-لم يكن صوت الأجهزة المنتظم هو ما أقلق بشأنه من حولي،بل التغيّر المفاجئ الذي ظهر على إحدى الشاشات.
ساد غرفة العمليات صمتٌ مشدود لم يقطعه سوى رنين الأجهزة المتتابع وحركة الأقدام الهادئة فوق الأرضية المصقولة.
رفع طبيب التخدير بصره إلى الشاشة أمامه وقد تبدلت ملامحه قليلًا،ثم قال:الضغط بيقل يا دكتور
لم يتوقف الجراح عن عمله،لكنه رفع عينيه نحو طبيب التخدير لحظة وقال:بلغني الوضع أول بأول
اقترب أحد الأطباء المساعدين،بينما تحركت الممرضة لتناول ما طلبه الجراح قبل لحظات.
ثبت الأخير نظره على موضع الجراحة وقال بهدوء:هنحتاج نراجع مصدر النزيف
انحنى مساعده قليلًا متفحصًا ما أمامه وقال:أنا شايفه
تبادل الاثنان نظرة خاطفة لم تحتج إلى مزيد من الكلام.
بدأت أيدي الفريق تتحرك في انسجامٍ اعتادته تلك الغرفة،لكلًّ منهم مهمة يعرفها جيدًا،ولحركةٍ واحدةٍ قد تبدو عابرةٍ أثرٌ لا يقل أهمية عن غيرها.
قال طبيب التخدير:الضغط بينزل أكتر
رفع الجراح بصره إليه هذه المرة وقال:تمام بلغني أول ما يبدأ يستقر
أومأ الآخر برأسه،ثم عاد إلى مراقبة الشاشة.
مرّت الدقائق التالية بطيئةً على من ينتظر خارج الغرفة،أما في الداخل فلم يكن ثمة متسعٌ للتفكير في الوقت.
كان الجراح ينتقل ببصره بين موضع العملية وما يطلبه منه الموقف،فيما يتابع مساعده إلى جواره أدق التفاصيل.وحين توقفت يد الجراح للحظة لم تكن حيرةً،بل مراجعةً سريعة لما أمامه ليقول بعدها:الشفاط
ناولته الممرضة الأداة فورًا
-كده أوضح؟
سألها الطبيب المساعد.
تأمل الجراح الموضع لثوانٍ ثم قال:أيوة..كمل
عاد الجميع إلى العمل...وبعد لحظات قال طبيب التخدير:الضغط بيتحسن
رفع الجراح رأسه ونظر إلى الشاشة،لم يظهر على وجهه انتصارٌ أو ارتياح مبالغ فيه،وإنما أومأ برأسه فحسب وقال:كويس،نكمل على نفس الخطة
تنفست الممرضة ببطء قبل أن تعود إلى مكانها،أما هو فأعاد بصره إلى المريض الراقد أمامه.
لم يكن في تلك اللحظة طبيبًا يواجه الأمر وحده،ولم يكن أحدٌ في الغرفة ينتظر معجزةً من شخص واحد.
بل كانوا فريقًا كاملًا يقف كل فردٍ فيه إلى جوار الآخر،يجمعهم هدف واحد لا يعلو عليه شئ
"أن يخرج المريض من تلك الغرفة حيًّا".
-الطريق أمامنا لم يكن واضحًا كما ينبغي
استقرت يداها فوق أدوات التحكم،بينما عيناها تنتقلان بين لوحة العدادات والامتداد الرمادي الذي ابتلع الأفق خلف الزجاج الأمامي.
لم تكن الرؤية سيئة إلى الحد الذي يمنع الطائرة من مواصلة طريقها،لكنها لم تكن مطمئنة كذلك.
إلى جوارها كان مساعدها يتابع المؤشرات في صمتٍ يقظ.
-الرؤية بتقل أكتر يا كابتن
قالها وهو يلقي نظرة سريعة إلى الخارج،أومأت برأسها ثم قالت:أنا شايفة
لم تحمل كلمتها ضيقًا،بل جاءت هادئة كأنها مجرد تأكيدٍ لما يتابعانه معًا.
امتدت يدها إلى أحد المفاتيح،ثم أعادت النظر إلى لوحة العدادات وقالت:خلينا نراجع الوضع
بدأ الاثنان يتابعان البيانات أمامهما،في حين أن أصوات أجهزة الاتصال تتردد داخل قمرة القيادة.
انحنت قليلًا إلى الأمام وقالت:هنبلغ برج المراقبة
أجرى مساعدها الاتصال،بينما ظلت عيناها معلقتين بما أمامها.
جاء صوت المراقبة عبر جهاز الاتصال واضحًا رغم التشويش الخفيف،تابعت الحديث بإهتمام دون مقاطعته حتى النهاية،ثم تبادلت مع مساعدها نظرة قصيرة قبل أن تقول:ايه رأيك؟
نظر إليها للحظة قبل أن يعيد بصره إلى الأجهزة:أنا شايف إننا نستنى شوية قبل ما نقرر
أومأت ببطء..لم تكن في عجلة من أمرها،ولم يكن اتخاذ القرار وحده هو ما يشغلها،بل الوصول إلى القرار الصحيح.
مضت الدقائق التالية وسط متابعة دقيقة لكل ما يتغير حولهما،وفي الخلف عشرات الركاب يجلسون في مقاعدهم لا يعلمون شيئًا عن النقاش الهادئ الذي يدور خلف الباب المغلق.
أما داخل قمرة القيادة فلم يكن هناك متسع للتسرع.
قال مساعدها بعد لحظات:الرؤية بدأت تتحسن
رفعت عينيها نحو الزجاج الأمامي وبالفعل بدأت ملامح الأفق تظهر تدريجيًا من خلف الغيوم.
أخذت نفسًا هادئًا،ثم قالت:تمام...نكمل
تبادلت هى ومساعدها نظرة قصيرة قبل أن يعود كلٌْ منهما إلى عمله.
ومع استمرار الطائرة في شق طريقها بين الغيوم،بقيت يداها ثابتتين،لا تحملان من التوتر أكثر مما ينبغي،ولا من الثقة أكثر مما يسمح به الموقف.
كانت تعرف أن كل رحلة مهما بدت عادية في بدايتها،تفرض على طاقمها أن يظل حاضرًا حتى اللحظة الأخيرة،ولهذا لم تسمح لنفسها بأن تنظر إلى السماء بوصفها مجرد طريق.
بل مسؤولية...مسؤولية يحملها من يجلس خلف المقود،عن كل روحٍ اختارت أن تترك الأرض بين يديه.
في المساء
دفع باب المقهى بكتفه،بعدما شغلت إحدى يديه هاتفه واستقرت في الأخرى مفاتيحه،وما إن وقعت عيناه على الطاولة التي يجلس إليها أصدقاؤه حتى أدرك من النظرات المتجهة نحوه أن وصوله المتأخر لن يمر مرور الكرام.
تقدم نحوهم ببطءٍ متعمد،ثم سحب أحد المقاعد وجلس.
