كانت القاهرة قد بدأت تستعيد هدوءها حين وصلت ريم إلى منزلها.
أغلقت باب السيارة خلفها وبقيت للحظات واقفة أمام مدخل المنزل،تحدق فيه بصمت.
كان المكان كما تركته.
الجدران نفسها،والباب نفسه وحتى شجرة الياسمين الصغيرة التي كانت تتدلى أغصانها فوق المدخل لم تتغير.
لكن شيئًا واحدًا تغير...هي.
دخلت بخطوات بطيئة وأغلقت الباب خلفها،استقبلها الصمت..ذلك الصمت الذي لا يشبه أي صمت آخر.
صمت البيت حين يكون صاحبه غائبًا،نزعت حقيبتها و وضعتها إلى جوار الباب ثم تحركت في الداخل دون هدف واضح.
مرّت بجوار غرفة المعيشة وهنا توقفت،كان المقعد القريب من النافذة هو المكان الذي اعتاد آدم الجلوس فيه كلما جاءت لزيارته.
ابتسمت رغمًا عنها حين تذكرت كيف يجلس واضعًا إحدى ساقيه فوق الأخرى ويبدأ في الحديث معها عن كل شيء،حتى الأشياء التي لا علاقة لها ببعضها.
تذكرت ضحكته،صوته،طريقته في مضايقتها حين كانت تغضب منه.
ثم تذكرت أيامًا أقدم بكثير...حين كانا طفلين.
كانا يجلسان على الأرض لساعات يتشاجران على لعبة ثم يتصالحان بعد دقائق.
كان آدم يصر على أنه الفائز دائمًا، حتى حين يكون واضحًا أنه خسر.
وكانت ريم تلاحقه في أرجاء البيت بعدما يسرق منها إحدى ألعابها،بينما يهرب هو ضاحكًا.
تذكرت أيام المدرسة ومذاكرتهما معًا.
والأحاديث الطويلة التي كانت تبدأ بموضوع وتنتهي بعشرات الموضوعات الأخرى،وضحكاتهما التي كانت تملأ البيت.
كل تلك التفاصيل الصغيرة التي لم تكن تعني شيئًا وقتها،أصبحت الآن أثقل من أن تحتملها.
جلست ريم على طرف الأريكة تضع يدها على وجهها تحاول منع دموعها،لكنها لم تستطع.
انهمرت دموعها بصمت ثم بدأت شهقاتها تخرج متقطعة.
كيف يمكن لشخص كان جزءًا من كل تلك الذكريات أن يصبح فجأة مجرد اسم في خبر؟
اسم لا تعرف إن كان صاحبه بخير،لا تعرف أين هو ولا تستطيع حتى الاتصال به.
رفعت رأسها نحو شاشة التلفاز المطفأة وهمست:آدم
ثم أجهشت بالبكاء.
في تلك اللحظة سمعت خطوات صغيرة تقترب.
رفعت عينيها كان طفلها الصغير ذو الخمس سنوات يقف عند باب الغرفة،نظر إليها للحظات ثم اقترب منها بخطوات مترددة.
كان يحمل إحدى ألعابه بين يديه،وقف أمامها وقال بصوته الطفولي:ما تزعليش يا مامي
مسحت ريم دموعها سريعًا،اقترب منها أكثر وقال ببراءة:خالو جاي
توقفت ريم عن البكاء للحظة وألقت نظرة عليه،ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة وسط دموعها.
مدت ذراعها نحوه فاقترب منها واحتضنته بقوة،دفنت وجهها في كتفه الصغير.
كان هو الشيء الوحيد في البيت الذي استطاع أن يمنحها لحظة راحة.
الشيء الوحيد الذي يذكرها بآدم دون أن يؤلمها تمامًا.
ابتعدت عنه قليلًا، ونظرت إلى وجهه وقالت وهى تضحك وسط دموعها:إنت عارف إنك شبه خالو في كل حاجه؟ مش في اسمه بس
ضحك الطفل:آدم
ضحكت ريم مرة أخرى وقالت:أيوة آدم
احتضنته مرة أخرى فقال:أنا بحبه
أغمضت ريم عينيها وهي تحتضنه،ثم قالت بصوت مرتجف:وهو كمان بيحبك يا حبيبي.
ابتعد الطفل قليلًا، ونظر إليها وفي تلك اللحظة ظهر مازن عند باب الغرفة كان يراقبهما في صمت.
رفع عينيه نحو ريم،وعلى الفور فهم ما في عينيها دون أن تسأله فقال بهدوء:ما تقلقيش...هيبقى كويس
نظرت إليه ريم التي لا تزال تبكي،لكن ابتسامتها لم تختفِ.
هزت رأسها ثم رفعت رأسها إلى السماء خلف النافذة وقالت:يارب
وضمت ابنها إليها مرة أخرى،ظل الطفل بين ذراعيها غير مدرك أن اسمه لم يكن مجرد اسم اختاره والداه.
بل كان قطعة من شخص غائب،وذكرى حية من أخ تخشى أخته ألا تراه مرة أخرى.
في صباح اليوم التالي
وصلت المجموعة للمستشفى كعادتهم،كانوا يتوقعون يومًا آخر من العمل الطويل، الملفات التي لا تنتهي والمرضى الذين يحتاجون إلى كل دقيقة من وقتهم.
لكنهم ما إن دخلوا البوابة الرئيسية حتى لاحظوا شيئًا مختلفًا.الممرات أكثر هدوءًا من المعتاد،عدد العاملين قليل،وبعض الأقسام مغلقة.
تبادل الأطباء النظرات،ثم تقدم آدم نحو موظف الاستقبال وبعد دقائق عاد إليهم.
