استيقظ آدم قبل الجميع،ظل ساكنًا للحظات يحدق في السقف محاولًا أن يستوعب أين هو،قبل أن تعود إليه تفاصيل الليلة الماضية؛ المطر،الفندق،فريدة التي اضطرت للبقاء معهم وماجد الذي اضطر إلى مشاركته الغرفة.
التفت نحو النافذة كان صوت المطر قد اختفى،نهض بهدوء واتجه إليها ثم أزاح الستار قليلًا.
بدت الجبال من خلف الزجاج مغطاة بطبقة خفيفة من الضباب،بينما انعكست أشعة الشمس الأولى على الأرض المبللة. كانت السماء لا تزال رمادية في بعض أجزائها لكن الطقس بدا أكثر استقرارًا.
وقف يتأمل المشهد للحظات،وعادت إليه صورة الأمس.
القمة،النار، ضحكات المجموعة، وفريدة وهي تحاول إقناعه بأنها قادرة على المشي رغم إصابتها.
ابتسم دون أن يشعر،ثم جاءه صوت ماجد من خلفه:بتضحك على ايه يا دكتور!؟
التفت آدم فوجده قد استيقظ للتو،يرفع رأسه عن الوسادة وينظر إليه بنعاس.
_ولا حاجه
-اومال واقف قدام الشباك من الصبح وبتضحك ليه
أغلق آدم الستار نصف إغلاق وقال:الجو اتحسن
نظر ماجد إلى الساعة وقال:بدري أوي على الجو والكلام ده
ثم عاد إلى وسادته:أنا هنام ساعتين،تلاتة كمان
ضحك آدم وهو يقول:نام
خرج من الغرفة وتركه يستكمل نومه.
في الأسفل كان الفندق لا يزال هادئًا، هبط إلى الاستقبال وتبادل التحية مع الموظف،ثم سأله عن حالة الطقس والطريق إلى المستشفى.
أكد له الموظف أن الطريق أصبح آمنًا،وأن الحافلة تستطيع التحرك خلال وقت قصير.
شكره آدم وعاد إلى الطابق،وطرق باب غرفة ماجد،فتح الباب بعد لحظات وقال:ايه؟
-اصحى...هنرجع المستشفى
-أنا اروح المستشفى كل يوم ليه،أنا طيار مش دكتور
قال آدم وهو يسير خارج الغرفة:خمس دقايق والاقيك تحت
تمتم ماجد:حاضر
ثم أغلق الباب في وجهه،أما آدم فاتجه نحو الغرفة التي تنام بها فريدة..طرق الباب بخفة وهو يقول:كابتن فريدة
لم يصله رد،طرق مرة أخرى:فريدة
جاءه صوتها من الداخل:ادخل
فتح الباب فوجدها جالسة على السرير،وقد استيقظت منذ قليل
-صباح الخير
_صباح النور
نظر إلى ساقها،ثم إلى وجهها وسألها:عاملة ايه!
-بخير
_كويس الجو هدي والطريق بقى أمان...يلا عشان هنرجع المستشفى
تنهدت وهى تنظر إلى النافذة:بسرعة كده؟
رد عليها وهو يضحك:هنعيش هنا يعني على طول؟
-وايه المشكلة المكان حلو
_والمستشفى أحلى
نظرت إليه باستنكار:مستشفى وحلو في جملة واحدة!
-بهزر
هزت رأسها وهي تبتسم:خدت بالي
ثم حاولت النهوض،تقدم آدم ليساعدها لكنها أشارت إليه بيدها:سيبني اقوم لوحدي
تراجع خطوة وترك لها المساحة،نهضت ببطء وانتظرت حتى استقرت على قدميها،ثم نظرت إليه بإبتسامة وقالت:شايف أنا مش محتاجة حد يساعدني إزاي
ابتسم ابتسامته الهادئة وقال وهو يهز رأسه:شايف
-طب يلا بينا؟
_يلا
بعد أقل من ساعة كانت المجموعة قد تجمعت أمام الفندق،حمل كل شخص متعلقاته وعادت الحافلة إلى الانتظار أمام الباب.
خرجت فريدة برفقة آدم ساعدها في الصعود،ثم جلس بالقرب منها حتى استقرت.
ما إن تحركت الحافلة حتى بدأت المدينة تستعيد شكلها المعتاد بعد ليلة المطر.
الشوارع المبللة،وأشجار الأرصفة تتساقط منها قطرات الماء،والغيوم المتفرقة تحجب الشمس بين حين وآخر.
كان الجميع أكثر هدوءًا من اليوم السابق،ربما لأنهم يعرفون أن عليهم العودة إلى العمل بمجرد وصولهم.
لكن فريدة لم تستطع منع نفسها من النظر من النافذة على الجبال التي ابتعدت عنهم تدريجيًا.
قال آدم:عاجبك المكان؟
-جدًا...كل مرة بشوف نيش بنبهر بيها كأني أول مرة أشوفها
-بقترح لما نرجع مصر تنشري قصتنا على السوشيال ميديا...وأنا أول واحد هعملك لايك
نظرت إليه مبتسمة:لو رجعنا
سكت آدم لحظة،لم يحب الجملة حتى وإن قالتها بنبرة عابرة،لكنه قال:هنرجع إن شاء الله
قالها ببساطة وثقة،التفتت إليه وقالت وهى مبتسمة:إن شاء الله
بعد نصف ساعة تقريبًا
وصلت الحافلة أمام المستشفى،بمجرد أن دخلوا المبنى وجدوا العاملين يتحركون بسرعة بين الأقسام،وبعض الملفات تتنقل من يد إلى أخرى،بينما كان صوت الأجهزة الطبية يملأ الممرات.
