كان الليل قد أسدل ستاره على المدينة حين عاد الأطباء إلى الفندق بعد يوم طويل أثقل أجسادهم وأرهق عقولهم.
دخلوا إلى الاستقبال واحدًا تلو الآخر بخطوات بطيئة وملامح أنهكها العمل،لم يكن أحد منهم يملك طاقة كافية حتى للحديث فقد قضوا ساعات طويلة بين المرضى والملفات والحالات الجديدة التي لم تمنحهما فرصة لالتقاط أنفاسهم.
في أحد الأركان كانت فريدة وماجد يجلسان إلى جوار بعضهما وأمام كل منهما كوب من القهوة،رفعت فريدة عينيها عندما رأتهم يدخلون فابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:أخيرًا جيتوا
لم يجبها أحد في البداية،جلس آدم على أقرب مقعد دون حتى أن يهتم بترتيب معطفه وأسند ظهره إلى المقعد وأغمض عينيه للحظات،كان الإرهاق واضحًا في وجهه إلى درجة جعلت فريدة تراقبه دون أن يشعر،جلس رامي إلى جواره بينما توزع الآخرون حولهم.
نظر ماجد إلى وجوههم وقال:مالكم يا جماعة؟
ضحك رامي ضحكة قصيرة خالية من الطاقة وقال:اليوم كان صعب وتقيل جدًا..من الصبح تقريبًا وإحنا ما قعدناش
رفع ماجد حاجبه وقال:عملتوا ايه لكل ده؟
-مرضى جدد،وحالات بتزيد وكل شوية حد داخل علينا بأعراض جديدة
أطلق مصطفى زفرة طويلة وقال:أنا حاسس إني لو شوفت السرير هنام على طول
قال ماجد:إحنا كمان اليوم كان فيه أحداث كتير
التفت إليه رامي:حصل ايه؟
ابتسم ماجد ابتسامة واسعة وقال:فريدة عملت حته حركة مع عزوز...أنا متأكد إنه مش هينساها في حياته
فتح آدم عينيه فورًا،وعدّل جلسته رغم الإرهاق وقال:عملت ايه؟
نظر إليه ماجد وقال:اسألها
مصطفى:بطل رخامة وأحكي
بدأ يقص عليهم ما حدث في المطار؛من بداية اكتشاف فريدة أن الطائرة ليست طائرتهم وكيف أثبتت ذلك وكيف جعلت الطيار الصربي يصعد إلى قمرة القيادة،إلى ما حدث بعد إقلاع الطائرة لثوانٍ،ومع كل تفصيلة كان الحاضرون يزدادون دهشة.
تابع ماجد:اقسم بالله انبهرت بيها...كان نفسي تشوفوا وش عزوز وهو بيبص على الطيارة اللي اتفحمت قدامه
تعالت الضحكات،وبدأت كلمات الإعجاب تنهال على فريدة من كل جانب.
أشاد رامي بها وهو يقول بإبتسامة واسعة وينظر إليها بإعجاب واضح:أنا لو مكانك مكنتش هعرف أكتشف الفرق ده أصلا كنت هقول أهي أي طيارة والسلام...لكن إنتِ كنتِ واقفة من أول لحظة وطلعتي فعلًا عندك حق
ضحك مصطفى وهو يهز رأسه:أنا من يوم ما ركبت الطيارة وأنا مقتنع إنك مرعبة في شغلك...بس طلع صوتك كمان مرعب
رفعت فريدة حاجبها وهي تنظر إليه وقالت:يعني ده مدح ولا ذم
انفجر بعضهم بالضحك،بينما رد مصطفى:مدح والله
قال أحد الأطباء بإعجاب صريح:اللي عملتيه النهارده مش مجرد خبرة في الطيران...ده تركيز شديد جدًا
هزت حنان رأسها وقالت:اتفق... إنك تلاحظي فروق بالشكل ده من غير ما الطيارة تشتغل دي حاجه تحترم فعلًا
وأضاف هاني:والأهم إنك ما اكتفتيش بالكلام،إنتِ أثبتّي إنك صح قدام الكل
ابتسم ماجد وقال بفخر لم يحاول إخفاءه:هاني معاه حق...أنا اقسم بالله كنت واقف جنبك وحاسس إني بتفرج على حد بيشرح درس عملي،فاكرة الطيارين الرخمين اللي كانوا بيدونا محاضرات فكرتيني بيهم لكن الفرق بينك وبينهم إنك بجد مش رخمة خالص إنتِ مبهرة،كل تفصيلة قولتيها ماشاء الله كانت صح...ولما الطيارة وقعت أنا نفسي اتفاجئت وما عرفتش أقول حاجه
ضحك رامي وقال:إنت واقف تتفرج عليها وهي بتعلم عليهم
-ده اللي حصل فعلًا
ارتفعت الضحكات من جديد قبل أن يقول مصطفى وهو يشير إلى فريدة:على فكره أنا من دلوقتي لو ركبت طيارة وإنتِ اللي هتسوقيها،هنام وأنا مطمن إنما لو شوفت ماجد هطلب أشوف شهادته وختم النسر كمان عشان بصراحة مش معترف بيه كطيار
قال ماجد بإبتسامة:شكرًا يا مصطفى
قال رامي:أنا لو منك كنت رجعت عزوز مصر معانا بعد اللي عملتيه فيه النهارده، قال مسؤول قال
ابتسمت فريدة بخجل خفيف،بينما تعالت أصواتهم من حولها وكل واحد منهم أضاف كلمة أخرى في حقها و وحده آدم ظل صامتًا.
كان يجلس بينهم يستمع إلى الجميع دون أن يشاركهم الضحك أو التعليق،لم يكن وجهه يحمل اعتراضًا لكنه لم يمنحها تلك الكلمة التي تنتظرها منه تحديدًا.
ظلت فريدة تنظر إليه للحظات،ثم قالت:مش هتقول حاجه!
