتها للخلف ثم نظرت إلى زوجها الذي أشار إليها بأن تصبر عليها فالتزمت الصمت و ذهبت إلى المطبخ .
بعد العشاء , في غرفة صغيرة في البيت جلس زين بجانب ايميلي على أريكة صغيرة و مقابلهما جلس والدهما بجانبه زوجته أما روز التي وصلت الأخير جلست بجانبها و بعد لحظة تردد وضعت يدها على ذراعها فلم تتحرك الأم أو تبد ردة فعل , ابتسم الأب و قال :
" أنا سعيد لاجتماعنا هكذا مرة أخرى , لم أعتقد يوما أننا قد نجلس هكذا معا "
روز خفضت رأسها و قالت : " كان يجب أن أعود لنجلس معا هكذا أو ابتعد عن جين ربما "
وضعت والدتها يدها على كتفها و انحنت نحوها قليلا قائلة : " روز لا ذنب لك فيم حدث , القرار كان ظالما في جميع الأحوال "
لكنها ابتعدت عنها قليلا و قالت : " بلى لي ذنب في ذلك , لو أنني لم أكن ضعيفة و استسلمت للحادثة لما حدث ما حدث , فبسببي اضطر للتوقف عن العمل "
قربها والدها منه أكثر و قال : " التحسر هكذا لن ينفع , يجب أن نخرج من الظلام , دعينا الآن نتكلم عنك , جين أخبر زين عن مرضك , هل تعرفين أي شيء عنه ؟ "
روز أجابت : " أعرف أنه يسمى اضطراب ما بعد الصدمة و أنني لا أكون فيه على طبيعتي "
سألها مجددا : " هل أنت خائفة ؟ "
أجابت و هي تحدق في الفراغ : " أنا لا أعرف , الشيء الوحيد الذي أعرفه هو أن يعود جين إلي , هذا ما أعرفه "
أمسك والدها بوجهها بين يديه و أداره إليه و قال :" إذا لا داعي للبقاء في عالم لا يوجد جين فيه , دعينا نخطو خطوة إلى الأمام "
نظرت إلى الكتب التي كانت على الطاولة ثم قالت : " إذا علي أن أجتهد لأخرجه من هناك على الأقل , هناك أشياء علي أن أجهزها من أجل الغد كي أعود للعمل "
التفت الأب للبقية و قال : "يبدو أن هذه الليلة انتهت , ليذهب الجميع للنوم لأنه عليكم الذهاب للعمل غدا "
ايميلي التفتت للكتب خلفها و قالت : " هناك ما علي تجهيزه للغد , سأسهر مع روز "
غادر الأب أولا نحو مكتبه في البيت بعده الأم أما ايميلي فذهبت لتحضر حاسوبها المحمول بينما بقي زين مع روز , فتحت روز حاسوبها و بدأت تتفقد الملفات و أول ما بدأت به كان ملف كارن ,
جلس زين بجانبها و نظر إلى المعلومات التي كانت روز ترتبها حولها فسألها : " من هذه ؟ "
روز أجابت : " زميلة في الأمن الملكي , كانت تعمل في قصر جودي شقيقة الحاكم لكنها اختفت حين تسلم ايفان الحكم , الحكم الذي تسلمه في شكل مسرحية كما تعلم "
سألها مجددا : " أين هي ؟ "
أجابت و هي تنظر إلى صورتها: " لا أحد يعلم لكنني أعتقد أن ايفان سجنها في مكان ما مع شقيقته "
نظر إلى المعلومات التي كانت تسجلها عنها ثم سألها : " لكن لماذا هي دون غيرها ؟ "
أجابت : " لأنها أكثر من يجيد اختراق الأنظمة بعدي , يعدها الحاكم ثاني تهديد لأنظمة الأمن الملكي بعدي و لهذا سجنها "
سأل مستغربا : " لماذا لم يسجنك إذا بالرغم من أنه يستطيع الوصول إليك ؟ أقصد ما يفعله غريب جدا , سجن أشخاصا مهمين مثل بعض مسؤولي الأمن و كارن و شقيقته و أسرتها , كان يستطيع سجنك أيضا بسهولة خصوصا و أنه أخذ جين أمامك "
تنهدت باستسلام ثم أجابت : " أنا لا أعرف ما الذي يخطط له ؟ و لا أستطيع دخول القصر كما كنت , كان يستطيع استهدافي بسهولة لكنه لم يفعل "
ثم التفتت إليه و ابتسمت ابتسامة متعبة و قالت : " بالرغم من ذلك , أنا لا أريده أن يقترب منكم فقط , أريد أن أنقذ جين من هذه الورطة بسرعة و أحمي روبرتو من أي خطر قد يقترب منه , عدا ذلك لا أريد منه شيئا آخر "
عانقها عناقا جانبيا ثم قال :" لا يجب أن يقترب منك أنت أيضا , فكري في نفسك قليلا , أما جين فلا خوف عليه لأنه قوي ويعتمد عليه , أما الآن فقد تأخر الوقت لا تبقي مع الحاسوب لوقت أطول "
ثم قبل جبينها قبل أن يغادر . أما روز ففكرت قليلا ثم اتجهت إلى الموقع الذي يحتفظ فيه الحاكم بمعلومات الأمن الملكي و القصر ,
كانت تملك صلاحية الدخول إليه و الاطلاع على ما فيه فاستعملت حسابها الذي خصصه الأمن لها لذلك إلا أن لافتة ظهرت عند محاولة الولوج إليه مكتوب عليها : " YOU’RE NOT ALLOWED "
فتأففت بضيق و قالت : " لا أصدق أنهم أغلقوا الموقع أمامنا , تأخرت كثيرا, كيف سأنقذه ؟ "
ثم فتحت ملفا في الحاسوب و أسمته : " مهمة إنقاذ " و أرفقته بمعلومات عن كارن و شقيقة الحاكم و أسرتها استعدادا لإنقاذهم .
