ساعدت الطبيبة و الخدم روز على الوصول إلى غرفتها فالسير إلى الغرفة مع ذلك الألم الهائل لم يكن سهلا كما ساعدوها على الاستلقاء ثم فردت الطبيبة عليها غطاء و قالت : " ارتاحي و لا تفكري في شيء ... سأكون هنا إلى جانبك "
ثم وضعت كرسيا و جلست بجانبها و أمسكت يدها و أخذت تمسح على شعرها لساعات حتى نامت روز أخيرا .
كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل عندما كانت الطبيبة جالسة على الكرسي تقرأ كتابا و تمسح على شعر روز كلما سمعتها تتمتم أثناء النوم , فجأة سمعت دقا على الباب فالتفتت و قالت بصوت منخفض : " تفضل "
كانت تتوقع أن يكون أحد الخدم لكنه كان جين بثياب عادية , دخل الغرفة و ملامح التعب بادية على وجهه ثم وقف بجانب الطبيبة يتمعن ملامح روز المتعبة و يسأل الطبيبة : " كيف حالها ؟ ... أرجو أن لا يكون الزفاف قد أثر عليها كثيرا ... هل تحتاج إلى نقل إلى المستشفى ؟ "
أومأت الطبيبة نافية : " لا ... لا داعي للأمر فقد سيطرت على الوضع لكن من الأفضل أن تبقى بعيدا عنها في الوقت الحالي يا جين "
رفع يديه محتجا : " لكنها ... "
إلا أنها قاطعته فورا : " أرجوك ... هي لن تتحمل رؤيتك و ستعود مجددا للانهيار يجب ألا تبقى هنا أكثر "
رد و هو ينظر إليها بإشفاق : " لكنني أردت رؤيتها و شرح كل شيء لها "
أومأت الطبيبة نافية : " دعني أمهد الأمر لها على الأقل , إذا وافقت فسأستدعيك و لا تنس بأنه يجب أن تكون حاضرا يوم ولادتها لأن الوضع يشير بأنه اقترب "
سأل بقلق : " هل تعتقدين أنها ستكون مبكرة ؟ "
اتسعت عيناها و ردت بقلق : " أنا لا أرجو ذلك لأن الوضع سيزداد خطورة , علامات العدوى غير واضحة بعد و أنا أتمنى أن لا تكون موجودة أيضا "
سأل باستغراب : " عدوى ؟"
أومأت بإيجابية : " الأمر مشكوك فيه و يزيد الوضع تعقيدا لكنني سأحاول أن أكون أكثر جاهزية "
أخذ نفسا عميقا و هو ينظر للأعلى ثم قال : " حسنا ... هل هناك شيء أساعد به ؟ أرجوك قولي أي شيء فأنا لا أستطيع البقاء واقفا هكذا "
استرقت نظرة إلى روز لتتأكد من أنها نائمة ثم التفتت إليه و قالت : " حسنا سنذهب الآن للمستشفى مع الممرضة كي نحضر بعض الأدوات التي أحتاجها في حال ولادة مبكرة مفاجئة قبل أن تستيقظ روز "
أومأ موافقا ثم اتجهت الطبيبة إلى خدم الجناح و طلبت منهم إعداد وجبة لروز و منع أي شخص من دخول الجناح أو الغرفة ثم غادرت القصر مع جين .
مرت ساعتين على الجناح الهادئ , كان الخدم يتفقدون روز كل عشر دقائق و بعد أن تأكدوا من استقرار وضعها أثناء النوم انشغلوا بتنظيف مطبخ الجناح و تجهيز وجبة من أجلها عندها دخلت الجناح فتاة ذات شعر بني طويل و فستان أبيض ذي تصميم عصري بسيط الجناح دون أن ينتبه لها أحد و اتجهت نحو غرفة روز .
