في صباح اليوم التالي
وصلت فريدة مع ماجد إلى المستشفى في الموعد المحدد.
كانت قد استعادت شيئًا كبيرًا من نشاطها بعد أسابيع العلاج،وإن ظلت آثار الإصابة واضحة في خطواتها التي لم تعد بالسرعة نفسها التي اعتادتها،أما ماجد فكان يبدو أكثر حماسًا من المعتاد؛فقد كان ينتظر منذ الليلة السابقة اللحظة التي سيعود فيها إلى الطائرة،ولو لفترة قصيرة بعد شهر كامل قضاها بعيدًا عن قمرة القيادة.
كان عزوز في انتظارهما عند المدخل، ما إن رآهما حتى أشار إليهما بالصعود إلى سيارته.
لم يتبادل الثلاثة كثيرًا من الحديث طوال الطريق،فقد كانت فريدة تجلس في المقعد الخلفي تراقب الطريق من النافذة،بينما عقلها منشغلًا بالطائرة التي أخبرها عزوز أنها أصبحت جاهزة فهي تريد أن تراها بنفسها،أن تلمسها وأن تدخل قمرة القيادة من جديد.
فربما بعد كل ما حدث،كان الوقوف أمام الطائرة نفسها كفيلًا بأن يعيد إليها شيئًا من الشعور بالأمان الذي فقدته منذ لحظة الهبوط.
توقفت السيارة داخل المطار وترجل الثلاثة وساروا باتجاه المنطقة التي تقف فيها الطائرة.
ومن بعيد ظهرت أمامهم طائرة إيرباص بيضاء تستقر على أرض المطار،ساكنة تحت ضوء الصباح.
أشار عزوز إليها:هي دي
توقفت فريدة أمامها ورفعت عينيها إليها ببطء،لم تقل شيئًا في البداية،بل ظلت واقفة للحظات تتأملها من الخارج ثم بدأت تقترب ببطء.
كانت عيناها تتحركان فوق بدن الطائرة من مقدمتها إلى الجناحين،ثم إلى المحركات.
اقترب ماجد منها وقال:جاهزة؟
لم تجبه وضعت يدها على جسم الطائرة للحظة،ثم تابعت طريقها وصعدت للداخل.
تفقدت الممر،المقاعد،الأبواب،ثم توجهت إلى قمرة القيادة.
وقفت أمام لوحة التحكم طويلًا،لم تلمس شيئًا فقط أخذت تتأمل التفاصيل الدقيقة التي يعرفها الطيار كما يعرف الإنسان ملامح وجهه.
بعد دقائق خرجت وكان عزوز ينتظرها:ها يا كباتن!
رفعت فريدة عينيها إليه،كان صوتها جادًا بصورة مفاجئة:دي مش الطيارة اللي جينا بيها
تغيرت ملامح عزوز:إزاي! مش دي طيارة إيرباص؟
هزت رأسها وقالت:أيوة بس دي إيرباص A320ceo
نظر إليها دون أن يفهم:وإنتِ كنتِ على ايه؟
أجابته دون تردد:إيرباص A320one
التفت ماجد إليها وقال:الطيارتين شبه بعض جدًا يا فريدة...مفيش اختلاف كبير بينهم من بره،الاختلاف لما تشغليها
نظرت إليه بثبات وقالت:أنا مش مبتدئة يا ماجد وإنت عارف
ثم عادت بعينيها إلى الطائرة وتابعت:دي مش الطيارة اللي جينا بيها
تحركت بعيدًا عنهما وسارت حتى وصلت أسفل أحد الجناحين،انحنت قليلًا وراحت تتفحص المحرك بعين خبيرة وأشارت إليه:بص
اقترب ماجد فقالت:غطا المحرك أصغر من طيارتنا
ثم تحركت عيناها إلى المسافة بين المحرك والأرض وتابعت:وكمان المسافة بين المحرك والأرض أكبر بكتير
وقف ماجد يتابعها باهتمام،لم تكن فريدة تتحدث من حدس بل كل تفصيلة كانت تضعها أمامه تثبت أنها تعرف كل شيئًا بحكم خبرتها.