ثم أخذت هاتفها و أرسلت رسالة إلى مركز الأمن كتبت فيها :
" حضروا لاجتماع طارئ صباح الغد "
أغلقت الحاسوب و ذهبت إلى سريرها ثم أخذت هاتفها و بمجرد أن شغلته ظهرت الخلفية التي وضعتها روز قبل أشهر , كانت قد غيرت الخلفية إلى صورة جمعتها ب جين قبل الزفاف , كلاهما يرتدي فيها خاتم خطوبتهما و ينظران إلى بعضهما, مررت يدها على ملامحه في الصورة : عينيه , شفتيه و وجنتيه ثم همست :
" أنا آسفة حتى لو لم تسامحني "
ثم شكلت رقم والدته و اتصلت بها , بعد دقائق ردت والدته فسمعت روز صوتها من الطرف الآخر يقول : " مساء الخير روز , كيف حالك ؟ "
بعد دقائق من الصمت ردت روز : " مساء الخير يا خالة , اعتذر لاتصالي في وقت متأخر كهذا "
ردت والدته و هي تضحك : " لا تعتذري أبدا , يمكنك الاتصال في أي وقت , أخبريني كيف حالك ؟ "
روز أجابت صوت يعكس الأسى الذي تشعر به : " أنا لا أعرف , كل ما أعرفه هو أنني غارقة في الظلام و لا أعرف المخرج , و أنني فقدت النور بذهاب جين "
بعد لحظة صمت جعلت روز تشعر بالذنب أكثر ردت والدته : " روز ما فعله جين كان نابعا من قناعته , لا أنا و لا أنت و لا أي قانون كان قادرا على ردعه أو تغيير رأيه , كما أن القرار كان ظالما حسب ما أخبروني به , عليك الآن التركيز على الاستمرار فيم بدأه جين , لا تدمري مجهوده باللوم الذي تلقينه على نفسك "
مسحت روز دمعة نزلت على خدها ثم سألتها : " ماذا علي أن أفعل الآن و قد دمرت كل شيء ؟ "
أجابت والدته : " أنت لم تدمري شيئا , إيفان هو من فعل ذلك , ستنامين الآن و تستيقظين غدا في حال أفضل , تذهبين للعمل و تثبتين للملك بأن لا شيء يكسرك و حين يعود جين إليك يجد المرأة القوية التي كان يخبرني عنها دائما , إياك أن تكسريها "
ردت روز هامسة بصوت مكسور : " أنا آسفة "
ردت والدته : " لا تعتذري لأن هذا سيكسرك , اتفقنا ؟ ... خذي الآن قسطا من الراحة لأن يوم الغد سيكون شاقا لك , و لا تنسي أنه إذا أردت أي شيء يمكنك الاتصال بي في أي وقت "
ابتسمت روز ابتسامة متعبة ثم شكرتها و أغلقت الخط , وضعت هاتفها جانبا ثم استلقت على جانبها الأيمن و نامت .
أشعة شمس الفجر البرتقالية بدأت تسطع على أسطح المنازل و الأعلام التي تزين القصر , لكن في قسم السجون الملكية ذلك المكان المنفصل عن القصر الليل لا يختلف عن النهار فلا أحد يعرف الوقت هناك , كل ما يعرفونه هو الصمت الذي تليه أسوأ القرارات , فجأة فتح الباب الرئيسي و دخل منه شاب بثياب أمن سوداء و اتجه نحو الزنزانة الأكثر تميزا بفضل الشاب الذي يقبع فيها و وقف أمامه و وضع يديه خلف ظهره ثم قال : " ألن تستلم أنت ؟ "
لم يتحرك جين من مكانه أو ينظر إليه حتى فاقترب الشاب خطوة أخرى و قال : " لا تتظاهر بالقوة أو عدم المبالاة و أنت تحترق لرؤيتها , ما رأيك في أن أوصل سلامي إليها غدا ؟ فأنا ذاهب إلى هناك على أية حال "
اعتدل في جلسته ثم قال بنبرة هادئة : " اقترب منها فحسب و سأحرقك مع القصر و من فيه "
ضحك سامر بهستيرية ثم قال : " تحرق القصر ؟ أنت عاجز حتى عن الخروج من زنزانة مكونة من أربع جدران فكيف ستحرق القصر ؟ "
نهض جين من مكانه و وقف مقابلا له فارتسمت ملامح الذعر على وجه سامر قبل أن يسارع لإخفائها خلف ابتسامة كاذبة فقال جين بنبرة هادئة : " حتى و أنا محبوس خلف القضبان أخيفك , إياك أن تعتقد أنك ند لي , هذه آخر مرة أحذركم فيها : ابقوا بعيدين عن روز "
فجأة دخل شاب في مقتبل العمر يرتدي زي الحرس الملكي و قال : " سامر أمر الملك بأن تقللوا الزيارات عند جين , غادر حالا "
نظر إليه سامر بانزعاج ثم قال : " ستخرج من هنا نحو نهايتك يا جين , أنا أعدك"
ثم غادر المكان و بمجرد أن اختفى همس الفتى : " إنه مزعج "
لكن جين لم يبد أي ردة فعل بل اتجه إلى مكانه فالتفت الشاب إليه و قال : " جين كيف حالك ؟ هل تحتاج شيئا ؟ "
نظر إليه جين و قال بنبرة جافة : " لكي توصل أخباري للملك , صحيح ؟ "
أجاب الفتى : " كلا , أنا مرسل من جودي "
قال ذلك و هو يتذكر كلام جودي في زنزانة أخرى حيث نادته جودي و سألته : " هل أنت سعيد بما تفعله ؟ "
سأل الفتى بعدم فهم : " ماذا تقصدين سيدتي ؟ "
أجابت جودي : " لماذا قد تحرس أشخاصا تعلم أنهم أبرياء ؟ "
أجاب الفتى : " أنا مجرد حارس مأمور , أنفذ ما طلب مني فقط "
ابتسمت جودي : " ماذا لو كانت لديك حرية الاختيار ؟ "
صمت الفتى لدقيقة ثم أجاب : " سأختار طريق الحق "
نظرت جودي حولها ثم قالت : " أخبرني , هل لديك أي معلومة عما يحدث خارج هذه القضبان ؟ "
أجاب الفتى : " صدر أمر ملكي بسجن مجموعة من مسؤولي الأمن و هم هنا في السجن الملكي من بينهم : جين ذلك الشاب من الأمن العام , بينما يتولى الأمن الملكي الأمور خارجا باسم الملك "
ردت جودي : " قلت جين ؟ جيد أنه هنا , أريد أن تسدي لي خدمة , أرسل له رسالة مني , أريده أن يذهب للقصر و يعلن ولاء كاذبا للملك و ليأتيني هنا بكل أخبار القصر , أخبره أنه أملي الأخير "
