كان الليل قد خيم على القصر , تم تشغيل أنظمة الأمان كما انتشر المقنعون لحراسة المجلس الأكبر و جناح الحاكم السابق بينما جين فقد كان يرافق إيفان أثناء نزهته في المدينة معه مساعده دييغو و اللذان لم يبد بينهما أي انسجام في العمل .
أما روز فقد كانت جالسة في غرفتها برفقة أندرو الذي وضعته على السرير و أخذت تلعب معه بدميته التي خاطتها له مع والده ثم حملته بين ذراعيها و نظرت إلى الساعة و قالت:" يبدو أن والدك سيتأخر اليوم و أنا لن أستطيع النوم "
ثم قامت باتجاه النافذة و أخذت تطل على الحديقة الداخلية للقصر عندها لمحت رجلا يقف أمام إحدى الأشجار فاتسعت ابتسامتها للحظة قبل أن تختفي عندما رأت ثيابه السوداء و قالت في نفسها :
" بذلة جين بيضاء على عكس هذه البذلة , ليس من عادته ألا يزورني و لو لدقائق "
سكتت قليلا و هي تفكر بصوت عال : " هل يعقل أن يكون ذلك المختل قد اكتشف أمره ؟ "
لكنها هزت رأسها بعنف نافية لتطرد الفكرة من عقلها و قالت : " لا مستحيل , هذا غير ممكن , جين حذر بما يكفي كي لا يكتشف أمره "
في هذه اللحظة فتح الباب بهدوء فرفعت روز رأسها بسرعة نحوه و رأت جين يدخل بخطى ثابتة و سترته البيضاء على ذراعه ثم أغلق الباب خلفه و رفع رأسه نحوها فرأى علامات القلق على وجهها عندها اقترب منها و توقف أمامها و سألها بهدوء : " لماذا لم تنامي بعد ؟ "
وضعت أندرو على السرير ثم اقتربت منه و أخذت تعدل قميصه الأبيض قائلة : " كنت قلقة عليك , ليس من عادتك أن تتأخر هكذا "
و تجنبت ذكر الشاب الذي رأته في الحديقة كي لا تعرضه لأي خطر عندها ابتسم و هو ينظر حوله في أرجاء الغرفة ثم قال : " إنهم يزيدون الحراسة على القصر و الحاكم , أعتقد أنهم يشكون في أمر الانقلاب "
اتسعت عيناها قلقا ثم رفعت رأسها نحوه و سألته : " ماذا لو اكتشف إيفان أمرنا ؟ كيف سنخرج من هنا ؟ "
رد مبتسما : " لا تخافي , سأخرجكما من هنا مهما كان الثمن , أما أنت فعليك الهرب بأندرو إلى عائلتك و ألا تنتظريني "
أفلتت روز القميص بعنف و قالت : " لا لن أفعل , لن نغادر بدونك , سنعود إلى بيتنا معا "
لكن ابتسامته اختفت تدريجيا و هو ينظر إليها عندها تغيرت ملامحها هي الأخرى إلى مزيج من الحزن و الصدمة و قالت : " لا تقل بأنك تنوي فعل شيء خطير "
فهمت روز فورا أن الخروج من القصر يستوجب دفع ثمن باهض و أن أي تحرك غير محسوب سيكون عقابه وخيما عندها أمسكت بذراعيه و قالت و هي تنظر إلى عينيه : " لا تفكر في فعل شيء ما بدوني و لا تفكر في أي مخاطرة مهما كان نوعها , سيتدبر الأمن أمر الانقلاب و نحن الثلاثة سنجد مخرجا آمنا نهرب منه , اتفقنا ؟ "
لكنه أومأ نافيا و قال : " هذه الخطة لن تكون ناجحة لأنني مجبر على البقاء قريبا منه , لذا سأقوم بتأمين الطريق لكما ثم أذهب لإلهائه بينما تغادرين معه , و قد أتمكن من اللحاق بكما فيم بعد "