رفع آدم عينيه إليها وكأنه عاد لتوه من مكان بعيد وقال:في ايه يتقال هما قالوا كل حاجه
اختفت ابتسامتها تدريجيًا وسكتت لحظة قبل أن تقول:تمام
قالتها بهدوء لكنها هذه المرة لم تحاول إخفاء الضيق الذي تسلل إلى نبرتها،عاد ماجد للحديث وكأنه لم يلاحظ شيئًا وقال:علمت عليهم كلهم تعليمة...ولا أجدع راجل بشنبات يعملها
ضحك الجميع من جديد،أما فريدة فظلت تنظر إلى آدم للحظات تبحث في ملامحه عن أي شيء لكنه غارقًا في شروده،خفضت عينيها ثم وقفت:عن إذنكم يا جماعة
التفت إليها مصطفى وقال:رايحة فين؟
لم ترد عليه وخرجت من الإستقبال بينما مصطفى قال بتساؤل:مالها؟
كان ماجد قد لاحظ منذ فترة نظرات فريدة إلى آدم،لذلك لم يحتج إلى وقت طويل حتى يفهم،قال بهدوء:واضح إنها مضايقة من حاجه
ثم التفت إلى آدم وضربه بخفة على كتفه وتابع:ما تقوم تشوفها كده يا دكتور
رفع آدم حاجبه:وأنا أشوفها ليه هو أنا اللي ضايقتها!
حدق فيه رامي لحظة ثم قال:يا ساتر يارب على ردودك يا أخي....إنت ايه المادة الخام لقلة الذوق!
قال مصطفى محاولًا تلطيف الجو بابتسامته وحسه الفكاهي:عادي يا آدم روح اطمن عليها،اعتبر إنها لسه في عهدتك
أضاف رامي:ما تقوم يا جدع إنت
أمسك مصطفى بذراع آدم وجذبه من مقعده وهو يقول:قوم بقى
نهض آدم على مضض،ثم خرج خلفها.
ما إن خرج من الفندق حتى نظر أمامه لم يجدها،تحرك عدة خطوات ثم التفت يمينًا ويسارًا لا شيء،تقدم في الشارع وأخذ يبحث بعينيه بين المارة والمحال والطرقات الجانبية ولم يجدها،قام بالنداء عليها:فريدة
لم يأته رد،واصل السير وكلما ابتعد عن الفندق خطوة،كلما ازداد القلق في صدره.
لم يكن يعرف لماذا بدأ قلبه يخفق بهذه الطريقة.
منذ دقائق فقط كانت أمامه...والآن لم يعد يعرف أين ذهبت.
أخرج هاتفه ثم أعاده إلى جيبه على الفور؛ تذكر أنه لا يعرف رقمها ولا يوجد شبكة ولا إنترنت،لم يكن هناك ما يمكن أن يفعله سوى البحث.
اتجه إلى شارع ثاني،ثم ثالث،ثم بدأ يسرع خطواته وهو يحاول إقناع نفسه بأنها خرجت لتتنفس قليلًا وستعود،لكن شيئًا داخله لم يكن مطمئنًا.
تخيل للحظة أن شيئًا حدث لها،توقفت الفكرة في رأسه كضربة مفاجئة ليقول بصوت خافت:لا لا مستحيل
تابع البحث حتى مرّت دقائق طويلة ،ثم عشر دقائق أخرى...ثم أكثر حتى مضت قرابة نصف ساعة وهو يدور في الشوارع القريبة من الفندق،يسأل بعينيه كل زاوية ويلتفت إلى كل شخص يشبهها من بعيد.
وحين بدأ الخوف يتحول إلى عجز حقيقي،لمحها أخيرًا كانت تجلس وحدها على أحد المقاعد الممتدة بجوار الطريق،توقف مكانه وخرج نفس طويل من صدره لم يشعر أنه كان يحبسه.
ظل واقفًا للحظات يراقبها،ويتأكد أنها بخير ثم تحرك نحوها بخطوات بطئية.
لم تلتفت إليه إلا بعدما جلس إلى جوارها،نظرت إليه باستغراب أما هو فظل ينظر أمامه وقال:مشيتي ليه؟
أجابت بهدوء:عادي...كنت مخنوقة شوية فخرجت أشم هوا
ظل صامتًا لحظات،ثم قال:تعرفي...أنا بقالي نص ساعة بدور عليكِ
التفت إليها،كانت عيناه تحملان شيئًا لم تستطع تجاهله وتابع:وكنت خايف عليكِ أوي
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهها لكنها لم تكن ابتسامة فرح:ما تقلقش...العهدة سليمة
لم يفهم في البداية حتى أكملت:وخرجت من المستشفى خلاص...ما بقيتش مضطر تشيل همها تاني لانك مش هتتحاسب عليها خلاص
ظل ينظر إليها،كانت تضحك لكن الضحكة لم تصل على عينيها،فقال:بس أنا ما فكرتش كده
صمت قليلًا ثم أكمل:أنا فعلًا خوفت عليكِ.
نظرت إليه مباشرةً وسألته:وخوفت عليا ليه!
هز كتفه وبدا عليه أنه يبحث عن إجابة صادقة:مش عارف والله
ثم أضاف بعد لحظة:بس اللي عارفه إني أول مرة أخاف على بنت غير أختي
خفضت فريدة عينيها،لكنها لم تسمح لكلماته أن تمحو ما بداخلها.
قالت بهدوء والحزن ظاهرًا حتى في نبرة صوتها:إنت بس اتعودت إنك تشيل مسؤولية مريضتك...عشان كده خوفت عليا
لم يجب،فوقفت فريدة وقالت:بس ما تقلقش...أنا بخير
استدارت لتعود إلى الفندق،لكنه أمسك يدها برفق:فريدة
أغمضت عينيها للحظة،ثم التفتت إليه:نعم
وقف أمامها وقال:عايز أطلب منك طلب
هزت رأسها:اتفضل
قال بجدية:بلاش خروج لوحدك في أي مكان
تغيرت ملامحها وقالت:ليه!
