" مذكرتي العزيزة , دفتر قدمه لي الأمن كي أسجل ملاحظات حول تجسسي في القصر لكنني أفضل تحويله إلى ملجأ لأخبئ فيه أسراري ,
أنا في القصر منذ خمسة أشهر ... نعم خمسة أشهر لم تكن هينة علي , عشت فيها الخوف و فقدان الأمان و شعور عدم الثقة بزوجي أو ربما هكذا يجب أن أسميه , خلال خمسة أشهر أصبح جين أقرب شخص إلى إيفان و قد عينه مستشاره و مساعده الثاني و الأمرُ من هذا أنه يبدو سعيدا بمنصبه , صرت أشعر بالتعب مؤخرا خصوصا مع تقدم الحمل فقد أصبحت في الشهر السادس و الأمر أصبح واضحا جدا علي كما أن صحتي لم تعد تسعفني فالاضطراب يؤثر بشكل سلبي على ضغطي و يوصلني إلى انهيارات عنيفة ... الأمر لم يعد محتملا خصوصا و أنني مراقبة من طرف هؤلاء المجانين ذوي الأقنعة البيضاء الذين يعتقدون أنفسهم حكاما أيضا , مع ذلك أصبحوا هما يضاف إلي و علي اكتشاف هويتهم , الشيئان الوحيدان اللذان يبقيانني قوية هما : طفلي القادم و التقدم الذي أحرزته في التحقيقات فقد استطعت معرفة مكان شقيقة الحاكم و أسرتها و تحديد نظام الحراسة عليهم , كما حاولت اختراق نظام الحماية و معرفة نظام الحراسة على القصر لكن الأمر لم يكن مستقرا فإيفان يسبقني بخطوة و يغير كل شيء فتتعطل كل الخطط و تفسد و لهذا لا أستطيع المغامرة بأفراد الأمن واضطررت للانتظار خمسة أشهر بسبب تغيير الخطط , أشعر بالحنين لعائلتي و هذا يؤثر على صحتي أيضا فقد أصبحت أهلوس بهم بسبب حرارتي مرتفعة دائما و أتحدث أثناء النوم بأسمائهم .
أما زوجي العزيز فقد تغير مائة و ثمانين درجة معي , لا يعود إلا في أوقات متأخرة من الليل و يغادر مبكرا , يتحدث معي بنبرة جافة و أحيانا لا يحدثني أصلا كما أنه أصبح قريبا جدا من إيفان و لا يفارقه و بالرغم من أنه أمر مخيف إلا أنه سيدفع ثمن خيانته غاليا جدا "
تركت روز القلم و أغلقت المذكرة و بدأت تحاول إخفاءها بمجرد أن سمعت صوت خطوات جين قادمة إلى الغرفة , و بينما هي تركض ذهابا و إيابا لإخفائه دخل الغرفة فتجمدت مكانها و هي تخفيه خلف ظهرها ,
وقف جين مقابلا لها و هو ينظر إلى مظهرها : وجهها الشاحب و بطنها البارزة و الدفتر الذي تحاول إخفاءه فتنهد و سألها : " ماذا تفعلين ؟ "
رمت الدفتر أسفل السرير خلفها و قالت : " لا شيء "
حاول أن يرى ما رمت خلفها إلا أنها كانت تستمر في اخفائه ثم قال :
" ما كان ذلك ؟ لأي كارثة تخططين يا روز ؟ "
إلا أنها وقفت حائلا بينه و بين السرير و على وجهها علامات الارتباك تحاول إخفاء الدفتر فتظاهر بالاستسلام و اتجه نحو الباب فسألته :
" إلى أين ؟ جئت للتو "
أجاب بنبرة متغيرة : " لدي بعض الأعمال لأنجزها ... لن أتأخر "
تفاجأت روز من هذا التغير و هي تنظر إليه و هو يغادر الغرفة بصمت عندها وضعت يديها على جانبيها و قالت : "يجب أن أعرف ما سيفعل "
و جلست تنتظر ابتعاده كي تلحق به .