عندها شدت يدها على ذراعه و أومأت نافية مجددا : " الأمر غير قابل للنقاش , إما أن نغادر معا و إما أن نبقى معا "
فجأة سمع الاثنان صوت تحطم مزهرية خارج الغرفة فالتفتا معا نحو الباب عندها مد جين ذراعه و أبعدها للخلف قائلا : " ابقي هنا , سأذهب لأتفقد الرواق "
لكنها أمسكت ذراعه من الخلف و قالت : " ماذا قلنا عن الذهاب بمفردك ؟ "
أفلت يدها بلطف قائلا : " ستبقين هنا ريثما أعود "
إلا أنها تمسكت به مجددا و قالت : " لا تذهب بمفردك , خذني معك لأن الأمر يبدو كأنه فخ "
عندها سحب سلاحه و أشار به للسرير قائلا : " ابقي هنا , إياك و اللحاق بي مهما سمعت "
فجأة سمع الاثنان صوت إغلاق قوي لأحد الأبواب فأبعدها عنه و اتجه نحو الباب لكن قبل أن يخرج التفت نحوها قائلا : " ابقي بعيدة عن الباب "
ثم فتح الباب و خرج من الغرفة فوجد الرواق فارغا ما أثار شكه و جعله يبتعد عن الغرفة نحو نهاية الرواق و هناك لمح ظل شخص يبتعد فلحق به حتى ابتعد عن الجناح و وصل إلى جناح الأمير نافين و الذي تم اغتياله قبل سنة و بقي جناحه مهجورا لكنه لم يجد أحدا فاستدار ليعود إلى جناح روز لكنه سمع صوتا مألوفا خلفه يقول : " كنت أتوقع أن تصل إلى هنا "
التفت إلى الخلف فوجد دييغو واقفا يرتدي بذلته السوداء و في يده سكينه التي اعتاد وضعها في جيبه عندها فهم أن الأمر فخ لاستدراجه , اقترب دييغو منه بخطى ثابتة قائلا : " أنت تعرف أن هذه تعد خيانة ... خيانة عظمى للحاكم بعد أن أعلنت ولاءك له مرتين "
مد جين يده نحو سلاحه ببطء و سحبه بثبات ثم وجهه نحوه قائلا : " لا تجبرني على فعل ما لا أريد فعله "
ضحك دييغو ضحكة ساخرة قبل أن يقترب منه بخطوات بطيئة قائلا :
" مازلت تعتقد نفسك البطل ذا القلب الأبيض الذي ينقذ الجميع و يحظى بالتصفيق في نهاية القصة ... هذا في أحلامك فحسب "
تنهد جين بنفاذ صبر ثم أعاد سلاحه إلى مكانه قائلا : " توقعت أن أجد تهديدا حقيقيا هنا و ليس مضيعة وقت "
ثم التفت عائدا إلى جناحه لكنه شعر بخطوات خلفه و بمجرد أن استدار و رآه يندفع نحوه رفع ذراعه كي يصد الضربة التي شقت ساعده لكنه لم يسمح له بأن يقترب منه أكثر و دفعه بعيدا عنه فانفصل السكين عن ذراعه مخلفا جرحا عميقا لوث بذلته بدمائه عندها اعتدل دييغو و هو يمسح الدم عن سكينه قائلا : " هذا ليس كافيا , لا يطفئ ما بداخلي "
ثم اندفع نحوه بسرعة و غرس السكين في خاصرته فتجمد جين مكانه قبل أن يشعر بالألم ينتشر داخله ثم تراجع خطوة للوراء قبل أن يسحب دييغو السكين بقوة قائلا : " هذا سيعلمك أن قلبك الأبيض لن ينفعك في حياتك "
ثم غادر و تركه يضع يده السليمة على الجدار كي يسند جسده الذي بدأ يفقد قدرته على الوقوف و الذي اضطر للضغط عليه كي يصل إلى جناحه عبر الرواق الذي تعود المرور عليه عشرات المرات و الذي يبدو الآن أطول مما اعتاد عليه .