هز الفتى رأسه بإيجاب ثم قال : " سأكون الحبل الذي يربط بينكما , سأخبره بكل ما تريدين و أخبرك بردوده "
ابتسمت جودي و قالت : " أنا سعيدة بهذا , أعدك بمنصب تستحقه مقابل هذه المخاطرة حين نستعيد الحرية "
رد الفتى : " أفضل ما قدمته لي هو أنك أرشدتني إلى الطريق الصحيح "
أخبر الفتى هذه القصة لجين و بعد أن أنهى قال له : " أمرت الملكة بأن يكون الأمر سرا بينكما , لا تخبر أحدا بالأمر و سأحرص أنا على كتمه عمن في القصر هنا "
ابتسم جين له ثم قال : " أنا في خدمتها كيفما شاءت , حاول استدعاء الحاكم من أجلي فلا مجال للتأخر "
ابتسم الفتى ثم غادر سريعا نحو غرفة الاجتماعات حيث الحاكم مع مساعده دييغو يراقبان المدينة , استأذن الحرس للدخول و بمجرد أن وطأت قدماه الغرفة أخفى إيفان ما كان يراقبه ثم قال بغضب :
"ما الذي أتى بك ؟ "
أجاب الفتى : " هناك أمر طارئ بخصوص جين "
سأل الملك بنفاذ صبر : " ماذا يريد ؟ الأفضل أن لا ينتظر عفوا مني "
بينما تغيرت ملامح دييغو إلى من يبدو و كأنه ينتظر فريسة لينقض عليها , تظاهر الفتى بأنه متفاجئ و قال : " إنه يعلن ولاءه لك يا مولاي "
تفاجأ الملك و مساعده من كلام الفتى و رد الملك بغضب : " ما هذا الهراء ؟ هل تعتقدون أنني طفل صغير أم طاعن في السن مثل شارل الذي يرقد في تلك الغرفة لأصدق تفاهة كهذه ؟ شخص مثله لا يمكن أن يعلن ولاءه لي "
رد الفتى محاولا إقناعه : " لعل السجن جعله يفكر في الأمر جيدا , في النهاية أغلب عناصر الأمن هنا و البقية سيلقون أسوأ نهاية ,لعله فكر في نفسه و لم يرغب في أن يلقى مصير روز المحتوم "
كان الفتى قد اختار كلماته بعناية كي يضمن اقتناع الملك , فكر الملك قليلا بينما لم تبتعد نظرات دييغو المليئة بالشك عن الفتى و بعد لحظات من الصمت رد الملك : " سننظر في أمره , لن نخرجه الآن , راقبوا سلوكه بعدها سنقرر مصيره "
انحنى الفتى متظاهرا بالاحترام ثم غادر القاعة , بينما اقترب دييغو من الملك و قال بصوت منخفض : " كيف تتخذ قرارا كهذا يا مولاي , إنه ألد اعدائك و روز أيضا , إنهما أكثر من دعم شقيقك و أكدا ولاءهما له أكثر مرة "
رد الملك : " أنا أعرف ما أفعل , سنراقبه و ربما يمكن أن نستعمله للقضاء على روز بعد أن نوقع بينهما فهو أكثر من تثق به , سأسلم هذا الأمر إلى سامر , يجب أن ينهي أمرها "
رد دييغو بسخرية : " ذلك الضعيف لا يمكنه حتى أن يؤذي ذبابة , كيف ستسلمه مهمة كهذه ؟ "
أجاب الملك بعد ضحكة طويلة : " لكي ينهي جين أمره بسهولة , بينما تنهي أنت أمر جين , يا قناصي العزيز "
هز دييغو رأسه بفهم و ابتسامته تتسع بينما هو يتخيل الموقف و لذة الانتصار فيه .
كان الليل قد انتصف عندما أوت روز إلى فراشها بعد أن أنهت عملها , التفت إلى زوايا الغرفة و قالت بصوت منخفض : " حتى هذا المكان غريب علي "
لم يكن هناك مصباح يضيء الغرفة كما تعودت في منزلها لذا غرقت غرفتها في الظلام الذي تخاف منه , تلفتت مجددا إلى زوايا الغرفة و قالت : " الظلام الذي لا يضيئه نور المصباح ليس مخيفا , الظلام الذي يخيفني حقا هو الذي لا يوجد نورك فيه "
ثم أغمضت عينيها محاولة نوم و بعد بضع ساعات غفت بالفعل .
كانت الساعة الرابعة فجرا عندما استيقظ سكان المدينة و منهم روز على صوت بوق مرتفع يهز أرجاء المدينة , خرج الجميع إلى الشرفات ليروا ما يحدث فإذ بمجموعة من الأشخاص يرتدون عباءات سوداء و على وجوههم أقنعة بيضاء يتجولون في المدينة يتقدمهم شخص ينادي قائلا : " كان الملك قد أمرك بالخضوع له لكن البعض فضل الخروج عن طريقه و اليوم سنشهد مصير من يخرج عن طاعة الملك "
فجأة عرضت الشاشة العملاقة المثبتة وسط المدينة مشهدا مخيفا , ربما بدا مخيفا للجميع لكنه جعل روز ترتجف بشكل عنيف , جين يقتاد نحو منصة كبيرة يتوسطها حبل المنشقة , عيناه تبحثان عنها وسط الحشود كأنه لا يريد أن تراه أو أن ترى هذه النهاية المأساوية
لكنه لا يعلم أنها تشاهده من شرفة منزلها و ترتجف عند كل خطوة يخطوها نحو المنصة و بعد أن وصل إلى حبل المشنقة وقف أحد المقنعين إلى جانبه و تكلم من خلال مكبر الصوت : " كان الملك قد حذركم من أن تعصوا أوامره أو أن تتجرؤوا عليه يوما , لكن بعض الناس هنا ظنوا أن لديهم القوة التي تجعلهم يتحدونه و يزيلوه عن مكانه , ظنوا أنفسهم أقوياء و يملكون السلطة لمجرد أنهم اختاروا طريقا ظنوه الأصح , لكن اليوم سنشهد نهاية أحدهم , جين الذي ظن نفسه أقوى رجال هذا البلد لمجرد أنه رجل أمن تجرأ على معارضة الحاكم و عمل مع رجال الأمن على الانقلاب ضده يلقى اليوم أسوأ مصير قد يلقاه أي إنسان , ليكون عبرة لأي شخص قد يفكر في معارضة الحاكم إيفان "