استقبلهم عزوز عند المدخل وهو يقول بإبتسامة:صباح الخير
رد الجميع التحية،ثم قال:ارتحتوا؟
أجابه مصطفى:جدًا لدرجة إني بفكر اطلب منك ننقل المستشفى فوق الجبل
ضحك أحد الأطباء،لكن عزوز لم يبتسم فقد قال:أتمنى تكونوا ارتحتوا فعلًا، لأن عندنا شغل كتير
نظر آدم إليه وقال:حصل حاجه؟
-في نتايج تحاليل وصلت الصبح...بغض النظر إن اللي بعتها للمعمل عمل ده من غير ما يرجعلي،لكن النتايج ظهرت
لم يكترث آدم لما قاله في البداية،رد عليه بهدوء وقال:فيها ايه؟
نظر عزوز إلى الملفات التي يحملها:لسه مش فاهمين الصورة كاملة
ثم مد أحد الملفات إلى آدم وتابع:بس في حاجه جديدة ظهرت في أكتر من حالة
أخذ آدم الملف وفتحه،قرأ الصفحة الأولى،ثم الثانية.
توقفت عيناه عند سطر معين،رفع رأسه ببطء وقال:الحالات دي كلها كانت من نفس المنطقة؟
أومأ عزوز:أيوة
اقترب رامي وقال:يعني في رابط؟
أغلق آدم الملف مؤقتًا وقال:مش عارف
ثم نظر إلى الجميع:بس المرة دي لازم نعرف يا دكاترة...كل واحد على شغله
تحرك الأطباء كلٌ إلى قسمه،وعادت المستشفى إلى ابتلاعهم واحدًا تلو الآخر،أما فريدة فبقيت للحظات في الممر قبل أن تتجه إلى غرفتها،التفتت إلى آدم قبل أن تبتعد وقالت:اشوفك بعدين يا دكتور
رفع عينيه عن الملف وقال بعملية:إن شاء الله
في البداية استغربت رده،لكنها تابعت طريقها.اما آدم فظل يتابعها بنظره للحظات قبل أن يعود إلى الملف الذي بين يديه.
هذه المرة لم يعد الأمر مجرد مجموعة أعراض متشابهة،بل كانت هناك معلومة جديدة وكان عليهم أن يفهموا معناها.
مرَّ شهر كامل على حادث الطائرة.
شهر بدا في أيامه الأولى وكأنه لا يريد أن ينتهي،ثم مرَّت أيامه سريعًا تحت وطأة العمل والمرضى والملفات التي لم تتوقف عن التراكم.
وخلال ذلك الشهر تغير الكثير،كانت حالة فريدة قد تحسنت بصورة واضحة، فقد التئمت إصابتها تدريجيًا واستطاعت أن تتحرك بصورة أفضل حتى جاء اليوم الذي أُزيل فيه الجبيرة عن ذراعها،وبعد فترة من المتابعة تحسنت إصابة ساقها وأصبحت قادرة على المشي دون مساعدة.
لم تعد الغرفة التي أقامت فيها طوال تلك الفترة تشبه المكان الذي دخلته إليه بعد الحادث.
في البداية كانت محاطة بالأجهزة والأدوية والضمادات،عاجزة عن الحركة إلا بمساعدة الآخرين...أما الآن فلم يبقَّ سوى بعض أثار الأيام الطويلة التي قضتها بين جدرانها.
وكان اليوم مختلفًا،فاليوم ستخرج فريدة من المستشفى.
وقفت أمام المرآة تتأمل ذراعها التي تخلصت أخيرًا من جبيرته،ثم نظرت إلى ساقها التي استعادت قدرتها على الحركة،ثم ابتسمت كانت سعادتها مرسومة على وجهها.
سعيدة لأنها أخيرًا ستغادر المكان الذي احتجزها شهرًا كاملًا وستعود إلى حياتها،إلى الطيران،إلى رانيا وإلى كل شيء افتقدته طوال تلك الفترة.
لكن خلف تلك السعادة كان هناك شيء آخر،شيء لم تستطع تجاهله..آدم.
منذ ظهور نتائج التحاليل انشغل آدم بصورة كاملة بالمرضى والمعلومات الجديدة التي ظهرت أمامهم،لذلك لم يعد يدخل غرفتها كما كان يفعل في البداية،لم يعد يسألها بنفسه عن حالتها،ولم تعد تراه إلى جوار سريرها كلما احتاجت إلى شيء.
بل سلَّم متابعتها اليومية إلى إحدى الطبيبات الموجودات معهم في المجموعة،وأصبح هو غارقًا في العمل.
في البداية لم تهتم فريدة كثيرًا،قالت لنفسها أنه طبيب وأن لديه عشرات المرضى،وأن المستشفى بأكملها أصبحت تحت ضغط غير طبيعي،لكن الايام مرت،ثم الأسابيع وبدأت تلاحظ غيابه أكثر مما كانت تتوقع.
كانت تعرف بطريقة أو بأخرى أنه لم يتوقف تمامًا عن السؤال عنها،فقد كانت الطبيبة التي تتابع حالتها تخبرها أحيانًا أن آدم سأل عن تحسنها،كما كانت تراه من بعيد حين تخرج يوميًا للمشي في الممرات.
كان يمر أحيانًا في الجهة الأخرى من المستشفى،ينظر لها للحظات ليتأكد أنها بخير ثم يعود إلى عمله دون أن يقترب.
لكن ذلك لم يكن كافيًا بالنسبة إليها،لم تكن تريد معرفة أنه يسأل عنها من شخص آخر،كانت تريد أن تراه بنفسها،أن تسمع منه سؤالًا بسيطًا كما كان يفعل في البداية "عاملة ايه" لكنه لم يحدث.
ومع كل يوم يمر،كانت تقنع نفسها بأنها لا تهتم حتى جاء يوم خروجها.
في الجهة الأخرى من المستشفى كان الشهر قد مر على آدم بصورة مختلفة تمامًا.
لم يكن يوم واحد قد مر عليه دون أن يعود إلى التحاليل التي ظهرت بعد الحادث،يقرأها كل صباح تقريبًا،ثم يعيد قراءتها في نهاية اليوم.