-النهارده إجازة رسمية
رفع مصطفى حاجبه:اجازة؟
قال رامي وهو ينظر حوله:وإحنا المفروض نعمل ايه بقى؟
ضحك مصطفى وهو يقول:نرجع الفندق وننام...مش محتاجة يعني
ردت حنان:إحنا بقالنا يومين ما شوفناش المدينة أصلا
-وأنا شايف إن النوم أهم
ضحك رامي وقال:إنت لو فضلت يوم كامل من غير ما تنام هتعتبرها نهاية العالم
تدخل أحد الأطباء:طب ما نخرج نتمشى
قال آخر:أو نروح مكان سياحي
رد مصطفى:بس إحنا ما نعرفش حاجه هنا
-نسأل
ضحك رامي وقال:لا وإحنا بنفهم اللغة فعلًا عشان نسأل
بدأت الاقتراحات تتوالى وكل واحد يطرح فكرة مختلفة،حتى تحولت الدقائق القليلة إلى نقاش جماعي لم يكن أحد منهم يعرف كيف ينتهي.
كان آدم يستمع إليهم بصمت،إلى أن اقترب منه ماجد وقال:آدم
التفت إليه وقال:نعم
-ما تيجوا ناخد فريدة معانا
رفع آدم عينيه إليه،وتابع ماجد:منها تغير جو شوية،ومنها تشوف المدينة معانا هي بقالها كتير في المستشفى
فكر آدم للحظات،لم يكن اقتراحًا سيئًا،بل على العكس كانت فريدة أكثر شخص يحتاج إلى الخروج من تلك الغرفة التي قضت فيها معظم وقتها،لذلك قال:هكلم د/عزوز
وبعد دقائق كان آدم يقف أمام عزوز يشرح له الأمر،استمع عزوز حتى النهاية ثم نظر إليه بجدية:مفيش مشكلة،بس تبقى على مسؤوليتك...من أول ما تخرج من المستشفى لحد ما ترجع إنت المسؤول عنها
-موافق
_خلي بالك منها،إصابتها لسه جديدة
-حاضر
لم يحتج الأمر إلى أكثر من ذلك.
سار آدم في ممر المستشفى متجهًا نحو غرفة فريدة،طرق الباب طرقات خفيفة ثم دخل.
كانت جالسة على السرير تنظر من النافذة في ملل،رفعت رأسها بمجرد دخوله وقالت:في حاجه؟
ابتسم آدم وقال:عندي خبر حلو
نظرت إليه باهتمام:ايه هو؟
اقترب من السرير وقال:النهارده إجازة رسمية،وإحنا قررنا نخرج نتمشى شوية في المدينة.
-إنت جاي تذلني يعني!
ضحك آدم وقال وهو ينظر إليها:لا طبعًا..أنا جاي أخدك معايا
لم تنتظر حتى يكمل،ابتسمت ابتسامة واسعة وكأن أحدهم أخبرها للتو بأنها خرجت من سجنها،قالت بسعادة:أخيرًا
ضحك آدم قبل أن يقول:بس على شرط
-ايه؟
_ما تعمليش مجهود
هزت رأسها موافقةً،فأكمل آدم:وما تمشيش كتير
-حاضر
_ولو تعبتِ ترجعي فورًا
ردت بحدة:ما خلاص بقى...إنت قولت شرط واحد مش 3
نظر إليها وضحك وهو يقول:ما تنفعليش
-حاضر
_واضح إنك موافقة على أي حاجه عشان تخرجي
هزت رأسها وقالت بجدية:طبعاً
لأول مرة منذ استيقاظها بدت فريدة سعيدة حقًا،بعد دقائق دخلت ممرضة صربية لمساعدتها في تغيير ملابسها.
خرج آدم من الغرفة وأغلق الباب خلفه،ثم وقف في الممر ينتظر.
مرت دقائق ثم انفتح الباب وخرجت الممرضة أولًا،ثم ظهرت فريدة.
كانت ترتدي زي العمل الرسمي الخاص بها،توقف آدم مكانه لم يكن مستعدًا لرؤيتها هكذا.
فقد عاد إليه المشهد في لحظة واحدة.
المقعد،قمرة القيادة،الدخان،الارتطام والدماء التي غطت زيها أثناء الحادث.
ظل ينظر إليها للحظات دون أن يتكلم،لاحظت فريدة صمته فقالت:في ايه؟
انتبه لنفسه سريعًا فابتسم ابتسامة صغيرة،ثم التفت إلى الممرضة وقال بالإنجليزية:Thank you
ابتسمت الممرضة وأومأت برأسها،ثم عادت إلى الداخل،أما هو فمد ذراعه لفريدة وقال:يلا
نظرت إلى ذراعه،ثم وضعت يدها عليه وهي تقول بإبتسامة:جاهز؟
-جاهز
استندت إليه وبدأت تمشي ببطء،كان آدم يبطئ خطواته حتى لا تضطر إلى مجاراته،وفي كل خطوة كان يحاول أن يتعامل مع المشهد كما هو الآن.
فريدة أمامه حية تتحرك،وتخرج من المستشفى لأول مرة.
لم تكن تلك المرأة التي رآها وسط الدماء قبل عدة أيام،حاول أن يبعد الصورة عن ذهنه قدر الإمكان.
عندما خرجا إلى الساحة أمام المستشفى كانت المجموعة في انتظارهم.
ما إن ظهرت فريدة حتى التفتت إليها الأنظار.
لم يقل أحد شيئًا،لكن آدم شعر أن شيئًا ما تغير،لم تعد نظراتهم تحمل نفس القسوة التي كانت بالأمس.
هناك مسافة لا تزال موجودة،لكن حدتها انخفضت.
قال مصطفى:أخيرًا يا كابتن
ردت فريدة:أخيرًا ايه انا اللي مستنية اليوم ده من بدري
ضحك رامي وقال مازحًا:واضح إننا هنندم إننا خرجناكِ
رفعت حاجبها وقالت بتساؤل:ليه؟
-عشان هتطلعي أنشط واحدة فينا
ضحك البعض حتى هاني ابتسم دون تعليق،أما ماجد فكان واقفًا بالقرب من الحافلة..اقترب من فريدة وقال:عاملة ايه دلوقتي؟
-كويسة
نظر إلى آدم،ثم ابتسم وقال:خلي بالك منها
ضحك آدم وقال:ما تقلقش أنا متعهد لدكتور عزوز بمسؤوليتها
كان سيصعد إلى الحافلة،لكن امسكت فريدة بذراعه وقالت:هتمشي كده من غير ما تساعدني
ابتسم ماجد وضغط على يدها برفق وساعدها مع آدم لصعود الحافلة.