اقترب خطوة و وضع يده على كتفها في حركة مطمئنة:عادي...اسمعي كلامي بس لو عزوز طلب منك تقابليه لوحدك ارفضي
نظرت إليه باستغراب:مش فاهمه ليه برضو
تردد آدم لحظة ثم قال:مش هقدر أقولك أي حاجه دلوقتي...لكن اللي أقدر أقوله إننا كلنا في خطر وما ينفعش حد يخرج لوحده
هزت رأسها ببطء وقالت:تمام...عن إذنك
أمسك يدها مرة أخرى قبل أن تتحرك وقال:أنا مش عارف إنتِ زعلانة من ايه...بس لو كنت سبب زعلك،فأنا أسف
ابتسمت ابتسامتها الهادئة وقالت:هزعل منك ليه يا دكتور! ده إنت حتى أنقذت حياتي وأهتميت بيا...أنا المفروض أشكرك مش أزعل منك
نظر إليها وقال:فريدة..بلاش الطريقة دي إحنا صحاب،فبلاش التعامل برسميات
هزت رأسها:إن شاء الله
ثم ابتسمت وقالت:تصبح على خير
ابتعدت عنه،أما آدم فظل يراقبها حتى ابتعدت خطوات ثم استدار عائدًا نحو الفندق لكنه توقف فجأة حين سمع صوت عزوز يأتي من آخر الشارع،ثم وقف بالقرب من فريدة.
راقبهما آدم من بعيد،ثم لاحظ أن عزوز يتحدث معها، تحرك بسرعة نحوهما حتى وصل إليهما وقال:إزيك يا د/عزوز
التفت عزوز إليه وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة:أهلا يا د/آدم...ايه الاخبار
وقف آدم إلى جوار فريدة وقال بهدوء:كله تمام...في حاجه ولا ايه؟
نظرت فريدة إليه باستغراب فلم تفهم سبب ظهوره المفاجئ،أما عزوز فقال بهدوء:لا مفيش...انا بس كنت جاي أبلغ كابتن فريدة إن الطيارة وصلت المطار،وتقدر بكره تشوفها وتتأكد بنفسها إنها نفس الطيارة
نظرت فريدة إليه وقالت بجدية:تمام هكون موجودة في المطار الساعة 10 الصبح أنا وماجد
هز عزوز رأسه وقال:تمام...تصبحوا على خير
ثم انصرف بهدوء واختفى في الطريق،أما آدم فظل يتابعه بعينيه حتى ابتعد.
التفتت فريدة إليه وسألته:إنت ظهرت فجأة ليه!
قال آدم ببساطة:عادي...قبل ما انسى أنا جاي معاكم بكره
رفعت حاجبها:في ايه يا دكتور مش إنت عندك مستشفى بكره برضو!
-أيوة
ثم ابتسم وقال:بس عادي هتأخر شوية...مش عايزاني أشوفك وإنتِ بتسوقي ولا ايه!
نظرت إليه للحظة،ثم تحركت وهي تقول:براحتك
تابعها آدم بعينيه وهي تبتعد،لم يكن يعرف إن كان ذهابه معها في اليوم التالي سببه الشك الذي يزداد بداخله...أم الخوف الذي لم يعد يستطيع إنكاره.
كان الصباح قد بدأ يفرض ضوءه على المدينة حين نزل آدم إلى بهو الفندق،ما إن خرج من الباب حتى وقعت عيناه على فريدة وماجد وهما يبتعدان باتجاه السيارة.
توقف للحظة،ثم ناداهما بصوت مرتفع:فريدة...ماجد
التفت الاثنان فأسرع آدم نحوهما،ثم نظر إلى فريدة تحديدًا وقال بنبرة تحمل شيئًا من العتاب:مش أنا قولت لك امبارح إني جاي معاكم! معقول كنتِ هتمشي وتسيبيني؟
نظرت إليه فريدة ببرود واضح،وقالت ببساطة:نسيت
ظل ينظر إليها لثانية وكأنه لم يجد ردًا مناسبًا على تلك الإجابة،أما ماجد فسأله:إنت جاي معانا ليه!
أجاب آدم:عايز أشوفكم وإنتوا بتسوقوا الطيارة
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه ماجد وقال:إنت ناوي تسيب الطب وتشتغل معانا ولا ايه يا دكتور
ضحك آدم وقال مازحًا:ممكن...ليه لا!
ربت ماجد على كتفه وهو يضحك:هتنور الدنيا كلها يا دكتور والله
التفت آدم إلى فريدة،ثم قال وهو يبتسم:متشكر يا ماجد...بس واضح إن في حد مش هيتقبلني ولا ايه!
نظرت إليه فريدة للحظة،ثم قالت دون أن يتغير وجهها:أنا هستناكم في العربية
استدارت وغادرت الفندق،تابعها ماجد بعينيه وكان على وشك أن يلحق بها قبل أن تمسك يد آدم بذراعه:هي مالها؟
التفت إليه ماجد ببطء:إنت بجد مش عارف!
هز رأسه نافيًا:لا..هو ايه اللي بيحصل؟
وضع ماجد يده علي كتفه وحدق فيه بنظرة تجمع بين الاستغراب والشفقة الساخرة:متأكد إنك دكتور وجايب 99٪ وكده! ولا إنت داخلها واسطة ولا ايه دنيتك؟
قطب آدم حاجبيه وقال:في ايه يا ابني!
تنهد ماجد ثم قال:أصل مش طبيعي الغباء ده يا دكتور...ده المجموعة كلها خدت بالها إلا إنت
-خدوا بالهم من ايه بقى؟
هز ماجد رأسه باستغراب وقال:مش بقول غبي
ثم تركه وغادر،لحق آدم به وهو يقول:خد تعالى بس فهمني
بعد وقت قصير كانت السيارة تتوقف أمام المطار،ترجل الثلاثة للداخل فوجدوا الطبيب عزوز في انتظارهم،كان واقفًا إلى جوار إحدى الطائرات ينظر إلى ساعته بين لحظة وأخرى وما إن لمح فريدة حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة وقال:في معادك بالظبط يا كابتن
لم تلتفت فريدة إلى مجاملته،واكتفت بالسؤال:الطيارة فين؟
أشار عزوز إلى طائرة إيرباص بيضاء على مسافة قريبة وقال:اتفضلي
تحركت فريدة نحوها بخطوات ثابتة،كان المكان هادئًا نسبيًا لا يقطعه سوى أصوات المعدات والعاملين المتحركة حول الطائرة.
مع كل خطوة كانت ملامح فريدة تتغير،اختفت ملامح الفتاة التي كانت تجلس معهم بالأمس في الفندق وحل مكانها تركيز مهني صارم.
اقتربت من الطائرة و وقفت أمام مقدمتها للحظات ثم بدأت تدور حولها ببطء.