يفحص المرضى،يسجل الأعراض،يقارن الحالات.
ويعود إلى الملفات القديمة بحثًا عن أي تفصيلة يمكن أن تقوده إلى تفسير تلك المعلومة الجديدة.
كانت هناك حالات كثيرة وأعراض متشابهة،وتفاصيل تتكرر كل يوم لذلك كان آدم يريد أن يعرف لماذا.
لم يكن يبحث عن إجابة سريعة،بل يحاول أن يفهم الصورة كاملة ولهذا أصبح معظم وقته بين المرضى والملفات والمعامل.
أما بقية الأطباء فلم يكن حالهم مختلفًا كثيرًا،كل واحد منهم انشغل بتخصصه وتوزعت ساعات أيامهم بين المرضى والفحوصات والمتابعة حتى أصبحت المستشفى بالنسبة لهم هي المكان الذي يبدأ فيه يومهم وينتهي.
وخلال الشهر كله لم تكن مصر غائبة عنهم.
في القاهرة لم تتوقف رانيا وريم عن متابعة الأخبار.
كل خبر جديد يجعلهما تتعلقان بالأمل،ثم تعودان إلى نقطة الصفر عندما لا تحمل الأخبار شيئًا واضحًا.
لم تعرف رانيا شيئًا مؤكدًا عن فريدة،ولم تستطع ريم الوصول إلى معلومة تطمئنها على آدم،فقد ظل الغموض قائمًا وكأن الحادث ابتلع معه كل إجابة يمكن أن تصل إليهما.
عاد الهدوء إلى غرفة فريدة التي قد انتهت من تجهيز امتعتها.
وقفت أمام الباب للحظات ثم ألقت نظرة أخيرة على الغرفة.
شهر كامل،شهر من الألم والخوف والانتظار،شهر بدأ وهي لا تعرف أين هي ولا ماذا حدث وانتهى وهي تستعد للخروج إلى العالم من جديد.
وصعت يدها على مقبض الباب وقبل أن تفتحه،تحرك المقبض من الجهة الأخرى.
انفتح الباب وظهر آدم بابتسامته الهادئة وعلى وجهه شيء من الارتياح وهو يراها واقفة أمامه.
-حمدالله على السلامة
نظرت إليه للحظة،ثم أدرات وجهها إلى الجهة الأخرى وقالت بنبرة عملية باردة:أهلا يا دكتور...خير في حاجه!
اختفت ابتسامته ونظر إليها باستغراب:لا أنا جيت اطمن عليكِ
_شكرًا أنا كويسة...وماشية
-عارف
ثم أضاف بهدوء:عشان كده جيت أشوفك قبل ما تمشي
التفتت إليه أخيرًا وقالت بسخرية خفيفة:بس ما كانش له لزوم تتعب نفسك
ثبت نظره عليها،كانت الجملة بسيطة لكن نبرتها لم تكن كذلك،تأمل وجهها للحظات قبل أن يسأل:إنتِ زعلانة مني؟
رفعت حاجبها:أنا!
_أيوة
-في حاجه تستاهل أزعل عليها؟
_في الحقيقة معرفش..بس واضح إن في حاجه
ابتسمت ابتسامة قصيرة لم تصل إلى عينيها وقالت:لا مفيش حاجه...إنت عملت حاجه تزعل؟
سكت أما فريدة فالتقطت حقيبتها التي استطاع ماجد إستخراجها من الطائرة مع بقية حقائب المجموعة:عن إذنك
اتجهت نحو الباب،وظل آدم واقفًا مكانه يتابعها وهي تخرج دون أن تلتفت إليه وبمجرد أن اختفت من أمامه بقي للحظات في الغرفة ينظر إلى الباب المفتوح،ثم عاد بنظره إلى المكان الذي كانت تقف فيه.
لم يفهم شيئًا،لم يعرف ماذا فعل ولا متى فهل شيئًا يستحق كل هذا الجفاء.
ظل السؤال عالقًا في ذهنه وهو ينظر إلى الباب "لماذا هي غاضبة منه إلى هذا الحد؟" .
خرجت فريدة من الغرفة وهي تجر حقيبتها خلفها،وما إن ابتعدت خطوات عن الباب حتى بدأت تتمتم بضيق وكأنها تستكمل الحوار الذي لم تستطع أن تقوله لآدم في وجهه:مستفز وبارد
تابعت طريقها نحو المصعد وهي تهز رأسها بضيق:له عين يجي يشوفني دلوقتي...بعد ما قعد شهر كامل ما يسألش عليا
توقفت أمام المصعد وضغطت الزر،ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها في انتظار وصوله.
-شهر كامل يا آدم...شهر!
انفتح باب المصعد فرفعت عينيها إلى الداخل لتجد الطبيب عزوز واقفًا بداخله، تغيرت ملامحها سريعًا وارتسمت على وجهها ابتسامة رسمية وهي تقول:صباح الخير يا دكتور
-صباح النور يا كابتن
دخلت فريدة وسحبت حقيبتها خلفها،ثم وقفت إلى جواره،نظر إليها عزوز مبتسمًا:خلاص هتمشي النهارده؟
هزت رأسها:أيوة الحمدلله
ضغط عزوز على زر الطابق الأرضي،ثم قال:على فكره..عندي ليكِ خبر مهم
التفتت إليه باهتمام قائلة:خير؟
-الطيارة اتصلحت
اتسعت عيناها قليلًا وقالت:بجد؟
_أيوة خلصوا معظم الإصلاحات وبقت جاهزة من الناحية الفنية،لكن قبل ما نقرر إنك تقدري تسافري بيها أو لا محتاجين نعمل شوية اختبارات
-اختبارات ايه؟
_إنتِ وماجد هتراجعوا الطيارة بنفسكم،وتشوفوا إذا كانت حالتها تسمح بالسفر ولا لسه في أي مشكلة ممكن تمنعها
أومأت فريدة:تمام
ثم سألته:هنبدأ امتى؟
_بكره إن شاء الله
نظرت إليه وقالت بنبرة هادئة:وهنقابلك فين
_في المستشفى هنا،هكون مستنيكم ومن هنا هنروح سوا للمطار
هزت رأسها:تمام
وصل المصعد إلى الطابق الأرضي وانفتح بابه،التفتت إليه فريدة:أشوفك بكره يا دكتور
_إن شاء الله...حمدالله على السلامة
ابتسمت وهي تقول:الله يسلمك
خرجت من المصعد،ثم عبرت الردهة متجهة إلى باب المستشفى وبمجرد أن خرجت شعرت لأول مرة أن الهواء مختلف.