في ذلك الوقت كانت روز قد استيقظت أخيرا و جلست في سريرها بتعب ففتح الباب ببطء و دخلت منه الفتاة ثم أغلقته خلفها و اقتربت من روز ثم قالت و هي تنظر إليها بإشفاق : " يؤلمني وضعك يا روز ... ضحيتي من أجل المملكة و أصبحت منسية ... ضحيت من أجل زوجك فتزوج و نسيك بسرعة ... تضحين من أجل ابنك و ها أنت تفقدينه "
رمقت روز تيفاني بنظرة ساخرة ثم سألتها : " و أنت ماذا تملكين ؟ "
تفاجأت تيفاني من السؤال و لم ترد فتابعت روز : " ضميرك المهني بعتيه من أجل غرفة لا تسمن و لا تغني من جوع ... تزوجت رجلا لا تراك عينه و لا ينبض قلبه لك ... و فوقها ينتظر طفله من امرأة كانت حلمه ... بماذا انتصرت تحديدا ؟ "
ردت تيفاني محاولة تغطية شعورها بالحرج : " بنظرة القهر في عينيك "
ابتسمت روز بسخرية : " ذلك لم يكن قهرا بل نتيجة الحب الحقيقي الذي أكنه لزوجي , بالرغم من أننا كنا غريبان قبل أن نتزوج إلا أننا انتصرنا على شعور الغربة معا , فهل انتصرت أنت ؟ "
بقيت تيفاني صامتة دون أي حركة و لم تجد أي كلمة أخرى تضيفها عندها قامت روز من مكانها و أمسكت ذراعها بعنف رغم تعبها و قالت و هي تضغط على حروفها : " هذه آخر مرة تدخلين فيه جناحي و غرفتي ... إياك و العودة إليه مجددا "
في هذه اللحظة دخل جين مع الطبيبة إلى الغرفة و تفاجآ من وجود تيفاني فيها , توجه جين إلى تيفاني مباشرة و أمسك ذراعها بعنف قائلا : " هل يجب أن أحذرك أكثر من مرة كي لا تأتي إلى هذا الجناح ؟ "
ردت تيفاني بعصبية : " أنا حرة فيم أفعل "
التفت جين إلى الطبيبة و قال : " سأعود بعد لحظات "
سألت روز مباشرة : " إلى أين ؟ "
ابتسم قائلا : " لن أتأخر "
ثم رمق تيفاني بنظرة مخيفة قبل أن يدفعها إلى الأمام كي تخرج من الغرفة , عندها اقتربت الطبيبة فورا من روز و سألتها : " هل أنت بخير ؟ ... هل نذهب إلى الجناح الطبي كي أفحصك ؟ "
أومأت نافية و قالت : " أنا بخير "
عندها دخلت جاسمين رفقة بقية الخدم و معهم طاولة متنقلة عليها أصناف من الطعام و قالت مبتسمة : " استيقظت أخيرا "
ردت الطبيبة معاتبة : " أوصيتكم بأن يبقى الجناح هادئا و أن لا تسمحوا للغرباء بالدخول لكنكم لم تلتزموا بالأمر "
سألت جاسمين بإحراج : " هل دخل أحد ؟ "
تدخلت روز فورا : " لا تلوميهم فقد انشغلوا كثيرا بتنظيف الجناح و لم يجدوا فرصة ليبقوا قريبين "
ردت جاسمين : " كنا ننظف الغرفة التي ستجهزونها بعد أن نظفنا مطبخ الجناح لكننا لم نبتعد قبل هذا أبدا "
سألت الطبيبة بعتاب : " كيف سمح الحراس لها بدخول الجناح ؟ "
أجابت روز : " إيفان أعطاها حرية التصرف و التجول كما تشاء ... و الآن بعد زواجها أتوقع أن تزيد صلاحياتها "
عندها فتح الباب و دخل جين ثم أغلقه خلفه و بمجرد أن رأى جاسمين قال : " سيدتي وصلت تجهيزات الجناح الطبي فأرجو أن تشرفي على ذلك "
أومأت جاسمين و هي تمسح يديها بمئزرها : " حاضر سأقوم بذلك "
عندها مالت روز برأسها قليلا كي تراها لأن جين كان يغطيها و قالت :
