8%
لم تكن صدفة

حين تغيّر المسار

الفصل 2

بقلم: Nermeen Reda · 2026/09/16 20:32
الفصل 2 من 12 8%
الفصل 2 1 مشاهدة آخر تحديث: 2026/09/16 20:32
لم يكن الفجر قد أطلّ بعد حين غادرت فريدة منزلها. كانت السماء لا تزال غارقةً في زرقتها الداكنة،بينما أخذت المدينة تستعد ببطءٍ ليومٍ جديد لم يبدأ بعد. توقفت السيارة التي خُصصت لنقلها أمام البناية،فخرجت فريدة وهى تحمل حقيبتها ليأخذها السائق منها ويضعها في صندوق الأمتعة قبل أن تستقر في المقعد الخلفي. ألقى السائق عليها التحية فردّت بإبتسامة هادئة،ثم تحركت السيارة في الشارع. أسندت رأسها إلى المقعد وأدارت وجهها نحو النافذة،كانت الشوارع مختلفة في تلك الساعة. أقل ازدحامًا،وأكثر هدوءًا،كأن المدينة قد احتفظت لنفسها بساعاتٍ لا يشاركها فيها إلا القليلون. امتدت الطرق أمامها شبه خالية،وتتابعت أضواء المصابيح على جانبي الطريق،بينما كانت بعض المتاجر لا تزال معلقة تنتظر بداية النهار. ظلت تتأمل كل ما يمر أمامها بصمت. رغم رحلاتها الكثيرة والمدن التي هبطت فيها وعبرت شوارعها،ظل في قلبها حب تلك المدينة. تحب صخبها حين تمتلئ بالحياة،كما تحب هدوءها النادر في مثل تلك الساعات،تحب شوارعها المزدحمة،وضجيجها الذي قد يثير ضيقها أحيانًا،ثم تجد نفسها تفتقده كلما ابتعدت عنها. ابتسمت لنفسها وهى تتابع الطريق. ربما ترى مدنًا أجمل،وربما كانت تزور أماكن أكثر هدوءًا وتنظيمًا. لكنها في كل مرة كانت تعرف أن العودة إلى هنا لها شعور مختلف. رفعت عينيها نحو السماء التي بدأت ألوانها تتبدل ببطء وقالت في سرها أن الرحلة لن تطول. وفي الجانب الآخر من المدينة،كان آدم يقف خارج البناية التي يسكن فيها وقد وضع حقيبته إلى جواره. نظر إلى شاشة هاتفه للمرة التي لم يعد يعرف عددها ليرى رسالة مكتوب بها «السائق على بُعد دقيقتين» تنهد،ثم رفع عينيه إلى الطريق. مرت سيارة.. ثم أخرى.. فعاد إلى هاتفه ليرى رسالة أخرى «السائق على بُعد دقيقة واحدة» أعاد الهاتف إلى جيبه حين ظهرت سيارة في نهاية الشارع،فتأملها قليلًا قبل أن يضئ هاتفه من جديد معلن عن وصول السائق. اتجه نحو السيارة و وضع حقيبته في الخلف ثم جلس. لم يكن الناس قد استيقظوا بعد،جلس آدم في المقعد الخلفي يتابع الطريق بصمت،بينما كان ذهنه منشغلًا بما ينتظره في الساعات القادمة. مؤتمر... أطباء من تخصصات مختلفة.. رحلة إلى دولة أخرى.. ثم إن سمح الوقت لقاء شقيقته كانت خطة بسيطة،و واضحة. وصلت فريدة إلى المطار قبل الموعد بوقتٍ كافٍ. ما إن توقفت السيارة حتى ترجلت منها وأخرج السائق حقيبتها من صندوق الأمتعة،شكرته فريدة ثم أمسكت بمقبض الحقيبة واتجهت نحو بوابة الدخول. كان المطار قد بدأ يمتلئ بالمسافرين،واصطفت مجموعات منهم أمام نقاط التفتيش. وقفت فريدة للحظة،ثم عدّلت سترتها الرسمية،كان زيها أنيقًا يحمل شارة عملها بوضوح،أخرجت بطاقتها التعريفية ورفعتها أمام الموظف المسؤول. ألقى الرجل نظرة سريعة عليها ثم ابتسم:اتفضلي يا كابتن أومأت له فريدة شاكرة ومضت مباشرةً إلى الداخل. وبعد دقائق وصل آدم إلى المطار.