آنذاك كانت روز تجوب غرفتها ذهابا و إيابا دون توقف و القلق ينهشها من الداخل حتى شعرت بانقباض في قلبها ثم جلست على السرير و وضعت يدها عليه و همست : " مثل تلك الليلة قبل سنة "
ثم قامت و اتجهت نحو المهد الذي وضعت فيه أندرو النائم و هو يحتضن دميته التي خاطها والداه معا , توقفت أمامه و مدت يدها نحو الدمية التي قاما بخياطتها معا و مررت يدها عليها لعلها تشعر بلمسته في الدمية قبل أن تسمع صوت خطوات ثقيلة قادمة من رواق الجناح نحو غرفتها فهبت واقفة ثم اتجهت نحو الباب و قالت بصوت منخفض : " جين ... هل هذا أنت ؟ "
بعد دقائق جاءها الرد بصوت منخفض أيضا : " افتحي ... "
أدارت المقبض و فتحت الباب لكنها تجمدت مكانها من المنظر المخيف الذي رأته , كان جين واقفا أمامها بوجه شاحب و يده المغطاة بالدم تضغط على سترته البيضاء التي تلطخت أيضا بالدم , اتسعت عيناها و اقتربت منه عندها حاول أن يقول شيئا لكنه ترنح فأمسكت به فورا قبل أن يقع و أسندته بكل قوتها و هي تنظر إلى الدماء التي تغطي ثيابه ثم سألته :
" ماذا حدث لك ؟ "
رد و هو ينظر إلى الأرض بشرود : " لا شيء ... لا تقلقي "
رفعت رأسها و قالت بذعر : " لا تقلقي ؟ ... أنظر إلى نفسك ... أنت تنزف "
أوصلته إلى الأريكة التي كانت موضوعة في الغرفة و بعد أن ساعدته على الجلوس عادت إلى الباب و أغلقته ثم عادت إليه و جلست أمامه على ركبتيها ثم سألته : " من فعل هذا ؟ ... من كان في الجناح ؟ "
أجاب بين أنفاسه المتعبة : " كان فخا ... دييغو استدرجني إلى الخارج لإبعادي عنكما "
بدأ الخوف الحقيقي يتسلل إلى روز لكنها أخفته لأنه ليس هناك وقت لإظهاره ثم أسرعت إلى الخزانة في رواق الجناح و أحضرت حقيبة إسعافات أولية ثم عادت و جلست أمامه ثم أخرجت قفازات و ضمادات و تفقدت جرح ساعده و قالت : " يبدو سطحيا بالرغم من أنه ينزف "
ثم مالت إلى خاصرته و قالت بقلق : " لكن هذا ... "
لكنها لم تكمل جملتها لأن ما رأته لم يكن مطمئنا عندها لاحظ جين ملامحها التي تغيرت و قال :" أعرف ... يبدو أخطر "
نزعت سترته البيضاء عنه بحذر و هي تقول : " لا أستطيع علاجك هنا , لكنني أستطيع أن أكسب بعض الوقت حتى نحضر طبيبا "
رفعت طرف قميصه بحذر و ما إن ظهر الجرح حتى انحبس نفسها و ظهرت الصدمة على وجهها و عندما لاحظ جين الأمر التفت إليها و قال : " روز ... "
لكنها قاطعته و هي تضع قطعة شاش معقمة على الجرح : " لا تتكلم "
و بمجرد أن ضغطت عليها بثبات انقبض وجه جين من الألم فقالت دون أن ترفع عينيها : " آسفة ... لكن لم يعلمني أحد كيف أتصرف عندما يكون زوجي هو المصاب "
ضحك ضحكة قصيرة و قال : " لكنك أحسنت التصرف "
رفعت روز رأسها و أخذت تنظر إلى الغرفة حولها و قالت : " نحتاج إلى طبيب , كيف سأحضره ؟ "
رد و هو ينظر إلى الباب : " هذا غير ممكن , قد يكون دييغو خارجا "
أخذت يده و وضعتها على الضماد و قالت : " اضغط هنا حتى أعود "
ثم وقفت عندها تغيرت ملامحه و سألها : " إلى أين ؟ "
ردت و هي تتجه نحو الباب : " لأحضر طبيبا , الإسعافات لن تكفي , نحتاج إلى طبيب "