خرجت من أسفل الجناح،ثم تقدمت حتى وقفت عند نهايتها وأشارت إلى الحافة:ركز هنا
اقترب ماجد فأكملت حديثها بجدية:نهاية الجناح هتلاقيه على شكل مثلث مدبب
نظر إليها فتابعت:وده الشكل الخاص بإيرباص A320ceo مش A320one
ثم التفتت إليه وقالت بثقة:لسه عايز دليل أوضح؟
استدارت فريدة واتجهت إلى الطائرة مرة أخرى وصعدت إلى قمرة القيادة،وقف ماجد وعزوز في الخارج يراقبانها،وبعد لحظات دوّى صوت المحركات في المكان،لم يكن الصوت الذي اعتاداه.
ارتجفت الطائرة تحت قوة التشغيل،وارتفع صوت المحركات بصورة واضحة،بينما الاهتزاز لم يكن طبيعيًا بالنسبة لفريدة وماجد،راقبت المؤشرات لحظات،ثم أوقفت المحركات وخرجت من قمرة القيادة ونزلت إلى أرض المطار،ثم وقفت أمام ماجد وقالت:ها لسه شاكك إني غلطانة؟
نظر ماجد إلى الطائرة،ثم إليها وقال:لا
صمت لحظة قبل أن يقول:دي فعلًا مش نفس الطيارة اللي جينا بيها
استدارت فريدة نحو عزوز،كان الرجل واقفًا في مكانه وقد بدا عليه الذهول.
قالت بحدة:هو ايه اللي بيحصل هنا بقى بالظبط؟
رد عزوز:آيه اللي بيحصل يا كابتن؟
-ما أنا بسألك يا دكتور
ثم أشارت إلى الطائرة:أمراض ما بتظهرش غير عند المصريين بس،ودلوقتي الطيارة تتبدل هو في ايه بالظبط!
تغيرت ملامح عزوز وقال بحدة:إنتِ بتقولي ايه يا فريدة
اقتربت منه خطوة وقالت وهي ترفع إصبعها السبابة نحوه:اسمي كابتن فريدة
ساد الصمت قليلًا قبل أن تكمل بحدة واضحة:إحنا مش صحاب عشان نشيل الألقاب يا دكتور...أنا عايزة طيارتي اللي جيت بيها
ثم أشارت إلى الطائرة خلفها:لأن شغل النصب ده مش هينفع معايا..أنا لا مبتدئة ولا تحت التدريب لسه عشان تضحكوا عليا
حاول عزوز مقاطعتها وقال:الطيارة دي لسه خارجة من الإصلاح و...
قاطعته وقالت بسخرية:لسه خارجة من الإصلاح! طب لعلمك يا دكتور،بغض النظر عن إن دي أقل بكتير من إمكانيات الطيارة اللي جيت بيها...بس من الفحص المبدئي أحب أقولك إن فيها عيوب كتير
نظر إليها عزوز بعدم تصديق:عيوب إزاي يعني! بقولك لسه جاية من الإصلاح
ثبتت فريدة عينيها عليه وقالت:يا فندم أنا طيارة وعارفة بقولك ايه
ثم أشارت إلى الطائرة من جديد،وأكملت:وأنا بقولك من قبل ما أشغلها أو حتى أطير بيها الطيارة دي ما تمشيش خطوتين على المدرج
توقفت لحظة وقالت بتحدٍ:ولو مش مصدق أقدر أثبتلك
خرجت من فريدة ضحكة قصيرة غامضة،ثم قالت:بس مش علينا
التفتت حولها وقالت:عارف ليه! عشان عارفة إن ده هدفكم...عايزين تتخلصوا مننا
رفعت يدها وأشارت إلى أحد الطيارين الصربيين الموجودين في المكان،وتحدثت معه باللغة الصربية وأخبرته أن يدخل الطائرة ويجري اختبارًا،فهم الرجل حديثها وأومأ برأسه.
اتجه نحو الطائرة وصعد إلى قمرة القيادة،ثم أغلق الباب خلفه،أما فريدة فوقفت بعيدًا تراقب وماجد بجوارها،بينما ظل عزوز في مكانه.
بدأ الطيار تشغيل الطائرة وتحركت ببطء فوق المدرج،خطوات قليلة ثم بدأت العجلات في الارتفاع ومعها ارتفعت الطائرة عن سطح الأرض.