لم يكن هواء غرفة معلقة،ولا ممر مستشفى ولا رائحة أدوية ومطهرات
كان هواء شارع،هواء الحرية.
وقفت للحظة أخذت نفسًا عميقًا،ثم رفعت عينيها إلى السماء قبل أن تتابع طريقها.
عند بوابة المستشفى كان ماجد يقف إلى جوار سيارة أجرة.
ما إن رآها حتى أبتسم واتجه نحوها:حمدالله على السلامة يا فريدة
ابتسمت وهي تقول:الله يسلمك يا ماجد
مد يده إلى حقيبتها:هاتيها
-لا عنك أنا أقدر اشيلها
_عارف بس سيبيها
أخذ الحقيبة منها و وضعها في صندوق السيارة،ثم فتح لها الباب الخلفي.
ركبت فريدة ولحق بها ماجد بعد أن أغلق الصندوق،وانطلقت السيارة مبتعدة عن المستشفى.
لم تلتفت فريدة خلفه،فقد ظلت تنظر من النافذة إلى الشوارع التي اشتاقت إليها طوال الشهر وكأنها تحاول استعادة حياتها مرةً أخرى،لكنها لم تعرف أن هناك عينين كانتا تراقبان المشهد من مكان مرتفع.
في إحدى نوافذ المستشفى وقف آدم صامتًا،ينظر إلى فريدة وهي تخرج، ثم رأى ماجد يقترب منها ويأخذ حقيبتها،ثم يفتح لها باب السيارة.
ظل يتابع السيارة بعينينه حتى ابتعدت عن بوابة المستشفى واختفت بين السيارات،أنزل بصره للحظات ثم عاد إلى الملفات الموضوعة على المكتب خلفه.
لكنه لم يقرأ شيئًا،كان ذهنه عالقًا في سؤال واحد لماذا كانت غاضبة منه؟
كان يجلس آدم في غرفة الاستراحة لدقائق وقد تراكمت أمامه مجموعة من الملفات التي لم يجد فيها ما يستحق أن يضيفه إلى ما يعرفه بالفعل.
أغلق أحدها و وضعه جانبًا،ثم أراح ظهره إلى المقعد وأغمض عينيه للحظات.
كان الإرهاق قد استقر في جسده بعد أسابيع من العمل المتواصل،لكن عقبه لم يكن يعرف الراحة،كلما حاول أن يبعد نفسه عن التفكير في المرضى عادت إليه الأعراض المتشابهة والنتائج التي لم يجد لها تفسيرًا مقنعًا.
فجأة انفتح الباب بسرعة ودخل مصطفى وهو يمسك هاتفه وعلى وجهه ملامح حماس لم يستطع إخفاءها:يا آدم
فتح آدم عينيه ونظر إليه:في ايه!
اقترب مصطفى منه وقال بلهفة:عرفت حاجه مهمة
اعتدل آدم في جلسته وقال بتساؤل:ايه؟
رفع مصطفى هاتفه أمامه وقال بحماس:في نت في المستشفى
نظر آدم إليه للحظات وكأنه لم يستوعب الجملة:ايه!
-بقولك نت...ايه يا عم إنترنت يا آدم
نهض آدم من مكانه دفعة واحدة:عرفت منين؟
-كان في دكتور صربي هنا من شوية شوفته بيتكلم فيديو مع حد،سألته قالي إن في شبكة خاصة بالمستشفى طلبت منه الباسورد وادهالي
توقفت ملامح آدم عند كلمة واحدة "الإنترنت"
منذ وصولهم إلى صربيا كان هاتفه بالنسبة إليه مجرد جهاز بلا فائدة،لا شبكة.. لا إنترنت ولا أي وسيلة يستطيع بها أن يعرف ما يحدث في مصر.
وللمرة الأولى منذ شهر أصبح بإمكانه أن يسمع صوت أخته،مد يده إلى جيبه وأخرج هاتفه.
ظل الهاتف بين يديه للحظات،كان قد اعتاد خلال الأسابيع الماضية أن يتركه مغلقًا أو بعيدًا عنه،بعدما أدرك منذ اليوم الأول أنه لن يستطيع استخدامه هنا.
أما الآن فقد بدا له مختلفًا،كأن الحياة عادت فجأة إلى جهاز ظل صامتًا طوال شهر كامل.
قال مصطفى:خد الباسورد
أملاه عليه وبدأ آدم في إدخاله بسرعة،وفي غضون ثواني ظهرت الشبكة.
اتسعت عيناه قليلًا حين بدأت الاشعارات تتوالى على الشاشة دفعة واحدة؛ رسائل،مكالمات فائتة،وتنبيهات لم تصل إليه طوال الأيام الماضية.
مرر إصبعه على الشاشة بسرعة لكن مصطفى قال فجأة: في حاجه مستغربها
رفع آدم عينيه إليه:ايه!
-أخبار الحادث وصلت مصر من أول يوم، ومصر كلها تقريبًا عرفت إن الطيارة وقعت هنا...بس لحد دلوقتي محدش عارف أي أخبار عننا
سكت قليلًا،ثم أضاف:يعني المستشفى مش بتعرف أهالينا ولا الدولة إننا هنا ليه؟
نظر آدم إلى هاتفه من جديد،لم يجد إجابة:مش عارف
-أنا كمان مش فاهم
ظل الاثنان صامتين للحظات،ثم قال آدم:اديني دقيقة
جلس وفتح قائمة الأسماء،ثم توقف أمام اسم أخته.