ثم أشار للحراس بأن ينفذوا الحكم , اتسعت عينا روز و هي تنظر إلى الحبل يلف حول عنقه بينما جين كان ثابتا كما تعودت أن تراه لم يتكلم , لم يتحرك أو يقاوم . حاولت أن تصرخ كي تمنعهم إلا أن صوتها لم يخرج فحاولت الكلام مجددا إلا أنها فقدت صوتها , فجأة سمعت صراخا عاليا و عندما رفعت رأسها رأته , رأت جين معلقا في الحبل من عنقه و جثة تتدلى من المشنقة . اتسعت عيناها من هول الصدمة و هي ترى العالم حولها ينهار و الأرض تحتها تختفي و الظلام يبتلعها حتى استيقظت فجأة في غرفتها , لم تكن قادرة على الحركة أو على الكلام بينما كانت الغرفة تغرق في ظلام كثيف و هذا ما لم تتعود عليه روز حين تستيقظ فزعة , نظرت إلى زوايا الغرفة ثم بدأت تئن لعل أحدا يسمعها و بالفعل سمعت والدتها أنينها و اتجهت نحو غرفتها بسرعة فوجدتها عاجزة عن الحركة , جلست بجانبها ثم رفعتها عن الوسادة قليلا و وضعت رأسها في حجرها و قالت : " اهدئي يا روز , ليس هناك ما يخيف , أنت معي في البيت في غرفتك "
إلا أن روز دفعتها عنها بقوة كأنها لا تحتمل الاقتراب منها أو لمسها , توقعت والدتها هذا التصرف فبقيت بعيدة عنها و تراقب ما تفعله , فتحت روز النافذة و أخذت تطل منها و كأنها تبحث عن شخص ما في الخارج , لم تتحرك السيدة بيلا من مكانها في الوهلة الأولى بل بقيت تراقب ما تفعله روز في النافذة , أطلت روز من النافذة و بدت كأنها تبحث عن شيء ما بعينيها في الخارج , اقتربت منها والدتها بحذر و سألتها : " روز عم تبحثين ؟ "
أجابت روز دون أن تلتفت : " سيمر جين من هنا , أنا انتظره "
لم تشأ والدتها أن تزيد صدمتها فقالت دون أن تقترب منها :
" الوقت متأخر الآن و لا يمكن أن يأتي وسط هذا الظلام , سننتظر نور الغد ليأتي فيه "
ابتعدت روز عن النافذة و عادت إلى مكانها , بمجرد أن اقتربت والدتها لتجلس بجانبها صدتها بيديها قائلة : " ابتعدي عني , لا تلمسيني "
كانت نبرتها تحذيرية حادة كأنها تكلم عدوها و ليس أمها , انتظرت بيلا أن تعتدل روز في مكانها و تنام و قبل أن تغادر ألقت عليها نظرة أخيرة و هي نائمة ثم همست : " ليتك تعلمين أنني اشتقت إليك و تعودين إلي .
لا يحمل الصباح لروز إلا المزيد من التعب و الإعياء و الألم , استيقظت و هي تشعر بأن كل عظامها مكسورة و نظرت إلى الغرفة حولها فتذكرت مجددا السبب الذي جعلها تعود إليها , أخذت هاتفها و تفقدت الساعة فيه , كانت السادسة صباحا و الاستيقاظ في هذا الوقت لم يكن عادتها و بمجرد أن رفعت رأسها من على الوسادة و التفتت إلى يمينها وجدت أمها نائمة على أريكة بجانبها فتذكرت أنها كانت معها الليلة الماضية عندما استيقظت فزعة و تذكرت ما قالته حول عودة جين إليها فهمست لنفسها بيأس : " هو لن يعود اليوم "
عندما نهضت من مكانها كي تغادر الغرفة شعرت والدتها بها و استيقظت على الفور ثم جلست على الأريكة و ابتسمت قائلة وسط نعاسها : " صباح الخير , أرجو أن تكوني قد نمت جيدا "
نظرت روز إلى الأريكة ثم إليها و قالت بنبرة هادئة :" أنا آسفة يبدو أنني أتعبتك معي بجعلك تسهرين معي و تنامين هكذا على الأريكة "
نهضت والدتها فورا و اقتربت منها قائلة : " لا أبدا , لا تقولي هذا , أنا من أراد ذلك و إن لم يكن لديك مانع فسأنام معك هنا كل ليلة "
ردت روز بجمود و دون أي ابتسامة : " لا بأس في الأمر , يجب أن أجهز نفسي الآن من أجل أن أذهب فلدي الكثير من العمل و سأعود متأخرة لأنني سأمر على طبيبي النفسي "
مدت والدتها يدها نحو ذراعها ثم سحبتها فورا بعد أن ترددت في لمسها ثم قالت : " يمكنني إلغاء عمل اليوم و الذهاب معك "
ابتسمت روز لأول مرة لها و قالت : " لنؤجل ذلك إلى موعد آخر , أرغب اليوم في مواجهة ما حدث مؤخرا "
ابتسمت والدتها بيأس ثم ردت : " كما تريدين "
لم تقترب روز منها أو تسمح لها بالاقتراب بل غادرت الغرفة و بمجرد أن وصلت إلى وسط المنزل لم تجد أحدا فالبقية غادروا للعمل و الدراسة . دخلت الحمام و اتجهت نحو المغسلة و فتحت الحنفية و بدأت تغسل وجهها و يديها ثم نظرت إلى نفسها في المرآة إلى وجهها الشاحب و عينيها الغائرتين ثم قالت : " لأجله ... استمري , لا تدمري ما فعله من أجلك "
ثم أغلقت الحنفية و جففت يديها بالمنشفة و خرجت من الحمام , عندما دخلت المطبخ وجدت والدتها تقف هناك أمام الطاولة التي جهزت عليها الفطور من أجلها ثم أشارت إليها و قالت مبتسمة :
" جهزته من أجلك , خصيصا لك "
اقتربت روز من الطاولة ثم جلست و بدأت تأكل ببطء بينما والدتها جالسة بجانبها تراقبها , بعد لحظات توقفت روز و أشارت إلى الطعام و قالت : " كلي معي "
ترددت والدتها ثم اقتربت من الطعام و بدأت تأكل مثلها , بعد لحظة صمت تكلمت روز أخيرا : " أنا أريد أن أجد النور معك أيضا"
توقفت والدتها عن الأكل ثم سألت متفاجئة : " ماذا؟ "
ردت روز : " أريد أن أجد النور معك أيضا , لا أريد أن تبقى علاقتنا هكذا باردة مبنية على الإجبار , أن نعوض ما فاتنا كما قلت سابقا "
وضعت والدتها الشوكة جانبا ثم مالت نحوها قليلا و قالت : " أنا أيضا أريد ذلك , سأفعل أي شيء تريدينه "
تنهدت روز ثم قالت : " الأمر ليس سهلا لأنني لم أكن يوما قريبة منك لكنني سأحاول من أجلك "
سألت والدتها بلهفة : " ما رأيك في أن نجلس هذه الليلة مع والدك و شقيقيك كعائلة ؟ نتحدث عن أي شيء تريدين "