عندها حاول الوقوف لإيقافها لكن الألم منعه فاضطر للعودة إلى الأريكة ثم قال : " لا تخرجي , قد يكون دييغو خلف الباب أو في أي مكان في الجناح "
التفتت إليه و قالت : " لا تتحرك فحسب "
عندها سمع الاثنان صوت دقات متتالية على الباب فاتجهت روز نحوه و وقفت أمامه و سألت بصوت منخفض : " من هناك ؟ "
عندها رد صوت نسائي تعرفه روز جيدا : " هذه أنا جاسمين ... رأينا دييغو يغادر الجناح و في يده سكين ملطخ بالدماء فخشينا أن تكوني أنت الضحية لذا جئنا مع طبيب القصر "
التفتت روز إلى جين و قالت مبتسمة : " أرأيت ؟ جاءت المساعدة إلينا بنفسها "
لكنه لم يبد في حالة تسمح له بالرد , رأسه مال لليمين و أغمض عينيه فبدا متعبا جدا عندها ابتعدت روز عن الباب و أسرعت نحوه ثم جلست على الأريكة بجانبه و أسندت رأسه إلى كتفها قائلة : " لا تنم ... لا تنم "
ثم التفتت نحو الباب و قالت : " يمكنك الدخول "
فتح الباب و دخلت السيدة جاسمين خلفها الطبيب خلفه خادمة و حارس شاب و بمجرد أن رأى الأربعة جين غارقا في دمائه على الأريكة أسرع الطبيب نحوه و بدأ يفحصه بينما أفسحت روز له المجال ليقوم بعمله فوقفت بجانب جاسمين و الحارسين و أخذت تنظر إليه بشرود عندها وضعت السيدة جاسمين يدها على كتفها قائلة : " روز .... أندرو يبكي "
عندها انتفضت روز بقوة و التفتت إليها ثم سألت بعدم فهم : " ماذا ؟ "
لاحظ جين الأمر رغم تعبه عندها أشار إلى المهد قائلا : " روز تفقديه "
أومأت روز ثم اتجهت إلى المهد و حملت أندرو بين ذراعيها لكنه لم يهدأ عندها اقتربت من جين و قالت : " أندرو يتضايق من وجود الغرباء في الغرفة و لن يهدأ , يجب أن أخرج قليلا "
أومأ بإيجابية قائلا : " لا تبتعدي , قد يكون هنا "
أكدت روز له أنها لن تبتعد ثم خرجت من الغرفة و سارت في الرواق مبتعدة عن الغرفة و هي تهز أندرو بين ذراعيها عندها سمعت أصوات أشخاص يتحدثون , بدت الأصوات مألوفة عند روز فاقتربت متسللة و هي تستمر في هز أندرو كي تحافظ على هدوئه ثم توقفت خلف الجدار الفاصل بينها و بين الشخصين و أخذت تنصت إليهما فعرفت المتحدثين و الذين كانوا دييغو و تيفاني و المقنعين , كانت تيفاني توبخ دييغو قائلة :
" هل أنت مجنون ؟ ... كيف تغتاله في القصر ؟ "
رد دييغو ببرود : " كانت أول رسالة كي يعرف حدوده و يلزمها "
ردت تيفاني بنبرة أقرب إلى البكاء : " أنت تعرف أنني أحبه , لن أسمح لك بأن تكررها "
لكنه أمسك شعرها بعنف فتألمت قبل أن يتدخل المقنعون لفصلها عنه لكنه لم يسمح لهم بذلك , بدا مخيفا و هو يصرخ عليها قائلا : " ستتوقفين عن التصرف بغباء قبل أن أفعل بك ما فعلته به و لن أتهاون في الأمر , ستصدر عقوبة في حقه هذا المساء تقضي بتقليص صلاحياته و تقييد عمله في الحرس الملكي كي يتوقف عن تسريب أسرارنا قبل أن ننتقل للمرحلة التالية لذا ستبقين بعيدة عنه "
ثم سحبها بشكل أقوى جعل صرخة ألم قصيرة تفلت منها و قال : " إذا فشلت الخطة فستكونين السبب الأول بغبائك و عواطفك التي تغلبت عليك و وقتها لن أرحمك مطلقا "