في ذلك الوقت كان دييغو قد دخل غرفة الحاكم التي كان يجلس فيها إيفان و وقف مقابلا ثم قال بعصبية :
" هذه عاشر مرة أسألك فيها يا إيفان ... لماذا عطلت محاولة تسميم جين قبل شهور ؟ أضعت علي فرصة لم أستطع تعويضها إلى الآن , لم أعد أفهم سبب تماطلك هذا "
أجابه بابتسامة : " لأنها كانت لتصبح محاولة فاشلة لن ننجح فيها في توجيه أصابع الاتهام إلى روز "
سأل بعدم فهم : " ماذا تقصد ؟ لقد فوتنا الكثير من الفرص و جعلنا علاقتهما تستقر بعض الشيء "
أجاب و هو يعدل جلسته : " راقب المقنعون علاقتهما خلال هذه الأشهر و قد كانا يتقربان من بعضهما قليلا و كان علينا أن نعيد فصلهما و أن نجد ثغرة تجعله يشك فيها بشكل مباشر , لا تنس أنه يمثل علينا و يعتقد أننا لا نعلم , اضطررت إلى تقريبه مني خلال هذه المدة و عينته مستشاري و هو قبل الأمر كي أضمن أن روز تخاف منه بسبب منصبه و تكرهه , الآن لدينا سبب يمكننا من توجيه أصابع الاتهام إليها بكل سهولة و فرض العقوبات عليها و هذا ما سيدمرها نفسيا "
أومأ و هو يرد : " يمكننا اتهامها بمحاولة تصفيته بتهمة الخيانة "
رد مبتسما : " بالطبع يا مساعدي العزيز , يمكنك الآن التجهيز لعملية تسميمه دون أن تكون قاتلة "
سأل بعصبية سريعة : " لماذا ؟ "
أجاب إيفان بذات الابتسامة : " كي تنجح الأخيرة لأنك من سيشرف عليها هل ترى أن مجرد قطرات سم تستحق أن تكون قاتلة ل جين ؟ "
اتسعت ابتسامة دييغو و هو يرفع سلاحه : " أن ينتهي به الأمر غارقا في دمائه "
رد إيفان و هو يومئ : " كذلك هو الأمر يا عزيزي , اذهب الآن و جهز للأمر "
انحنى دييغو ثم خرج من الغرفة باتجاه المطبخ أما إيفان فقد استدعى أحد الحراس و أمره بأن يجهز مجموعة تقارير حول الوضع الأمني للقصر و يضعها في مكتب جين كي يشرف على مراجعتها و يضمن سقوطه في الفخ , انصاع الحارس للأمر و جهز التقارير و وضعها في المكتب كما أمر و بينما هو يغادر دخل جين المكتب و سأله مستغربا :
" ماذا تفعل في مكتبي ؟ "
أجاب الحارس بنبرة ثابتة : " أحضرت بعض التقارير من الحراسة الخارجية للقصر , طلب الحاكم مراجعتها "
أومأ جين و طلب منه المغادرة ثم أغلق الباب و فتح درج مكتبه و أخرج منه الملف الذي عمل عليه منذ سنة كاملة سرا , منذ أن بدأ الخطة مع جودي و هو يبحث و يتجسس و يجمع المعلومات حتى جهز النسخة الأولية للملف الذي يدين إيفان و من معه بقتل الأمير الوارث للعرش ثم وضعه أمامه على المكتب و قال : " تبقى الملف الذي يدينه بتسميم شقيقه و التسبب بالمرض و الخريطة لتنتهي هذه المهزلة , لم يبق إلا القليل يا روز و أستعيدك "
فجأة دق الباب فسارع إلى إخفائه في الدرج كما كان ثم اعتدل في جلسته و قال : " تفضل "
دخل أحد الحراس و هو يحمل فنجان قهوة ثم وضعه على المكتب أمامه و قال : " تفضل سيدي "
نظر جين إلى الفنجان باستغراب و قال: " أنا لا أشرب القهوة كما تعلم "
رد الحارس بابتسامة غريبة : " أعرف لكن يبدو أن لديك عملا كثيرا و تحتاج إلى السهر فأحضرت لك ما يساعدك "
رفع جين عينيه إليه و سأله بابتسامة غريبة : " منذ متى تفكر في مصلحتي ؟ "
أومأ الحارس نافيا و قال : " أنا أنفذ الأوامر فقط فالسيدة روز هي من أمرت بإحضارها إلى هنا "
تغيرت ملامح جين و ظهرت الصدمة على وجهه و هو يسأل ليتأكد :
" روز ؟ ... هل أنت متأكد ؟ "
أجاب الحارس مؤكدا : " نعم السيدة روز بنفسها ... كما أنها هي من حضرتها بنفسها , لم تطلب ذلك من الخدم أو تشرف على ذلك بل حضرتها بيديها "
أومأ جين و هو يستمع إلى كلامه ثم أذن له بالخروج و أخرج الأوراق التي أخفاها معها ورقة بيضاء و قلما و بدأ يرسم الخريطة التي تحتوي على المداخل التي سيجهزها للأمن كي يقتحموا القصر ليلة الانقلاب و هو يشرب القهوة التي قدمت له .