كانت عيناها تنتقلان من جزء إلى آخر،تتوقفان عند التفاصيل الصغيرة وتعودان أحيانًا إلى أجزاء مرت بها قبل ثوانٍ وكأنها تعيد التأكد منها مرة أخرى،توقفت تحت أحد الأجنحة.
مدت يدها ولمست سطحه،ثم انحنت قليلًا تتفحص الوصلات والهيكل السفلي قبل أن تنتقل إلى المحرك،أما آدم فكان يراقبها من بعيد لم يكن يفهم ما تفعله في أغلب الوقت لكنه استطاع ان يرى شيئًا واحدًا بوضوح؛ فريدة لم تكن تنظر إلى الطائرة كما ينظر شخص إلى آلة،بل تتعامل معها كما لو أنها تقرأ لغة تعرفها وحدها.
وخز آدم كتف ماجد وقال:مش هسيبك غير لما تقولي
نظر إليه ماجد وسأله:أقولك ايه؟
-اللي كنا بنتكلم فيه قبل ما نيجي
أشار ماجد إلى فريدة وقال محاولًا تغيير الحوار:بص على الخبرة بقى وهي بتفحص الطيارة
ثم تحرك نحوها وأكمل:وأنا هروح أساعدها
ظل آدم مكانه يراقبه قبل أن يعود ببصره إلى فريدة،أما عزوز فقال:بتعمل ايه هنا مش عندك شغل في المستشفى!؟
-واخد إذن من مدير المستشفى،ثم إن حضرتك نسيت يا دكتور إني مش موظف فيها أنا متطوع يعني أقدر أروح في أي وقت
لم يستطع عزوز الرد عليه،أما ماجد فقد وصل إلى فريدة وقال:تحبي أفحصها من جوه؟
التفتت إليه وضحكت:بلاش إنت....كفاية مرة
رفع ماجد يديه مستسلمًا وهو يضحك:ما تقلقيش هركز المرة دي
هزت رأسها وقالت بعملية:مش دلوقتي..خلينا نركز على هيكل الطيارة من بره
بدأ الاثنان العمل معًا،كانت فريدة تتقدم خطوة ويتبعها ماجد،ثم تتوقف عند جزء معين فتفحصه بعناية بينما يكرر ماجد الفحص خلفها.
لم تكن تتعجل،ولم تترك تفصيلة لمجرد أنها تبدو سليمة من النظرة الأولى،وبعد أن انتهيا من الفحص الخارجي صعدا داخل الطائرة.
دخلت فريدة أولًا وتبعها ماجد،تجوّلا داخلها وفحصا المقاعد،والممرات،والأبواب، والمعدات ثم انتقلا إلى قمرة القيادة.
كانت تتعامل مع كل جزء بجدية كاملة،تتفحص المؤشرات والأجهزة وتعيد النظر في بعضها أكثر من مرة،بينما ظل آدم واقفًا خارج الطائرة يتابع من بعيد.
وبعد وقت خرجت فريدة ومعها ماجد ونظرت إلى عزوز وقالت:الفحص المبدئي بيقول إن كله تمام
سألها:طيب جاهزة للاختبارات؟
أومأت:أيوة
أشار عزوز إلى الطائرة:تقدري تتفضلي...الطيارة تحت أمرك
أخذت فريدة المفتاح،كان ماجد قد تحرك معها لكنها أوقفته:أنا هختبرها
نظر إليها باستغراب:تمام هاجي معاكِ
-خليك إنت
_يا فريدة...
قاطعته بهدوء:أنا مش هعرض حياتك للخطر،لو لا قدر الله حصلت لي مشكلة يبقى حد مننا جاهز يوصلهم
ظل ماجد ينظر إليها،ثم أدرك أنها اتخذت قرارها بالفعل فهز رأسه وقال:ماشي
نظر له آدم بذهول وقال:ماشي ايه...إنت هتسيبها لوحدها؟ إنت نسيت إنها كانت مصابة! لو اتصابت تاني رجليها هتتأثر وممكن يحصلها شلل
خفض ماجد رأسه وقال بأسى:يا آدم فريدة عنيدة...مش هتسمع من حد وهتنفذ اللي في دماغها
رآى فريدة تصعد درجات الطائرة ودخلت قمرة القيادة،ثم أغلقت الباب خلفها فقال وهو يشير إليها:دي هتطير بيها...يعني ايه هتنفذ اللي في دماغها،ما تأخد على دماغها النشفة دي طالما مش بتفكر في نفسها
وقف ماجد إلى جوار آدم وقال بثقة:فريدة متمكنة يا آدم مش هيحصلها حاجه إن شاء الله
ساد الصمت وبعد لحظات بدأ صوت المحركات يتعالى تدريجيًا،تغير وجه آدم وهو يتابع الطائرة التي تتحرك ببطء على المدرج،ثم ازدادت سرعتها شيئًا فشيئًا.
تراجعوا عدة خطوات إلى الخلف وظل يراقبها آدم حتى بدأت العجلات في الانفصال عن الأرض وارتفعت الطائرة.
للحظات الأولى بدا كل شيء طبيعيًا،ثم بدأت فريدة في اختبار قدرتها على التحكم بها،صعدت بالطائرة ثم خفضتها وانحرفت بها في مسار دائري حول المطار،قبل أن تعود مرة أخرى إلى الإرتفاع وآدم يتابع كل حركة بعينين متسعتين.
ثم حدثت الحركة التي جعلته يتراجع خطوة دون أن يشعر،مالت الطائرة بحدة في الهواء حتى بدت لوهلة أن السماء انقلبت تحتها وأصبح رأس الطائرة إلى الأسفل قبل أن تعود فريدة لتعدل وضعها.
قال آدم بقلق:هي بتعمل ايه؟
ضحك ماجد:ما تقلقش ده طبيعي
ظل آدم ينظر إليه بعدم تصديق:طبيعي بجد؟
-يا ابني اهدى بقى...فريدة عندها خبرة في التحكم بالطيارة
لكن آدم لم يهدأ تمامًا،بل ظل يتابعها بعينين لا تفارقان الطائرة على الرغم من أن فريدة تتحكم بها بثبات واضح أمام عينيه،وتنتقل بين الارتفاع والانخفاض والالتفاف،ثم تعود تدريجيًا إلى مسار الهبوط.