فجأة أصدر أندرو صوت مناغاة ظريفا و هو بين ذراعي روز فالتفت الجميع إلى مصدر الصوت و سأل أحد المقنعين : " هل سمعتم الصوت الذي سمعته ؟ "
أفلت دييغو شعر تيفاني و قال : " إنها هنا "
اتسعت عينا روز ذعرا و شعرت بأن قلبها سيسقط من مكانه فضمت طفلها إليها و عادت راكضة إلى غرفتها بأسرع ما يمكنها دون أن تلتفت إلى الخلف حتى وصلت إلى الغرفة و فتحت الباب ثم دخلت و أغلقته خلفها بإحكام و أخذت تلتقط أنفاسها عندها انتبهت إلى أن جين و الطبيب الذي كان يعالج جرحه و الحارس الذي كان يؤمن الغرفة و جاسمين و مساعدتها ينظرون إليها باستغراب فاعتدلت في وقفتها عندها اقتربت جاسمين منها و أخذت أندرو من بين ذراعيها بينما سألها جين المستلقي على الأريكة : " هل طاردك أحد ؟ "
اقتربت منه و هي تحاول السيطرة على أنفاسها : " لا لم يطاردني أحد , سنناقش الأمر فيم بيننا لاحقا "
ثم التفتت إلى الطبيب الذي كان يضمد الجرح و سألته : " هل إصاباته خطيرة ؟ "
أنهى الطبيب تثبيت الضماد ثم خلع قفازاته قائلا : " لم تصب الطعنة أي عضو حيوي و هذا مطمئن جدا , حالته مستقرة لكنه يحتاج إلى المراقبة "
تنهدت روز براحة كبيرة ثم قالت : " سأبقى هنا معه "
أومأ الطبيب و قال و هو يرتب أدواته في الحقيبة الطبية : " في حال زاد الألم أو تعرض لأي حمى فاستدعيني , لا نستهين بأي حمى عند إصابة كهذه "
أومأت روز بإيجابية عندها وضعت جاسمين أندرو في مهده ثم غادرت الغرفة مع البقية فأغلقت روز الباب خلفهم ثم أحضرت كرسيا و وضعته بجانب السرير و عدلت الغطاء على جين لكن قبل أن تجلس أشار جين إلى المهد و قال بصوت ضعيف : " أريده معي رجاء "
أومأت موافقة ثم اتجهت إلى المهد و أحضرت أندرو و وضعته بجانب أبيه بعيدا عن موضع الإصابة ثم جلست بجانبهما تنظر إليه و هو يلاعبه عندها ابتسمت قائلة : " ما رأيكما في قصة ؟ "
التفت جين إليها مبتسما : " قصة ما قبل النوم ؟ "
ضحكت روز ضحكة قصيرة و قالت : " قصة جميلة سيحبها , تقول إحدى الأساطير أنه في زمن ما كان هناك فارس باع روحه لقوى الظلام و حصل على ذرع أسود و سيف أسود فقاتل جميع الفرسان و هزمهم ما جعل الخوف و الظلام ينتشر في المملكة و الناس يبحثون عن النجدة , في خضم هذا الرعب و الدمار ظهر فارس يملك ذرعا فضيا و بذلة بيضاء يحارب بقلب نقي و رغبة صادقة في حماية الضعفاء و إعادة النور إلى المملكة , التقى الفارسان عند إحدى التلال و بدآ مواجهة عنيفة هاجم فيها الفارس الأسود خصمه بقوة و وجه له ضربات حاسمة واجهها الفارس الأبيض بصبر و إيمان بعدالة قضيته , و في لحظة حاسمة رفع الفارس الأسود سيفه ليوجه الضربة القاضية للفارس الأبيض الذي كان مصابا يستعد كي يلقى مصيره انشقت الغيوم و ظهرت أشعة الشمس التي انعكست على ذرع الفارس الأبيض فأصابت الفارس الأسود بالعمى المؤقت عندها استغل الفارس الأبيض فرصته و وجه ضربة دقيقة إلى قلب الفارس الأسود فتحول إلى غبار و عاد النور إلى المملكة و اجتمع سكان المملكة حول الفارس الأبيض يصفقون و يهتفون له لأنه أنقذهم "
ثم التفتت إلى جين و قالت : " كما أنقذنا والدك من دييغو و كما سيفعل الناس حين ينقذنا أيضا من إيفان "