مرت نصف ساعة منذ بدأ جين يرسم الخريطة و يحدد المداخل المهمة التي يسهل تأمينها لكنه توقف وفجأة و أخذ نفسا عميقا عندما شعر بوخزة خفيفة في معدته لكنه لم يهتم بل أخذ القلم و باشر الرسم مجددا لكن الوخزة تحولت إلى ألم بدأ في التفاقم شيئا فشيئا فترك القلم و أخفى الخريطة في الدرج ثم وقف لكنه بدأ يفقد التركيز , عندها فتح الباب و دخلت روز بخطوات مترددة ثم قالت بحرج : " كنت أرغب في رؤيتك "
لكنها لاحظت وجهه الشاحب و يده التي كان يضعها على حافة المكتب فهمست لنفسها : " هناك شيء غير طبيعي "
ثم اقتربت منه و رفعت يدها إلى كتفه لكنه أوقفها بإشارة منه و هو يحاول التركيز لكن أنفاسه المتثاقلة و رؤيته الضبابية منعته , حتى وجه روز لم يكن واضحا أمامه و لم يعد يسمع صوتها الذي يناديه بل بدت كل الأصوات بعيدة ما عدا صوت دقات قلبه المتسارعة , شعر بالأرض تميد تحت قدميه فهمس بصوت ضعيف قبل أن يبتلع الظلام كل شيء :
" روز ... "
أما روز فبمجرد أن رأت سقوطه جلست بصعوبة على الأرض أمامه و رفعت رأسه بحذر فرأت وجهه الشاحب و شفتيه اللتين بدأتا تميلان إلى اللون الأزرق ثم بدأت تضرب وجهه بخفة و تناديه لكنه لم يستجب , نظرت حولها بذعر في الغرفة لكن دخول الحرس المفاجئ زاد من شعورها بالرعب , أحيطت روز بالحرس الذين انحنوا و رفعوه عن الأرض عندها وقفت روز بصعوبة و سارت خلفهم إلا أن أحد الحراس اعترض طريقها قائلا : " لن تذهبي معهم "
سألت روز بذعر : " لماذا ؟ ... يجب أن أكون معه "
نظر إلى الفنجان الموضوع على المكتب و قال : " سنتحدث قليلا عن الحادث "
بينما كان بقية الحرس يأخذون الفنجان و الأوراق وقف آخران خلف روز و قال أحدهما : " ستذهبين معنا "
عندها تنحى الحارس جانبا و خرجت روز مع الحارسين فوجدت إيفان يقف عند الباب يتحدث مع الحرس قبل أن يراها عندها اقترب منها و سأل باستغراب قائلا : " ماذا تفعل هذه هنا ؟ "
أجاب الحارس : " هي من قدمت الفنجان للقائد "
نظر إليها من الأعلى للأسفل و قال : " تحاولين اغتيال أقرب القادة إلي في قصري ؟ "
ردت روز بتحد : " أنا لست مجرمة مثلك لأسمم زوجي "
أخذ إيفان نفسا عميقا ثم قال : " أصبحت تتجاوزين حدودك بشكل علني و ستدفعين ثمن ذلك "
ثم أشار للحرس بأخذها بعيدا فأمسكوا بذراعيها من الخلف عندها قالت بعصبية : " ستدفع ثمن كل هذا "
عندها رد هو الآخر بنفس العصبية : " أنت معاقبة ... لن تغادري الجناح قبل استيقاظه "
أخذ الحراس روز إلى جناحها و أعادوها إلى غرفتها ثم وقفوا أمام الباب كي لا تخرج أو تتسلل أما روز فقد شعرت بأن طاقتها كلها استنزفت فانهارت في الغرفة .