ظل الجميع صاميتين حتى رفع عينيه إليهم وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وقال:مساء الخير
لم يجبه أحد..
نظر إلى الرجل الجالس إلى يمينه،ثم إلى الآخر المقابل له وقال:ايه! هو أنا داخل امتحان؟
أخذ أحدهم رشفة من كوبه،ثم قال:لا إحنا بنحاول نفتكر ملامحك...إنت مين فكرنا بيك كده
عقد حاجبيه متظاهرًا بعدم الفهم وقال:ملامحي؟
-أيوة آخر مرة شوفتك كانت من زمن
مال إلى الخلف،ثم ألقى نظرة على ساعته وقال:يا راجل؟ أنا متأخر ساعة بس
ضحك أحدهم ساخرًا:ساعة وربع
ألتفت إليه فورًا وقال:شكرًا على الدقة اللي مالهاش أي لازمة
-العفو..إحنا قاعدين مستنيينك من بدري،فبقينا نعرف الوقت كويس
انفجر الباقون ضاحكين،بينما مد يده نحو أحد أكواب العصير.
توقفت يد صاحبه قبل أن تصل إليه:استنى
رفع عينيه إليه وقال:نعم؟
-ده بتاعي
نظر إلى الكوب،ثم إليه وقال:أيوة ما أنا شايف
-أومال بتاخده ليه؟
ظل ينظر إليه لثانيتين،قبل أن يسحب يده ببطء وقال:كنت بأختبر كرمك
-ونجحت؟
أشار إلى الكوب برأسه وقال:لا
ارتفعت الضحكات حول الطاولة مرة أخرى،فابتسم وهو يهز رأسه.
في تلك اللحظة اقترب النادل منهم،فوضع أمامه قائمة الطعام ليأخذها وراح يتصفحها باهتمامٍ بالغ،قبل أن يرفع رأسه فجأة ويقول:أنا عندي سؤال مهم
نظر إليه الجميع ليلقي عليهم سؤاله ويقول:هو ليه كل مرة نيجي هنا بنقعد عشر دقايق نختار هنطلب ايه وفي الآخر كل واحد بيطلب نفس الحاجه
ساد الصمت للحظة،قبل أن يقول أحدهم:عشان كل مرة حد فينا بيقترح نجرب حاجه جديدة والباقي بيتعامل معاه كأنه بيقترح نغير ديانة المكان
وضع القائمة فوق الطاولة وقد أضاءت عيناه بالضحك:يعني دي مشكلتي أنا؟
-لا بس إنت أكتر واحد يا آدم بيقعد يقنعنا نجرب وفي الآخر بتقول للجارسون هات المعتاد
ابتسم آدم ابتسامة عريضة،ثم رفع يده مشيرًا إلى النادل:عشان المعتاد عمره ما خذلني
-ولا إحنا
ألتفت آدم إلى صاحب الجملة،وحدق فيه لثوانٍ قبل أن يقول:إنت داخل في لحظة وفاء كده ليه
-يا ابني إحنا أصحابك
رد عليه بهدوء وقال:وأنا مقدر ده جدًا
توقف قليلًا،ثم أضاف وهو يشير إلى كوب العصير:خصوصًا إنكم لحد دلوقتي رافضين تشاركوني في أي حاجه
دفع أحدهم الكوب نحوه أخيراً وقال:خد،ريح ضميرك
أمسكه آدم ثم ابتسم بإنتصار:أهو كده العلاقات الإنسانية بتتحل بالحوار
تعالت ضحكاتهم من جديد،هذه المرة دون أن يحاول أحد إخفاءها.
وفي تلك اللحظة بعيدًا عن برودة غرفة العمليات وأضوائها البيضاء،لم يكن الرجل الجالس بينهم يشبه الطبيب الذي ظل الجميع يراقبون حركتي يديه قبل ساعات. بل كان أكثر عفوية،وأقل حرصًا على إخفاء ابتسامته،يشاركهم حديثًا عاديًا عن أشياء لا تستحق أن تؤخذ بجدية.
وربما كان ذلك تحديدًا ما جعل تلك الساعات القليلة معهم ضرورةً لا يقل احتياجه إليها عن أي شيء آخر.
في الصباح
كانت تجلس أمام المرآة،وقد وضعت هاتفها إلى جوارها بينما تحاول للمرة الثالثة إغلاق حقيبتها الصغيرة.
ضغطت عليها بيديها،ثم توقفت وقالت:لا..يووه بقى
رفعت صديقتها رأسها من فوق الأريكة وقالت:ايه اللي لا؟
نظرت إلى الحقيبة باستنكار وقالت:الشنطة دي عندها مشكلة شخصية معايا
اقتربت صديقتها منها ونظرت إلى محتويات الحقيبة:فريدة إنتِ حاطة ايه في حته شنطة صغيرة قد دي؟
رفعت فريدة يدها مدافعةً عن نفسها:حاجات ضرورية
_زي ايه؟
بدأت فريدة تعد على أصابعها:موبايل..شاحن..باورك بانك..محفظة ومناديل
توقفت صديقتها عند كل كلمة،ثم أشارت إلى الحقيبة:وكل ده مش داخل؟
ضيقت فريدة عينيها،ثم فتحت الحقيبة وأخرجت منها شيئًا:وفيه ده
نظرت صديقتها إلى زجاجة العطر ثم إلى فريدة وقالت:وده ضروري؟
أجابت فورًا:طبعًا..أمشي ريحتي معفنة يعني!
أخرجت صديقتها شيئًا آخر وقالت:طب وده؟
ردت فريدة بهدوء:نضارة شمس..أمشي يعني في الشمس من غير نضارة
تنهدت صديقتها،ثم مدت يدها إلى الحقيبة وقال:اديني كده
تراجعت فريدة قليلًا وقالت:ليه؟
_هرتبها لك
حدقت بها فريدة لثوانٍ،ثم مدت إليها الحقيبة:اتفضلي..وريني مواهبك
بدأت صديقتها في إخراج الأشياء واحدة تلو الأخرى حتى توقفت فجأة.
رفعت رأسها ببطء وقالت:فريدة
-نعم
رفعت في يدها كيسًا صغيرًا وقالت:ايه ده؟
نظرت فريدة إليه وقالت:بسكوت
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن تقول صديقتها:بسكوت؟ وإحنا نازلين ساعة واحدة!
_الجوع مالوش مواعيد
وضعت صديقتها الكيس فوق الطاولة وقالت:مش هيتاخد معانا ده
أسرعت فريدة وأخذته وهى تقول:مستحيل
-بطلي طفاسة...إنتِ ممكن تعيشي ساعة من غير بسكوت عادي
رفعت فريدة حاجبًا وقالت:أنا طيارة مش داخلة اختبار تحمل
_ايه علاقة ده بده؟
اغلقت فريدة الحقيبة بالقوة،ثم أمسكت بها و وقفت:هو كده...أنا اتدربت على التعامل مع الظروف الصعبة
نظرت صديقتها إلى الحقيبة وقالت:وهو أصعب ظرف بالنسبة لكِ إنك تجوعي؟
توقفت فريدة أمام الباب،ثم استدارت إليها وقالت:حلو إنك فهماني
انفجرت صديقتها ضاحكة،بينما فتحت فريدة الباب بثقة وهى تقول:يلا
_رايحة فين؟
-هننزل
_من غير ما تقفلي الشنطة
نظرت فريدة إلى الحقيبة في يدها وجدتها مفتوحة تمامًا.