نظر جين إليها بصدمة و سألها : " ماذا ؟ "
أومأت موافقة : " نعم , الجميع يعتمد عليك يا جين كي تنقذنا من إيفان "
ثم خفضت نظرها نحو إصابته و تنهدت و قالت : " و أنا أعتمد عليك كي تخرجنا من هنا , لذا حافظ على نفسك من أجلنا فنحن نحتاجك كثيرا "
مد جين يده نحوها فأمسكت بها فورا عندها قال : " أعدك بأن نخرج من هنا "
تفقدت روز إلى الساعة في هاتفها الموضوع على الطاولة بجانبها و قالت : " تأخر الوقت , و أنت بحاجة إلى الراحة "
نظر إليها باستغراب ثم سألها : " ألن تنامي ؟ "
أومأت نافية : " لا أستطيع و لا أشعر بنعاس , سأراقبك و أكون هنا تحسبا لأي حمى أو مضاعفات "
التفت إلى أندرو الذي نام بجانبه و قال : " أيقظيني في حال حدث أي شيء "
أومأت موافقة لكن قبل أن ينام سمع الاثنان صوت دق على الباب فتبادلا نظرة شك ثم اعتدل جين في مكانه و هب جالسا ثم قال و هو ينظر للباب :
" لا تفتحي إلا إذا أذنت بذلك "
أومأت موافقة ثم قامت من مكانها و وقفت أمام الباب و سألت : " من هناك ؟ "
عندها جاءت الإجابة صادمة : " إيفان ... جئت لأطمئن على قائد حرسي "
التفتت روز إلى جين بصدمة و همست : " إيفان هنا "
رد بجدية : " فليدخل "
فتحت روز الباب فقابلها إيفان بابتسامة عريضة يقف خلفه دييغو و تيفاني و ثلاثة حراس عندها قال إيفان : " سمعت أن قائد الحرس الملكي تعرض للهجوم هنا و تلقى العلاج هنا , أين هو ؟ "
تنحت روز جانبا و قالت : " هناك "
دخل الحاكم أولا يتبعه دييغو الذي كان يرتدي بذلة سوداء مشابهة لتلك التي اعتاد ارتداءها أثناء مرافقة الحاكم و التي كان يرتديها عندما هاجم جين , وقف الحاكم و دييغو خلفه ثم قال : " أنا سعيد جدا لنجاتك , قلقت كثيرا عندما سمعت خبر الهجوم عليك , أنت مهم جدا عندي لأنك من حرسي "
أومأ جين بإيجابية قائلا : " أقدر قلقك , سأعمل على إيجاد الفاعل و جعله يدفع الثمن "
التفت الحاكم إلى روز و قال : " هذا الجناح لم يعد مكانا آمنا لقائد الحرس الملكي لأنه من يستطيع الوصول إلى القائد يستطيع الوصول إلى الحاكم لذا بمجرد أن يشفى سيغادر هذا الجناح فورا و لن يعود إليه , ستعود إلى جناح زوجتك "
ظهرت الصدمة على وجه روز و نظراتها تنتقل بين جين و الحاكم و دييغو عندها تنهد جين و قال : " حاضر , سأنفذ الأمر بمجرد أن أستعيد قدرتي على الوقوف "
ردت تيفاني بابتسامة واسعة : " سأهتم به "
أومأ الحاكم برضى ثم غادر و خلفه دييغو و الحراس , بمجرد أن أغلقت روز الباب خلفه التفتت إلى جين الذي مد ذراعيه نحوها و قال : " تعالي إلى هنا "
أسرعت روز نحوه و جلست بجانبه ثم دفنت وجهها في ذراعه السليمة عندها سألها : " هل أنت بخير ؟ "
أومأت نافية دون أن تبعد وجهها عنه فوضع يده على شعرها قائلا : " لا تخافي "
رفعت رأسها إليه و قالت : " الأمر يتكرر "
سأل باستغراب : " ما الذي يتكرر ؟ "
أجابت و هي تستمر في النظر إليه : " تلك الليلة التي مات فيها الأمير , قبل سنة من الآن استيقظت فجأة من النوم و أنا أشعر بضيق في قلبي و تذكرتك فجـأة رغم أنك كنت غريبا , بعدها تغير كل شيء "