" أرجو أن تعودي إلى جناح الخدم و ترتاحي ... أنت تقفين في المطبخ منذ ساعات "
أومأت لها مبتسمة ثم غادرت عندها ابتعدت الطبيبة عن روز قائلة : " سأذهب معهم أيضا كي أتأكد من أن يركبوا التجهيزات بشكل صحيح "
أومأ جين لها و قال : " سأبقى مع روز هنا "
و قبل أن تخرج الطبيبة قالت : " انتبه لها و في حال حدث شيء نادني "
ثم خرجت مغلقة الباب خلفها عندها أخذ جين كرسيا و جلس بجانبها و قال : " أنا آسف ... كان يجب أن أكون هنا كي لا أسمح لها بالمجيء "
اتكأت روز برأسها على الوسادة و قالت بابتسامة متعبة : " لا عليك ... أنا أيضا بالغت قليلا في ردة فعلي معها بالرغم من أنها كانت مستفزة "
مد يده نحو يدها كأنه يستأذنها لإمساكها و قال : " أعدك بأن أنهي هذا الزواج سريعا "
أمسكت روز يده بقوة و قالت بصوت متعب : " كلمة موافق آلمتني كثيرا ... لم أتوقع أن تقولها "
أنزل رأسه نحو يدها و قال : " كنت مجبرا ... أي رفض كان سيضعك في الخطر ثم إنني وعدت بأن لا أخاطر بك "
سعلت روز بضعف و قالت : " أعدني إلى عائلتي إذا ... أنا أشتاق لوالدي كثيرا "
لكنه لم يوافق و لم يعارض أيضا بل التزم صمتا مخيفا لأنه يعلم أن قرارا كهذا ليس بيده و حتى لو كان له فهو يعلم أن روز ستتحمل نتائجه لأنه بالنسبة لإيفان ذنب كبير عقوبته أكبر من حجمه , انتظرت روز الإجابة لدقائق امتدت لساعة عندها فهمت أن صمته هذا هو الإجابة ذاتها فسحبت يدها باستسلام و مالت برأسها للجهة المقابلة .
ظنت روز أن ولادة ابنها التي اقتربت ستغير شيئا في جين و تجعله أقرب إليها لكن لا شيء تغير , فبعد شهر من زواجه و بالرغم من تدهور وضعها الصحي أمام الجميع إلا أن جين عاد إلى الاختفاء و الانشغال بالعمل كما يقول دائما و لا يزور روز إلا في أوقات متأخرة من الليل أو في بعض الأمسيات و كثيرا ما تنام روز أثناء انتظارها له و تستيقظ لتسأل عنه فورا لكن الطبيبة تجيبها بأنه أتى لدقائق ثم غادر أو لم يأت من الأساس .
في الوقت ذاته الذي كان جين مضطرا لمرافقة الحاكم في خرجاته إلى المدينة مع الحرس الملكي و مرافقته أيضا في الاجتماعات التي أصبحت كثيرة في الفترة الأخيرة , أو مرافقة تيفاني إلى خارج القصر للتجوال أو التسوق تحت وطأة التهديد كي يضمن عدم اقتراب أي أحد من روز أو استغلال وضعها الصحي لإضعافها .
خلال تلك المدة بقيت روز تتابع راحتها في الجناح و فحوصاتها مع طبيبتها , أصبحت أكثر هدوء لأنها تفكر في مصلحة طفلها و في الحفاظ على نفسها من أجله كما أصبحت تتجاهل تحذيرات و تهديدات المقنعين الذين يدخلون جناحها فجأة , كما تحاول السكوت عن تفاخر تيفاني بمكانتها و حالتها و أملاكها عندما تدخل جناحها كلما انشغل جين بالعمل في الحرس الملكي و غابت الطبيبة لتفقد التحاليل و انشغل الخدم في المطبخ , لكن خلال كل ذلك كانت روز تكتم غضبها و خوفها و حزنها و شوقها لعائلتها خلف ابتسامة تظهر كلما ذكرت سيرة طفلها القادم .