أغلقتها هذه المرة بهدوء وهى تقول:كنت بأختبرك على فكره
رفعت صديقتها حاجبها:ونجحت؟
أومأت فريدة برأسها وقالت بإبتسامة:وبتفوق
غادرت فريدة منزلها،بينما ظلت ضحكة صديقتها تتبعها حتى نهاية الطريق.
ما إن خرجتا من البناية حتى لفحتهما نسمات الصباح الباردة،سارت فريدة إلى جوار صديقتها بينما ظلت الحقيبة الصغيرة معلقة فوق كتفها كأن المعركة التي دارت معها قبل دقائق لم تحدث قط.
قالت صديقتها وهى تنظر إليها:على فكره أنا لحد دلوقتي مش فاهمه إنتِ محتاجة البسكوت ليه
التفتت إليها فريدة وقالت:وأنا لحد دلوقتي مش فاهمة إنتِ مهتمة بالموضوع ليه
_عشان إنتِ خدتيه في شنطتك كأنك مسافرة
توقفت فريدة للحظة،ثم نظرت إليها وقالت:ما أنا فعلًا مسافرة
وصلوا المقهى وقالت صديقتها وهى تسحب كرسيًا:امتى!
تحدثت فريدة بهدوء وهى تمسك بقائمة الطعام:بكره
_وإنتِ ما قولتيش ليه؟
قالت فريدة مازحة لتخفف التوتر:ما إنتِ كنتِ بتتكلمي عن الشنطة
عقدت صديقتها ذراعيها أمام صدرها وقالت:لا استني بس...إنتِ جاية من الشغل امبارح..ويدوب اتقابلنا النهارده وهتسافري بكره؟ وفوق كل ده لسه فاكرة تقولي لي دلوقتي
رفعت فريدة كتفيها وقالت:طب أعمل إيه...ما إنتِ عارفة طبيعة شغلي
تنهدت وقالت:رايحة فين؟
_رحلة شغل
_ماشي فين رحلة الشغل دي
-مش عارفة
_فريدة
نظرت إليها وقالت:نعم
_إنتِ مش عارفة رايحة فين؟
ردت بإبتسامة وقالت:والله لسه ما اتبلغتش بالتفاصيل
_ما اتبلغتيش بالتفاصيل وإنتِ هتسافري بكره؟
ضحكت فريدة وقالت:شوفتي
وضعت صديقتها يدها فوق رأسها،ثم تمتمت:أنا مش فاهمة حياتك
ضحكت فريدة وقالت:وأنا كمان ساعات مش بفهمها
ألقت عليها صديقتها نظرة جانبية وقالت بجدية:ده مش رد يطمن
-إنتِ مش راكبة معايا،فما تقلقيش
حدقت بها صديقتها،فأدركت فريدة ما قالته لتتسع ابتسامتها وهى تقول:بهزر
رمقتها صديقتها وهى تقول بغضب:فريدة
انفجرت ضاحكة وهى ترفع يديها دفاعًا عن نفسها:خلاص خلاص أنا آسفة
هزت صديقتها رأسها وهى تحاول أن تبدو غاضبة،لكن ابتسامتها خانتها سريعًا:والله ما هكلمك
-لا لا مش هتقدري..أنا أصلا هوحشك
_واثقة اوي
-طبعًا ليكِ معايا تجارب سابقة
ضحكت صديقتها وقالت:فعلًا هتوحشيني
نظرت إليها فريدة هذه المرة وقد هدأت ابتسامتها قليلًا:وإنتِ كمان
_هترجعي امتى؟
أخرجت فريدة هاتفها من حقيبتها ونظرت إلى الشاشة التي تضيء وقالت:حسب الرحلة
_يعني؟
-يعني لما أعرف هقولك
نظرت إليها باستسلام وقالت:أنا حاسة إن الكلام معاكِ بقى محتاج جدول مواعيد
ردت فريدة مازحة:طب أبعتهولك PDF
ألقت صديقتها الحقيبة على فريدة التي بدورها ألتقطت الحقيبة وهى تضحك.
في مكانٍ آخر
طرق آدم الباب طرقاتٍ خفيفة،قبل أن يأتيه صوت مدير المستشفى من الداخل:أدخل
دفع الباب ودخل،ثم أغلقه خلفه.
رفع المدير عينيه عن الأوراق الموضوعة أمامه وأشار إليه بالجلوس في المقعد المقابل وقال:اتفضل يا دكتور آدم
جلس آدم وقد راوده الفضول بشأن سبب استدعائه،تحديدًا وأن مدير المستشفى لم يطلب حضوره إلى مكتبه دون سبب.
فتح الرجل أحد الملفات أمامه،ثم قال:عندنا مؤتمر طبي كبير..ومش مجرد مؤتمر عادي
عقد آدم حاجبيه باهتمام:وفين المؤتمر ده يا دكتور فاروق؟
_في الخارج
ظل صامتًا منتظرًا أن يتابع المدير حديثه:هيكون فيه مجموعة من أهم الأطباء من تخصصات مختلفة وهنبعت مجموعة تمثل المستشفى.
أغلق الملف،ثم نظر إليه مباشرةً:وإنت واحد من الأطباء اللي تم اختيارهم
اتسعت عينا آدم قليلًا،قبل أن ترتسم ابتسامة هادئة على وجهه:أنا يا دكتور!
ابتسم المدير وقال:أيوة...هيكون معاك دكتور هاني من التخدير،ودكتور حنان من قسم الأطفال ودكتور مصطفى من النفسية وانت هتكون المسؤول عن فريقك هناك
أراح آدم ظهره إلى المقعد وقال:والمؤتمر ده امتى يا دكتور؟
نظر المدير إلى الورقة الموضوعة أمامه:هتسافر بكره
رفع آدم رأسه وقال بذهول:بكره؟
_طيارتك الساعة 8 الصبح يا دكتور
ظل صامتًا للحظة،وكأنه يعيد ترتيب ما سمعه ثم قال:يعني مفيش وقت أفكر في الموضوع
ضحك المدير ضحكة خفيفة وقال:للأسف لا
ابتسم آدم:طب وشغلي هنا!