نظرت روز إلى النافذة ثم قالت : " مرضي يؤرقني و يتعبني , أريد التحدث عن مرضي "
ردت والدتها فورا : " حسنا نتحدث عنه , سأجهز كل شيء من أجل ذلك "
نهضت روز من على الكرسي ثم تمددت و قالت : " يجب أن أذهب الآن كي لا أتأخر عن العمل , سأعود متأخرة في المساء "
اقتربت والدتها منها و سألت : " هل تريدين أن أمر عليك ؟ أو أن يمر عليك والدك ؟ "
ابتسمت روز و ردت : " لا شكرا , أريد السير بمفردي قليلا , وداعا "
استسلمت والدتها و قالت : " حسنا إذا , كوني حذرة على نفسك "
غادرت روز منزلها و هي تفكر في موقف والدتها و ما حدث بينهما في المنزل طوال الطريق و بعد ساعتين من التفكير و بمجرد أن وصلت إلى مركز الأمن توقفت أمامه و هي تنظر إلى علوه الشاهق و قالت لنفسها : " لنحاول إذا , ربما نجد النور "
ثم دخلت المركز من خلال بابه الأتوماتيكي , كل من في المدخل كان يقدم التحية احتراما لها ما عدا الأمن الملكي الذي كان يراقب المكان , كانت نظراتها تتفحصهم و هي تتجه نحو مكتبها و بمجرد أن و دخلته شغلت حاسوبها ثم جلست تتفقد التقارير حول العمليات الأمنية الأخيرة ثم تفقدت سجل المراقبات الأخيرة بعدها رفعت سماعة الهاتف الثابت بجانبها و قالت : " أريد أن تجهزوا لاجتماع سري مع مسؤولي الأمن , لا تجعلوا الأمن الملكي يشعر بنا "
ثم أغلقت الخط و فتحت الملف الذي أنشأته لتحقق في اختفاء زميلتها كارن و شقيقة الحاكم ثم أضافت ملاحظة جديدة :
" احتجاز في قصر الحاكم "
فجأة فتح باب المكتب دون أي استئذان فرفعت رأسها و عندما رأت الشخص الذي دخل المكتب أغلقت الحاسوب و اعتدلت في جلستها ابتسم سامر الذي دخل المكتب كأنه ملكه ثم جلس على الكرسي مقابلا لها و قال بغرور : " أرجو أن لا أكون قاطعت عملك "
ردت روز بانزعاج : " ماذا تريد مني ؟ "
وضع يديه على المكتب و قال : " لا يبدو أن ابتعاد جين دمرك , أنت تبدين قوية كما تعودت على رؤيتك و ببذلتك السوداء هذه "
قال جملته الأخيرة و هو ينظر إليها باشمئزاز من الأعلى الأسفل
ردت روز دون أن تظهر أي تعابير واضحة : " ماذا جنيت من فعلتك و أنت تعلم أن النهاية واضحة ؟ "
ضحك ضحكة طويلة ثم قال : " واضحة ؟ هل جعلك الاكتئاب طريفة هكذا يا روز ؟ لأول مرة أرى شخصا يضحك الناس بعد أن كان مكتئبا "
عقدت روز حاجبيها و هي تسأله : " ماذا تقصد ؟ "
أجاب و هو ينهي ضحكته : " أنت كنت مكتئبة بعد أن ماتت مربيتك ... "
قاطعته روز فورا بمجرد أن بدأ جسدها يرتجف من ذكر الحادثة و ردت بانفعال : " إن كنت هنا من أجل التلاعب بي فانس الأمر نهائيا و غادر مكتبي حالا "
نهض سامر من مكانه و توجه نحوها ثم وقف خلفها و همس في أذنها بصوت كفحيح الأفعى : " هناك الكثير من الحقائق التي ستعرفينها لاحقا يا روز ... و ستدركين وقتها أنك الأضعف هنا "
ثم ابتعد عنها و تغيرت ملامحه إلى الانزعاج بمجرد أن دخل شاب آخر المكتب دون استئذان , بدا لروز شخصا لا يسهل التعامل معه و أنه أخطر من سامر الذي سأله : " ماذا تريد ؟ "
أجاب الشاب ببرود : " الملك يستدعيك , سنغادر إلى القصر و نترك مهمة مراقبة المكان للبقية "
قلب سامر عينيه بملل ثم رد : " أنتم مخربون للمتعة "
ثم ابتعد عن روز و قبل أن يخرج التفت إليها و قال : " لم ننته بعد يا روز , أيتها الوردة ... التي ستذبل قريبا "
بمجرد أن خرجا ارتخى جسد روز على الكرسي باستسلام ثم نظرت للسقف و قالت : " أرجوك عد إلي , هذه الذئاب تفترسني في غيابك "
أما في القصر , جين كان جالسا في زنزانته يشعر بالملل و هو ينظر إلى السقف فجأة جاء مجموعة من الحراس إلى الزنزانة و وقفوا أمامه , لم ينهض جين من مكانه بل نظر إليهم و إلى أشكالهم
تقدم أحدهم و قال بصوته المخيف : " جين تعال إلى هنا "
وقف جين و سار نحوهم مثل الرجل الآلي و هم ينظرون إليه و في عيونهم بريق خوف منه , فرغم أنه مسجون إلا أن ما قيل عن قوته و هيبته جعلهم يهابونه , نظر قائدهم إليه من الأعلى إلى الأسفل و قال : " أنا قائد الحرس الملكي للحاكم إيفان , سمعت الكثير عنك و عن قوتك و يبدو أنك أثبت ما قيل عنك , حتى السجن الملكي لم يهز شعرة فيك "
رد جين ببرود : " من قال ذلك ؟ السجن إهانة لأي إنسان حتى لو كان رجلا قويا "
نظر القائد إليه و قال : " لكنك من اختار هذا لنفسك عندما أعلنت ولاءك لشارل "
تنهد جين و تظاهر بالاستسلام في نبرته : " لم أكن أعلم أن طريق شارل مسدودة و لا توصل إلى بر الأمان "
سأل القائد : " ألهذا أعلنت ولاءك لإيفان ؟ "
أجاب جين : " كان واضحا لمن الغلبة و القوة , بالتأكيد لن أتبع طريق من هو طريح الفراش كالموتى و من انتهت طريقه في الحكم طوال حياتي أحببت القوة و اخترتها , لذا سأتبع الأقوى "
نظر القائد إليه ثم رد بعد دقائق طويلة من الصمت : " حسنا إذا فلتعلن ولاءك للحاكم "
ثم أشار إلى الحراس الواقفين خلفه ليفتحوا الباب و يطوقوه ثم اتجهوا إلى غرفة الحاكم الكبرى حيث كان ينتظر .