حلت أمسية هادئة على القصر بعد يوم شاق صاحبتها أمطار خريفية تتساقط على زجاج نافذة الغرفة , جلست روز أمام حاسوبها بعد أن ابتعدت عنه لأشهر تتابع أخبار مدينتها التي لم ترها طويلا بسبب وضعها الصحي و وجدت أن الناس أصبحوا يطالبون إيفان بالتنحي عن العرش و مغادرة القصر رغم قمع الأمن الملكي ,كما تحسنت أوضاع المعيشة بعد أن أعاد إيفان فتح أبواب الاستثمار و التجارة مع الدول المجاورة بعد إغلاق دام مدة أشهر عندها همست بسخرية :
" هذا هو الأمر الوحيد الذي استطعت إفادتنا فيه "
فجأة انتبهت للهاتف الذي كان في الحقيبة عندها تذكرت أمر الخط المشفر فأخذت الهاتف و قالت في نفسها : " سأجرب الاتصال بهم ... لا ضرر في المحاولة "
ثم ضغطت الأرقام بالترتيب و اتصلت بالهاتف الثابت في المنزل و لم تمض سوى ثوان قبل أن تسمع صوتا كانت تتمنى أن تسمعه منذ أشهر :
" من معي ... ؟ "
ظهرت ابتسامة جميلة على محياها قبل أن تجيب : " مرحبا أمي ... هذه أنا روز "
اتسعت عينا والدتها و هي ترد دون وعي : " روز ... هل هذه أنت حقا ؟ "
عندها سمعت روز أصواتا أخرى إلى جانب صوت والدتها و التي كانت أصوات باقي أفراد أسرتها و هم متفاجئون : " هل هذه روز حقا ؟ "
ابتسمت روز و هي تجيب : " نعم هذه أنا ... استطعت الاتصال من خلال الخط المشفر الذي قدمه الأمن لي و انا في القصر , لم أتوقع سابقا أن ينجح الأمر سابقا و لهذا لم أجرب "
ردت والدتها بنبرة ممزوجة بالبكاء : " هل أنت بخير ؟ ... أنا لا أكف عن التفكير فيك طوال الوقت ...كان جين ينقل إلينا أخبارك لكنه اختفى "
أنزلت روز رأسها و قالت : " هكذا إذا ... لا بد أنه أخبرك إذا بأنك ستصبحين جدة "
سادت لحظة صمت دامت لثوان قبل أن تقطعها بيلا بسؤالها : " أصبح ماذا ؟ "
فهمت روز أن والدتها و بقية عائلتها لا يعلمون عندها قالت : " أفهم من صمتك أنكم لا تعلمون , أنا حامل في الشهر الثامن ... يبدو أنني أخبرتك متأخرة "
ثم وضعت يدها على ظهرها عندما شعرت بألم عابر لكنها أخفت أنينها خلف ابتسامة باهتة ثم قالت و هي تنظر للباب : " أردت فقط أن أطمئن عليكم , سعيدة لأنني سمعت صوتك أخيرا ... سأتصل بك مجددا على هذا الخط المشفر "
لكن والدتها ردت فورا : " روز انتظري ... هل أنت بخير ؟ "
علمت روز أن والدتها شعرت بشيء غير طبيعي فردت بصوت منخفض : " أنا بخير ... أعدك بأن اتصل بك عندما يولد الطفل "
ثم أغلقت الخط فورا و الألم يزداد عندها أخفت الهاتف و قامت باتجاه السرير إلى أنها لم تستطع السير نحوه و توقفت في منتصف الطريق , في هذه اللحظة فتح باب الغرفة و دخل جين يحمل سترته السوداء في يده ثم وضعها على المقعد و بمجرد أن رفع رأسه رأى علامات الألم على وجهها فسألها : " عاد ألم الظهر ؟ "
أومأت برأسها و هي تحاول إخفاء ملامح الألم فاقترب منها و سألها : " هل هو شديد ؟ "
أومأت مجددا نافية : " ليس كثيرا ... تعب عابر "
اقترب منها و انحنى نحوها ثم قال : " لنخرج و نتمشى قليلا ... ربما يخف "
رفعت رأسها إلى النافذة ثم التفتت إليه و قالت : " الآن ؟ ... ألن تذهب إليها ؟ "
ضحك ضحكة ساخرة : " أنت الأهم الآن "
ثم مد ذراعه إليها فأمسكت بها بقوة كأنها طفلة صغيرة تخشى الضياع ثم سارت معه إلى خارج الغرفة , أغلق جين الباب خلفهما ثم أشار إلى الحديقة الخلفية و قال : " لنذهب إلى الحديقة الخلفية ... تحتاجين إلى التنفس قليلا لأنك لم تخرجي منذ مدة "