جلست فريدة بالقرب من النافذة بينما جلس آدم في المقعد المجاور لها،وبدأت الحافلة تتحرك ببطء مبتعدة عن المستشفى.
في البداية ظل الجميع هادئًا،كل واحد ينظر من النافذة إلى الشوارع التي لم يرها من قبل.
ثم قطع مصطفى الصمت فجأة حين رفع صوته بالغناء،نظر إليه رامي وضحك:إنت هتبدأ؟
-مش هتبدأ معايا!
انضم رامي إليه بصوت أعلى وإن كان أسوأ منه،بدأت الضحكات تنتشر داخل الحافلة.
قالت حنان وهي تضع يديها على أذنيها:يا جماعة حرام عليكم صوتكم بشع
زاد مصطفى في الغناء عمدًا،ورد عليه رامي ثم بدأ أحد الأطباء يصفق معهما.
بعد ثوانٍ انضم آخر حتى تحولت الحافلة إلى حالة من الفوضى المرحة،حتى الذين لم يعرفوا كلمات الأغنية بدأوا يرددونها بأي طريقة.
كان هاني يضحك وهو يهز رأسه ويقول:إنتوا الاتنين صوتكم يجيب المرض
رد مصطفى وقال مازحًا:مش مشكلة رامي هيعالجك لما نخلص...غني وإنت ساكت بقى
-أنا! مستحيل
رد رامي:قال يعني إنت عندك صوت أصلا
انفجر الجميع بالضحك،نظرت فريدة إليهم ثم ضحكت هي الأخرى.
كان المشهد غريبًا،منذ أيام قليلة كانوا على متن طائرة تسقط بهم نحو المجهول،ومنذ ساعات كانوا يواجهون بعضهم بالغضب والاتهامات والآن...
حافلة تسير بهم وسط مدينة لا يعرفونها،وأصوات الغناء والضحكات تملأ المكان.
نظر آدم من النافذة قبل أن يلتفت إلى فريدة التي كانت تبتسم وهي تراقب المدينة.
استقرت الحافة أخيرًا عند إحدى القمم المرتفعة في سفوح سوفا بلانينا بعد طريق طويل أخذهم بعيدًا عن صخب المدينة.
ما إن توقفت الحافلة حتى بدأ الأطباء في النزول واحدًا تلو الآخر.
كانت نسمات الهواء أبرد مما توقعوا تحمل معها رائحة الأشجار والتراب الرطب،بينما امتدت أمامهم مساحات واسعة من الجبال والتلال تندرج في الارتفاع حتى بدت المدينة من بعيد صغيرة وهادئة تحتهم.
وقف الجميع للحظات دون كلام، كان المشهد أوسع من أن تستوعبه أعين اعتادت خلال الأيام الماضية رؤية جدران المستشفى.
قال مصطفى وهو يحدق أمامه:أنا أول مرة أشوف مكان بالجمال ده
ابتسمت فريدة وهي تقترب ببطء مستندة إلى آدم:دي من أجمل المناطق في صربيا..اسمها سوفا بلانينا من أشهر السلاسل الجبلية هنا وارتفاعها والمناظر اللي حواليها بيخلوا المكان مميز جدًا،خصوصا في الأيام اللي الجو فيها صافي
نظر إليها رامي باستغراب:إنتِ تعرفي المكان ده؟
ضحكت وهى تقول:طبعًا
ثم أشارت إلى الجهة المقابلة وتابعت:أنا جيت هنا أكتر من مرة..وعارفة أغلبية الأماكن الحلوة في المنطقة
نظر رامي إلى ماجد وقال:بجد؟
هز رأسه مؤكدًا:أيوة فريدة بتحب الأماكن دي وعارفاها كويس
نظر آدم إليهما بدهشة مصطنعة:طب ما قولتوش ليه يا جماعة
ضحكت فريدة وقالت:إنت ما سألتش
قال مصطفى وهو يضع يده في جيبه:أنا حبيت حياتكم أوي
التفتوا إليه فأكمل:يا بختكم...بتسافروا وتلفوا العالم وفي نفس الوقت بتاخدوا فلوس قد كده
نظرت إليه فريدة وقالت:يا ساتر يارب...أنا عرفت دلوقتي الطيارة وقعت ليه
انفجرت المجموعة بالضحك بينما رفع مصطفى يديه وقال:لا لا أنا بتكلم عن مميزات المهنة بس...إوعي تفهميني غلط
-ما تقلقش أنا فهمتك صح جدًا
توزعوا بعد ذلك على المكان واختاروا مساحة مستوية نسبيًا فوق القمة وبعيدة عن حافة المنحدر.
جمع بعضهم الحطب بينما بدأ آخرون في تجهيز الطعام الذي أحضروه معهم.
وبعد وقت قصير اشتعلت نار صغيرة في المنتصف،جلسوا حولها متقاربين أكثر مما كانوا طوال الأيام الماضية.
خلفهم كانت الجبال تمتد في هدوء،وأمامهم كانت نيش تبدو من الأعلى كأنها لوحة بعيدة تتوزع فيها المباني والشوارع تحت ضوء العصر.