كانت يده ثابتة في البداية،لكنها ما إن ضغطت على زر الاتصال حتى تبدل كل شيء في داخله،لم يكن يعرف ماذا سيقول لها،لم يكن يعرف كيف ستبدو لحظة رؤيتها بعد شهر كامل من الصمت.
رن الهاتف مرة، مرتين ثم ظهرت على الشاشة صورة أخته وفي اللحظة نفسها تقريبًا جاءه الرد.
في القاهرة
كانت ريم تجلس وحدها في غرفة آدم،لم تكن قد دخلتها منذ فترة لكنها في ذلك اليوم لم تجد مكانًا آخر تستطيع فيه أن تشعر بقربه.
كانت تجلس على طرف السرير وبين يديها إحدى قمصانه التي احتفظت بها دون أن تعرف لماذا،أخذت تمرر أصابعها فوق القماش بينما كانت دموعها تنزل بصمت.
شهر كامل.
ثلاثون يومًا لم تعرف فيه أين هو،هل هو بخير؟ هل أصيب؟ هل مازال حيًا؟
كل سؤال يأتي إليها بلا إجابة،وكل خبر جديد عن الحادث كان يفتح بابًا للخوف قبل أن يغلقه من جديد.
وفجأة اهتز هاتفها،نظرت إليه بلا اهتمام في البداية،ثم تجمدت يدها.
ظهر اسمه على الشاشة رفعت عينيها عن الهاتف وكأنها تخشى أن تكون الصورة التي تراها مجرد وهم.
اقتربت منه بسرعة وفتحت المكالمة وظهر وجه آدم أمامها،خلفه جدار المستشفى.
ظل الاثنان ينظران إلى بعضهما لثوانٍ دون كلمة،كانت ريم أول من انهارت دموعها:آدم
ابتسم لكن عينيه لم تخفيا التأثر:يا حبيبتي سمعاني؟
وضعت يدها على فمها،وكأنها تحاول أن تستوعب أنه أمامها فعلًا،حيًا يتحدث إليها
-إنت كويس؟
_أنا كويس
-إنت فين؟
_في المستشفى
تسارعت أنفاسها:مستشفى؟ مستشفى ايه وفين يا آدم!
-في صربيا
اتسعت عيناها:صربيا!
هز رأسه وقال:أيوة الطيارة اضطرت تهبط هنا بعد ما حصلت فيها عطل فني،واتعرضنا لحادث
سألته بسرعة:وإنت اتصبت؟
ابتسم ليطمئنها:لا يا حبيبتي الحمدلله أنا من الناجين اللي ما اتصابوش
أغمضت ريم عينيها لحظة، وخرج منها نفس طويل كأنها كانت تحبسه منذ شهر:الحمدلله...الحمدلله يارب
ثم عادت تنظر إليه:طب إنتوا فين بالظبط؟ وايه اللي حصل! وإنتوا ليه محدش بيعرفنا عنكم حاجه؟
بدأ آدم يحكي لها عن الرحلة،والحادثة و وصولهم إلى صربيا،وإلى المستشفى التي يعملون فيها وعن الفترة الطويلة التي قضوها هناك.
لم يدخل في كل التفاصيل لكنه أخبرها بما يكفي لتعرف أنه بخير وأن المجموعة كلها مازالت هناك.
وبينما كان يتحدث لم تكن ريم تزيح عينيها عن وجهه،كانت تحفظ ملامحه من جديد،صوته،ابتسامته، حتى الطريقة التي يحرك بها يده أثناء الكلام.
أشياء صغيرة افتقدتها أكثر مما كانت تتصور.
قال آدم في النهاية:مش عارفين هنرجع مصر امتي بالظبط،بس أول ما نعرف هقولك
ثم ابتسم وقال:ومن النهارده هكلمك كل فترة أطمنك عليا
هزت رأسها بسرعة:أوعى تعمل زي الشهر اللي فات ده تاني
ضحك بخفة وقال:غصب عني ما كانش في انترنت
-المهم إنك دلوقتي تقدر تتصل
ثم سكتت لحظة قبل أن تسأله:متأكد إن ما حصلكش حاجه؟
-متأكد
_طب حد منكم اتصاب؟
تغيرت ملامحه قليلًا قبل أن يرد:ناس كتير اتصابوا...بس الحمدلله أنا كويس وهما بقوا أحسن بكتير دلوقتي
ظلت تنظر إليه للحظات،ثم قالت:الحمدلله...ربنا يرجعكم كلكم مصر بالسلامة
ابتسم وهو يقول:يارب يا حبيبتي...خلي بالك من نفسك وبوسي لي الواد آدم
-حاضر...وإنت كمان يا حبيبي خلي بالك من نفسك
_حاضر..هكلمك تاني
-مستنياك
انتهت المكالمة،ظل آدم ممسكًا بالهاتف للحظات وعيناه على الشاشة السوداء،لم يكن يعرف كم كان يحتاج إلى تلك المكالمة.
سمع صوت مصطفى من خلفه:الحمدلله إنك اطمنت عليها وطمنتها
التفت إليه آدم،ابتسم مصطفى لكن ابتسامته سرعان ما اختفت حين قال:بس أنا مش فاهم حاجه
-ايه؟
_ليه دكتور عزوز مخبي عننا إن في نت؟
لم يجب آدم فتابع مصطفى:أنا بدأت اقلق من البلد دي يا آدم
ظل آدم صامتًا للحظات،ثم قال:وأنا كمان
نظر إليه مصطفى باهتمام،فتابع آدم:حاسس إن المكان هنا مش مظبوط
أومأ مصطفى:أنا كمان وبصراحة خايف في حاجه غلط بتحصل هنا...بس مش قادر احدد ايه هي
سادت الغرفة لحظة من الصمت،قبل أن يقطع هذا الصمت صوت مصطفى:ربنا يستر علينا لحد ما نرجع بلدنا
وقبل أن يرد آدم وصل إلى الغرفة صوت عزوز من الخارج:يا دكاترة يلا يا جماعة الشغل
تنهد مصطفى:أهو بدأ ينادي
ثم استدار ناحية الباب،لكن آدم اوقفه:مصطفى
التفت إليه فقال آدم:روح انت كمل شغلك وأنا هنزل
-هتنزل فين؟
ابتسم آدم ابتسامة صغيرة لم يفهم مصطفى معناها،تحدث آدم بهدوء:لو عزوز سألك عليا قوله ما تعرفش أنا فين
حدق فيه مصطفى باستغراب وقال:ليه!