ثبتت فريدة عينيها عليها وهي تقف ثابتة لا تتحرك ولا تتكلم.
ثوانٍ أخرى مرت،ثم حدث كل شيء دفعةً واحدة،فقدت الطائرة توازنها ومال جسدها في الهواء بصورة مفاجئة قبل أن تهوى إلى المدرج بقوة هائلة.
وفي تلك اللحظة دوّى صوت الاصطدام في أرجاء المكان،ارتطام الجناح بالأرض وانكسر جزء منه،بينما انفصلت العجلات وبدأت تتحرك فوق المدرج بصورة عشوائية قبل أن تتوقف بعيدًا.
اندفع عمال المطار نحو الطائرة،فتحوا قمرة القيادة واخرجوا الطيار منها بسرعة بينما كانت أصواتهم تتعالى في المكان.
وقف ماجد مذهولًا،أما عزوز فظل يحدق في الطائرة دون أن يتحرك،ثم التفت إلى فريدة.
كانت واقفة كما هي،لم يكن في وجهها انتصار ولا شماتة فقط يقين هادئ،نظرت إليه لثوانٍ ثم قالت:شوفت!
لم تنتظر فريدة جوابًا،قالت وهي تستدير وتبدأ في الابتعاد:لما ترجعوا طيارتي يا كتور...أبقى كلمني
تحركت بخطوات ثابتة ولحق بها ماجد لكنه لم يستطع إخفاء ابتسامته،كان يشعر بفخر حقيقي بما فعلته فريدة.
أما خلفهما فظل عزوز واقفًا أمام الطائرة المحطمة،وعيناه معلقتان بها وكأن الحطام الذي أمامه لم يكن مجرد طائرة فشلت في الإقلاع...بل كان أول شيء يهدم أمامه الرواية التي ظل يصدقها طوال الوقت.
لم يكن اليوم قد انتصف بعد ومع ذلك بدت أروقة المستشفى وكأنها تحمل عبء يوم كامل من العمل.
كانت الحركة لا تهدأ،أصوات العجلات وهي تعبر الممرات،خطوات الأطباء المستعجلة، نداءات الممرضين وأبواب الغرف التي لا تكاد تستقر في مواضعها حتى تُفتح من جديد.
وقف آدم في نهاية أحد الممرات يتابع ما يجري حوله،حين لمح رامي قادمًا من بعيد وهو يدفع سريرًا متحركًا كان فوقه رجل مصري في منتصف العمر،شاحب الوجه،يضع كمامة تُغطي نصف ملامحه،بينما كانت إحدى يديه تستقر على صدره بصورة عفوية.
اقترب رامي منه:عرفت من المسعفين إنه كان ماشي في الشارع وفجأة فقد وعيه،الناس اتصلوا بالاسعاف ونقلوه لهنا
نظر آدم إلى الرجل،ثم إلى رامي.
كانت عيناه تنتقلان بين ملامح المريض والأجهزة التي بدأت الممرضة في تجهيزها وقال:دخله الجناح مع باقي المرضى،وخلي الدكتور المتخصص يكشف عليه فورًا
أومأ رامي:ماشي
دفع السرير باتجاه الجناح،بينما وقف آدم يراقبه حتى اختفى خلف الباب،ثم عاد بنظره إلى الممر.
رآى مريض جديد،ثم واحد آخر،لكن الأمر لم يعد يبدو له حالات منفردة.
كان عدد المرضى المصريين يزداد،وكلما زاد العدد أصبح الشعور داخله أثقل.
اتجه إلى منطقة الاستراحة وجلس على أحد المقاعد،مرر يده على وجهه ببطء ثم أسند رأسه إلى الخلف.
-ياربي ايه تعب الأعصاب ده
ظل صامتًا للحظات،ثم قال لنفسه:مش معقول المدينة بتموت في يوم واحد
في الطابق الآخر كان عزوز يجلس خلف مكتبه.