رفع آدم عينيه إلى الأفق وقال بابتسامة:المكان فعلًا جميل من هنا
ظلت حنان تنظر إلى المدينة لبعض الوقت قبل أن تقول:أنا مصر وحشتني أوي
نظر إليها هاني وقال وهو يمرر يده على وجهه:وأنا كمان...وحشني أهلي و ولادي ومراتي،مش عارف وضعهم ايه دلوقتي...يا ترى عرفوا إن الطيارة وقعت ولا لسه فاكرين إني في لندن
سألته فريدة:إنت متجوز؟
ابتسم هاني وقال:وعندي نور وحبيبة
ابتسمت فريدة وقالت:ربنا يخليك ليهم ويجمعك بيهم قريب
رفع هاني رأسه إلى السماء وقال:يارب
ساد الصمت للحظات،قبل أن يقول أحد الأطباء:أنا كمان أمي وحشتني أوي
قال رامي وهو يحدق في النار:أنا بقى معنديش حد يوحشني
التفتوا إليه،فأكمل بإبتسامة باهتة:عشت طول عمري لوحدي...حتى البنت اللي حبيتها اتجوزت صاحب عمري،فمش فارقة هنا من هناك
لم يعرف أحد ماذا يقول،لكن مصطفى قطع الصمت قائلًا:أنا كمان ماليش حد في مصر يقلق عليا أو يهتم حتى بغيابي
نظر إليه ماجد،ابتسم مصطفى وتابع:بس عارفين! أنا مش زعلان
سأله أحد الأطباء:طب ليه!
حرك كتفيه وهو ينظر للنار:لأن أنا اللي عملت في نفسي كده
-عملت ايه؟
تنهد مصطفى ثم قال:عندي رهاب اجتماعي ما بعرفش أتعامل مع الناس بسهولة...عارف إنكم هتستغربوا إزاي دكتور نفسي وعنده رهاب من البشر لكن دي الحقيقة،وعشان كده معنديش أصحاب
ضحك بخفة،ثم نظر إلى النار مرة أخرى:بس وأنا راكب الطيارة أخدت عهد على نفسي إني اتغير وأبقى اجتماعي
ابتسم ابتسامة لطيفة وقال:ونجحت
ضحك رامي:إنت شايف نفسك اجتماعي؟
-بص حواليك...أنا قاعد وسطكم من غير ما أهرب
ضحك الجميع، أما ماجد فابتسم وقال:والله يا مصطفى إنت طيب
رفع مصطفى حاجبه وقال:الله يكرم أصلك...بس مش عايزك تشفق عليا
ثم ابتسم بمكر وأكمل:أنا حابب البنات بس اللي تشفق عليا
انفجر الجميع بالضحك مرة أخرى،حتى ماجد ضحك وهو يهز رأسه..ثم التفت إلى آدم.
كان آدم بعيدًا عنهم قليلًا،جالسًا على صخرة منخفضة شاردًا في المدينة، ظل ماجد ينظر إليه للحظات قبل أن يناديه:وإنت يا آدم؟
رفع آدم رأسه وسأله:أنا ايه؟
-مفيش حد مشتاق له في مصر؟
صمت آدم،ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال:فيه
انتظر ماجد ليكمل آدم:بس مش في مصر...في لندن
نظر إلى النار وبدأ يتحدث:أختي وجوزها وآدم ابنها
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:أنا أصلا كنت رايح لندن عشان المؤتمر،وبعد المؤتمر كنت هروح أشوفهم
انخفض صوته وهو يتمتم:بس قدر الله وما شاء فعل
ظل يحرك قطعة خشب صغيرة بين أصابعه،ثم ألقاها على الأرض،سأله رامي في تلك اللحظة:تفتكر أختك عرفت إن الطيارة وقعت؟
هز آدم رأسه بثقة:أكيد
ثم ابتسم فقد حضر في ذهنه وجه أخته،وطريقتها في القلق وكيف كانت ستتصرف بمجرد أن تعرف
-أكيد رجعت مصر دلوقتي...وقاعدة في اوضتي
نظر إليه رامي بإبتسامة:يا سيدي يا سيدي
ضحك البعض، أما حنان فالتفتت إلى فريدة وقالت:وإنتِ يا فريدة؟
-أنا معنديش غير رانيا صاحبتي
سكتت لحظة وتذكرتها فحدثتهم عنها وهي تبتسم:هي اللي طلعت بيها من الدنيا
ابتسمت ابتسامة صافية:وأعتقد إنها هنتجنن عليا دلوقتي
نظرت إلى البعيد وقالت:لو عندي أمنية واحدة...هتكون إني اطمنها عليا
قال طبيب آخر محاولًا كسر ثقل اللحظة:ما كفاية بؤس بقى يا جماعة خلونا نفرح شوية...مش كفاية نكد بقى
ضحك مصطفى الذي قال:معاه حق
بدأت الحركة تعود إلى المجموعة من جديد،أخذ أحدهم يوزع الطعام وانشغل آخر بإعداد المشروبات،بينما بدأ مصطفى ورامي في الجدال حول من سيتولى مهمة الشواء وانتهى الأمر بأن تولياها معًا رغم أن لا أحد كان واثقًا من النتيجة.
عادت الضحكات تدريجيًا،وعاد الجو أخف.
أما آدم وفريدة فكانا قد ابتعدا قليلًا عن الدائرة،جلسا على تل صغير بالقرب من القمة،بعيدين بما يكفي عن أصوات المجموعة وقريبين بما يكفي ليسمعا ضحكاتهم.
كانت نيش تمتد أمامهما،المدينة التي دخلاها دون أن يعرفوا شيئًا عنها.
المدينة التي كانا يظنان أن زياتهما لها مجرد محطة عابرة قبل العودة إلى رحلتهم.
جلست فريدة وهي تسند ظهرها إلى الصخرة،بينما ظل آدم ينظر إلى الأفق.
لم يتحدث أيٌ منهما.
لم تكن هناك حاجه للكلام، ففي تلك اللحظة ولأول مرة منذ سقوط الطائرة كان كل شيء هادئًا.
الجبال..
المدينة..
النار خلفهما..
وضجيج أصدقائهما البعيد.
انسابت أشعة الشمس الأخيرة فوق قمم الجبال فبدت الصخور البعيدة بلون ذهبي هادئ،بينما أخذت الظلال تتمدد تدريجيًا على السفوح،فيما امتدت الجبال حول المدينة في حلقات متتابعة بعضها قريب و واضح،وبعضها يختفي خلف طبقة خفيفة من الضباب.