في غرفة الحاكم الكبرى , جلس ايفان بمفرده لأن ذراعه الأيمن دييغو ذهب إلى مركز الأمن كما أمره , دخل جين محاطا بعناصر الأمن الملكي يتقدمهم قائدهم ثم توقفوا أمام الحاكم و انحنوا و معهم جين مجبرا , نظر الملك إليه ثم أشار إليهم كي يتفرقوا بعيدا عنه ففعلوا و بقي جين واقفا , بدا و كأنه طفل صغير يستعد ليأخذ عقابا لمخالفته أمر والديه و الملك ينظر إليه باستحقار ثم سأله :
" هل وجدت السعادة التي كنت ترجوها عندما عشت في عالم شارل ؟ "
أجاب جين متظاهرا بالندم : " لم أعلم أنه قد يوصلني إلى إهانة مثل السجن "
رد الملك باستحقار و ابتسامة إهانة تظهر على شفتيه : " هل تأكدت الآن من أن المثالية التي كنتم تدعونها لن تدوم ؟ ظننتم أنفسكم الملاك الطاهر الذي ينقذ الجميع و لكنكم كنتم من دمر الجميع "
اكتفى جين بأن أحنى رأسه متظاهرا بالندم و في داخله كان يعتذر لنفسه و ل روز ألف مرة و مرة , فجأة قال الملك : " أنا لن أخلي سبيلك الآن , ستبقى هنا لفترة بعدها ستغادر , ستكون جاسوسا بينهم و تدمر أي مخطط يسعى لإيذائي أو الوقوف في طريقي "
هز جين رأسه بإيجابية و قال : " حاضر "
ثم عاد مع الحرس إلى السجن حيث وقف الفتى الذي كان مرسلا بينه و بين جودي ثم قدم له ورقة و قلما و قال : " يمكنك أن تكتب ما تريد للحاكمة و سأوصله لها "
استلم جين الورقة و جلس يكتب :
" تحياتي و احترامي للحاكمة جودي :
أكتب إليك هذه الرسالة لأؤكد أنني طبقت الخطوة الأولى و أعلنت ولائي لإيفان , سأبقى لفترة قصيرة هنا قبل أن أغادر و أعدك بأن أفعل ما بوسعي لتنجح الخطة .
مع كامل احترامي لك : جين "
ثم طوى الورقة و قدمها للحارس فاستلمها و اتجه فورا نحو زنزانة الحاكمة و قدمها لها , بعد أن قرأت جودي الرسالة ابتسمت قائلة : " أخيرا سننهي أمر إيفان , أخبره بأن يبقي الأمر سرا بيننا و أن لا يخبر أحدا عدا قادة الأمن فقط "
سأل الحارس : " ماذا عن زوجته ؟ "
ردت فورا : " لا , قادة الأمن فقط "
رد الحارس بأسى : " لكن يا سيدتي , جين متزوج من مسؤولة قسم المراقبة في الأمن السيبيراني , لن تقبل شيئا كهذا "
ردت جودي : " أنا أعرف , لكن لا يوجد حل آخر , إن لم نقم بدس جاسوس عند إيفان فلن ينجح الأمر , جين مضطر لأن يضحي بفترة من زواجه كي يعيش مستقرا طوال حياته , كنت أستطيع اختيار أي شخص آخر لكنه الوحيد الجدير بهذه الثقة و سأحرص على أن أعوضه على هذا "
رد الفتى : " لقد قبل الأمر فورا حين علم أنك أنت من طلبت ذلك بالرغم من أنه يعرف العواقب "
ظهر العبوس على جودي و هي تقول : " أرجو أن لا يكتشف إيفان أمره و يؤذيه لأنها مخاطرة كبيرة , هذا ما يخيفني عليه , سيكون طريقا مظلما و الوصول إلى النور سيتطلب جهدا و صبرا "
رد الفتى : " من ملامحه بدا مستعدا لشيء كهذا "
لم ترد جودي عليه بل ظهرت عليها ملامح الحزن و أنها تفكر فيم سيحدث مستقبلا .
أما في زنزانة جين حيث كان يجلس و يفكر و يخطط داخل رأسه كالمعتاد وقف أمامه شاب , رفع جين رأسه نحوه و بمجرد أن رآه و عرفه استدار إلى الجدار فاقترب دييغو خطوة و قال :
" كيف قررت أن تعلن ولاءك هكذا ؟ "
كان قد عاد بمفرده من مركز الأمن بعد عملية المراقبة إلى القصر فأخبره الملك بما حدث و اتجه إلى السجون فورا ليتأكد من الأمر بنفسه , جين لم يرد على السؤال بل استمر في التحديق بالفراغ أمامه فاقترب دييغو و وضع يديه على باب الزنزانة و قال :
" ستكون قريبا مني و سأراقبك يا جين , أعرف أنك تخطط لشيء ما و لن أسمح له بأن يكتمل "
لم يرد جين عليه بل رفع عينيه نحوه للحظة جعلت القشعريرة تسري في جسده ثم أنزلهما نحو الأرض . ابتعد دييغو عن باب الزنزانة ثم غادر المكان .