أشارت روز إلى السماء المظلمة و قالت : " ألم يتأخر الوقت ؟ ... ألن تعاقب ؟ "
أومأ نافيا و هو يبتسم : " لا تقلقي ... الحاكم في غرفته و مناوبتي انتهت "
ثم سارا معا نحو الحديقة الخلفية للقصر لكن ما لم يكن في حسبانهما هو أن تيفاني كانت تراقبهما من إحدى غرف جناحها المطلة على الحديقة , كانت روز تضع يدها على بطنها كلما شعرت بحركة الطفل داخلها و تبتسم أكثر عندها لاحظ جين أنها بدت أكثر ارتياحا فسألها : " هل تحسنت ؟ "
عندها توقفت و قالت : " انتظر ... "
توقف جين مباشرة و التفت إليها يسألها بقلق : " هل أنت بخير ؟ ... هل نعود للقصر ؟ "
أومأت نافية و هي تضع سبابتها على شفتيها كإشارة للصمت ثم أخذت يده و وضعتها على بطنها عندها ساد صمت مدته بضع ثوان قبل أن تستقر ركلة صغيرة تحت كفه مباشرة . عندها اتسعت عيناه قليلا لأنه شعر بها و لم يكن يتخيل عندها قالت روز : " إنه يتحرك كثيرا مؤخرا ... يبدو أنه متحمس للخروج "
لكن جين لم يبعد يده بل ظل ينتظر حركة أخرى من ابنه لكن ابتسامة روز اختفت و هي تسحب يدها من فوق بطنها نحو ظهرها و بدأت تنزل نحو الأرض ببطء و هي ترتجف ثم رفعت رأسها نحوه بصعوبة قائلة : " أشعر بالبرد "
انحنى نحوها و وضع يده على جبينها ثم سحبها بسرعة فقد كانت تحترق تحت يده و ترتجف في ذات الوقت و يداها تمتدان إلى أسفل بطنها كأنها تمنع طفلها من النزول و تضغط عليها في ذات الوقت , لم يتردد جين لحظة في إخراج هاتفه و الاتصال بالطبيبة ثم طلب منها أن تسبقه إلى الجناح الطبي و تجهيزه فأكدت بأنها ستفعل و بمجرد أن أعاد هاتفه إلى جيبه شهقت روز مرة أخرى و هي تنحني للأرض أكثر عندها مرر ذراعه خلف ظهرها و الأخرى أسفل ركبتيها و حملها بين ذراعيه عندها فتحت عينيها و نظرت إليه و قالت : " أنزلني ... أستطيع السير "
رد و هو يسير بسرعة نحو المدخل الخلفي للقصر : " ليس اليوم "
أما روز فكانت تخفي وجهها في صدره مع كل انقباضة و في داخلها شعور بالخوف مما سيحدث خلف أبواب الجناح الطبي .
بمجرد دخولهما الجناح الطبي وجد جين الطبيبة في انتظاره مع الممرضة حيث أشارت إلى الغرفة المجهزة تحسبا لهذه الحالة عندها أدخلها إلى هناك فورا و وضعها على السرير فبدأت الممرضة تركب أجهزة المراقبة بينما فحصت الطبيبة روز بسرعة ثم قالت للممرضة : " ابدئي المضاد الحيوي الوريدي "
نظرت روز إليها فورا : " مضاد حيوي ؟ "
أومأت الطبيبة : " حرارتك مرتفعة و يجب أن نسبق أي عدوى محتملة "
ثم خرجت إلى الرواق حيث كان جين ينتظر و بمجرد أن رآها اتجه نحوها فورا و سألها : " كيف حالها ؟ "
ردت الطبيبة : " حرارتها مرتفعة و الانقباضات منتظمة "
شعر بالضيق في صدره فسألها : " هل هذا يعني أن ... ؟ "
قاطعته فورا : " إننا نحاول إيقافها "
ثم أضافت : " لكنني أشك في وجود التهاب "
عندها تذكر آخر حديث بينهما حول الالتهاب و أن كل العلامات التي ذكرتها عنه قد ظهرت فأكملت الطبيبة قائلة : " سننتظر ظهور النتائج و اذا تأكد شكي ... "
توقفت لحظة ثم أكملت : " فلن يكون أمامنا خيار سوى الولادة "
ساد صمت مخيف في الرواق من شدة صدمة جين بما قالته الطبيبة قبل أن تدوي صرخة مكتومة من الغرفة جعلتهما يدخلان الغرفة بسرعة . توقف جين أمام الباب بينما أسرعت الطبيبة نحو روز و أخذت تتفقد الأجهزة و تدون الملاحظات , و في هذه اللحظة رن هاتفها بإشعار رسالة فأخذته لتجد أن النتائج أرسلت في شكل الكتروني , تفقدت النتائج بسرعة ثم قالت : " الالتهاب فعلا موجود و التحاليل تؤكد ذلك "