_كتبتلك إجازة باقي اليوم،وكمان الأيام الخاصة بالسفر زمايلك هيشيلوها..تقدر تروح تجهز نفسك من دلوقتي مفيش وقت
أومأ آدم برأسه،ثم نهض من مقعده وقال:تمام
أوقفه المدير قبل أن يصل إلى الباب:يا دكتور آدم
التفت إليه وقال:ايوة يا دكتور
ابتسم المدير وقال:أنا اخترتك تكون المسؤول عن الفريق لاني واثق فيك...دي فرصة مهمة وإنت فيها ما بتمثلش نفسك بس،إنت بتمثل المستشفى كلها
أومأ آدم بإبتسامة أكثر جدية هذه المرة وقال:إن شاء الله أكون عند حسن ظنك
ابتسم المدير وقال بثقة:هتكون..أنا واثق
فتح آدم الباب،ثم خرج من المكتب وما إن ابتعدا عن الباب حتى أخرج هاتفه من جيبه متجهًا نحو غرفة تبديل الملابس.
حلّ الليل بهدوءٍ فوق المدينة،وانسحبت ضوضاء النهار شيئًا فشيئًا خلف النوافذ المغلقة،بينما بدأت فريدة تجمع ما ستحتاج إليه في حقيبتها الموضوعة فوق السرير.
كانت ملابسها موزعة من حولها في فوضى مؤقتة،لا تشبه في شيء النظام الذي اعتادت أن تلتزم به في عملها. رفعت إحدى القطع ثم أعادتها إلى مكانها قبل أن تتناول هاتفها الذي أضاء باسم رانيا.
ضغطت على زر الاتصال وما إن ظهرت صديقتها على الشاشة حتى قالت:إنتِ لسه صاحية
اتسعت ابتسامة رانيا قبل أن تقول:أنا اللي المفروض أسألك السؤال ده..مش إنتِ مسافرة بكره؟
ألقت فريدة نظرة على حقيبتها أمامها وقالت:أيوة وعشان كده بحاول أجهز شنطتي
_طيارتك الساعة كام؟
انحنت فريدة لتلتقط قطعة ملابس من فوق المقعد القريب وقالت:6 الصبح
_يااه بدري اوي...يعني هتصحي امتى
رفعت فريدة عينيها إلى الشاشة وقالت:أنا نمت 5 ساعات ولسه صاحية من نص ساعة فمش هنام تاني
وضعت فريدة ما بيدها داخل الحقيبة واكملت:أنا بجهز كل حاجه من دلوقتي وأول ما النهار يطلع همشي على طول
أمالت رانيا رأسها:كان نفسي أشوفك قبل ما تسافري
توقفت حركة فريدة للحظة،ثم نظرت إليها من خلال الشاشة وقالت بحزن:وأنا كمان والله
ساد صمت قصير،لم يكن ثقيلًا بقدر ما كان يحمل شيئًا من الأسف البسيط
_بس خلاص لينا لقاء تاني في العودة إن شاء الله
ارتسمت ابتسامة على وجه رانيا وقالت:وعد؟
_وعد
-ماشي
أغلقت فريدة الحقيبة جزئيًا ثم جلست إلى جوارها وقالت:ويلا بقى سيبيني أخلص تجهيز بدل ما أكتشف الساعة 5 الصبح إني نسيت نص حاجتي
ضحكت رانيا وقالت:ما تنسيش البسكوت
رفعت فريدة إصبعها محذرةً:ما تفتحيش موضوع البسكوت
انفجرت رانيا ضاحكة:خلاص خلاص
هزت فريدة رأسها مبتسمة قبل أن ينتهي الاتصال،وضعت الهاتف إلى جوارها ثم عادت إلى حقيبتها
وفي مكانٍ آخر من المدينة
كان يجلس آدم على طرف سريره وقد وضع حاسوبه اللوحي أمامه.
ظهرت شقيقته على الشاشة وما إن استقر الاتصال بينهما حتى قال:عندي خبر هيعجبك
اقتربت من الشاشة وقالت:خير
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهه:أنا مسافر لندن
تغيرت ملامحها في لحظة وقالت:بجد!
ضحك من حماسها وقال:أيوة بجد
_امتى؟
-طيارتي الساعة 8 الصبح
_بتهزر
-لا والله
ابتعدت قليلًا عن الشاشة،وقد اتسعت ابتسامتها:طب إنت رايح ليه؟
-عندي مؤتمر طبي هناك
لم تترك له فرصة لإكمال حديثه:يعني هشوفك؟
نظر إليها مبتسمًا:ما هو ده اللي كنت هقولهولك
-هتيجي عندي يعني
_أول ما أوصل لو الوقت كافي قبل المؤتمر هاجي أقابلك..ولو الوقت ما سمحش أول ما أخلص هاجي على طول
بدأ الارتياح واضحًا على وجهها:ماشي
ثم سألته:نمت؟
-لا لسه
_لازم تنام بدري
نظر إلى الحقيبة الفارغة الموضوعة إلى جواره وقال:المفروض..بس الشنطة ليها رأي تاني
ضيقت عينيها وهى تراقبه:إنت لسه ما جهزتش؟
ابتسم آدم وقال:لا
_قوم يا كسول
ضحك وهو ينهض من مكانه وقال:ما أنا هجهز دلوقتي
_متنساش حاجه
-حاضر يا ماما
رفعت حاجبها وقالت:أنا أختك
-عارف
_طب ما تقولش حاضر يا ماما دي،إنت كده بتكبرني
اتسعت ابتسامته وقال:حاضر يا لولو
نظرت إليه لثانية قبل أن تضحك رغمًا عنها وقالت:ماشي يا دومي
أنهى الاتصال بعد دقائق قليلة،ثم وضع الحاسوب إلى جواره.
لم يبقَّ من أصوات المدينة سوى ذلك الهدير البعيد الذي يصل ضعيفًا عبر النافذة،بينما وقف آدم أمام خزانته يتأملها للحظة كأن المهمة التي بدت بسيطة قبل دقائق تحتاج إلى قدرٍ من التفكير.
وفي الوقتٍ ذاته،كانت فريدة تنحني فوق حقيبتها تعيد ترتيب محتوياتها للمرة الأخيرة.
كانت تضع قطعةً ثم تتراجع قليلًا لتتأكد من أن شيئًا لم يُنسَ،وبين الحين والآخر كانت ترفع عينيها نحو الساعة مدركةً أن الوقت الذي يفصلها عن الصباح يتناقص بهدوء.
وفي غرفة أخرى،لم تكن تفصلها عنها سوى مسافات المدينة،كان آدم يفعل الأمر نفسه.
يفتح حقيبته ويضع فيها ما سيحتاج إليه،ثم يتوقف ليتذكر شيئًا ثم يعود إلى خزانته.
حركتان متشابهتان في ليلتين تبدوان عاديتين.
وشخصان يستعدان كلٌّ منهما لرحلته الخاصة.
كانت فريدة تستعد لمغادرة المدينة عند بزوغ الفجر،متجهة إلى المطار قبل أن تستيقظ الشوارع تمامًا.
وكان آدم يستعد للقيام برحلةٍ ظنّ أنها ستقوده إلى مؤتمرٍ طبي ،ثم إلى لقاءٍ مؤجل مع شقيقته.