مرت ساعتين قبل أن تسمع روز دقا على الباب فرفعت رأسها فورا و قالت : " تفضل "
كانت تتوقع دخول طبيب أو جاسوس يطمئنها على زوجها لكنها تفاجأت بأحد الحراس الذين ينتمون لإيفان يدخل الغرفة قائلا : " هناك تعليمة مرسلة إليك بأن تأتي معي إلى مكتب التحقيق "
رفعت روز رأسها و سألت باستغراب : " تحقيق ؟ "
أجاب الحارس : " نعم سيحقق أمن القصر معك لكشف ملابسات الحادثة التي تعرض لها القائد "
نهضت روز و اتجهت نحوه بخطى ثقيلة ثم توقفت أمامه و قالت بتعب ظهرت فيه نبرة من التحدي و الصمود : " أنا لم أسممه سواء شئتم تصديقي أم لا "
لكنه رد ببرود : " لكننا سنحقق معك ... هذا أمر ملكي لأن الحاكم قلق جدا على أحد أفراد حرسه "
ارتجف جسدها من هذه العبارة ثم تبعته بخطى ثقيلة نحو مكتب التحقيق .
دخلت روز مكتب التحقيق في مركز الأمن الملكي القريب من القصر حيث وجدت مسؤول الأمن الملكي , ضابط لا تعرفه لكنها متأكدة أنه من الخونة يضع أمامه ملفا فارغا يستعد لملئه بإدانات لا علاقة لها بروز , فتح الملف و أخذ القلم بين أصابعه ثم رفع بصره إلى روز و قال:
" سمعت أن حالة جين مستقرة ... خبر جيد لأنه قائد الكتيبة الخارجية للأمن الملكي و هو مهم جدا عندنا "
ردت روز و هي تنظر إلى يديها الفارغتين : " خبر جيد "
لكنها كانت تتمنى في داخلها أن يأتي بزي الأمن الذي تعودت أن تراه به منذ سنوات و يخرجها من هذا المأزق , رفعت رأسها و قالت :
" هل استيقظ ؟ "
أومأ المحقق نافيا : " تجاوز مرحلة الخطر لكنه لم يستيقظ بعد "
أغمضت عينيها و ابتلعت ريقها قبل أن يقول المحقق : " أنا أعلم ما تمرين به لكنني بحاجة إلى أن أسمع ما تعرفينه حول ما حدث , ما رأيت و ما سمعت داخل المكتب "
أومأت بصمت ففهم أنها مستعدة للاعتراف بكل شيء عندها سألها :
" متى دخلت مكتب جين ؟ و لماذا ؟ "
أجابت و هي تفرك يديها : " دخلت قبل سقوطه بحوالي ربع ساعة "
" و لماذا دخلت مكتبه ؟ "
" لأراه , لم نلتق منذ ليلة البارحة فقلقت عليه و ذهبت لأتفقده "
كتب كل ما قالته ثم وجه لها سؤالا آخر : " كيف كان عندما دخلت ؟ "
أجابت دون أي تردد : " بخير ... كان يعمل و لم أفهم ما كان يفعله بالضبط و أمامه فنجان قهوة غير ممتلئ لأنه شرب منه قبل أن أصل"
رفع المحقق رأسه : " أنت متأكدة ؟ "
أومأت و هي تجيب : " نعم "
عندها رفع سماعة الهاتف لكن روز لم تسمع الحوار كاملا بل عبارات متقطعة كانت :
" نعم ... نعم ... أرسله إلى مكتبي حالا "
بعد لحظات دخل الحارس الذي قدم الفنجان إلى جين و حيا المحقق الذي سأله : " هل أنت الحارس الذي أخذ فنجان القهوة إلى جين ؟ "
رد الحارس بصرامة و هو ينظر للفراغ أمامه : " نعم سيدي "
سأله مجددا : " من حضرها ؟ و من قدمها إليك لتأخذها إلى جين ؟ "
أجاب بذات الوضعية و الملامح و النبرة : " السيدة روز "
التفتت روز إلى المحقق فورا و قالت : " هذا مستحيل ... إنه يكذب "
سأل المحقق بثقة و هو يعقد ذراعيه : " و لماذا قد يكذب ؟ ما دليلك على أنك لم تحضريها ؟ ... لا تنسي ما يقال عن علاقتك بزوجك , إنها ليست شائعات لأن الجميع يرى و يسمع و يعلم كل شيء "