سألها و هو ينظر للفراغ : " هل تريدين أن تعرفي ما حدث ؟ "
أومأت بإيجابية و ردت : " نعم , قالت جاسمين أنك تعرضت لمحاولة قتل من سامر لكن لا أحد أخبرني بالتفاصيل "
تنهد بعمق ثم قال : " سأخبرك , كانت ليلة الانقلاب الأول الذي نفذه إيفان لأخذ القصر , كنت في طريقي إلى المنزل بعد أن أنهيت عملي لكن سامر قطع طريقي و طعنني ... "
سألته مستغربة : " ألهذا قتلته ؟ "
أجاب فورا : " نعم "
قاطعته روز متعجبة : " هل أنت متأكد ؟! "
نظر إليها باستغراب : " هل تشكين في صدقي ؟ "
أومأت نافية بسرعة : " لا أبدا ... لكن ظننت آنذاك أنك خنتني و أنه أراد أن يحميني منك و لهذا استدعاني "
أخذ نفسا عميقا ثم قال : " لم يستدعيك ليحميك مني , بل استدرجك ليقتلك و ليدمر ما بيننا , كل هذا كان جزء من مؤامرة إيفان "
انهارت روز بتعب على كتفه و قالت : " أنا آسفة جدا , كانت تلك أول طلقة خاطئة أوجهها نحوك , كان من المفترض أن ألوم الشخص الذي أراد جعلنا غريبان .... أنا متعبة و خائفة , أريد أن ينتهي كل هذا و نعود إلى بيتنا "
رفع جين يده و ربت على ظهرها قائلا : " سينتهي ... أعدك "
انتهت تلك الليلة بهدوء مخيف جدا يخفي خلفه عاصفة كبيرة لم يستعد لها أحد و لم يحسب حسابها أحد .
مر أسبوع استغله جين في الراحة حتى استعاد حيويته و قوته لكن جرحه لم يلتئم بما يكفي , مع ذلك ترك السرير و عاد إلى عمله في الحرس الملكي لكن اليوم الذي عاد فيه إلى عمله في الحرس الملكي حمل مفاجأة ثقيلة لم يحسب لها أحد حساب .
استدعى الحاكم الحرس الملكي و قائدهم جين , مساعده دييغو , المقنعون , الوزراء و مجلس الحكماء في أول اجتماع نظم بعد الحادثة الأخيرة .
افتتح إيفان الاجتماع قائلا : " هذا القصر يحتاج إلى تنظيم , الحادثة الأخيرة زرعت الخوف في سكان القصر و كما تعلمون فالاعتداء على أحد أفراد البلاط الملكي مهما كانت رتبته يعد جريمة يعاقب عليها القانون لأن الوصول إلى أحد أفراد البلاط الملكي يعني الوصول إلى الحاكم "
سكت قليلا ثم قال بصوت مرتفع مخيف : " لهذا سنعيد تنظيم هذا القصر و تنظيم أفراده , بعد تفكير عميق فيم حدث قررت أن يصبح دييغو قائد الحرس الملكي و تنزل مرتبة جين ليصبح مساعده "
التفت الجميع إلى الحاكم بصدمة الذي توجهت نظرته إلى جين و قال :
" لقد تغيرت كثيرا يا جين و أصبحت لا تقدر أهمية رتبتك , أولا لم تستطع حماية نفسك و ثانيا لم تعد تعرف أين يجب أن تكون "
ثم أشار إلى البقية بيده قائلا : " انتهى الاجتماع , فليغادر الجميع ما عدا جين , أحتاج إلى أن يذكره بمن يجب أن يكون "
غادر الجميع القاعة ما عدا جين و الحاكم و دييغو , أشار الحاكم إلى دييغو بالجلوس على الكرسي المقابل ل جين فنفذ الأمر و جلس مقابلا له , كان جين يرتدي بذلته البيضاء بينما دييغو فقد كان يرتدي بذلة سوداء أما الحاكم فد جلس مقابلا لكليهما ثم قال و هو ينظر إليهما : " هناك أسطورة تقول أنه في زمن ما كان هناك فارسان , أحدهما صاحب ذرع أبيض و الثاني صاحب ذرع أسود , كان الجميع يعلم أن المكان لا يتسع لفارسين و أن القوة لا يمكن اقتسامها بين اثنين لذا التقى الفارسان عند تلة عالية من أجل المواجهة الكبرى , كان الفارس الأبيض يعتقد أن كل شيء يحل بالطيبة و القلب الأبيض لكن اعتقاده كان خاطئا لأن الفارس الأسود استغل فرصته و وجه سيفه إلى ذرع الفارس الأبيض و حطمه و اخترق قلبه فكانت الغلبة للأقوى "