عندها أعطتها المضادات الحيوية و عادت لفحصها بانتظار استجابة روز للمضادات لكن روز قبضت على يدها و خرج صوتها متقطعا :
" الألم ... يزداد "
ثم رفعت رأسها نحو الباب باحثة عن جين و بمجرد أن التقت عيناهما اقترب منها فورا و قال : " أنا معك "
لكن الطبيبة قالت : " جين ... انتظر في الخارج أرجوك "
رفعت روز رأسها إليها فورا : " لكن ... "
التفت جين إليها قائلا : " سأكون هنا حين تناديني "
ثم خرج إلى الرواق لكنه لم يستطع البقاء هادئا بل أخذ يسير أمام الغرفة ذهابا و إيابا و فجأة شق صوت بكاء طفل صغير الممر فتجمد في مكانه و رفع رأسه نحو الباب الذي فتح بعد لحظات و خرجت الممرضة منه تحمل رضيعا ملفوفا ببطانبة زرقاء و قالت : " مبارك لك "
توقفت الكلمات في حلقه و اكتفى بالنظر إليه عندها قالت الممرضة : " سآخذه الآن إلى الحاضنة التي جهزناها في تلك الغرفة لأنه ولد قبل أوانه و يحتاج إلى رعاية "
عندها رفع رأسه إليها و سألها : " و روز ؟ "
اختفت ابتسامة الممرضة و هي تجيب : " مازالت حالتها غير مستقرة و الطبيبة تعتني بها "
ثم أخذت الطفل و غادرت بينما بقي جين أمام الباب ينتظر .
بعد لحظات خرجت الطبيبة من الغرفة و على وجهها ملامح لا تبشر بالخير و اقتربت فورا من جين و قالت : " مؤشرات الالتهاب ارتفعت و الحرارة لا تنخفض ... لم أستطع السيطرة على الوضع هنا "
سأل مستغربا : " ماذا تعنين ؟ "
أجابت برجاء : " نحتاج إلى نقلها إلى مستشفى المدينة , إمكانيات القصر غير كافية "
نظر إلى الغرفة التي كان بابها نصف مغلق ثم إلى الطبيبة و قال : " تعلمين أن هذا شبه مستحيل و أن إيفان لن يوافق و إذا خالفته سأضعها في خطر "
ردت الطبيبة بذات الرجاء : " تصرف أرجوك ... هذا هو الحل الأخير لإنقاذها "
أخذ نفسا عميقا ثم قال : " حسنا لننقلها الآن , سأخبر الحرس بتجهيز سيارتي "
ثم أخذ هاتفه و اتصل بهم لإحضار السيارة إلى الباب الخلفي للقصر بينما أحضرت الممرضة الرضيع لأخذه إلى قسم حديثي الولادة في مستشفى المدينة .
لم يستغرق جين أكثر من ساعة لإيصال روز و طفله إلى المستشفى بينما استغلت الطبيبة الطريق للاتصال بالطاقم الطبي في المستشفى لإخبارهم عن الوضع و تجهيز كل ما يلزم لإنقاذها , و بمجرد وصولهم تم إدخال روز إلى قسم الطوارئ و نقل الرضيع إلى قسم الأطفال من أجل فحصه بينما بقي جين في الرواق الفاصل بين القسمين قلقا على الاثنين و لا يعرف مع من يجب أن يكون .
دخلت الطبيبة رفقة كبيرة أطباء النساء قسم الطوارئ معهما مجموعة ممرضات و بدأن في قياس العلامات الحيوية و مراقبة العدوى التي كانت لا تزال نشطة , أما روز فكانت غير قادرة على فتح عينيها بل تسمع الأصوات حولها فحسب بينما كان الطاقم الطبي يعمل على تخفيض حرارتها عندها خرجت الطبيبة إلى الرواق و بمجرد أن رأت جين نادته فورا : " جين ... هل يمكن أن تأتي ؟ "
دخل جين الغرفة خلفها فورا عندها أشارت إلى الكرسي الذي بجانب السرير و قالت : " اجلس هنا ... ابق قريبا منها "
أومأ و جلس فورا على الكرسي بجانب السرير و أمسك بيدها بقوة و بمجرد أن شعرت بيده قبضت عليها رغم ضعفها بينما كان الطاقم الطبي يبذل جهده في خفض حرارتها و مراقبة النبض و الضغط , عندها حركت يدها بضعف داخل يده فرفع رأسه إلى الطبيبة عندها ابتسمت : " مازالت تقاوم "
ثم عم الصمت إلا من صوت الأجهزة و قطرات الدواء التي كانت تنساب ببطء عبر المحلول .