أجابت فورا : " لأن جين لا يشرب القهوة "
اعتدل في جلسته متكئا على الكرسي و قال : " لكنه شربها و إلا لما انتهى الأمر به في الجناح الطبي ... ثم إنك الوحيدة التي لها مصلحة في ذلك لأنك تحقدين عليه "
ردت روز بثقة : " أنا لم أحضرها "
رد مجددا و هو يراجع أقوال الحارس : " لكن الحارس أكد أنك دخلت و معك صينية "
رد الحارس من الخلف : " نعم فأنا من طلب الإذن من السيد جين كي يسمح لها بالدخول ثم إنه قبل مجيئها شرب القهوة مطمئنا لأنه علم أنها هي من حضرتها "
لتفتت روز إلى الحارس و قالت بعصبية : " أيها الكاذب أنا لا أطبخ لأنه أمر ممنوع علي من الحاكم "
رد المحقق و هو يفتح ملفا آخر: " لكن هناك أقوال منتشرة تقول أنك تتجولين في القصر كأنك أميرة "
التفتت روز إلى المحقق مجددا و قالت : " أنا لم أفعلها , ليس لدي مصلحة في ذلك "
أغلق المحقق الملف بعد أن سجل بعض الملاحظات و قال : " بل لديك ... من يدري بما يجول في داخلك , الآن لن أصدر حكما نهائيا و ستظل القضية مفتوحة حتى تثبت عليك التهمة لكنك ستعاقبين , أنت الآن ممنوعة من زيارة جين و هو في الجناح الطبي و ممنوعة من زيارة مكتبه و ممنوعة من مغادرة جناحك إلا بإذن مني أو منه , يمكنك العودة إلى جناحك "
ثم أشار إلى الحارس بأن يعيدها إلى جناحها لكنها قالت قبل أن تخرج :
" سينتهي كل هذا و ستكشف الحقيقة "
و بمجرد أن أغلق الحراس الباب خلفها قال المحقق و هو يطوي الملف و يضعه جانبا : " بالرغم من أنك بريئة إلا أن إيفان لا يترك أحدا خلفه "
كان الجناح الطبي غارقا في صمت يقطعه صوت جهاز مراقبة نبضات القلب و قطرات المحلول المتساقطة بانتظام , تحركت أصابع جين ببطء ثم عقد حاجبيه كأن ألما حادا ضرب رأسه ثم فتح عينيه و رأى السقف الأبيض قبل أن يستعيد وضوح الرؤية تدريجيا عندها اقترب الطبيب منه فورا و قال : " لا تحاول الحركة ... لقد تجاوزت مرحلة الخطر "
أخذ نفسا عميقا و أغمض عينيه بينما ذاكرته تعود به تدريجيا إلى المكتب ... فنجان القهوة ... روز ... ثم الظلام الذي ابتلع كل شيء ففتح عينيه بسرعة و التفت إلى الطبيب و قال له : " زوجتي ... أين روز ؟ "
تغيرت نظرة الطبيب فجأة و ظهر عليه الارتباك قبل أن يجيبه بكلمات مختارة بعناية : " إنها بخير "
أخذا نفسا عميقا و هو يشعر بالراحة قبل أن يقاطعه الطبيب : " لكنها خضعت لإجراءات التحقيق قبل أن يصدر المحقق حكما مؤقتا "
اتسعت عيناه و هو يسأله : " ماذا ؟ "
اقترب الطبيب منه و أكمل كلامه : " أمر المحقق بوضعها تحت المراقبة حتى يثبت غيابها عن المكان الذي حضرت فيه القهوة و منعت من زيارتك إلا بإذن منه أو منك "
رفع عينيه إلى السقف و بدأ يفكر في حل للمشكلة قبل أن تؤثر على روز إلا أن صوت طرق على الباب قاطعه فأذن الطبيب للطارق بالدخول عندها دخل الحاكم يتبعه المحقق , ابتسم الملك و هو يقف بجانب جين قائلا : " أنا سعيد لأنك نجوت ... لا يمكنك تصديق مدى قلقي عليك حين علمت بما حدث "