يُتبع...-لم يكن صوت الأجهزة المنتظم هو ما أقلق بشأنه من حولي،بل التغيّر المفاجئ الذي ظهر على إحدى الشاشات.
ساد غرفة العمليات صمتٌ مشدود لم يقطعه سوى رنين الأجهزة المتتابع وحركة الأقدام الهادئة فوق الأرضية المصقولة.
رفع طبيب التخدير بصره إلى الشاشة أمامه وقد تبدلت ملامحه قليلًا،ثم قال:الضغط بيقل يا دكتور
لم يتوقف الجراح عن عمله،لكنه رفع عينيه نحو طبيب التخدير لحظة وقال:بلغني الوضع أول بأول
اقترب أحد الأطباء المساعدين،بينما تحركت الممرضة لتناول ما طلبه الجراح قبل لحظات.
ثبت الأخير نظره على موضع الجراحة وقال بهدوء:هنحتاج نراجع مصدر النزيف
انحنى مساعده قليلًا متفحصًا ما أمامه وقال:أنا شايفه
تبادل الاثنان نظرة خاطفة لم تحتج إلى مزيد من الكلام.
بدأت أيدي الفريق تتحرك في انسجامٍ اعتادته تلك الغرفة،لكلًّ منهم مهمة يعرفها جيدًا،ولحركةٍ واحدةٍ قد تبدو عابرةٍ أثرٌ لا يقل أهمية عن غيرها.
قال طبيب التخدير:الضغط بينزل أكتر
رفع الجراح بصره إليه هذه المرة وقال:تمام بلغني أول ما يبدأ يستقر
أومأ الآخر برأسه،ثم عاد إلى مراقبة الشاشة.
مرّت الدقائق التالية بطيئةً على من ينتظر خارج الغرفة،أما في الداخل فلم يكن ثمة متسعٌ للتفكير في الوقت.
كان الجراح ينتقل ببصره بين موضع العملية وما يطلبه منه الموقف،فيما يتابع مساعده إلى جواره أدق التفاصيل.وحين توقفت يد الجراح للحظة لم تكن حيرةً،بل مراجعةً سريعة لما أمامه ليقول بعدها:الشفاط
ناولته الممرضة الأداة فورًا
-كده أوضح؟
سألها الطبيب المساعد.
تأمل الجراح الموضع لثوانٍ ثم قال:أيوة..كمل
عاد الجميع إلى العمل...وبعد لحظات قال طبيب التخدير:الضغط بيتحسن
رفع الجراح رأسه ونظر إلى الشاشة،لم يظهر على وجهه انتصارٌ أو ارتياح مبالغ فيه،وإنما أومأ برأسه فحسب وقال:كويس،نكمل على نفس الخطة
تنفست الممرضة ببطء قبل أن تعود إلى مكانها،أما هو فأعاد بصره إلى المريض الراقد أمامه.
لم يكن في تلك اللحظة طبيبًا يواجه الأمر وحده،ولم يكن أحدٌ في الغرفة ينتظر معجزةً من شخص واحد.
بل كانوا فريقًا كاملًا يقف كل فردٍ فيه إلى جوار الآخر،يجمعهم هدف واحد لا يعلو عليه شئ
"أن يخرج المريض من تلك الغرفة حيًّا".
-الطريق أمامنا لم يكن واضحًا كما ينبغي
استقرت يداها فوق أدوات التحكم،بينما عيناها تنتقلان بين لوحة العدادات والامتداد الرمادي الذي ابتلع الأفق خلف الزجاج الأمامي.
لم تكن الرؤية سيئة إلى الحد الذي يمنع الطائرة من مواصلة طريقها،لكنها لم تكن مطمئنة كذلك.
إلى جوارها كان مساعدها يتابع المؤشرات في صمتٍ يقظ.
-الرؤية بتقل أكتر يا كابتن
قالها وهو يلقي نظرة سريعة إلى الخارج،أومأت برأسها ثم قالت:أنا شايفة
لم تحمل كلمتها ضيقًا،بل جاءت هادئة كأنها مجرد تأكيدٍ لما يتابعانه معًا.
امتدت يدها إلى أحد المفاتيح،ثم أعادت النظر إلى لوحة العدادات وقالت:خلينا نراجع الوضع
بدأ الاثنان يتابعان البيانات أمامهما،في حين أن أصوات أجهزة الاتصال تتردد داخل قمرة القيادة.
انحنت قليلًا إلى الأمام وقالت:هنبلغ برج المراقبة
أجرى مساعدها الاتصال،بينما ظلت عيناها معلقتين بما أمامها.
جاء صوت المراقبة عبر جهاز الاتصال واضحًا رغم التشويش الخفيف،تابعت الحديث بإهتمام دون مقاطعته حتى النهاية،ثم تبادلت مع مساعدها نظرة قصيرة قبل أن تقول:ايه رأيك؟
نظر إليها للحظة قبل أن يعيد بصره إلى الأجهزة:أنا شايف إننا نستنى شوية قبل ما نقرر
أومأت ببطء..لم تكن في عجلة من أمرها،ولم يكن اتخاذ القرار وحده هو ما يشغلها،بل الوصول إلى القرار الصحيح.
مضت الدقائق التالية وسط متابعة دقيقة لكل ما يتغير حولهما،وفي الخلف عشرات الركاب يجلسون في مقاعدهم لا يعلمون شيئًا عن النقاش الهادئ الذي يدور خلف الباب المغلق.
أما داخل قمرة القيادة فلم يكن هناك متسع للتسرع.
قال مساعدها بعد لحظات:الرؤية بدأت تتحسن
رفعت عينيها نحو الزجاج الأمامي وبالفعل بدأت ملامح الأفق تظهر تدريجيًا من خلف الغيوم.
أخذت نفسًا هادئًا،ثم قالت:تمام...نكمل
تبادلت هى ومساعدها نظرة قصيرة قبل أن يعود كلٌْ منهما إلى عمله.
ومع استمرار الطائرة في شق طريقها بين الغيوم،بقيت يداها ثابتتين،لا تحملان من التوتر أكثر مما ينبغي،ولا من الثقة أكثر مما يسمح به الموقف.
كانت تعرف أن كل رحلة مهما بدت عادية في بدايتها،تفرض على طاقمها أن يظل حاضرًا حتى اللحظة الأخيرة،ولهذا لم تسمح لنفسها بأن تنظر إلى السماء بوصفها مجرد طريق.
بل مسؤولية...مسؤولية يحملها من يجلس خلف المقود،عن كل روحٍ اختارت أن تترك الأرض بين يديه.
في المساء
دفع باب المقهى بكتفه،بعدما شغلت إحدى يديه هاتفه واستقرت في الأخرى مفاتيحه،وما إن وقعت عيناه على الطاولة التي يجلس إليها أصدقاؤه حتى أدرك من النظرات المتجهة نحوه أن وصوله المتأخر لن يمر مرور الكرام.
تقدم نحوهم ببطءٍ متعمد،ثم سحب أحد المقاعد وجلس.