أغلق الباب وأدار ظهره للغرفة،ثم أمسك هاتفه وقال:قدرت تعرف بسهولة إنها مش نفس الطيارة،وكمان في طيار صربي اتصاب
جاءه صوت من الطرف الآخر غليظًا وقاسيًا:بدأت تشك فينا...ولا عدت كأنها صدفة؟
ابتلع عزوز ريقه وقال:شكت فينا
صمت الطرف الآخر للحظات،ثم جاءه الأمر واضحًا:يبقى تخلص عليها
تجمد عزوز في مكانه:إنت عارف إني ماليش في القتل
جاءه الرد بلا تردد:وأنا بقولك خلّص عليها بدل ما أخلص عليك وعليها بمعرفتي
ارتعشت أصابع عزوز حول الهاتف وظل صامتًا لحظات وكأن الكلمات قد سلبته القدرة على التفكير،ثم قال بصوت خافت:حاضر
جاءه الصوت مرة أخرى:في أسرع وقت
وانقطع الاتصال،انزل عزوز الهاتف ببطء وبقي ينظر إلى الشاشة السوداء،بينما كانت ملامحه قد فقدت كل ما كان عليها من ثبات،ثم قال لنفسه:هخلص عليها إزاي!
وفي اللحظة نفسها تقريبًا،كانت حنان تقف عند الباب لم تقصد الاستماع.
كانت قد جاءت إلى المكتب لتسأل عزوز عن إحدى الحالات،لكنها توقفت قبل أن تطرق الباب عندما وصل إلى مسامعها حديثه.لم تسمع كل شيء،لكنها سمعت ما يكفي.
تراجعت خطوة إلى الخلف،ثم خطوة أخرى،وضعت يدها على صدرها دون وعي،وأخذت نفسًا عميقًا وهي تحاول ألا يصدر منها أي صوت،ثم ابتعدت عن المكتب بهدوء.
لم تلتفت بل أسرعت في الممر حتى وصلت إلى الجناح الطبي،وهناك وجدت آدم واقفًا أمام المريض الجديد يراجع معه تاريخه المرضي،بينما وقفت الطبيبة المختصة إلى جواره
-الأعراض بدأت امتى؟
أجاب الرجل:من كام يوم
-نفس التعب والصداع والحرارة ولا بيزيد؟
_لا نفسها مفيش زيادة
رفع آدم عينيه وقال:طب وضيق التنفس؟
هز الرجل رأسه وقال:زيهم
تأمل آدم وجهه لحظات،ثم انتبه إلى الكمامة التي تغطي فمه وأنفه:قولي يا حاج إنت ليه لابس الكمامة دي؟
أجابه الرجل ببساطة:ده قرار من الدولة
قطب آدم حاجبيه وقال:قرار رئاسي؟
_أيوة كل المصريين يمشوا بكمامة
ظل آدم صامتًا لحظة،كانت المعلومات جديدة عليه لكن الرجل لم يكن في حالة تسمح بمزيد من الأسئلة فعاد آدم إلى فحصه:طيب ارتاح دلوقتي والدكتورة هتتابع معاك
ثم التفت إلى الطبيبة وقال:ادي له العلاج اللازم وتابعي حالته باستمرار
أومأت الطبيبة،بينما ابتعد آدم خطوتين عندها لمح حنان واقفة أمامه،كانت شاحبة بصورة لم يعتدها منها
قالت حنان:آدم
-أيوة يا حنان
اقتربت منه قليلًا وقالت:عايزة أقولك حاجه
نظر إليها باهتمام:اتفضلي
قبل أن تكمل،جاء صوت عزوز من نهاية الممر يقول:دكتور آدم
التفت آدم ناحية الصوت،ثم عاد إليها وقال:معلش يا حنان هنتكلم مرة تانية
-الموضوع مهم
نظر إليها للحظة،ثم قال:معلش يا حنان أجليه لحد ما أرجع
تحرك قبل أن ينتظر ردها،وظلت حنان واقفة مكانها تتابعه بعينين مثقلتين بالقلق،لم تكن تعرف كيف تبدأ ولا كيف يمكنها أن تقول له ما سمعته دون أن يبدو الأمر وكأنه مجرد وهم أو سوء فهم،أما آدم فلم يكن يعرف شيئًا عما يدور في رأسها.