قال جين في نفسه : " قال سعيد قال ... أنت لا تطيق صبرا كي ترى رصاصة تخترق قلبي "
ثم ابتسم ابتسامة يخفي خلفها غضبه و رد قائلا : " أريد رؤية زوجتي "
تفاجأ الجميع من الإجابة فرد المحقق و هو يقلب أوراق الملف : " هذا غير ممكن في الوقت الحالي "
سأل جين مباشرة : " لماذا ؟ "
عدل المحقق الأوراق في الملف ثم أغلقه و قال و هو يرفع رأسه بغرور :
" لأنها ضمن قائمة المشتبه بهم و يمنع عليها زيارتك أو مغادرة الجناح إلا بإذن مني أو منك "
عندها رد فورا : " لها مني الإذن "
تفاجأ إيفان و المحقق من الرد و تبادلا النظرات قبل أن يكمل جين كلامه : " أنا زوجها في نهاية المطاف و أستطيع جعلها تعترف بما فعلته , لا يجب أن تطول مدة التحقيق "
عندها بدت بعض الراحة على إيفان الذي أمر الحراس باستدعائها و غادر الغرفة مع المحقق عندها تنهد جين براحة قائلا : " متى سينتهي هذا الكابوس ؟ "
ثم اعتدل جالسا قبل أن تدخل روز مبتسمة رغم ملامح التعب التي كانت بادية على وجهها بوضوح , كما بدا عليها أنها تتعرض للضغط و الخوف و أنها لا تنام أو تأكل جيدا , أخذت روز كرسيا و جلست بجانبه لكنها تركت مسافة قصيرة بينهما لأنها أصبحت تخشى أن تؤذيه إذا اقتربت أكثر منه إلا أنه لاحظ الأمر فقال : " اقتربي أكثر "
لكنها لم تفعل بل بقيت تنظر إلى يديها و تفركهما مرارا و تكرارا قبل أن تقول بصوت خافت : " أنا سعيدة لأنك بخير "
أومأ شاكرا فأكملت : " قالوا لي أنك أنت من سمح لي بالدخول "
عندها قال بهدوء : " نعم , كنت أرغب في رؤيتك "
استغربت روز الإجابة فردت : " كنت ترغب في رؤية من حاولت قتلك "
ضحك ضحكة قصيرة خافتة ثم قال : " لم تثبت التهمة عليك لذا فأنت لست قاتلتي بعد "
ضحكت روز رغما عنها فسألها : " كيف حالك ؟ ... و كيف حال صغيرنا ؟ "
قالت روز في نفسها : " من الجيد أنك تذكرت أنه سيكون لديك طفل بعد بضع شهور "
ثم رفعت رأسها و قالت : " إنه بخير ... إنه يكبر "
تنهد براحة ثم قال : " سأنتظره "
سادت لحظة صمت بدت فيها الغرفة كأنها خالية من الأشخاص قبل أن تقطعها روز بتنهيدة ثم قالت : " جين ... أنظر إلي "
رفع بصره إليها فورا فرغم كل شيء بقي قلبه يعود إليها و ظل ينفذ ما تريده دون أن يشعر عندها رأى دموعا تلمع في عينيها قبل أن تقول :
" أريد جوابا حقيقيا و مباشرا دون لف أو دوران ... هل تصدق أنني من وضعت السم في القهوة ؟ "
ساد صمت طويل بدا لها كأنه الإجابة الحقيقة لكنه قال بصوت هادئ :
" سيتبين الأمر عاجلا أو آجلا مع التحقيقات "
لكن قلبه كان يقول : " أعلم تماما أن لا ذنب لك في هذا فأنت لا تؤذين حتى نملة ... لكنه اختار أن يلصق التهمة بك "
إلا أنه لم يتمكن من قولها لأن الغرفة مراقبة و هو لا يريد المخاطرة بها , أما روز فلم تقتنع بالإجابة فقالت: " قلت دون لف أو دوران هل تصدقني أم لا ؟ "
كانت روز تنتظر إجابة واضحة لكنها وجدت صمتا ليس له تفسير , لا تعلم إذا كان يصدقها أم يصدقهم لكنها تعلم يقينا أن ما حدث سيزيد الشرخ بينهما .