كان الهواء باردًا لكنه منعش،وبالقرب من الحافلة تجمع الأطباء حول النار الصغيرة التي أشعلوها،وانشغل بعضهم بإعداد الطعام بينما تعالت أصوات مصطفى ورامي في نقاش لا يبدو له نهاية.
وضعت فريدة ساقها المصابة أمامها وحركتها بحذر قبل أن تستقر،لاحظ آدم الحركة لكنه لم يعلق.
كانت المرة الأولى منذ الحادث التي تجلس فيها فريدة في مكان مفتوح دون جدران تحيط بها،رفعت وجهها إلى الهواء وأغمضت عينيها للحظات قبل أن تقول:وحشني الهوا ده
نظر إليها آدم وقال:الهوا؟
فتحت عينيها وضحكت:آه أنا بقالي كام يوم حاسة إني محبوسة.
نظر إلى ساقها،ثم إلى ذراعها وقال:ما هو عندك أسباب
-للأسف عارفة
ثم أضافت وهى تنظر أمامها:بس حتى وأنا مصابة،القاعدة في اوضة طول اليوم مش شبهي
ابتسم آدم:دي أول حاجه عرفتها عنك
ضحكت فريدة وقالت:بس دي مش معلومة جديدة
-بالنسبة ليا جديدة
عاد الصمت بينهما لكن هذه المرة لم يكن صمتًا ثقيلًا.فكانت أصوات المجموعة تصل إليهما من بعيد،ومعها صوت النار وهي تشتعل بين الحين والآخر.
قالت فريدة فجأة:إنت كنت مخطط تعمل ايه بعد المؤتمر
نظر إليها وقال:كنت هروح لأختي
-قصدي بعد ما تخلص مع أختك
_كنت هرجع مصر لشغلي
-أختك وحشتك؟
ابتسم آدم دون أن ينظر إليها:أوي
ظل للحظات يراقب المدينة وكأنه يراها من خلال صورة أخرى، وتابع:إحنا قريبين من بعض جدًا بس بعد ما هي أتجوزت وسافرت...بقينا نشوف بعض على فترات
-وكنت مستني تشوفها!
_جدًا
ثم ضحك بخفة وقال:وخصوصًا ابنها
-آدم الصغير
ابتسم وهو يقول:أيوة..خمس سنين بس متأكد إنه فاهم الدنيا كلها
ضحكت فريدة ثم قالت وهي تنظر إليه:واضح إنه شبهك
-إنتِ قابلتيه قبل كده ولا ايه
تعالت ضحكاتها وهي تقول:لا بس من كلامك عنه
ضحك،ثم سألها:وإنتِ بعد ما كنتِ هتقابلي صاحبتك كنتِ هتعملي ايه؟
-كنت هسافر تاني في رحلة تانية وهقابل ناس تانية وهكذا
هز رأسه بتفهم وقال:صاحبتك وحشتك؟
سكتت لحظة قبل أن تجاوبه:جدًا..بس هي مش مجرد صاحبة
مررت أصابعها فوق طرف كمها وأضافت:هي الشخص اللي فضل معايا في كل حاجه تقريبًا
لم يقاطعها بل تركها تكمل:السفر،الشغل،المشاكل...حتى لما كنت باخد قرارات مجنونة كانت أول واحدة تعرف.
ابتسمت وقالت:كانت ساعات بتزعقلي على جناني ده،وساعات كتير كانت تشجعني...هي عمرها ما سابتني
نظر آدم إلى ملامحها،كانت تتحدث عنها بحب واضح لكن القلق الذي ظهر في عينيها عند ذكرها كان أقوى من الكلام
-أكيد عرفت بالحادث
أومأت فريدة:أكيد
ثم تنهدت وقالت:نفسي بس أعرفها إني بخير
سكت آدم،كان يعرف جيدًا معنى أن يكون شخص ما في مكان بعيد عاجزًا عن الوصول إليك،فهو نفسه لم يكن يعرف ماذا تفعل أخته الآن.
قال بهدوء:هي اكيد بتدعي لك
نظرت إليه فريدة وابتسمت:وإنت كمان متأكدة إن أختك بتدعي لك
هز رأسه وقال:أكيد
-حلو اوي إن الواحد يبقى عنده حد كده.
لم يجبها لكنه ظل ينظر أمامه،كانت تلك الجملة كافية ليشعر أن شيئًا في حديثها تغير.
سألها بعد لحظات:إنتِ ليه اخترتي الطيران؟
-وأنا صغيرة كنت بحب الطيارات جدًا...أنا فاكرة البنات في سني كانت بتحب العرايس وأنا كنت بلعب بألعاب الولاد
سكتت قليلًا،ثم قالت:كنت بحب فكرة إني أشوف الدنيا من فوق..والأماكن اللي الناس بتشوفها مرة في عمرها،أنا اشوفها كل شوية
نظرت إلى الأفق وتابعت:وبعدها اكتشفت إن الموضوع مش بس منظر حلو
قال بهدوء:مسؤولية
نظرت إليه وقالت بجدية:بالظبط
هبت نسمة قوية فحركت خصلات شعرها،فرفعتها بيدها خلف أذنها وأكملت:يمكن دي أكتر حاجه الناس مش بتفهمها عن شغلنا....إن المسؤولية كبيرة،كبيرة بجد،إنك لازم تبقى متحكم في نفسك حتى لو جواك ألف حاجه
قال آدم:تعرفي إن دي حاجه مشتركة بينا
ابتسمت وأجابته:واضح
ثم التفتت إليه:وإنت اخترت الطب ليه؟
لم يجب فورًا،بل أخذ حجرًا صغيرًا من جواره وأخذ يقلبه بين أصابعه:يمكن عشان كنت دايما بحب أكون مفيد
نظرت إليه باستغراب بسيط وسألته:مفيد؟
-أيوة...مش شرط في حاجه كبيرة،بس لما حد يكون تعبان وأقدر أساعده بحس إن وجودي له معنى
صمتت فريدة للحظات،ثم قالت:عشان كده كنت مُصر تفضل معايا
نظر إليها مندهشًا،فقالت:ما تستغربش الممرضة قالت لي
ابتسم وقال:ممكن ده جزء من اللي حصل
_والجزء التاني؟
-إن حالتك كانت صعبة جدًا
خفضت عينيها إلى ساقها وقالت:عارف إن أكتر حاجه صايقتني من كل اللي حصل،إنهم كانوا شايفني السبب
لم يرد آدم فتابعت:أنا فاهمة غضبهم،ولو كنت مكانهم يمكن كنت هحس بنفس الإحساس
-بس!