-هفهمك بعدين
ظل مصطفى ينظر إليه للحظات محاولًا فهم ما يدور في رأسه لكنه لم يجد إجابة،وفي النهاية هز رأسه قائلًا:ماشي
وخرج، أما آدم فانتطر حتى ابتعد ثم وضع هاتفه في جيبه وغادر غرفة الاستراحة.
في الطابق الأرضي كانت حركة المستشفى أكثر هدوءًا من المعتاد،اتجه آدم نحو الاستقبال وهناك لمح ماجد يدخل من الباب الرئيسي.
كان قد عاد لتوه إلى المستشفى ومازالت آثار الطريق واضحة على ملابسه.
ناداه آدم:ماجد
التفت إليه وقال:ايوة
اقترب آدم منه وسأله:فريدة فين؟
أجابه ماجد ببساطة:رجعت الفندق
صمت آدم لحظة قبل أن يحسم قراره ويقول:عايزك تجيبها هنا
رفع ماجد حاجبه وسأله:دلوقتي؟
-ايوة
_ليه؟
نظر آدم حوله قبل أن يخفض صوته:حاجه ضرورية بس ما تقولهاش إنها جاية تشوفني
ازداد استغراب ماجد:أيوة ليه؟
-هفهمك بعدين
ظل ماجد يحدق فيه للحظات،ثم تنهد وقال:ماشي
استدار وغادر المستشفى من جديد،أما آدم فبقي واقفًا في مكانه وفي رأسه أسئلة كثيرة.
والآن أصبح لديه وسيلة يستطيع بها أن يبحث عن بعض الإجابات،لكنه لم يكن يريد أن يعرفها من خلال الآخرين،بل يريد أن يرى بنفسه.
وصل ماجد إلى الفندق بعد وقت قصير،وصعد إلى الغرفة التي تقيم فيها فريدة،طرق الباب فجاءه صوتها من الداخل:مين؟
-أنا ماجد يا فريدة
فتحت الباب فوجدته واقفًا أمامها،ابتسمت حين رأته وقالت:خير يا ماجد
تردد ماجد لحظة،ثم قال:تعالي معايا المستشفى
عقدت حاجبيها باستغراب:المستشفى! ليه؟
-عايزك تشوفي حاجه
نظرت إليه بربية قائلة:حاجه ايه اللي ممكن أشوفها في المستشفى يا ماجد؟
فتح فمه ليجيب،لكنه لم يجد إجابة مناسبة،فظل صامتًا لثوانٍ بينما راحت عينا فريدة تنتقلان بين ملامحه المترددة:ماجد!
فكر سريعًا،ثم قال:أصل...آدم تعب هناك
تغير وجهها فورًا وسألته بلهفة:تعب إزاي؟
-مش عارف
_يعني ايه مش عارف؟
-هما كلهم بيقولوا إنه تعبان..بس مش عارف ماله
لم تنتظر فريدة المزيد،أخذت حقيبتها بسرعة وقالت:يلا
خرجت معه بينما كان القلق سبق خطواتها.
ما إن وصلا إلى المستشفى حتى قال لها ماجد:خليكِ هنا،أنا هروح أشوف اوضته فين
نظرت إليه باستغراب وقالت:طب ما تسأل الاستقبال!
-لا أنا هشوف مصطفى أفضل
_طيب
اتجه ماجد إلى الداخل لكنه لم يتوقف عند مكتب أو يستفسر من أحد،كان يعرف أن عليه أن يجد آدم قبل أن تكتشف فريدة الحقيقة.
بحث في أكثر من جناح وسأل أحد العاملين،ثم اتجه إلى القسم الذي يعمل فيه آدم...وأخيرًا وجده.
كان يقف أمام مجموعة من الملفات حين ظهر أمامه وقد بدا عليه التوتر بصورة واضحة،رفع آدم عينيه وقال:ايه يا ماجد مالك متوتر كده ليه!
اقترب منه ماجد وخفض صوته:فريدة تحت
-طب كويس متوتر ليه
تنهد ماجد وقال:أصل أنا اضطريت أكذب عليها
_كذبت عليها في ايه؟
-قولت لها إنك تعبان
اتسعت عينا آدم وقال:تعبان!
-أيوة عشان كده جت
وضع آدم يده على جبينه وقال:حرام عليك يا أخي..وأنا هعملها إزاي دي؟
رفع ماجد كتفيه وقال:ما اعرفش اتصرف
نظر إليه آدم للحظات،ثم قال:طيب روح هاتها على نفس الاوضة اللي كانت فيها
-ماشي
استدار ماجد وغادر سريعًا،أما آدم فظل مكانه للحظات ينظر أمامه وكأنه يحاول استيعاب الورطة التي وضعه فيها ماجد...ثم ابتسم رغمًا عنه.
كانت فريدة تنتظر في الردهة وكل دقيقة تمر يزيد قلقها،وحين ظهر ماجد أخيرًا أسرعت إليه:ها لقيته؟
أومأ وقال:تعالي
سارت خلفه بسرعة حتى وصلا إلى الغرفة نفسها التي قضت فيها شهرًا كاملًا.