وصل إلى باب مكتب عزوز،طرقه طرقات قصيرة ثم دخل بعد أن سمع صوته،أما عزوز كان جالسًا خلف مكتبه يقلب بعض الأوراق أمامه،وما إن رفع عينيه حتى قال:تعالى يا دكتور آدم
أغلق آدم الباب خلفه واقترب:حضرتك كنت بتناديني؟
أشار له عزوز بالجلوس إلى المقعد المقابل وقال:أيوة..كنت عاوز اتكلم معاك عن المرضى
جلس آدم وقال:خير!
تنهد عزوز وقال:أنا ملاحظ إنك بقيت بتسأل كتير عن الحالات المصرية
لم تتغير ملامح آدم:طبيعي...كل يوم بيجي لنا حالات جديدة بنفس الأعراض تقريبًا
_وأنا عايزك تركز في علاجهم وبس
ظل آدم ينظر إليه:يعني ايه؟
_يعني إحنا عشان نعالج المرضى يا دكتور،مش لازم نحقق في سبب وجودهم هنا
مال آدم إلى الأمام قليلًا:بس حضرتك قولت لنا بنفسك من أول يوم ما نستعجلش في أي استنتاج
_وده اللي بقولك عليه ما نستعجلش
-وأنا مش مستعجل
صمت لحظة قبل أن يضيف:أنا بحاول أفهم
وضع عزوز الأوراق أمامه وقال:مش كل حاجه لازم نفهمها دلوقتي
توقفت عينا آدم عند وجهه وقال:يعني حضرتك عايزني اعالج المرضى من غير ما أعرف أصل المشكلة؟
_عايزك تعمل شغلك كطبيب وبس
-ما أنا بعمل شغلي كطبيب
ارتفع صوت آدم قليلًا،لكنه ظل متماسكًا:لما ألاقي مريض مصري جاي بنفس الأعراض،وبعده مريض تاني بنفس الأعراض،وبعده مريض تالت ورابع وعاشر بنفس الأعراض...يبقى من شغلي أعرف إحنا بنتعامل مع ايه
لم يجب عزوز وتابع آدم:والغريب إن كل الحالات دي موجودة في جناح واحد،بعيد عن باقي مرضى المستشفى...تقدر حضرتك تقولي ده اسمه ايه؟
قال عزوز ببرود:ده تنظيم المستشفى
-تنظيم المستشفى؟
ابتسم آدم ابتسامة ساخرة وقال:غريبة دي
سأله عزوز:ايه اللي غريب يا دكتور!
-إن كل حاجه هنا ليها تفسير جاهز...بس ولا تفسير منهم منطقي
صمت عزوز و واصل آدم:المصريين اللي موجودين هنا مش مجرد مصابين من حادث الطيارة بتاعتنا...أنا بدأت اكتشف إن في ناس موجودة من قبلنا،وكلهم تقريبًا جايين بنفس الطريقة
تحركت ملامح عزوز قليلًا:بنفس الطريقة إزاي؟
-عن طريق الطيارات
لم يرد عزوز فقال آدم:ودي مش أول طيارة تقع هنا،صح؟
نطر إليه عزوز للحظات ثم تمتم:وإنت جيبت الكلام ده منين؟
-من المرضى
ثم أضاف:ومن كلامك
_أنا ما قولتش حاجه
-مش محتاج تقول،طريقة إجاباتك تكفي
مال آدم إلى الخلف وقال:بس السؤال هنا ليه
_هو ايه اللي ليه؟
-ليه كل المصريين هنا بيتعالجوا في جناح منفصل؟ ليه أعدادهم بتزيد! ليه كلهم عندهم نفس الأعراض وليه كل مرة أسألك عن حاجه تقولي ركز في شغلك؟ إنتوا مخبيين عننا ايه!
ارتفع صوت عزوز وقال:دي خصوصيات مستشفى يا دكتور...ودي مسؤوليتي أنا
رد آدم بهدوء أشد:ما أنا مسؤول معاك..مسؤول عن المرضى اللي قدامي
ثم أضاف:ومش هقدر أكون مسؤول عنهم وأنا ممنوع من فهم هما مصابين بأيه
تراجع عزوز في مقعده قليلًا وقال بهدوء:في بعض الحاجات هنا مش لازم تعرفها
استقرت الجملة بينهما،وظل آدم ينظر إليه لثوانٍ ثم قال:دي أكتر إجابة خلتني عايز أعرف
لم يجد عزوز ما يرد به،وقف آدم وقال:أنا مش بحقق معاك يا دكتور عزوز
أمسك مقبض الباب وتابع:أنا دكتور وبحاول أفهم أنا بعالج ايه
فتح الباب ثم توقف لحظة والتفت إليه:ولو عندك معلومة ممكن تساعدنا ننقذ بيها المرضى ياريتنا تقولي لإن إخفاءها مش حماية ليهم
خرج وأغلق الباب خلفه بينما ظل عزوز جالسًا في مكانه لا يتحرك.