_بس ده مش معناه إني كنت عايزة يحصلهم حاجه
صمتت لثوانٍ،ثم قالت بصوت أخفض:ولا حتى لنفسي
ظل ينظر إليها،لم يحاول طمأنتها بكلام محفوظ ولم يقل لها إن كل شيء سيكون بخير،قال فقط:أنا عارف
رفعت عينيها إليه وقالت متسائلة:عارف منين؟
-اللي شوفته منك يخليني عارف إن اللي حصل مش مقصود
سألته بفضول:شوفت ايه؟
نظر في عينيها وقال بصدق دون مجاملة:أنا دكتور ومر عليا حالات كتير لما تفوق بتسأل عن نفسها،عن بنتها، عن جوزها لكن عن ركاب في طيارة هي مسؤولة عنها دي جديدة عليا...ولما بلغتك إن إصابتهم مش قوية بقدر إصاباتك ما اهتمتيش بنفسك على قد ما اهتميتي بيهم...وماجد قالي إنك كنتِ مصابة من أول ما بدأ الاصطدام ورغم كده صممتي تكملي لحد ما نزلتي الطيارة المطار،كل ده يأكد إنك فعلاً ما تقصديش وإنه مجرد حادث
ظل نظرهما متصلًا لثوانٍ،ثم ابتسمت فريدة ابتسامة صغيرة قائلة:إنت غريب
قال وهو يضحك:ليه
-مش عارفة
ثم نظرت إلى المدينة مرة أخرى وتابعت:بس مريح في الكلام
ابتسم آدم وهو ينظر إليها:تعرفي إن دي أول مرة حد يقولي كده
أجابته بمشاكسة:ما تتغرش بقى
تعالت ضحكاته وهو يهز رأسه ويقول:حاضر
خلفهما ارتفع صوت مصطفى فجأة:يا جماعة الأكل جاهز
جاء صوت رامي من بعده:كداب إنت لسه حارق حته
تعالت الضحكات قبل أن تنظر فريدة إلى المجموعة وتقول:شكلهم هيولعوا في بعض قبل الأكل
وقف آدم ومد يده إليها وقال:يلا ننقذهم
نظرت إلى يده لثوانٍ،ثم أمسكت بها وأستندت إليه وهي تنهض وتقدمت خطوة،ثم أخرى.
لم يكن بينهما شيء استثنائي،مجرد طبيب يساعد مريضة مصابة على الوقوف،وصديق جديد وجد نفسه يتحدث مع شخص لم يكن يعرفه سوى أيام قليلة فاكتشف أن وراء كل واحد منهما حياة كاملة لم يكن يراها الآخر.
عندما عادت نحو المجموعة،كانت الشمس قد اختفت تقريبًا خلف الجبال ولم يبقَّ فوق المدينة سوى ضوء خافت ينساب بين قممها.
أما النار فكانت تزداد اشتعالًا والضحكات حولها أعلى من قبل.
بعد أن انتهوا من الطعام،تفرقوا في المكان القريب من القمة؛ بعضهم وقف لالتقاط الصور،والبعض الآخر ظل جالسًا حول النار،بينما بدأ مصطفى ورامي يتجادلان حول من التقط الصورة الأفضل.
كانت فريدة قد حاولت أن تتحرك معهم قليلًا،لكنها لم تستطع أن تخفي الألم الذي ظهر على وجهها بعدما قطعت مسافة صغيرة.
لاحظ آدم ذلك،اقترب منها دون أن يلفت انتباه الآخرين،ثم قال:كفاية مشي
نظرت إليه بإبتسامة مصطنعة:أنا كويسة
-عارف بس رجلك لسه مصابة
_طب أعمل ايه
أشار إلى مكان مرتفع قريب من النار وقال:نقعد هناك
مد ذراعه إليها لتستند عليه،وضعت يدها على ذراعه وبدأت تتحرك معه ببطء.
كان آدم كعادته يتعمد أن يجعل خطواته أبطأ من المعتاد،ويتوقف كلما شعر أنها تحتاج إلى الراحة،لكن رامي الذي يقف على مسافة قريبة لمح المشهد.
ظل يتابعهما لثوانٍ،ثم قال بصوت مسموع:هو إنت يا آدم قريب اوي منها كده ليه...أنا أعرف إنك ما بتقربش على بنات
توقفت فريدة مكانها،وتوقف آدم أيضًا ونظر الاثنان إلى رامي في اللحظة نفسها.
قال آدم وقد ظهرت على وجهه علامات الارتباك:ايه؟
ضحك رامي:بسأل بس
وقبل أن يجيب آدم،تدخل ماجد وهو يضحك:أصل آدم كاتب على نفسه تعهد لدكتور عزوز...إنه يرجعها المستشفى سليمة
ثم أضاف وهو يشير إلى فريدة:فمش عايز يسيبها لحظة،أحسن يحصلها حاجه ويحاسبه عليها
انفجرت المجموعة بالضحك،وأضاف مصطفى:يا عيني يا آدم بقيت مسؤول عن الكابتن رسمي
رد رامي مازحًا:ده إنت ناقص تعلقها في رقبتك،وتقول دي عهدة المستشفى
ضحك الجميع،أما آدم فتغير لون وجهه قليلًا وأبعد عينيه عنهم،ثم بدأ يعبث بخصلات شعره في محاولة واضحة لإخفاء إحراجه.