مرت ساعات قضاها جين في مراقبة روز و التنقل بين غرفتها و قسم الرضع لتفقد ابنه مرارا و تكرارا دون تعب أو ملل .
دخل قسم حديثي الولادة مجددا و وقف بجانب حاضنة ابنه عندها اقتربت إحدى الممرضات و هي تحمل ملفا ثم سألته : " كيف تريد أن تسميه ؟ "
التفت إليها ثم إلى الطفل و قال : " أفضل أن أنتظر استيقاظ والدته ثم تسميه هي "
أومأـ الممرضة بحزن ثم غادرت القسم و بقي جين واقفا أمام الحاضنة يراقب طفله و يهمس له : " قاتل مثل أمك "
بعد مرور دقائق دخلت الطبيبة قسم حديثي الولادة و على وجهها ابتسامة واسعة ثم قالت : " جين ... لقد استجابت "
رفع جين رأسه و التفت إليها ثم سألها كأنه لم يستوعب كلامها : " ماذا قلت ؟ "
أومأت له مؤكدة كلامها : " بدأت الحرارة تنخفض تدريجيا و الضغط يستقر و كذلك النبض "
أطلق جين زفرة طويلة كانت محبوسة بداخله منذ بداية الأزمة عندها أكملت الطبيبة : " لكنها ما زالت بحاجة إلى المراقبة "
عندها سألها : " هل يمكنني رؤيتها ؟ "
أومأت مبتسمة : " نعم بالطبع "
ثم غادرا قسم حديثي الولادة نحو غرفة روز التي كانت تغرق في صمت يقطعه صوت الأجهزة التي أصبح منخفضا مقارنة بالساعات الماضية , اقترب جين من سرير روز حيث كانت نائمة بهدوء و قد اختفى الاحمرار الذي كان يصبغ وجهها و كذلك الرعشة التي أنهكتها لساعات ثم جلس بجانبها و أخذ يدها بين يديه برفق و التي لم تعد ساخنة كما كانت , مرت دقائق من الصمت قبل أن تتحرك أصابعها بين يديه فرفع رأسه نحوها بسرعة رأى رموشها التي ارتجفت و ببطء شديد فتحت عينيها و التفت نحوه عندها انحنى نحوها و قال : " لا تحاولي الكلام ... مازلت بحاجة إلى الراحة "
نظرت إليه طويلا ثم حركت شفتيها بصعوبة قائلة : " الطفل ؟ "
رد مبتسما : " إنه بخير ... في قسم حديثي الولادة "
تنهدت بارتياح ثم همست : " هل رأيته ؟ "
أومأ مؤكدا : " نعم ... الجميع يسأل عن اسمه ... لكنني لم أسمه , تركت لك الأمر لتسميه أنت كما تريدين "
ردت و هي تنظر إليه : " أريد رؤيته "
ابتسم قائلا : " ستفعلين لاحقا ... عندما تستعيدين شيئا من قوتك "
فجأة دق الباب ودخلت ممرضة تحمل ملفا في يدها ثم اقتربت من روز و أخذت صورة من الملف و قدمتها ل روز قائلة : " هذه صورة لطفلك من الحاضنة "
استلمت روز الصورة بيد مرتجفة و هي تبتسم بضعف قائلة : " أخيرا "
بينما كان جين ينظر إليها بابتسامة جميلة عندها قالت الممرضة و هي تأخذ قلما من جيب مئزرها : " أحتاج إلى إكمال بعض البيانات التي تخص المولود ... ما الاسم الذي سنسجله ؟ "
نظرت روز إلى الصورة ثم إلى جين كأنها تستشيره عندها قال مبتسما : " كنت أرغب في تسميته أندرو لكنني تركت القرار لك "
ردت روز مبتسمة : " أندرو ؟ ... يبدو جميلا "
ثم التفتت للممرضة و قالت مؤكدة : " أندرو ... سأسميه أندرو "
ابتسمت الممرضة و هي تدون الاسم ثم هنأتهما و غادرت الغرفة عندها التفت جين إلى روز و قال : " يمكنك أن ترتاحي الآن لتستعيدي شيئا من قوتك و تتمكني من رؤية أندرو قريبا "