في الخارج كانت حنان لا تزال واقفة في الممر،ما إن رأت آدم يخرج حتى اقتربت منه:آدم
رفع عينيه وقال بهدوء:أيوة
ترددت فكانت الكلمات التي سمعتها منذ قليل تتسارع داخل رأسها:أنا...
توقفت،فنظر إليها آدم باستغراب:في ايه؟
قبل أن تجيب جاء صوت أحد الممرضين ينادي آدم من الجناح،التفت إليه وقال:حاضر جاي
ثم عاد إلى حنان:لو الموضوع مهم ابقي تعالي الاستراحة وأحكيه،أنا لازم أشوف الحالة دي
هزت رأسها ببطء،وابتعد آدم مسرعًا بينما ظلت حنان مكانها تنظر إلى باب مكتب عزوز،ثم إلى الاتجاه الذي اختفى فيه آدم.
كانت قد جاءت منك دقائق لتخبره،لكنها الآن أدركت أن ما سمعته لم يكن مجرد تفصيلة صغيرة يمكن تأجيلها،قالت لنفسها بصوت خافت:هو قال خلص عليها
رفعت عينيها نحو الممر وكان سؤال واحد فقط يسيطر على تفكيرها "من هي؟"
وفي مكان آخر من المدينة،كانت فريدة تجهل تمامًا أن اسمها قد يكون هو الإجابة، بينما آدم يقف بين الأسرة يتابع حالة أحد المرضى،يسأل الطبيب المسؤول عن آخر تطوراتها ثم ينحني قليلًا ليتفحص الملف قبل أن يدوّن ملاحظة قصيرة.
كانت الحركة في الجناح لا تهدأ؛ أصوات المرضى،خطوات الأطباء والممرضين،وحركة الأسرة التي لا تتوقف.كلها امتزجت في ضوضاء مستمرة لم يعد أحد منهم ينتبه إليها،وبينما كان آدم يراجع بعض النتائج اقتربت منه حنان وهي تنادي عليه:آدم
رفع عينيه إليها وقال:أيوة يا حنان
وقفت أمامه للحظات وكأنها تجمع شجاعتها،ثم قالت بجدية:المرة دي لازم نتكلم...ما ينفعش نأجل الموضوع أكتر من كده
أغلق الملف الذي بيده وقال بهدوء:طيب اتكلمي
وقبل أن تبدأ،جاء رامي من الجهة الأخرى وقال:تعالى معايا عايزك في موضوع مهم
التفت إليه آدم وقبل أن يجيب أنفلت شيء من الهدوء الذي عُرفت به حنان طوال معرفتهم بها وقالت:إنت مش شايفني واقفة وبتكلم معاه ف موضوع؟
توقف رامي مكانه،نظر إليها بدهشة واضحة بينما التفت آدم إليها هو الآخر،تابعت حنان بانفعال لم يعتده منها أحد:ايه موضوعك مهم وأنا لا يعني!
بقي رامي للحظات عاجزًا عن الرد،لم يتذكر أنه رأى حنان بهذه الصورة من قبل؛ كانت دائمًا أكثرهم هدوءًا،وأكثرهم قدرة على ضبط أعصابها حتى في أصعب المواقف.