ترجل من السيارة وسحب حقيبته خلفه قبل أن يدخل إلى المبنى. توقف أمام الطابور الطويل المخصص للتفتيش وأخذ مكانه بين المسافرين. تحرك الصف ببطء.. تقدم خطوة.. ثم أخرى. وبينما كان ينتظر دوره،كان في مكان آخر من المطار وعلى مسافة ليست بعيدة عنه،كانت قد وصلت فريدة إلى الداخل بالفعل. لم تلتفت خلفها. أما آدم فبقي في مكانه ينتظر دوره بصبر. وقفت فريدة أمام الطائرة وقد بدأت أشعة الصباح الأولى تنعكس فوق هيكلها الضخم. كان المطار قد استيقظ تمامًا وامتلأت ساحته بالحركة المنتظمة؛سيارات الخدمة تمر في مساراتها المحددة،والعمال ينتقلون بين الطائرات،بينما كانت أصوات المحركات البعيدة تختلط بإعلانات الرحلة المتتابعة. اقترب أحد العاملين منها وأخذ حقيبتها بعد أن تبادل معها تحية الصباح،أما فريدة فراقبت الرجل وهو يتجه بها نحو المكان المخصص للأمتعة،ثم استدارت في اللحظة نفسها لتجد مساعدها يقترب منها. ابتسمت له وقالت:صباح الخير بادلها ابتسامة ودودة وقال:صباح النور..إنتِ هنا من امتى يا كابتن؟ نظرت إلى ساعتها وقالت:من 6 الصبح عقد حاجبيه باستغراب:6 ليه؟ ده حتى الرحلة هتبدأ الساعة 8 رفعت كتفيها في هدوء وقالت:عادي..أنا بحب أوصل بدري وأطمن على كل حاجه بنفسي أومأ برأسه،ثم مد إليها ورقة كان يحملها:دي معلومات الطيارة والركاب والخط اللي هنمشي فيه تناولت فريدة الورقة وأخذت تتفحص ما كُتب فيها سريعًا،ثم قالت:تمام رفعت عينيها إليه:هعمل Check up للطيارة وبعدها نبدأ استقبال الركاب _تمام ابتعدت عنه،ثم بدأت جولتها حول الطائرة. سارت بمحاذاة هيكلها تتفقد محركاتها بعينٍ يقظة،ثم انتقلت إلى العجلات قبل أن تراجع مستوى الوقود وبقية التفاصيل اللازمة. لم تكن تؤدي الأمر على عجل،رغم أنها قامت بالمهمة ذاتها عشرات المرات من قبل،كانت تعرف أن الاعتياد لا يعني التهاون. انتقلت من جزء إلى جزء،تراجع وتتفقد حتى انتهت أخيرًا من جولتها. رفعت عينيها نحو الطائرة،ثم أخرجت جهاز الاتصال الخاص بها وقالت:كل حاجه سليمة...والطيارة جاهزة لاستقبال الركاب في الجانب الاخر من المطار كان آدم قد أنهى إجراءات السفر و وقعت عيناه على عدد من زملائه فاتجه نحوهم،وتبادلوا التحية. ومع اقتراب موعد الصعود،تحركت المجموعة باتجاه بوابة الطائرة. كان مساعد فريدة قد صعد إلى الطائرة وبدأ في إجراء الفحوص الداخلية المعتادة.تنقل بين الأجهزة،راجع ما يلزم مراجعته حتى اطمأن إلى سلامة كل شئ. وقّع باسمه بعد أن انتهى،ثم التفت إلى فريدة وقال:تمام يا كابتن اتفضلي أومأت برأسها واتجهت نحو باب الطائرة. وضعت قدمها على الدرج،ثم شعرت فجأةً بمن اصطدم بها من الخلف. استدارت،كان آدم الذي تراجع خطوة فورًا وقال:آسف هزت فريدة رأسها في هدوء وقالت:ولا يهمك ثم استدارت من جديد وصعدت درجات الطائرة،توقف آدم للحظة قبل أن يتابع طريقه إلى الداخل وخلفه كان الدكتور مصطفى يتابع المشهد قبل أن يقول وهو ينظر إلى باب الطائرة:هي اللي هتسوق الطيارة واحدة ست؟ التفت إليه آدم وقال:إنت شايف ايه؟ ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه مصطفى قبل أن يقول:أنا شايف صاروخ ضربه هاني على كتفه سريعًا وقال:اطلع وانت ساكت..