في غرفة الاجتماعات في قسم الأمن جلست روز مع مسؤولي الأمن و مجموعة من أعضائه في غرفة مغلقة حول طاولة مستطيلة كبيرة تملؤها الحواسيب و شاشة كبيرة تعرض زوايا من المدينة اشارت روز إلى الشاشة و قالت : " اجتماع اليوم يهدف للتحضير إلى عملية أمن كبيرة يمكن عدها انقلابا على الحاكم كي ننهي حكمه و نعيد الأمن إلى المدينة , سنحدد اليوم الخطوات التي سبقنا بها الملك كي لا نقع في أي فخ "
بدأ الحاضرون يسجلون ما تقوله روز في شكل ملاحظات على لوحاتهم الالكترونية , فتابعت كلامها :
" الأمن الملكي منتشر في البلد , حظر التجوال مفروض عند الساعة السادسة مساء , مراكز الأمن مراقبة و بعض المسؤولين في السجون الملكية "
رفع أحد الحاضرين يده و قال : " إذا لا يمكننا التحرك هكذا , لأنه إذا اكتشف أمرنا فسنعاقب "
ردت روز : " بالضبط , سنلتزم مراقبة الأوضاع في الفترة الراهنة و الصمت و التظاهر باتباع الأوامر , سننتظر أي قرارات قد تصدر من الحاكم في حق مسؤولي الأمن بعدها نجهز لعملية كبرى كي ندخل القصر "
هز الجميع رؤوسهم بالموافقة فنظرت روز إلى حاسوبها و قالت :
" سنجهز الآن ملفات تتعلق بالقصر و وضعيته و الأمن فيه و وضعية المحتجزين فيه , جهزوا معلومات حول القرارات الملكية و تأثيرها علينا كي نقيم مدى نسبة نجاح الخطة قبل تطبيقها "
وافق الحضور على الخطوة فأعلنت روز نهاية الاجتماع ثم تفرق الجميع و غادرت هي نحو مكتبها و قامت بإغلاقه كي لا يدخل أحد خلفها .
اتصلت بروبرتو و تأكدت من كونه في عيادته ثم اتجهت إليها , بعد ساعتين وصلت روز إلى عيادة روبرتو و بمجرد أن دخلت رحبت بيها بريتني بابتسامتها المعتادة قائلة : " أهلا بك سيدة روز , كيف حالك ؟ "
ابتسمت روز ابتسامة متعبة و ردت : " أنا بخير , شكرا لك , هل روبرتو هنا ؟ "
أجابت بريتني مبتسمة : " طبعا هنا , هو في انتظارك , وقعي لي هنا من فضلك "
اقتربت روز و أخذت القلم و وقعت حيث طلبت منها فجأة وقفت تيفاني بجانب بريتني و نظرت إليها ثم قالت و هي تلعب بخصلات شعرها البنية : " ليس من عادتك المجيء بمفردك , أين الشاب الذي يأتي معك ؟"
نظرت بريتني إليها متفاجئة و عيناها الزرقاوان تتسعان و كذلك روز التي سألتها : " ماذا تقصدين بسؤال كهذا ؟ ما علاقتك بكوني آتي مع شاب أو بمفردي إلى طبيبي ؟ "
أجابت تيفاني بثقة : " كنت تبدين متعلقة به كطفلة متعلقة بأبيها و لم تتركي يده كأنك طفلة تخاف الضياع إن أفلتت يده , لكنه ليس معك الآن "
أبعدت روز خصلات شعرها عن وجهها ثم قالت بنبرة تحذيرية : " مجيئي بمفردي أو مع زوجي إلى المصحة أمر لا يعنيك يا آنسة , أنت ملزمة بتسجيل المرضى فقط و ليس معرفة حياتهم الخاصة "
تيفاني لم ترد بل استمرت بالتحديق فيها بينما اقتربت بريتني منها و قالت بلطف : " سيدة روز دعينا ندخل مكتب روبرتو معا , لا تقلقي نفسك بما حدث "
ذهبت روز مع بريتني إلى المكتب بينما بقيت تيفاني تنظر إليهما من الخلف .
بمجرد أن دخلت روز المكتب استقبلها روبرتو بابتسامته المعتادة التي يطمئنها بها ثم أشار لها بالجلوس و لأنه يعرف حالتها جيدا فقد جهز أسئلته لها , جلس أمام مكتبه و أخذ دفتره المعتاد و القلم ثم افتتح الجلسة بسؤال :
" ما الذي جعلك تتصلين بي يا روز ؟ "
فركت روز أصابعها ثم أجابت بتردد : " لأنني تائهة ... أصبح الطريق مظلما بدونه , جين كان النور الذي يضيء طريقي كي أستعيد نفسي لكنني فقدته "
تنهد روبرتو ثم قال : " دعينا أولا نعرف حالتك , كيف تنامين ؟ "
أجابت روز : " وسط الكوابيس كالعادة , أخاف أن يغدر بنا إيفان و يعدمه "
كان روبرتو يسجل كل ما تقوله روز كي يقيم حالتها و يمهد لها الطريق كي تتحسن , رفع رأسه ثم طرح سؤالا آخر :
" هل تأكلين بشكل طبيعي ؟ "
أجابت : " لا أشعر بطعم ما آكله "
سألها سؤالا آخر : " كم عدد نوبات الهلع ؟ "
فكرت قليلا ثم أجابت بتردد : " لا أذكر أنني أصبت بنوبة هلع "
هز رأسه بإيجابية ثم سألها سؤالا آخر : " هل تستطيعين الخروج من المنزل ؟ "
أجابت فورا : " نعم , إنني أذهب إلى العمل حاليا و جئت هنا بمفردي "
رسم سطرا على الدفتر ليفصل بين ما كتبه حول حالتها و بين ما النقطة التي سينتقل إليها ثم قال : " دعينا ننتقل إلى نقطة أخرى ... جين , لنعرف الآن ماذا يكون جين في حالتك , قبل ذهاب جين ماذا تفعلين عادة عندما تشعرين بالخوف ؟ "
أجابت : " أختبئ عند جين , أعانقه بقوة و أختبئ في حضنه "
سألها : " و ماذا كان يفعل هو ؟ "
أجابت : " يبقى معي حتى تنتهي النوبة و أحيانا يهدئني و يعيدني إلى الواقع و يقضي على خوفي "
هنا فهم روبرتو أن جين لم يكن مجرد زوج لروز بل نورها وسط الظلام و مرساتها التي تنقذها من الغرق و مصدر الأمان لديها , ثم كتب كلمة " عائلة " و التفت إليها ثم سألها :
" أين تستقرين الآن ؟ "