ظل الجميع صاميتين حتى رفع عينيه إليهم وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وقال:مساء الخير
لم يجبه أحد..
نظر إلى الرجل الجالس إلى يمينه،ثم إلى الآخر المقابل له وقال:ايه! هو أنا داخل امتحان؟
أخذ أحدهم رشفة من كوبه،ثم قال:لا إحنا بنحاول نفتكر ملامحك...إنت مين فكرنا بيك كده
عقد حاجبيه متظاهرًا بعدم الفهم وقال:ملامحي؟
-أيوة آخر مرة شوفتك كانت من زمن
مال إلى الخلف،ثم ألقى نظرة على ساعته وقال:يا راجل؟ أنا متأخر ساعة بس
ضحك أحدهم ساخرًا:ساعة وربع
ألتفت إليه فورًا وقال:شكرًا على الدقة اللي مالهاش أي لازمة
-العفو..إحنا قاعدين مستنيينك من بدري،فبقينا نعرف الوقت كويس
انفجر الباقون ضاحكين،بينما مد يده نحو أحد أكواب العصير.
توقفت يد صاحبه قبل أن تصل إليه:استنى
رفع عينيه إليه وقال:نعم؟
-ده بتاعي
نظر إلى الكوب،ثم إليه وقال:أيوة ما أنا شايف
-أومال بتاخده ليه؟
ظل ينظر إليه لثانيتين،قبل أن يسحب يده ببطء وقال:كنت بأختبر كرمك
-ونجحت؟
أشار إلى الكوب برأسه وقال:لا
ارتفعت الضحكات حول الطاولة مرة أخرى،فابتسم وهو يهز رأسه.
في تلك اللحظة اقترب النادل منهم،فوضع أمامه قائمة الطعام ليأخذها وراح يتصفحها باهتمامٍ بالغ،قبل أن يرفع رأسه فجأة ويقول:أنا عندي سؤال مهم
نظر إليه الجميع ليلقي عليهم سؤاله ويقول:هو ليه كل مرة نيجي هنا بنقعد عشر دقايق نختار هنطلب ايه وفي الآخر كل واحد بيطلب نفس الحاجه
ساد الصمت للحظة،قبل أن يقول أحدهم:عشان كل مرة حد فينا بيقترح نجرب حاجه جديدة والباقي بيتعامل معاه كأنه بيقترح نغير ديانة المكان
وضع القائمة فوق الطاولة وقد أضاءت عيناه بالضحك:يعني دي مشكلتي أنا؟
-لا بس إنت أكتر واحد يا آدم بيقعد يقنعنا نجرب وفي الآخر بتقول للجارسون هات المعتاد
ابتسم آدم ابتسامة عريضة،ثم رفع يده مشيرًا إلى النادل:عشان المعتاد عمره ما خذلني
-ولا إحنا
ألتفت آدم إلى صاحب الجملة،وحدق فيه لثوانٍ قبل أن يقول:إنت داخل في لحظة وفاء كده ليه
-يا ابني إحنا أصحابك
رد عليه بهدوء وقال:وأنا مقدر ده جدًا
توقف قليلًا،ثم أضاف وهو يشير إلى كوب العصير:خصوصًا إنكم لحد دلوقتي رافضين تشاركوني في أي حاجه
دفع أحدهم الكوب نحوه أخيراً وقال:خد،ريح ضميرك
أمسكه آدم ثم ابتسم بإنتصار:أهو كده العلاقات الإنسانية بتتحل بالحوار
تعالت ضحكاتهم من جديد،هذه المرة دون أن يحاول أحد إخفاءها.
وفي تلك اللحظة بعيدًا عن برودة غرفة العمليات وأضوائها البيضاء،لم يكن الرجل الجالس بينهم يشبه الطبيب الذي ظل الجميع يراقبون حركتي يديه قبل ساعات. بل كان أكثر عفوية،وأقل حرصًا على إخفاء ابتسامته،يشاركهم حديثًا عاديًا عن أشياء لا تستحق أن تؤخذ بجدية.
وربما كان ذلك تحديدًا ما جعل تلك الساعات القليلة معهم ضرورةً لا يقل احتياجه إليها عن أي شيء آخر.
في الصباح
كانت تجلس أمام المرآة،وقد وضعت هاتفها إلى جوارها بينما تحاول للمرة الثالثة إغلاق حقيبتها الصغيرة.
ضغطت عليها بيديها،ثم توقفت وقالت:لا..يووه بقى
رفعت صديقتها رأسها من فوق الأريكة وقالت:ايه اللي لا؟
نظرت إلى الحقيبة باستنكار وقالت:الشنطة دي عندها مشكلة شخصية معايا
اقتربت صديقتها منها ونظرت إلى محتويات الحقيبة:فريدة إنتِ حاطة ايه في حته شنطة صغيرة قد دي؟
رفعت فريدة يدها مدافعةً عن نفسها:حاجات ضرورية
_زي ايه؟
بدأت فريدة تعد على أصابعها:موبايل..شاحن..باورك بانك..محفظة ومناديل
توقفت صديقتها عند كل كلمة،ثم أشارت إلى الحقيبة:وكل ده مش داخل؟
ضيقت فريدة عينيها،ثم فتحت الحقيبة وأخرجت منها شيئًا:وفيه ده
نظرت صديقتها إلى زجاجة العطر ثم إلى فريدة وقالت:وده ضروري؟
أجابت فورًا:طبعًا..أمشي ريحتي معفنة يعني!
أخرجت صديقتها شيئًا آخر وقالت:طب وده؟
ردت فريدة بهدوء:نضارة شمس..أمشي يعني في الشمس من غير نضارة
تنهدت صديقتها،ثم مدت يدها إلى الحقيبة وقال:اديني كده
تراجعت فريدة قليلًا وقالت:ليه؟
_هرتبها لك
حدقت بها فريدة لثوانٍ،ثم مدت إليها الحقيبة:اتفضلي..وريني مواهبك
بدأت صديقتها في إخراج الأشياء واحدة تلو الأخرى حتى توقفت فجأة.
رفعت رأسها ببطء وقالت:فريدة
-نعم
رفعت في يدها كيسًا صغيرًا وقالت:ايه ده؟
نظرت فريدة إليه وقالت:بسكوت
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن تقول صديقتها:بسكوت؟ وإحنا نازلين ساعة واحدة!
_الجوع مالوش مواعيد
وضعت صديقتها الكيس فوق الطاولة وقالت:مش هيتاخد معانا ده
أسرعت فريدة وأخذته وهى تقول:مستحيل
-بطلي طفاسة...إنتِ ممكن تعيشي ساعة من غير بسكوت عادي
رفعت فريدة حاجبًا وقالت:أنا طيارة مش داخلة اختبار تحمل
_ايه علاقة ده بده؟
اغلقت فريدة الحقيبة بالقوة،ثم أمسكت بها و وقفت:هو كده...أنا اتدربت على التعامل مع الظروف الصعبة
نظرت صديقتها إلى الحقيبة وقالت:وهو أصعب ظرف بالنسبة لكِ إنك تجوعي؟
توقفت فريدة أمام الباب،ثم استدارت إليها وقالت:حلو إنك فهماني
انفجرت صديقتها ضاحكة،بينما فتحت فريدة الباب بثقة وهى تقول:يلا
_رايحة فين؟
-هننزل
_من غير ما تقفلي الشنطة
نظرت فريدة إلى الحقيبة في يدها وجدتها مفتوحة تمامًا.