كانت فريدة تضحك هي الأخرى،لكنها حين نظرت إليه توقفت لحظة،كان ارتباكه صادقًا وبسيطًا،لم يكن يحاول أن يلفت انتباهها ولا أن يظهر أمام الآخرين بصورة معينة.
ابتسمت دون أن يشعر وللمرة الأولى لاحظت فيه شيئًا لم تنتبه إليه من قبل،وقالت وهي تستند إلى ذراعه:خلاص يا دكتور ما تقلقش...أنا مش ههرب
رفع عينيه إليها وقال:حتى إنتِ
ضحكت وأضاف الآخر:عمومًا أنا مش قلقان
ابتسمت وهى تهز رأسها وتقول:واضح
عاد الضحك من حولهما،قبل أن يسيروا جميعهم حتى وصلوا إلى المكان الذي اختاره آدم.
جلست فريدة وجلس هو إلى جوارها،لكن هذه المرة لم يكن أي منهما مستعجلًا في الابتعاد.
مع مرور الوقت بدأت المجموعة تستكشف المكان المحيط بالقمة، كانت هناك مسارات قصيرة تمتد بين الأشجار والصخور،ومن بعض النقاط يستطيعون رؤية المدينة بصورة أوضح.
وقفت حنان أمام منظر واسع وأخرجت هاتفها وقالت:بصوا المنظر ده
اقترب منها رامي وقال:ابعدي كده أنا هصور
-إنت هتبوظ الصورة
_أنا! ده أنا مصور محترف
قال مصطفى من خلفهما:محترف في تصوير رجلك بس
ضحك الجميع،وفي كل مرة كانت المجموعة تتحرك فيها لمسافة كان آدم يتأكد من أن فريدة لا تتعب.
لم يكن يبالغ في الاهتمام بها،لكنه يلاحظ كل حركة منها،أما هي بدأت تلاحظ ذلك مرة بعد أخرى،حتى قالت له:إنت واخد بالك مني بزيادة...استمتع بالمنظر الطبيعي ده
-إنتِ مسؤوليتي
سألته:مسؤوليتك بس؟
نظر إليها،ثم ابتسم:وتعهد دكتور عزوز فوق دماغي
ضحكت وهي تقول:آه..افتكرت.
وفجأة وصل إلى مسامعهم صوت خافت.
صوت رعد بعيد،توقفت الضحكات للحظة ورفع أكثر من شخص رأسه نحو السماء.
قال رامي:سمعتوا؟
نظر ماجد إلى الأفق،كانت هناك سحب داكنة تتجمع فوق إحدى سلاسل الجبال البعيدة وقال:أيوة
لم يبدُ الأمر خطيرًا في البداية، عاد الجميع إلى ما كانوا يفعلونه...لكن بعد دقائق جاء صوت آخر.
أوضح،وأقرب ثم تبعه ثالث امتد صداه بين الجبال.
تبادل الأطباء النظرات حين بدأت الرياح تشتد قليلًا مما. أدى إلى تحريك أغصان الأشجار من حولهم،بينما ظهر وميض البرق في السماء تدريجيًا.
نظر ماجد مرة أخرى إلى السماء وقال بجدية:شكلنا لازم نرجع
وافقه أحد الأطباء فورًا:أيوة أحسن
بدأ الجميع في جمع أغراضهم.
أُغلقت الحقائب،وأُطفئت النار وتأكدوا من عدم ترك أي شيء خلفهم.
اقترب آدم من فريدة وقال:يلا
وقفت مستندة إليه وقالت وهي تنظر إلى السماء:الجو اتغير بسرعة
-عشان كده لازم ننزل قبل ما المطر يبدأ
أمسكت بذراعه وبدأا في التحرك مع المجموعة.
كان الطريق أكثر صعوبة قليلًا بعدما بدأت الرياح تزداد،لكنهم كانوا حريصين على العودة قبل أن يشتد الطقس.
كانت فريدة تعرف المكان جيدًا ولذلك كانت تنبههم كلما وصلوا إلى جزء غير مستوٍ من الطريق.
-خدوا بالكم هنا
توقف آدم لحظة ونظر إليها:إنتِ عارفة الطريق!
هزت رأسها وقالت:ما أنا قولتلك أنا جيت هنا أكتر من مرة.
-خلاص أنا اللي همشي وراكِ المرة دي
_بالعكس أنا اللي همشي وراك عشان رجلي
ضحك وتابعوا طريقهم.
خلفهم دوى الرعد مرة أخرى،هذه المرة بصوت أقوى فزادوا من سرعتهم قليلًا.
وصلوا إلى الحافلة قبل أن يبدأ المطر.
صعد الجميع بسرعة وأغلق السائق الباب،بينما ظل صوت الرعد و وميض البرق يتردد في الخارج.
جلس آدم بجوار فريدة كما كان في طريق الذهاب،كانت تراقب الجبال من خلف الزجاج وقد بدأت أولى قطرات المطر تضرب النافذة.
قال آدم:تعبانة؟
نظرت إليه وقالت بهدوء:شوية
_هنوصل بسرعة...وهرجعك ترتاحي
هزت رأسها ثم أراحت رأسها على المقعد وهي تتابع قطرات المطر وهي تنساب على الزجاج.
كان صوت المجموعة قد هدأ بعد يوم طويل،حتى مصطفى الذي لم يتوقف عن الكلام منذ خروجهم جلس صامتًا للحظات.
وبعد دقائق بدأت عينا فريدة تثقلان،لاحظ آدم ذلك لكنه لم يوقظها تركها تستريح وظل يتابع الطريق.
لم تعد قطرات المطر متفرقة كما كانت في البداية،بل أخذت تهطل بغزارة تضرب زجاج الحافلة بعنف وتحجب جزءًا كبيرًا من الطريق أمامهم.
كان البرق يلمع بين لحظة وأخرى يتبعه صوت رعد مكتوم تتردد أصداؤه بين الجبال.