أجابت : " في منزل عائلتي , بين أهلي "
هنا أراد روبرتو أن يعرف ماذا تعتبر روز عائلتها في مرضها فسألها : " هل ترين الكوابيس و تستيقظين فزعة ؟ "
أجابت : " نعم , في الليلة الأولى التي قضيتها في منزل عائلتي بعد أن عدت رأيت كابوسا يتعلق ب جين "
سجل الملاحظة ثم استفسر منها عما تراه : " ماذا ترين ؟ "
أجابت روز : " أراهم يطبقون حكم الإعدام عليه "
بعد أن رسم دائرة حول كلمة " إعدام " سألها : " ماذا عن جين ؟ كيف يكون في كوابيسك ؟ "
أجابت و علامات الانهيار تظهر عليها : " يتم اقتياده نحو منصة الإعدام مقيدا , عاجزا و يبحث عني بعينيه فأحاول الوصول إليه لكنني لا أستطيع "
كتب كلمة " استيقاظ " على الدفتر ثم سألها : " كيف تستيقظين ؟ "
أجابت : " أستيقظ كل مرة قبل أن أتمكن من إنقاذه , أستيقظ عاجزة عن الحركة و أتذكر أنني بعيدة عنه و أنه ليس معي "
هنا عرف روبرتو أن الحادث الأخير لم يخلق جرحا جديدا عند روز فقط بل فتح الجرح القديم عندها حين فقدت جاسمين و عجزت عن إنقاذها و الآن يتكرر الأمر مع جين الذي عجزت عن إنقاذه , أغلق الدفتر ثم قال :
" اسمعيني جيدا يا روز , جين سيخرج قريبا من القصر و سيكون سالما و لن يمسه أذى أؤكد لك , ليس لك علاقة بالأمر لأن القرار ظالم و هو جزء من مؤامرة إيفان ضدنا فلا تنسي هذا , لنفرض أن جين جالس هنا مكانك و أنك أنت المسجونة في القصر , هل كنت ستعتبرينه مسؤولا عن ذلك ؟ "
أجابت فورا : " لا "
فقال : " إذا لماذا تطبقين على نفسك قانونا مختلفا ؟ "
أجابت : " بالرغم من أن القانون ظالم إلا أنه سجن بسببي في نهاية المطاف , أخاف أن يكرهني عندما يخرج أو يكتشف أنني لم أكن أستحق ما فعله لأجلي "
بعد أن استمع إليها كتب على الدفتر بخط كبير : " الذنب , الخوف من الفقد , الخوف من عدم الاستحقاق "
ثم قال : " قلت قبل قليل أنك تستقرين حاليا في منزل عائلتك , صحيح ؟ "
ردت مؤكدة : " نعم , أنا حاليا معهم حتى يعود "
فسألها : " هل هناك شخص تشعرين معه براحة أكبر من غيره ؟ "
أجابت : " مع زين , شقيقي الأكبر , لكن لا أريد الاعتماد على أحد لن أجعل شخصا آخر يقع في مشكلة بسببي و لا أحد يفهمني مثل جين "
رد فورا : " نحن لن نبحث عن نسخة من جين , فلا أحد يشبهه لكن أحيانا من المفيد أن أشرح لأحد أقاربك ما يحدث خلال النوبة و كيف يستطيع مساعدتك "
تنهدت روز ثم ردت : " أمي ... أمي طبيبة نفسانية و قد توقفت لفترة عن العمل كي تهتم بالبيت بعد أن فقدنا جاسمين و أنا حاليا أبقى معها كثيرا "
سجل روبرتو الملاحظة ثم سألها : " هل تشعرين بالراحة بعد أن تحدثت عما حدث ؟ "
أجابت روز : " قليلا , علي الآن انتظار عودته و أن أحاول السيطرة على الوضع كي لا يتدهور و يعاقب مجددا بسببي "
أغلق روبرتو الدفتر ثم قال : " حسنا إذا إليك حلا مؤقتا ريثما يعود جين , ابقي قريبة من عائلتك و أخبريهم بالطرق التي اقترحتها لك سابقا كي يتعاملوا مع النوبات , أي شيء يحدث خارج مسؤوليتك لا تلومي نفسك عليه , تشربين المهدئات بانتظام قبل النوم كي تستطيعي الاسترخاء و الأهم ابقي قريبة من عائلتك و قومي بأنشطة تنظم حياتك و تبعدك عن جو العمل و القلق "
سألت روز : " هذا كل شيء ؟ "
أجاب : " حتى يعود جين , إذا شعرت بأنك لست بخير فعودي إلي فورا حتى لو كان ذلك غدا , اتفقنا ؟ عودي الآن إلى منزلك ارتاحي "
هزت روز رأسها بالموافقة ثم استعدت للمغادرة و قبل أن تخرج قال روبرتو : " روز , إذا شعرت بأنك لست بخير يمكنك الاتصال بي في أي وقت , لن يكون في الأمر أي إزعاج "
ابتسمت روز ابتسامة يائسة ثم قالت : " أقدر هذا كثيرا يا روبرتو يجب أن أذهب قبل أن يتأخر الوقت لأنه علي أن أمر بوالدة جين قبل أن أعود للمنزل "
سألها : " لماذا ؟ "
أجابت : " أرغب في زيارتها , فأنا أريد أن أتحدث معها قليلا "
رد روبرتو : " روز لا تلومي نفسك على ما حدث , لا تفكري في الأمر كذنب بل كحافز للتقدم و إنقاذ الجميع "
هزت روز رأسها بيأس ثم قالت :" حسنا سأحاول يا روبرتو , شكرا لك "
ثم غادرت مكتبه و بمجرد أن خرجت قابلتها نظرات تيفاني الجالسة أمام مكتب الاستقبال أما بريتني فاقتربت منها و قالت و عيناها تلمعان : " هل كل شيء بخير ؟ هل تحتاجين شيئا ؟ "
روز أجابت : " نعم أنا كذلك , لا أحتاج شيئا شكرا لك "
ردت بريتني : " سجلت الموعد و تاريخه في ملفك كالمعتاد , أنت تبدين أفضل من المرات السابقة و هذا تحسن ملحوظ "
ردت روز : " الخروج من الظلام أخذ جهدا أكبر مما توقعت "
ابتسمت بريتني : " و أنت أصبحت قريبة جدا منه "
ابتسمت روز بامتنان ثم غادرت العيادة و بمجرد أن أخذت هاتفها وجدت رسالة من والدتها تقول فيها : " روز أنا أنتظرك في المنزل , جهزت من أجلك وجبة لنأكلها معا "
ابتسمت روز للرسالة و قالت : " يبدو أننا سنصبح فعلا أما و ابنتها كما تمنيت "