فتح ماجد الباب ودخلت فريدة ورأت آدم مستلقيًا على السرير،وعلى رأسه شاش طبي بينما وقف مصطفى إلى جواره بملامح حاول أن يجعلها جادة.
اتسعت عيناها وهي تقول:ايه اللي حصل!
نظر مصطفى إليها وقال:وهو بيشتغل فقد وعيه و وقع على الأرض...ولما وقع اتخبط في حاجه ودماغه اتفتحت زي ما إنتِ شايفة كده.
اقتربت منهما خطوة وقالت بقلق:وقع على ايه؟
نظر مصطفى إلى آدم،ثم عاد إليها:ها!
أعادت السؤال بجدية:وقع على ايه في الأرض خلى دماغه تتفتح؟
ضرب مصطفى كفًا بكف وهو يقول بتأثر مصطنع:وقع على ملف من ملفات المرضى
نظرت إليه بعدم تصديق وقالت:ملف يفتح دماغه؟
هز مصطفى رأسه بمنتهى الجدية وقال:ما هو مش أي ملف....ده ملف ملغم بالمعلومات
ثم رفع يده كأنه يشرح حقيقة علمية:فالمعلومات يا عيني من شدتها فتحت دماغه
حدقت فيه فريدة،لم تقل شيئًا بل نظرت إلى ماجد،ثم إلى آدم ثم عادت إلى مصطفى الذي قال:باين إني بحور؟
أجابته فورًا:جدًا
ضحك مصطفى:ما إنتِ غريبة برضو يا فريدة بتسأليني على أساس إن دكتور نفسي هيفهم في التخصصات بتاعتهم
ضيقت عينيها وهي تقول:يعني معندكش فضول تعرف صاحبك حصله ايه؟
-ما هو ما قاليش
نظرت فريدة إلى الثلاثة،وفي اللحظة نفسها اتضحت لها الصورة:إنتوا متفقين مع بعض صح؟
لم يجد أحد منهم إجابه،حتى اعتدل آدم في جلسته ومد يده إلى الشاش نزعه عن رأسه،ثم قال:ممكن تسيبونا لوحدنا شوية
نظر مصطفى إلى ماجد،ثم خرج الاثنان من الغرفة وأغلق الباب خلفهما.
ساد الصمت قليلًا حينما وقفت فريدة في مكانها وضمت ذراعيها أمام صدرها:عايزني في ايه
وقف آدم أمامها،كان يعرف الآن أن عليه أن يفسر كل شيء فقال بهدوء:بغض النظر عن طريقتك المستفزة معايا الصبح..
رفعت حاجبها وقالت قبل أن يكمل:طريقتي أنا المستفزة!
هز رأسه وقال:أيوة...المهم أنا طلبتك تيجي عشان أحقق لك امنيتك
نظرت إليه باستغراب:أمنية ايه!
-فاكرة لما كنا في الجبل وقولت لي إن أمنية حياتك تكلمي رانيا صاحبتك وتطمنيها عليكِ؟
هزت رأسها:فاكرة
اخرج هاتفه من جيبه وقال:وأنا هحقق لك أمنيتك
نظرت إلى الهاتف،ثم إليه وهي لا تفهم فقالت:مش فاهمه هتحققها إزاي
فتح آدم شاشة الهاتف،ثم قال:مصطفى قدر يعرف إن المستشفى فيها إنترنت خاص بيهم واداني الباسورد
مد يده بالهاتف إليها وقال:اتفضلي تقدري تاخدي الباسورد وتكلمي صاحبتك وتطمنيها عليكِ
لم تتحرك ظلت تحدق فيه،مرة إلى وجهه ومرة إلى الهاتف وكأن عقلها يحتاج إلى لحظة كاملة ليستوعب أن الشيء الذي حُرمت منه طوال شهر أصبح بين يديها فجأة،قالت بصوت غير مصدق:ده مش مقلب صح؟
هز رأسه وقال بجدية:لا مش مقلب...ده بجد
وفجأة تبدلت ملامحها بالكامل،لم تفكر،لم تحسب المسافة بينهما،ولم تنتبه حتى إلى أنها تقدمت نحوه.
وجد آدم نفسه محاطًا بذراعيها،فقد احتضنته فريدة بقوة وهي تقول:شكرًا يا آدم...بجد شكرًا
تجمد في مكانه،لم يتوقع ذلك.
رفع ذراعيه غريزيًا ثم توقفا في الهواء،ظل للحظات لا يعرف ماذا يفعل.
كان يستطيع أن يبادلها العناق لكنه تردد وكأن اللحظة فاجأته أكثر مما ينبغي.
كل ما شعر به في تلك الثانية أنه مرتاح،لم يكن هناك توتر ولا إحراج ولا رغبة في الابتعاد.
فقط راحة غريبة تسللت إليه بينما بقي ساكنًا،أما فريدة فابتعدت عنه دون أن تنتبه إلى أثر اللحظة عليه.
قالت وهي تمسح دمعة صغيرة من عينها:أنا ما تخيلتش إنك هتفضل فاكر أمنيتي لحد دلوقتي
لم يجبها آدم فورًا،كان لازال شاردًا في ملامحها.
وجهها الذي تغير فجأة من الغضب إلى فرحة تشبه فرحة الأطفال حين يحصلون على شيء انتظروه طويلًا.
لم يفق من شروده إلا عندما مدت يدها وأخذت هاتفه.
جلست واتصلت برانيا.
في القاهرة
كانت تجلس رانيا في منزلها حين ظهر اسم فريدة على شاشة هاتفها،تجمدت للحظة ثم فتحت المكالمة بسرعة.