أغلقتها هذه المرة بهدوء وهى تقول:كنت بأختبرك على فكره
رفعت صديقتها حاجبها:ونجحت؟
أومأت فريدة برأسها وقالت بإبتسامة:وبتفوق
غادرت فريدة منزلها،بينما ظلت ضحكة صديقتها تتبعها حتى نهاية الطريق.
ما إن خرجتا من البناية حتى لفحتهما نسمات الصباح الباردة،سارت فريدة إلى جوار صديقتها بينما ظلت الحقيبة الصغيرة معلقة فوق كتفها كأن المعركة التي دارت معها قبل دقائق لم تحدث قط.
قالت صديقتها وهى تنظر إليها:على فكره أنا لحد دلوقتي مش فاهمه إنتِ محتاجة البسكوت ليه
التفتت إليها فريدة وقالت:وأنا لحد دلوقتي مش فاهمة إنتِ مهتمة بالموضوع ليه
_عشان إنتِ خدتيه في شنطتك كأنك مسافرة
توقفت فريدة للحظة،ثم نظرت إليها وقالت:ما أنا فعلًا مسافرة
وصلوا المقهى وقالت صديقتها وهى تسحب كرسيًا:امتى!
تحدثت فريدة بهدوء وهى تمسك بقائمة الطعام:بكره
_وإنتِ ما قولتيش ليه؟
قالت فريدة مازحة لتخفف التوتر:ما إنتِ كنتِ بتتكلمي عن الشنطة
عقدت صديقتها ذراعيها أمام صدرها وقالت:لا استني بس...إنتِ جاية من الشغل امبارح..ويدوب اتقابلنا النهارده وهتسافري بكره؟ وفوق كل ده لسه فاكرة تقولي لي دلوقتي
رفعت فريدة كتفيها وقالت:طب أعمل إيه...ما إنتِ عارفة طبيعة شغلي
تنهدت وقالت:رايحة فين؟
_رحلة شغل
_ماشي فين رحلة الشغل دي
-مش عارفة
_فريدة
نظرت إليها وقالت:نعم
_إنتِ مش عارفة رايحة فين؟
ردت بإبتسامة وقالت:والله لسه ما اتبلغتش بالتفاصيل
_ما اتبلغتيش بالتفاصيل وإنتِ هتسافري بكره؟
ضحكت فريدة وقالت:شوفتي
وضعت صديقتها يدها فوق رأسها،ثم تمتمت:أنا مش فاهمة حياتك
ضحكت فريدة وقالت:وأنا كمان ساعات مش بفهمها
ألقت عليها صديقتها نظرة جانبية وقالت بجدية:ده مش رد يطمن
-إنتِ مش راكبة معايا،فما تقلقيش
حدقت بها صديقتها،فأدركت فريدة ما قالته لتتسع ابتسامتها وهى تقول:بهزر
رمقتها صديقتها وهى تقول بغضب:فريدة
انفجرت ضاحكة وهى ترفع يديها دفاعًا عن نفسها:خلاص خلاص أنا آسفة
هزت صديقتها رأسها وهى تحاول أن تبدو غاضبة،لكن ابتسامتها خانتها سريعًا:والله ما هكلمك
-لا لا مش هتقدري..أنا أصلا هوحشك
_واثقة اوي
-طبعًا ليكِ معايا تجارب سابقة
ضحكت صديقتها وقالت:فعلًا هتوحشيني
نظرت إليها فريدة هذه المرة وقد هدأت ابتسامتها قليلًا:وإنتِ كمان
_هترجعي امتى؟
أخرجت فريدة هاتفها من حقيبتها ونظرت إلى الشاشة التي تضيء وقالت:حسب الرحلة
_يعني؟
-يعني لما أعرف هقولك
نظرت إليها باستسلام وقالت:أنا حاسة إن الكلام معاكِ بقى محتاج جدول مواعيد
ردت فريدة مازحة:طب أبعتهولك PDF
ألقت صديقتها الحقيبة على فريدة التي بدورها ألتقطت الحقيبة وهى تضحك.
في مكانٍ آخر
طرق آدم الباب طرقاتٍ خفيفة،قبل أن يأتيه صوت مدير المستشفى من الداخل:أدخل
دفع الباب ودخل،ثم أغلقه خلفه.
رفع المدير عينيه عن الأوراق الموضوعة أمامه وأشار إليه بالجلوس في المقعد المقابل وقال:اتفضل يا دكتور آدم
جلس آدم وقد راوده الفضول بشأن سبب استدعائه،تحديدًا وأن مدير المستشفى لم يطلب حضوره إلى مكتبه دون سبب.
فتح الرجل أحد الملفات أمامه،ثم قال:عندنا مؤتمر طبي كبير..ومش مجرد مؤتمر عادي
عقد آدم حاجبيه باهتمام:وفين المؤتمر ده يا دكتور فاروق؟
_في الخارج
ظل صامتًا منتظرًا أن يتابع المدير حديثه:هيكون فيه مجموعة من أهم الأطباء من تخصصات مختلفة وهنبعت مجموعة تمثل المستشفى.
أغلق الملف،ثم نظر إليه مباشرةً:وإنت واحد من الأطباء اللي تم اختيارهم
اتسعت عينا آدم قليلًا،قبل أن ترتسم ابتسامة هادئة على وجهه:أنا يا دكتور!
ابتسم المدير وقال:أيوة...هيكون معاك دكتور هاني من التخدير،ودكتور حنان من قسم الأطفال ودكتور مصطفى من النفسية وانت هتكون المسؤول عن فريقك هناك
أراح آدم ظهره إلى المقعد وقال:والمؤتمر ده امتى يا دكتور؟
نظر المدير إلى الورقة الموضوعة أمامه:هتسافر بكره
رفع آدم رأسه وقال بذهول:بكره؟
_طيارتك الساعة 8 الصبح يا دكتور
ظل صامتًا للحظة،وكأنه يعيد ترتيب ما سمعه ثم قال:يعني مفيش وقت أفكر في الموضوع
ضحك المدير ضحكة خفيفة وقال:للأسف لا
ابتسم آدم:طب وشغلي هنا!