ظل الجميع صامتين للحظات،يراقبون الطقس من خلف الزجاج،قال ماجد وهو ينظر إلى الطريق:شكلها ليلة طويلة
لم يرد أحد فقد كانت الحافلة وصلت إلى المنطقة القريبة من الفندق،لكن المطر كان قد اشتد إلى درجة جعلت فكرة مواصلة الطريق إلى المستشفى غير آمنة خصوصًا مع حالة فريدة وإصابتها التي تجعل حركتها صعبة لذلك توقفت الحافلة أمام الفندق.
فتح السائق الباب فاندفعت إلى الداخل موجة من الهواء البارد.
التفت آدم إلى فريدة:استني هننزل واحدة واحدة
مد ذراعه إليها،فاستندت عليه ونهضت بحذر.
نزل أولًا،ثم ساعدها على النزول قبل أن يضع إحدى يديه خلف ذراعها ليستطيع تثبيتها أثناء عبورها المسافة القصيرة بين الحافلة وباب الفندق.
كانت الأرض مبللة،والماء يتجمع عند أطراف الرصيف لذلك حرص آدم على أن تخطو ببطء حتى دخلا إلى الردهة.
بمجرد أن أغلق الباب خلفهما، بدت أصوات المطر أقل حدة وإن ظل الرعد مسموعًا من الخارج.
قادها آدم إلى أحد المقاعد في الاستقبال وساعدها على الجلوس.
جلست فريدة وهي تلتقط أنفاسها،ثم نظرت من خلال الواجهة الزجاجية إلى المطر:هو إحنا هنرجع المستشفى إزاي دلوقتي؟
نظر آدم إلى الخارج،كان يعرف الإجابة فقال:مش هينفع تخرجي
اقترب من موظف الاستقبال وطلب منه الاتصال بالمستشفى وإبلاغهم أنه يريد التحدث إلى الطبيب عزوز.بالفعل أجرى الموظف الاتصال وبعد دقائق ناول آدم الهاتف
-ألو...دكتور عزوز
جاءه صوت عزوز من الطرف الآخر:أيوة يا دكتور آدم
-إحنا وصلنا الفندق،بس المطر زاد جدًا والطريق للمستشفى بقى صعب، ومع حالة فريدة مش هقدر أخاطر وأنزل بيها دلوقتي
صمت لحظة يستمع إليه:أيوة فاهمك...بس الأفضل تفضل هنا الليلة
نظر آدم إلى فريدة الجالسة بعيدًا،ثم أكمل:هي مرهقة جدًا وبتنام مش هقدر اعرضها للمطر...أنا بقترح تكون معانا هنا،وأنا هفضل مسؤول عنها وبكره إن شاء الله أول ما الجو يسمح هرجعها المستشفى بنفسي
ظل عزوز صامتًا للحظات،قبل أن يرد:ماشي...خلي بالك منها
-طبعاً
_ولو حصل حاجه مش طبيعية كلمني فورًا
-أكيد يا دكتور
أنهى آدم المكالمة وأعاد الهاتف إلى الموظف،واقترب من فريدة وقال:كلمت دكتور عزوز إنك تفضلي معانا هنا...و وافق
تنفست براحة:الحمدلله
مد يده إليها وقال:يلا نطلع عشان ترتاحي
نظرت إلى الدرج،ثم إليه:هطلع ده كله إزاي
-معلش الاسانسير عطلان..هنطلع واحدة واحدة
استندت إليه وبدأا الصعود،كان صعود الدرج أبطأ مما توقع آدم فكل خطوة كانت تحتاج منها إلى قدر من التركيز حتى لا تضغط على ساقها المصابة،ولم يكن آدم يستعجلها بل ينتظر حتى تستقر قدمها قبل أن يسمح لها بالخطوة التالية
وعندما وصلا إلى الطابق،قادها إلى غرفته فتح الباب ثم ساعدها على الدخول.
كانت الغرفة هادئة، لا صوت فيها سوى المطر الذي يصل مكتومًا من خلف النوافذ.
جلست فريدة على السرير،وأسندت ظهرها إلى الوسادة،نظر آدم إليها ليتأكد أنها مستقرة:كده أحسن؟
أومأت:أيوة
_لو احتاجتي حاجه نادي عليا
ابتسمت:حاضر يا دكتور
ابتسم بدوره وقال:تصبحي على خير
-وإنت من أهله
خرج آدم وأغلق الباب بهدوء.
كان ماجد في غرفته حين دخل آدم،نظر إليه ماجد باستغراب:بتعمل ايه هنا!
جلس آدم على طرف السرير المقابل وقال:هنام معاك النهارده..لان فريدة نايمة في اوضتي
ابتسم ماجد وقال:طبعًا البيت بيتك
خلع آدم حذاءه واستلقى على السرير،كان التعب قد بدأ يظهر عليه بوضوح بعد يوم طويل...لكن النوم لم يأتِ سريعًا.
ظل محدقًا في السقف،يسمع المطر في الخارج وصوت الرعد من بعيد،بينما كانت ذاكرته تعود به إلى ساعات قليلة مضت.
رأي القمة من جديد..
المدينة الممتدة أسفلهم..
النار المشتعلة وسط المجموعة..
ضحكة فريدة وهي تتحدث معه.
ثم تذكر الطريقة التي قالت بها:اعتبرني دلوقتي مترجمتك
ابتسم دون أن يشعر،ثم تذكر ارتباكه عندما سخر منه رامي،وكيف وقف الجميع يضحكون عليه بينما كانت فريدة تضحك هي الأخرى.
أغمض عينيه للمرة الأولى منذ وقوع الحادث لم يكن آخر شيء يفكر فيه هو المستشفى أو المرضى أو الملفات،بل يتذكر يومًا عاديًا،يومًا قضاه فوق جبل في بلد لا يعرفها وبرفقة أشخاص لم يكن يعرفهم قبل أيام،ومن بينهم شخص بدأ يشعر أنه يعرفه أكثر مما توقع.
اتسعت ابتسامته قليلًا قبل أن يهدأ وجهه،وبعد دقائق غلبه النوم على صوت المطر المستمر في الخارج.
يُتبع...
التعليقات
0 تعليق