سألت بلهفة : " هل يمكنني رؤيته غدا ؟ "
أومأ نافيا : " لم تؤكد الطبيبة ذلك , تحتاجين إلى يومين على الأقل لتستقر حالتك ثم تقرر الطبيبة السماح لك بزيارتك "
اختفت لهفتها و بدأ الحزن يظهر على وجهها عندها اقترب منها و قال مشجعا : " هيا ... يجب أن تكوني أقوى لتتمكني الاعتناء بأندرو ثم إنني هنا معك "
ابتسمت بسخرية : " ألن تعود إليها ؟ "
أجاب و هو يعدل الغطاء عليها :" لن نتحدث عن هذه الأمور هنا "
استغلت روز الأسبوعين التاليين في الراحة و التجاوب مع نصائح الطبيبة و توجيهاتها لتتمكن من رؤية أندرو و الخروج من المستشفى بينما لم يفارقها جين طوال هذه المدة و عمل على تشجيعها حتى استجابت للعلاج و استقرت علاماتها الحيوية و عادت حرارتها إلى معدلاتها الطبيعية .
في منتصف نهار أحد الأيام دخلت الطبيبة و هي تحمل ملفها الطبي و تتفحص نتائج التحاليل و الفحوصات الأخيرة ثم رفعت رأسها و قالت بابتسامة هادئة : " النتائج الأخيرة مبشرة و أندرو أيضا جاهز لمغادرة وحدة حديثي الولادة "
اتسعت ابتسامة روز و هي تسأل : " حقا ... ؟ "
أومأت الطبيبة : " نعم يمكنكما العودة إلى القصر اليوم "
بالرغم من أن روز لم تكن سعيدة بالعودة إلى القصر إلا أنه كان أفضل من المستشفى , رافقها جين في خطواتها الأولى خارج المستشفى و هو يحمل الطفل بعد أن تولى جين إجراءات الخروج و بمجرد أن ركبا السيارة سلمها الطفل و عادوا إلى القصر .
مع اقتراب مساء وصلت السيارة إلى القصر , لم تحظ روز بأي استقبال أو اهتمام من الحاكم لكن هذا كان أفضل لها لأنها لم ترغب في رؤيته أو رؤية أي من أعوانه بعد تلك الرحلة الشاقة , ساعدها خدم الجناح على الوصول إلى غرفتها التي نظفوها من أجلها و جهزوا مهدا صغيرا بجانب سريرها من أجل أندرو الذي وضعه والده فيه برفق بينما فحصت الطبيبة روز لآخر مرة ثم قالت قبل أن تغادر : " سأزورك غدا مجددا للاطمئنان
عليك "
أومأت روز باطمئنان عندها غادرت الطبيبة بينما ساعدتها جاسمين على تبديل ثياب المستشفى إلى فستان أبيض ناعم بتصميم بسيط ثم غادرت و أغلقت الباب خلفها تاركة الغرفة تغرق في هدوء جميل , نظرت روز إلى أندرو النائم في مهده ثم رفعت عينيها نحو جين الجالس أمامها على كرسي و همست بعد لحظة تردد : " هل أستطيع ...؟ "
أومأ بالموافقة ثم أخذ وسادة و وضعها تحت ذراعها اليمنى و اقترب من المهد و انحنى قليلا ثم رفع أندرو بين ذراعيه بحذر شديد و اتجه نحو روز ثم جلس على السرير بجانبها و قال : " مدي ذراعيك "
نفذت ما قاله ببطء ثم انزل أندرو بين ذراعيها برفق و ظل يسنده للحظات قبل أن يسحب يديه ببطء بعد أن تأكد من أنه استقر بين ذراعيها بأمان , عندها أخذت تتأمل وجهه طويلا و ظهرت ابتسامة جميلة على وجهها بينما بقي جين جالسا على الكرسي بجانبها يتأملها بسعادة ظهرت في ابتسامته فاقتربت من رضيعها و همست : " أهلا بك يا أندرو ... يا أجمل بداياتي ... يا بداية لا تشبه كل البدايات "