_كتبتلك إجازة باقي اليوم،وكمان الأيام الخاصة بالسفر زمايلك هيشيلوها..تقدر تروح تجهز نفسك من دلوقتي مفيش وقت
أومأ آدم برأسه،ثم نهض من مقعده وقال:تمام
أوقفه المدير قبل أن يصل إلى الباب:يا دكتور آدم
التفت إليه وقال:ايوة يا دكتور
ابتسم المدير وقال:أنا اخترتك تكون المسؤول عن الفريق لاني واثق فيك...دي فرصة مهمة وإنت فيها ما بتمثلش نفسك بس،إنت بتمثل المستشفى كلها
أومأ آدم بإبتسامة أكثر جدية هذه المرة وقال:إن شاء الله أكون عند حسن ظنك
ابتسم المدير وقال بثقة:هتكون..أنا واثق
فتح آدم الباب،ثم خرج من المكتب وما إن ابتعدا عن الباب حتى أخرج هاتفه من جيبه متجهًا نحو غرفة تبديل الملابس.
حلّ الليل بهدوءٍ فوق المدينة،وانسحبت ضوضاء النهار شيئًا فشيئًا خلف النوافذ المغلقة،بينما بدأت فريدة تجمع ما ستحتاج إليه في حقيبتها الموضوعة فوق السرير.
كانت ملابسها موزعة من حولها في فوضى مؤقتة،لا تشبه في شيء النظام الذي اعتادت أن تلتزم به في عملها. رفعت إحدى القطع ثم أعادتها إلى مكانها قبل أن تتناول هاتفها الذي أضاء باسم رانيا.
ضغطت على زر الاتصال وما إن ظهرت صديقتها على الشاشة حتى قالت:إنتِ لسه صاحية
اتسعت ابتسامة رانيا قبل أن تقول:أنا اللي المفروض أسألك السؤال ده..مش إنتِ مسافرة بكره؟
ألقت فريدة نظرة على حقيبتها أمامها وقالت:أيوة وعشان كده بحاول أجهز شنطتي
_طيارتك الساعة كام؟
انحنت فريدة لتلتقط قطعة ملابس من فوق المقعد القريب وقالت:6 الصبح
_يااه بدري اوي...يعني هتصحي امتى
رفعت فريدة عينيها إلى الشاشة وقالت:أنا نمت 5 ساعات ولسه صاحية من نص ساعة فمش هنام تاني
وضعت فريدة ما بيدها داخل الحقيبة واكملت:أنا بجهز كل حاجه من دلوقتي وأول ما النهار يطلع همشي على طول
أمالت رانيا رأسها:كان نفسي أشوفك قبل ما تسافري
توقفت حركة فريدة للحظة،ثم نظرت إليها من خلال الشاشة وقالت بحزن:وأنا كمان والله
ساد صمت قصير،لم يكن ثقيلًا بقدر ما كان يحمل شيئًا من الأسف البسيط
_بس خلاص لينا لقاء تاني في العودة إن شاء الله
ارتسمت ابتسامة على وجه رانيا وقالت:وعد؟
_وعد
-ماشي
أغلقت فريدة الحقيبة جزئيًا ثم جلست إلى جوارها وقالت:ويلا بقى سيبيني أخلص تجهيز بدل ما أكتشف الساعة 5 الصبح إني نسيت نص حاجتي
ضحكت رانيا وقالت:ما تنسيش البسكوت
رفعت فريدة إصبعها محذرةً:ما تفتحيش موضوع البسكوت
انفجرت رانيا ضاحكة:خلاص خلاص
هزت فريدة رأسها مبتسمة قبل أن ينتهي الاتصال،وضعت الهاتف إلى جوارها ثم عادت إلى حقيبتها
وفي مكانٍ آخر من المدينة
كان يجلس آدم على طرف سريره وقد وضع حاسوبه اللوحي أمامه.
ظهرت شقيقته على الشاشة وما إن استقر الاتصال بينهما حتى قال:عندي خبر هيعجبك
اقتربت من الشاشة وقالت:خير
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهه:أنا مسافر لندن
تغيرت ملامحها في لحظة وقالت:بجد!
ضحك من حماسها وقال:أيوة بجد
_امتى؟
-طيارتي الساعة 8 الصبح
_بتهزر
-لا والله
ابتعدت قليلًا عن الشاشة،وقد اتسعت ابتسامتها:طب إنت رايح ليه؟
-عندي مؤتمر طبي هناك
لم تترك له فرصة لإكمال حديثه:يعني هشوفك؟
نظر إليها مبتسمًا:ما هو ده اللي كنت هقولهولك
-هتيجي عندي يعني
_أول ما أوصل لو الوقت كافي قبل المؤتمر هاجي أقابلك..ولو الوقت ما سمحش أول ما أخلص هاجي على طول
بدأ الارتياح واضحًا على وجهها:ماشي
ثم سألته:نمت؟
-لا لسه
_لازم تنام بدري
نظر إلى الحقيبة الفارغة الموضوعة إلى جواره وقال:المفروض..بس الشنطة ليها رأي تاني
ضيقت عينيها وهى تراقبه:إنت لسه ما جهزتش؟
ابتسم آدم وقال:لا
_قوم يا كسول
ضحك وهو ينهض من مكانه وقال:ما أنا هجهز دلوقتي
_متنساش حاجه
-حاضر يا ماما
رفعت حاجبها وقالت:أنا أختك
-عارف
_طب ما تقولش حاضر يا ماما دي،إنت كده بتكبرني
اتسعت ابتسامته وقال:حاضر يا لولو
نظرت إليه لثانية قبل أن تضحك رغمًا عنها وقالت:ماشي يا دومي
أنهى الاتصال بعد دقائق قليلة،ثم وضع الحاسوب إلى جواره.
لم يبقَّ من أصوات المدينة سوى ذلك الهدير البعيد الذي يصل ضعيفًا عبر النافذة،بينما وقف آدم أمام خزانته يتأملها للحظة كأن المهمة التي بدت بسيطة قبل دقائق تحتاج إلى قدرٍ من التفكير.
وفي الوقتٍ ذاته،كانت فريدة تنحني فوق حقيبتها تعيد ترتيب محتوياتها للمرة الأخيرة.
كانت تضع قطعةً ثم تتراجع قليلًا لتتأكد من أن شيئًا لم يُنسَ،وبين الحين والآخر كانت ترفع عينيها نحو الساعة مدركةً أن الوقت الذي يفصلها عن الصباح يتناقص بهدوء.
وفي غرفة أخرى،لم تكن تفصلها عنها سوى مسافات المدينة،كان آدم يفعل الأمر نفسه.
يفتح حقيبته ويضع فيها ما سيحتاج إليه،ثم يتوقف ليتذكر شيئًا ثم يعود إلى خزانته.
حركتان متشابهتان في ليلتين تبدوان عاديتين.
وشخصان يستعدان كلٌّ منهما لرحلته الخاصة.
كانت فريدة تستعد لمغادرة المدينة عند بزوغ الفجر،متجهة إلى المطار قبل أن تستيقظ الشوارع تمامًا.
وكان آدم يستعد للقيام برحلةٍ ظنّ أنها ستقوده إلى مؤتمرٍ طبي ،ثم إلى لقاءٍ مؤجل مع شقيقته.
يُتبع...
التعليقات
0 تعليق