رفع يديه قليلًا محاولًا تهدئتها وقال:اهدي طيب...أنا ما أعرفش إنكم بتتكلموا في موضوع مهم
قالت بسرعة:أنا عندي معلومات خطيرة وبحاول أقولها من بدري،بس كل شوية حد يقاطعني مش معقول كده
تبادل آدم ورامي نظرة قصيرة،ثم قال رامي بهدوء:خلاص أنا آسف..قولي معلوماتك
سكتت حنان وأخذت نفسًا عميقًا وحاولت أن تستعيد هدوءها،ثم قالت:كنت رايحة مكتب د/عزوز عشان أبلغه بتطور حالة طفل مصري...وأنا قدام الباب سمعته بيتكلم في التليفون
بدأت نبرة صوتها تهبط تدريجيًا،لكن التوتر ظل واضحًا عليها:كان متوتر جدًا...وسمعته بيقول للشخص اللي بيكلمه:أنا ماليش في القتل وإنت عارف
تجمدت ملامح آدم،أما رامي فتغيرت نظراته فورًا،تابعت حنان:أنا ما سمعتش الشخص اللي بيكلمه قال ايه بس من طريقة د/عزوز واضح جدًا إن الشخص ده بيهدده
ابتلعت ريقها وأكملت:وبعدها دكتور عزوز قاله حاضر
سألها آدم بسرعة:حاضر على ايه؟
رفعت عينيها إليه وأجابت:إنه هيخلص على حد
ساد الصمت حتى أصوات الجناح بدت للحظات وكأنها ابتعدت عنهم،عادت حنان لتقول:وبعدها سمعته بيقول هخلص عليها إزاي
اتسعت عينا آدم:مين اللي هيخلص عليها؟
هزت حنان رأسها:معرفش
قال رامي بصدمة:تفتكروا اللي هيخلص عليها دي...حد مننا؟
نظر آدم إليه ولم يجب فورًا،فكانت عيناه تتحركان بينه وبين حنان وكأنه يعيد ترتيب كل ما حدث خلال الأيام الماضية في ذهنه،ثم قال:أكيد...بس يا ترى مين دي؟
لم يجد أحد إجابة،فكانت حنان تقف وتضم يديها أمامها وأصابعها تتحرك في توتر دون أن تشعر،ورامي ينظر حوله بين لحظة وأخرى وكأنه للمرة الأولى يرى المستشفى بصورة مختلفة؛ نفس الممرات،نفس الأبواب...لكن شيئًا ما تغير في نظرته إليها.
قالت حنان:أيًّا يكن مين هي...لازم ناخد بالنا كويس أوي
ثم نظرت إلى آدم:ونركز مع د/عزوز لإن واضح جدًا إننا عاملين لهم قلق
أومأ رامي ببطء:حنان معاها حق يا آدم...إحنا لازم. ناخد بالنا وما نصدقش أي حد في المستشفى دي
توقف لحظة،ثم أضاف:حتى عزوز نفسه
نظر آدم إلى الاثنين وسأل:كلنا موجودين في المستشفى؟
أجابت حنان:ما شوفتش فريدة طول اليوم
وقال رامي:وأنا ما لمحتش ماجد النهارده
في تلك اللحظة تذكر آدم حديث فريدة معه في اليوم السابق،حين أخبرته أنها ستذهب مع ماجد إلى المطار لإجراء الاختبارات اللازمة للطائرة.
استرخى شيء بسيط في ملامحه وقال:هما في المطار
نظر إليه رامي باستفهام:إنت متأكد؟
-أيوة فريدة قالت لي امبارح إنها هتعمل اختبارت للطيارة مع ماجد
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة،كأنه يحاول أن يمنح نفسه ومن حوله سببًا للطمأنينة:شكلنا هنرجع بلدنا قريب
لكن رامي لم يبادله الابتسامة،بل قال بصوت منخفض:بصراحة...حاسس إننا مش هنرجع
التفت إليه آدم،فتابع رامي:ولو قدرنا نرجع...مش هتبقى بالسهولة دي
نظرت حنان إليه،ثم قالت:وأنا كمان متفقة مع رامي
كانت عيناها لا تزالان تحملان أثر ما سمعته خلف باب مكتب عزوز
-الوضع هنا خطر...وأنا مش متفائلة
ساد بينهم صمت ثقيل،لم يكن أحد منهم يعرف من المقصودة في كلام عزوز. ولم يكن أحد يعرف إن كان الخطر قد بدأ بالفعل أم أنه لا يزال مجرد تهديد ينتظر اللحظة المناسبة.