مع اقترابها من المدرج خفت سرعة الطائرة واستقرت عجلاتها على الأرض في هبوط هادئ،ثم تحركت حتى توقفت في مكانها.
انطفأت المحركات وبعد دقائق فُتح باب قمرة القيادة وظهرت فريدة التي تنزل على درجات الطائرة بخطوات ثابتة وكأنها لم تكن قبل دقائق تحلق بها في المساء وتختبر كل إمكاناتها.
أما آدم فظل واقفًا ينظر إليها، كانت المرة الأولى التي يراها فيها بهذه الصورة.
لم يرَ المريضة التي أمضى وقتًا طويلًا يطمئن عليها،ولا الفتاة التي جلست إلى جواره فوق الجبل تتحدث عن حياتها،ولا الصديقة التي غضبت منه لأنه تجاهلها،كان أمامه الآن شخصٌ آخر تمامًا.
كابتن تقف أمام طائرتها بثقة هادئة،وقد بدت كل حركة قامت بها في الجو امتدادًا طبيعيًا لخبرة طويلة لا تحتاج إلى استعراض.
اقتربت فريدة منهم وقالت مبتسمة لماجد:ها ايه رأيك؟
ابتسم ماجد ابتسامته اللطيفة الهادئة وقال:شهادتي فيكِ مجروحة يا كابتن
ابتسمت فريدة أما آدم فقال بذهول وهو ينظر إليها:واضح إني كنت فاهم شغلك غلط
رفعت حاجبها وسألته بفضول:كنت فاهمه إزاي؟
ابتسم آدم:إنك بتسوقي الطيارة وبس
ضحك ماجد،أما فريدة فاكتفت بإبتسامة صغيرة قبل أن تنظر إلى الطائرة خلفها وقالت بهدوء:الطيران مش مجرد سواقة بس يا دكتور
وظلت عينا آدم معلقتين بها للحظات وكأن الجملة وحدها لم تكن كافية ليصف بها ما رآه للتو.
وقف عزوز إلى جوارهم وعيناه لا تزالان معلقتين بالطائرة التي استقرت على أرض المطار،ثم التفت إلى فريدة وقال:كده كله تمام يا كابتن؟
هزت رأسها بثقة هادئة:كله تمام...بس محتاجين نختبرها مرة كمان، وبعد كده نجرب نسافر بيها حتى لو لمدينة تانية ولو اتأكدنا إن كل حاجه تمام نقدر نسافر بيها مصر
هز عزوز رأسه موافقًا:تمام مفيش مشكلة...هي موجودة هنا في أي وقت
التفتت فريدة إلى ماجد فأدرك ما تريد قوله قبل أن تتحدث،فقال:فكره إن شاء الله هكون موجود عشان أختبرها،ولو كله تمام أنا وفريدة هنحدد يوم وننسق معاكم عشان نسافر بيها لمدينة تانية
-تمام متفقين
صافحه ماجد،ثم صافحته فريدة وآدم وغادر الثلاثة المطار.
داخل السيارة جلست فريدة إلى جوار النافذة،وأسندت رأسها قليلًا إلى المقعد بينما كانت عيناها تتبعان الطريق الممتد أمامها،أما آدم فيجلس في الخلف وقد بدا أكثر هدوءًا بعد الساعات الطويلة التي قضاها في المطار وقال:ممكن توصلنا المستشفى!
نظر ماجد إلى السائق من خلال المرآة وقال:وصله المستشفى..وبعدين رجعنا الفندق
-لا معلش يا ماجد...إنتوا هتفضلوا معانا طول اليوم
التفتت إليه باستغراب،أما ماجد فقال:ليه؟
تدخل آدم بهدوء:كلنا موجودين في المستشفى...معلش بقى اتحملوني الفترة دي
ظل ماجد ينظر إليه لحظات وكأن الإجابة لم تقنعه تمامًا:طب هتفهمني في ايه ولا هتخبي عليا؟
ابتسم آدم ابتسامة قصيرة:مش بخبي والله...بس أنا هبقى مطمن عليكم وإنتوا معانا في المستشفى
تبادل ماجد وفريدة نظرة سريعة،ثم هز ماجد رأسه وقال:ماشي...ودينا المستشفى لو سمحت
هز السائق رأسه واستمرت السيارة في طريقها للمستشفى.
بعد نحو نصف ساعة توقفت السيارة أمام المستشفى،نزل الثلاثة منها وما إن دخل آدم من الباب الرئيسي حتى جاءه مصطفى مسرعًا وقد بدا عليه التوتر.
فقال آدم بنبرة مليئة بالتوتر:في ايه؟
أمسكه مصطفى من ذراعه وقال بلهفة:محتاجينك في العمليات دلوقتي حالًا
لم يحتج آدم إلى مزيد من الشرح،أسرع في اتجاه غرف تبديل الملابس وهو يقول:خليك مع ماجد وفريدة ودخلهم يقعدوا مع الباقيين
رد مصطفى بصوت مرتفع حتى يسمعه آدم:تمام
اختفى آدم خلف باب الجناح، و وقفت فريدة تنظر إلى المكان الذي اختفى فيه ثم التفتت إلى مصطفى:هو في ايه؟
أجابها مصطفى وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه:طفل...طفل محتاج عملية في أسرع وقت،حالته مش مستقرة وكنا بندور على آدم والحمد لله وصل في الوقت المناسب
سكتت فريدة لحظة،ثم سألت:هو إحنا ممكن نستنى قدام اوضة العمليات؟
أومأ مصطفى:ممكن طبعًا
قادهم إلى الممر المؤدي إلى غرف العمليات وهناك جلس الثلاثة على المقاعد المخصصة للانتظار،لم تمضِ سوى دقائق حتى ظهر آدم من جديد،لكن هذه المرة لم يكن آدم الذي اعتادت فريدة رؤيته.
كان يرتدي ملابس العمليات،و وجهه خالٍ من أي تعابير زائدة وخطواته سريعة وحاسمة،مر من أمامهم دون أن يلتفت إليهم تابعته فريدة بعينيها حتى اختفى خلف باب غرفة العمليات.
في غرفة التعقيم وقف أمام المغسلة المعدنية،انهمر الماء فوق يديه بينما راحت عيناه ثابتتين أمامه.
غسل يديه بعناية ثم بدأ التعقيم وفق الخطوات المعتادة،دون استعجال رغم ضيق الوقت،كان صوت الماء هو الصوت الوحيد تقريبًا في المكان.