ظهر وجه فريدة ولم تحتج رانيا إلى أكثر من ثانية واحدة حتى انهمرت دموعها:فريدة
ضحكت فريدة رغم تأثيرها وقالت:واحدة واحدة يا رانيا بتعيطي ليه
لم تستطع رانيا التوقف وقالت:إنتِ كويسة؟ ايه اللي حصل! وإنتِ فين وهترجعي مصر امتى؟
ضحكت فريدة أكثر وقالت:مش بقولك واحدة واحدة
تنفست رانيا بعمق وهي تحاول أن تستعيد هدوءها:ما تتصوريش أنا حالتي عاملة إزاي من وقت ما عرفت الخبر
-أنا كويسة والله وأهو قدامك زي الفل
ظلت رانيا تنظر إليها وكأنها تتأكد بنفسها من كل كلمة:طب ايه اللي حصل
حكت لها فريدة عن العطل الفني الذي أصاب الطائرة،واضطرارهم إلى الهبوط في صربيا حتى يتم إصلاحه،ثم أخبرتها بما حدث أثناء الهبوط وكيف اصطدم جناح الطائرة،وعن إصابتها هي وعدد من الركاب والعملية التي خضعت لها وعن تحسن حالتها،وفي النهاية قالت:ولسه خارجة من المستشفى النهارده
كانت رانيا تستمع والدموع لا تتوقف عن النزول من عينيها،قالت فريدة:بلاش عياط..أنا كويسة والله
-طب هترجعي امتى؟
-مش عارفة لسه....أول ما أعرف هقولك
هزت رانيا رأسها:ماشي...الحمدلله إني اطمنت عليكِ
ابتسمت فريدة وقالت:إنتِ طمنيني عليكِ
مسحت رانيا دموعها وقالت بابتسامة:أنا بقيت بخير لما شوفتك واطمنت عليكِ
ثم قالت:ابقي كلميني كل فترة وطمنيني عليكِ يا فريدة
أومأت فريدة:أكيد هكلمك تاني
انتهت المكالمة وأنزلت الهاتف،ثم رفعت عينيها إلى آدم كان لا يزال ينظر إليها،ابتسمت وقالت:شكرًا إنك حققت لي أمنيتي
هز رأسه وقال:العفو
ساد بينهما صمت قصير قبل أن يتذكر شيئًا:إنتِ كنتِ بتعامليني وحش الصبح ليه؟
تغيرت ملامحها وقالت ببرود:شوف إنت عملت ايه
استدارت لتخرج،لكن أمسك يدها برفق وقال:عملت ايه! عرفيني
نظرت إلى يده التي تمسك يدها،ثم رفعت عينها إليه وقالت بنبرة تحمل غضبًا حقيقيًا ظل يتراكم لأسابيع:بتتجاهلني يا أستاذ آدم
حركت يدها ببطء وهي تقول:شهر كامل ما تسألش عليا ولا تيجي تشوفني،وفوق كل ده تكلف دكتورة تانية تتابع حالتي...للدرجة دي أنا مش مهمة؟
ظل ينظر إليها لثوانٍ قبل أن يقول:كل ده ومش مهمة؟
سكت للحظة فاقترب خطوة وقال متسائلًا:لو مش مهمة كنت هسعى أحقق لك أمنيتك؟
ردت سريعًا:طب لما أنا مهمة بتتجاهلني شهر كامل ليه؟
تنهد آدم، هذه المرة لم يتهرب بل قال:عشان كنت مضغوط في الشغل
نظرت إليه دون تعليق فتابع:في حاجات كتير غلط بتحصل يا فريدة...وأنا مش عارف افهمها ولا أوصل لتفسير منطقي
جلس على طرف السرير،بينما بقيت واقفة أمامه:الناس هنا بتموت يا فريدة
تغيرت ملامحها،أما هو فتابع:المصريين اللي هنا وضعهم صعب جدًا،الناس أيامها معدودة وإحنا مش فاهمين ايه السبب
رفع عينيه إليها وأكمل:وكل يوم بكتشف حاجه غريبة...زي إن في إنترنت هنا ودكتور عزوز مخبي علينا
ثم أضاف:وزي كمية الناس المصرية اللي هنا واللي اكتشفت إن كلهم تقريبًا جايين بنفس الطريقة اللي جينا بيها
اقتربت فريدة منه قليلًا وسألته:يعني ايه؟
-يعني الجالية المصرية دي كلها جاية بسبب طيارات وقعت
سكتت لحظة فكانت المعلومة أثقل من أن تمر عليها ببساطة،أما آدم فقال:ليه الطيارات بتنزل هنا بالذات؟ وليه مفيش حد بلغ بلدنا بأخبارنا! وليه كل المصريين اللي هنا عندهم نفس الأعراض؟ وليه بيتلقوا العلاج في جناح منفصل عن باقي المستشفى؟
كان يتحدث بسرعة لا لأنه يريد إخافتها،بل لأنه للمرة الأولى وجد شخصًا يستطيع أن يضع أمامه كل الأسئلة التي ظلت تدور في رأسه طوال الشهر.
-أنا ما بقتش فاهم حاجه يا فريدة...هل دي عنصرية ولا الموضوع وراه حاجه أكبر بكتير من العنصرية
ظلت فريدة صامتة لدقائق،ثم قالت:وهو دكتور عزوز المصري هيخبي عن أهل بلده حاجه زي دي ليه يا آدم؟
لم يجب آدم، فأكملت:الراجل بلغني النهارده إن الطيارة اتصلت وأنا من بكره هعمل اختبارات ليها أنا وماجد عشان نشوفها مناسبة للسفر ولا محتاجة تعديلات وإصلاحات جديدة
هز آدم رأسه ببطء:أنا ما بقتش فاهم حاجه خالص
ثم نظر إلى النافذة وأكمل:بس كل اللي أعرفه إن المدينة دي مخبية سر كبير
تراجعت فريدة خطوة وقالت:إنت هتخوفني ليه
التفت إليها وقال:مش بخوفك...بس أنا نفسي خايف امشي ورا إحساسي
ساد الصمت بينهما بينما قطعته فريدة:حاسس بإيه؟
ظل ينظر إليها لحظات،قبل أن يقول:حاسس إننا ضحايا لحاجه أكبر من مجرد حادث.
يُتبع...
التعليقات
0 تعليق