لكن شيئًا واحدًا أصبح مؤكدًا بالنسبة إليهم جميعًا...لم يعد بإمكانهم التعامل مع أي شيء يحدث داخل هذه المستشفى باعتباره صدفة.
قال آدم أخيرًا:ما تقلقوش...ربنا معانا
حاول أن يجعل صوته ثابتًا،إلا أن عينيه لم تكونا تحملان الهدوء نفسه،نظر إلى باب الجناح،ثم إلى الممر الممتد أمامه.
وفي مكان ما خلف تلك الأبواب كان سر هذه المدينة يزداد تعقيدًا...وكان أحدهم قد بدأ بالفعل يتحرك لإسكات شخصٍ ما.
قطع رامي الصمت وهو ينظر إلى آدم:هنعمل ايه يا آدم!
أخذ نفسًا عميقًا،ثم قال بجدية:لازم المجموعة كلها تبقى مع بعض وفي نفس المكان...يعني لازم كلنا نفضل قريبين من بعض هنا في المستشفى،ما ينفعش حد يغيب عن عينا
سألته حنان:طب وماجد وفريدة؟
-لو راحوا في أي مكان لازم حد يكون معاهم،ما ينفعش نسيبهم لوحدهم
فكرت حنان قليلًا،ثم قالت:طاقم الضيافة كله خارج النهارده من المستشفى بعد ما حالتهم اتحسنت ممكن نخليهم معاهم دايمًا
هز آدم رأسه نافيًا:مش كفاية لازم حد مننا إحنا التلاتة يكون معاهم
نظرت حنان إليه باستغراب:إنتوا شاكين في طاقم الضيافة؟
أجاب آدم سريعًا:لا مش شاكين فيهم
ثم خفض صوته قليلًا:بس المعلومة دي مش هتخرج بره عننا إحنا التلاتة
نظر إليه رامي باهتمام،فأكمل:وبما إنها مش هتطلع بره عننا ما ينفعش يكونوا لوحدهم ممكن عزوز يستدرج أي حد فهيم بكل بساطة، وهما مش هيعترضوا لأنهم فاكرين إنه بيساعدنا
أومأت حنان ببطء،وقد بدأت تستوعب ما يقصده،اما رامي فقال:طب ما نقول للمجموعة كلها يا آدم وخلاص..أهو كلهم ياخدوا حذرهم
هز آدم رأسه بالرفض وقال بجدية:لا هنتكشف
صمت لحظة قبل أن يضيف:وكمان ليه نخوفهم..ما يمكن الموضوع مش على حد مننا أصلا نبقى قلقناهم على الفاضي
سأل رامي:طب وإحنا هنتأكد إزاي إذا كان الموضوع علينا ولا لا
نظر آدم إليه بثبات:سيبها عليا أنا
ثم نظر إلى الاثنين وقال:أنا إن شاء الله هعرف...المهم دلوقتي إن مفيش شخص واحد يغيب عن عينا...بالأخص البنات
تبادلت حنان ورامي نظرة قصيرة،ثم أومأ بالموافقة،وقال في صوتٍ واحد:ماشي
تنفس آدم ببطء ثم نظر إلى الجناح الذي جاء منه قبل دقائق وقال:هنرجع شغلنا عادي..ونتعامل طبيعي جدًا وكأن مفيش حاجه حصلت
سألته حنان:حتى قدام عزوز؟
-خصوصًا قدامه
لم يزد على ذلك،تحرك الثلاثة عائدين إلى الجناح وكل واحد منهم يحمل داخله شيئًا مختلفًا عما كان يحمله قبل دقائق.
عاد رامي إلى مرضاه،و وقفت حنان من جديد أمام الأطفال تتابع حالاتهم،بينما عاد آدم إلى عمله بين الأسرة والملفات والأسئلة الطبية التي لم تتوقف.
لم يتغير شيء في ملامحهم أمام الآخرين،لكنهم كانوا يعرفون الآن أن كل خطوة داخل هذا المكان تحتاج إلى حساب.
وفي الوقت نفسه كانا ماجد وفريدة قد عادا إلى الفندق بعد يوم طويل دون أن يعرف أيٌّ منهما شيئًا عما دار داخل المستشفى أثناء غيابهما.
يُتبع..
التعليقات
0 تعليق