بعد دقائق ارتدى القفازات بمساعدة الفريق المحيط به،ثم دخل غرفة العمليات.
كانت الأضواء البيضاء مسلطة على جسد الطفل الصغير المستلقي تحتها،بينما تحرك الفريق من حوله في تناغم سريع ومدروس.
اقترب آدم من طاولة العمليات وقال بالإنجليزية:What's the patient's condition
بدأ الطبيب المساعد الصربي يشرح له الحالة مشيرًا إلى نتائج الفحوصات والصور الطبية،استمع آدم دون أن يقاطعه وحين انتهى نظر إلى الشاشة،ثم إلى الطفل وقال:We start now
تحرك الفريق،لم تكن العملية بسيطة فقد كان الطفل يحتاج إلى جراحة قلب مفتوح،وكانت حالته غير مستقرة لذلك بدا كل قرار داخل الغرفة محسوبًا بدقة.
توالت الدقائق طلب خلالها آدم الأدوات،وتابع المؤشرات واستمع إلى طبيب التخدير وهو يبلغه بالتغيرات التي تطرأ على حالة الطفل
- Blood pressure is dropping
رفع آدم عينيه إلى الشاشة:Keep me updated.
عاد إلى موضعه واستمرت الجراحة.كان الفريق يعمل كجسد واحد؛ كل فرد يعرف دوره وكل ثانية تمر كانت تفرض عليهم مزيدًا من الدقة.
حاول آدم أن يتعامل مع الأمر كما يتعامل مع كل عملية؛تركيز كامل،وهدوء وعدم السماح للخوف بأن يتسلل إلى يديه،لكن حالة هذا الطفل لم تكن تمنحهم الكثير.
مرت ساعتان من العملية ليأتي التنبيه الذي لم يرغب أحد ف سماعه.
بدأت المؤشرات تتغير،وتسارعت الحركة داخل الغرفة،رفع آدم عينيه إلى الشاشة،ثم عاد إلى الطفل وقال:Come on
بدأ الفريق محاولات الإنقاذ،دقائق مرت لكن المؤشرات استمرت في التراجع.
ظل آدم يعمل حتى اللحظة الأخيرة،وحين توقف كل شيء بقي واقفًا في مكانه لثوانٍ ينظر إلى الطفل الصغير أمامه،ثم خفض عينيه.
لم يكن هناك ما يمكن فعله أكثر،قال الطبيب المساعد بصوت خافت:Time of death
أكمل الوقت وآدم مازال صامتًا،ثم ابتعد خطوة عن الطاولة.
نزع قفازيه ببطء وأسقطهما في المكان المخصص،ثم غادر غرفة العمليات ليرفع مصطفى رأسه فور ظهور آدم،وقف بسرعة وقال:ايه الأخبار؟
لم يتوقف آدم ولم يجب أيضًا،كل ما فعله أنه مر من أمامه وكأنه لم يسمع السؤال واستمر في السير.
نظرت فريدة إلى مصطفى،ثم عادت عينيها إلى آدم كان واضحًا من خطواته أنه لم يكن يريد التحدث،فقالت:ما بيردش ليه؟
تنهد مصطفى فهو يعرف آدم منذ سنوات،ويعرف جيدًا تلك الحالة التي تأتيه بعد أن يخسر مريضًا،تحديدًا إن كان طفلًا،قال بهدوء:واضح كده إن الطفل فقد حياته
ظلت فريدة صامتة تتابع بعينيها الممر الذي اختفى فيه آدم،لم يكن في وجهه انهيار ولا دموع ولا حتى صراخ،لكن شيئًا في مشيته كان كافيًا ليخبرها أن ما حدث ترك داخله ثقلًا لا يظهر بسهولة.
أكمل مصطفى:دي حالة آدم لما ما بيقدرش ينقذ حياة حد
بقيت فريدة مكانها حاولت أن تقنع نفسها بأن الأمر لا يعنيها، قالت لنفسها :أنا مالي! هو حر...زعلان، مش زعلان دي حاجه تخصه
لكن عينيها ظلتا معلقتين بالممر،كانت تعرف أن آدم لم يكن حزينًا لأنه فشل في عملية فحسب،بل غاضبًا من نفسه لأنه لم يستطع أن يمنح طفلًا فرصة أخرى للحياة.
ظلت ساكنة للحظات،ثم نهضت.
نظر إليها ماجد وسالها:رايحة فين؟
لم تجبه فورًا بل نظرت مرة أخرى إلى الممر الطويل الذي ابتلع آدم،ثم قالت بهدوء:جاية تاني
وسارت في الاتجاه نفسه،لم تكن تعرف ماذا ستقول له ولا حتى تعرف لماذا قررت أن تبحث عنه،لكنها كانت تعرف أنها لم تستطع أن تتركه وحده وهو في تلك الحالة.
وكما بحث عنها يومًا حين اختفت عنه وسط شوارع المدينة....وجدت نفسها الآن تسير في الطريق نفسه تبحث عنه.
لم تجده فريدة في الجناح الطبي،سألت عنه أحد الممرضين فأخبرها أنه خرج منذ فترة قصيرة،بحثت عنه في غرفة الاستراحة فلم تجده.
مرّت على الممرات التي اعتاد الأطباء التجمع فيها،وعلى الساحة الصغيرة خلف المبنى وحتى عند مدخل المستشفى لكنها لم تلمح له أثرًا.
كلما ابتعدت أكثر بدأت تشعر بشيء من القلق يتسلل إليها،لم تكن تعرف لماذا يهمها أن تجده إلى هذا الحد،ربما لأنها لم تحتمل أن تتركه وحيدًا بعد ما حدث،وربما لأنها تذكرت كم المرات التي وجدها هو حين كانت تحتاج إلى وجود شخص بجوارها دون أن تطلب.
واصلت البحث حتى صعدت إلى الطابق الأخير من. أحد مباني المستشفى،دفعت الباب المؤدي إلى السطح فاستقبلها الهواء البارد دفعة واحدة.