سأل دييغو باستغراب : " ما الداعي لهذه الأسطورة الآن ؟ "
أجاب الحاكم : " لأذكركما بأن هذا القصر و هذه المملكة يستمران بالقوة و ليس بالقلب الأبيض "
ثم غادر و تركهما جالسين في مكانيهما دون أي حركة عندها مال دييغو برأسه لليمين و قال : " لا أعتقد أن الضربة كانت قوية بما يكفي لتعيدك إلى رشدك "
رد جين بثبات : " أنا أعرف ما أفعل , و أثق تماما بأنه سينجح مهما كلف من ثمن "
قام دييغو من مكان و اتجه إلى جين ثم انحنى نحوه و وضع يده على ساعده و ضغط بشدة على جرحه لكن جين كتم أنينه و استمر في النظر إلى عينيه بذات الغضب أما دييغو فقال بهدوء و ثبات : " بت أعرف نقطة ضعفك و رغم أنك ستنزف من أجلها إلا أنني أعرف كيف سأتصرف "
لكن جين فاجأه بلكمة قوية أبعدته عنه ثم قام من مكانه و قال : " جرب الاقتراب منها و سترى ما سأفعل بك "
و غادر القاعة بخطى ثابتة نحو جناح روز أما دييغو فتبعه بعينيه و هو يهمس : " ستدفع ثمن هذا يا جين , أعدك "
وصل جين إلى جناح روز و عندما اقترب من الغرفة اخترق مسامعه صوت بكاء رضيع فعرف فورا أنه أندرو عندها دخل غرفة روز التي كان الصوت يصدر منها ثم أغلق الباب خلفه و عندما التفت وجد روز شاردة تحدق في الفراغ و أندرو يبكي بشدة , اقترب منها و ناداها لكنها لم تستجب فعلم أنها تعرضت لإحدى نوبات الاضطراب و لم يشأ لمسها أو الاقتراب منها تفاديا لأي مقاومة , اقترب من مهد أندرو و حمله بين ذراعيه و أخذ يهزه حتى تعرف عليه و هدأ و توقف بكاؤه ثم أعاده إلى المهد و جلس مقابلا لروز ثم همس لها : " روز ... أنا هنا "
لكنها لم تستجب فكرر الأمر مجددا بالعبارات التي اعتاد طمأنتها بها حتى شعرت بوجوده و التفتت إليه عندها مد يده نحوها فأمسكت بها فورا , عندها سألها بقلق : " هل أنت بخير ؟ ... كنت شاردة "
أجابت روز بهدوء : " أنا خائفة و أريد أن ينتهي كل هذا ... أشعر بأنني فقدت السيطرة على جسدي مرة أخرى "
سألها باهتمام : " فيم تفكرين ؟ "
نظرت إليه لبرهة ثم أجابت : " في البحث عن إجابة لتساؤلاتي "
لم يفهم جين ما تقصده روز لكنه لم يسأل المزيد من الأسئلة كي لا يضغط عليها .
آنذاك كان دييغو قد تسلل إلى مكتب جين الذي كان يشرف من خلاله على أعمال الحرس الملكي و هناك وجد حاسوبا محمولا موضوعا على المكتب فاقترب منه و فتحه ثم أخذ يتفقد ما فيه حتى عثر على ملف في الحاسوب , كان ذلك الملف هو الوحيد في الحاسوب ما أثار استغرابه و فضوله لتفقده ففتحه و ظهر أمامه كل ما كان يخفيه مع إيفان و ينفذه طوال هذه السنة بدء من المؤامرة و تسميم الحاكم شارل وصولا إلى اغتيال الأمير و انتهاء الأمر بالحصول على القصر , أغلق دييغو الحاسوب ثم حمله و غادر المكتب و هو يقول في نفسه : " اقتربت نهايتك يا جين "