توقفت عند المدخل كان السطح شبه خالٍ ولم يكن فيه سوى بعض المعدات القديمة وخزانات المياه،بينما امتد أمامها منظر المدينة من أعلى تتناثر أضواؤها تحت السماء الممتدة بلا نهاية...ثم رأته جالسًا عند حافة السطح،ممدد الساقين أمامه في فراغ يبدو مخيفًا من الأسفل،وعيناه معلقتان بالمدينة.
لم تنادِه بل اقتربت منه بهدوء وجلست إلى جواره تاركة بينهما مسافة صغيرة.
مرّت دقائق دون أن يتحدث أي منهما،كان الهواء يمر بينهما ويحرك خصلات شعرها بينما ظل آدم على حاله،ساكنًا كأن وجودها إلى جواره لم يغير شيئًا،لكن بعد قليل التفت إليها وسألها:جيتِ هنا إزاي؟
رفعت فريدة إصبعها أمام فمها وقالت هامسة:ششش...خلينا نستمتع بالمنظر ده
ظل ينظر إليها،لم تفهم سبب نظراته في البداية حتى التفتت إليه وقالت:بتبص لي كده ليه؟
أعاد بصره إلى الأمام وقال:جيتِ ورايا ليه؟
أشارت فريدة إلى مبنى يقع أمام المستشفى وعلى واجهته لوحة إعلانية ضخمة:الإعلان ده حلو أوي
نظر إلى الإعلان،ثم عاد إليها:والله!
هزت رأسها بإبتسامة:آه والله...المكان ده مش بيفكرك بحاجه؟
-لا...بيفكرني بأيه؟
ابتسمت وهي تنظر إلى المدينة:بيوم الجبل...كنا شايفين المدينة كلها من فوق زي دلوقتي
ساد الصمت لحظة،ثم هز رأسه:معاكِ حق
أراحت فريدة كفيها خلفها وظلت تتأمل الشوارع البعيدة،ثم نظرت إلى الأسفل وقالت:هو أنا لو وقعت من هنا...تفتكر هفضل عايشة؟
التفت آدم إليها بسرعة واختفت السكينة من ملامحه في لحظة:إنتِ مجنونة! ايه السؤال ده؟
ضحكت فريدة ثم نهضت و وقفت على السور وهي تقول:ايه يا دكتور اهدى...أنا بسأل بس
نهض آدم فورًا تقدم نحوها وأمسك يدها،ثم جذبها بعيدًا عن الحافة:بتعملي ايه! بطلي جنان بقى
ابتسمت وهي تنظر إليه:ما تقلقش...أكيد مش هنتحر يعني،الفكرة كلها إني بحب الأماكن المرتفعة وبحب أقعد فيها
-يلا ننزل يا فريدة
سحبت يدها من يده وعادت إلى مكانها،ثم أمسكت بذراعه وجذبته ليجلس جوارها:اقعد بس...الجو جميل
تردد قليلًا لكنه في النهاية جلس وعاد الهدوء بينهما،إلا أن ابتسامة فريدة بدأت تختفي تدريجيًا وحل محلها شرود هادئ:عارف يا آدم...والدي كابتن يحيى نور الدين،كان طيار مشهور مش عارفة سمعت عنه ولا لا
نظر إليها وقال:أكيد سمعت عنه...بس أول مرة أعرف إنك بنته
ابتسمت ابتسامة صغيرة ثم سألته:عارف بقى والدي توفى إزاي؟
هز رأسه نافيًا
-توفى بسكتة قلبية
صمتت لحظة وكأنها تستعيد المشهد في ذاكرتها:رغم إنه مر بحوادث طيران كتير جدًا لكن سبحان الله كل مرة كانت بتعدي...ورغم إنه كان رياضي ومش بيعاني من أي مشكلة صحية إلا إنه توفى بسكتة قلبية
نظر إليها آدم في صمت،فقالت:عارف بقولك ده ليه؟
-ليه؟
_عشان ما تحملش نفسك ذنب إنت ما عملتوش
تنفس آدم ببطء،كانت عيناه قد عادتا إلى المدينة:كنت بتمنى العملية تنجح ويرجع يعيش سنه
-ده أمر الله يا آدم...وخلاص ده عمره إنت مالكش ذنب،هو في حد يقدر يقول لقضاء الله لا؟
هز رأسه وقال:مستحيل
ثم سكت قليلًا قبل أن يتابع:بس كان عندي أمل بسيط إنه يعيش
خفض عينيه وقال:كان نفسي طفل من جنسيتي يقدر يعيش حياته الجديدة في بلده...مش في بلد غريبة عنه،كنت بتمنى يرجع معانا مصر ويشوف أهله وناسه والبلد اللي يمكن ما شافهاش غير في شوية صور...كنت عايزهُ يشوف الحلو اللي فينا
وضعت فريدة يدها على كتفه:بس هو أكيد في مكان أحسن دلوقتي
رفع عينيه إليها فتابعت بهدوء:أحسن من مصر،ومن صربيا ومن العالم كله...هو بين إيدين الرحمن أحن مني ومنك ومن العالم المؤذي ده
ظل ينظر إليها وببطء بدأت ابتسامة صغيرة ترسم طريقها إلى وجهه:متشكر يا فريدة
ضحكت وهي تنظر أمامها:على ايه بس
-على إنك خففتي عني حزني
ثم ابتسم ابتسامة أكثر دفئًا:إنتِ ربنا بعتك ليا في الوقت المناسب عشان تهوني عليا حِمل بشيله كل مرة بفقد فيها حياة إنسان
التفتت إليه وقالت:إنت نقي أوي يا آدم...في زمن النقاء بقى شيء نادر
نظر إليها لحظة،ثم قال بنبرة مازحة:وبعدين بقى في اللي عايزة تخطف قلبي دي
رفعت فريدة يديها في الهواء ببراءة مصطنعة:أنا بريئة يا باشا
ضحك آدم وعاد ينظر إليها وقال بصدق:يا بخت اللي إنتِ في حياته...دلوقتي عرفت رانيا متمسكة بيكِ ليه
توقفت فريدة عن الضحك فقد كان وقع الجملة عليها أكبر مما توقع،لم تكن مجرد مجاملة بالنسبة إليها.
كانت المرة الأولى التي تسمع فيها من آدم شيئًا عن شخصيتها هي،بعيدًا عن كونها الكابتن التي أنقذتهم أو المريضة التي كان مسؤولًا عن علاجها،شعرت بدفء خفيف يستقر في قلبها فحاولت أن تخفيه بإبتسامة وهي تنهض:مقبولة منك المجاملة دي
نهض آدم هو الآخر وقال بنبرة هادئة:مش مجاملة...ده كلام طالع من قلبي
ابتسمت وهي تتجه ناحية الباب:طب ايه! مش هننزل للناس اللي تحت دي
هز رأسه وقال:هننزل حالًا
خطت فريدة خطوة لكنه أمسك يدها،توقفت والتفتت إليه حين قال:فريدة
سحبت يدها برفق وقالت:نعم
ظل ينظر إليها لحظات،كانت في عينيه نظرة مختلفة تحمل شيئًا لم تستطع تفسيره،لكنه لم يمنحها فرصة لتفهمها قال:ممكن أسألك سؤال؟
هزت رأسها:طبعًا...اتفضل
فتح فمه ليقول شيئًا،لكن عينيه انحرفتا فجأة إلى المبنى المقابل وحينها تغير وجهه لم تفهم فريدة ما حدث فقالت:في ايه؟
لم يجب،كانت عيناه ثابتتين على المبنى المرتفع قليلًا عن مستوى السطح،هناك خلف أحد الحواجز الخرسانية لمح شيئًا لم يستغرق أكثر من جزء من الثانية كي يفهمه.
بريق معدني،ثم فوهة سلاح موجهة مباشرةً إليها، اتسعت عيناه.
لم يفكر...لم يكن هناك وقت للتفكير عامةً فقد اندفع نحوها،أما فريدة لم تفهم لماذا تحرك نحوها فجأة ولماذا تغير وجهه إلى ذلك الحد.
وفي اللحظة التالية أحاطها بذراعيه وأدار جسده أمامها بحركة خاطفة حينها انفجر صوت الطلقة في سماء السطح.
صوت واحد...لكنه بدا لفريدة كأنه شق العالم كله إلى نصفين،تجمدت في مكانها ولم تسمع شيئًا بعدها.
لا الرياح،ولا السيارات في الشوارع البعيدة،ولا ضجيج المستشفى ولا حتى صوت أنفاسها فقط رأت آدم أمامها،رأته يتوقف فجأة،رأته يترنح خطوة ثم وضع يده على ظهره دون أن يفهم ما حدث.
نظر إلى يده كانت ملوثة بالدماء.
رفع عينيه إليها وللمرة الأولى منذ عرفته لم تجد في وجهه ذلك الاتزان الذي اعتادت عليه فقد كان الألم واضحًا،حقيقيًا وقاسيًا.
-آدم...
خرج اسمه من فمها هامسًا وكأن عقلها لم يستوعب بعد ما رأته،حاول آدم أن يظل واقفًا،حاول أن يستجمع جسده الذي خانه فجأة لكن ساقيه لم تساعداه.
ترنح مرة أخرى ثم هوى إلى الأرض،صرخت فريدة واندفعت نحوه وركعت بجواره ومدت يديها لتسنده:آدم
كانت ملابسه قد بدأت تتشبع بالدم عند ظهره،واللون الأحمر ينتشر أمام عينيها بسرعة جعلتها عاجزة عن استيعاب حجمه.
توقفت للحظة،نظرت إلى يديها كان الدم غطى كفيها،ارتجفت أصابعها ورفعت عينيها إليه وبدأ الخوف يظهر في وجهها، ذلك الخوف الذي لم تعرفه حين كانت هي المصابة فقد كان موجودًا،يقف إلى جوارها،يطمئنها،يمسك بيدها ويخبرها أن كل شيء سيكون بخير.
أما الآن....فهو أمامها وهي لا تعرف ماذا تفعل.
قالت ببكاء:آدم...آدم بص لي
فتح عينيه بصعوبة،كانت الرؤية أمامه قد بدأت تضطرب،اقتربت منه أكثر وأسندت رأسه إلى ساقيها،ثم أمسكت وجهه بين كفيها المرتجفتين:بص لي يا آدم...عشان خاطري
لم يجب فقالت:ما تغمضش عينك...سامعني؟ خليك مفتح
كانت دموعها تنزل فوق وجهها دون توقف،لكنها لم تشعر بها،كل ما كانت تشعر به هو الدم بين أصابعها والموجود على ملابسها وملابسه،وحرارة جسده التي بدأت تخيفها أكثر من الدم نفسه.
-إنت كويس....صح؟
لم تستطع أن تجعل صوتها يبدو مطمئنًا حتى وهي تحاول،تابعت:قول إنك كويس
فتح آدم عينيه أكثر قليلًا،لم يكن قادرًا على الكلام لكن عينيه اتجهتا إليها،إليها وحدها.
كانت ملامحها تهتز أمامه،مرة يراها بوضوح ومرة تتداخل صورتها أمام عينيه،كأن العالم كله بدأ يبتعد عنه ببطء.
شدت أصابعها حول وجهه وهي تتوسل إليه:آدم بص لي
ظل ينظر إليها أما هي فكانت تبكي وتناديه محاولةً أن تبقى عينيه مفتوحتين بكل ما تملك من خوف.
أما هو فلم يعد يسمع الكلمات كاملة بل تصل إليه متقطعة......بعيدة.
لكن شيئًا واحدًا ظل واضحًا أمامه..وجهها،ذلك الوجه الذي قضى ساعات طويلة يراه أمامه دون أن يعرف لماذا وجودها يترك أثرًا مختلفًا في يومه.
والآن وهو عاجز عن الحركة،لم يبحث بعينيه عن أحد،لم يبحث عن طبيب،ولا عن مساعدة ولا حتى عن المكان الذي جاءت منه الرصاصة بل بحث عنها هي.
كان آخر ما أراد أن يراه قبل أن يغلبه جسده...وجه فريدة.
وبعد ثوانٍ بدأت الصورة تضيق أمام عينيه،تلاشت المدينة،واختفت حواف السطح،وأصبح صوتها أبعد...ثم أبعد.
-آدم....آدم سامعني!
حاول أن يبقى عينيه مفتوحتين،لكن الظلام كان أسرع،وفي اللحظة الأخيرة قبل أن تنطفئ الرؤية تمامًا بقي وجهها وحده في عينيه.
ثم ابتلع السواد كل شيء.
يُتبع...
التعليقات
0 تعليق