هتفضحنا انفجر مصطفى ضاحكًا،بينما هز آدم رأسه بإبتسامة صغيرة ثم تابع طريقه إلى الطائرة. وخلال دقائق كان الجميع قد استقر في مقاعدهم،وفي مقدمة الطائرة دخلت فريدة إلى قمرة القيادة. جلست في مقعدها وألقت نظرة أخيرة على لوحة التحكم أمامها،بينما جلس مساعدها إلى جوارها. بدأت أصابعها تتحرك بين الأزرار والأجهزة في هدوءٍ معتاد. كانت الطائرة تستعد للرحلة،وكان الركاب يستعدون لمغادرة الأرض. بدأت الطائرة تتحرك ببطءٍ فوق مدرج المطار،فيما كانت فريدة تتابع المؤشرات أمامها بعينين لا تفوتهما أدق التفاصيل. ساد الهدوء قمرة القيادة،ولم يقطعه سوى صوت الأجهزة وتعليمات برج المراقبة المتتابعة. كانت فريدة وماجد يتبادلان النظرات السريعة والإشارات اللازمة،حتى جاءت اللحظة التي انتظراها. ازدادت سرعة الطائرة تدريجيًا،تسارعت العجلات فوق المدرج وامتد الطريق أمامهما سريعًا قبل أن تنفصل الطائرة عن الأرض وتبدأ في الارتفاع. راقبت فريدة المشهد أمامها بثبات،حتى استقرت الطائرة في مسارها. التقطت الميكروفون وقالت بهدوء:حضرات السادة والسيدات الركاب،أسعد الله أوقاتكم بكل خير..قائد الطائرة كابتن فريدة نور الدين ترحب بكم على متن خطوط «Star Lines» رحلة رقم 847،والمتجهة إلى مطار هيثرو. زمن الرحلة ست ساعات،سنطير على ارتفاع ثلاثة وثلاثين ألف قدم،بسرعة سبعمائة كيلومتر في الساعة...يُمنع نهائيًا التدخين على متن الطائرة واستخدام الهاتف الجوال،برجاء الإلتزام بمقاعدكم لحين انطفاء شارة حزام الأمان، نتمنى لكم رحلة سعيدة. ما إن انتهى صوتها حتى عاد الهدوء إلى المقصورة إلا أن مصطفى لم يترك الفرصة تمر. مال نحو آدم قليلًا وقال بصوتٍ خافت:يعني هي صاروخ وصوتها تحفة..تفتكروا متجوزة؟ التفت إليه آدم بنظرة جانبية وقال:ده إنت فاضي بقى..ركز في المؤتمر اللي رايحين عليه مش في كابتن الطيارة لوّح مصطفى بيده وقال:يا سيدي سيبني أتبسط شوية،هو كله شغل شغل لم يرد آدم بل أراح ظهره إلى المقعد وأغمض عينيه وبعد لحظات استسلم للنوم. نظر مصطفى إليه،ثم التفت إلى هاني وقال:ما تشوف اللي جاي ينام ده لم يكد ينهي جملته حتى أراح هاني ظهره هو الآخر وأغمض عينيه،حدّق مصطفى فيهما لثوانٍ قبل أن يقول باستنكار:والله العظيم إنتوا عيال فقرية بعد وقت قصير،طرقت إحدى مضيفات الطائرة باب قمرة القيادة،ثم دخلت بعد أن سمح لها ماجد. نظرت إلى فريدة وقالت:تحبوا تأكلوا ايه يا كابتن؟ التفتت فريدة إلى ماجد وقالت:أنا مش جعانة...تأكل ايه يا ماجد؟ هز ماجد رأسه وقال:وأنا كمان مش جعان دلوقتي..شوية كده سألتها المضيفة:طب تحبوا تشربوا حاجه؟ أجابت فريدة:ممكن قهوة مظبوط وقال ماجد:وأنا قهوة سادة _تمام ثم غادرت قمرة القيادة وأغلقت الباب خلفها.أما ماجد فجلس في مقعده ثم بدأ يتحدث مع فريدة عن بعض الرحلات التي عملا فيها معًا،وعن مواقف مرت بهما أثناء العمل. كانت تجيبه بين الحين والآخر وتشاركه الحديث بابتسامة هادئة،لكن تركيزها لم يغادر الطريق أمامها. كانت تسمع.. وتتحدث.. وتراقب الأجهزة في الوقت ذاته. كانت معتادة على القيام بأكثر من أمر،دون أن تسمح لأي شيء بأن يشتت انتباهها عن مسؤوليتها الأولى. وخارج الزجاج الأمامي،كانت السماء تمتد أمامهما بلا نهاية. مرّت الساعتان الأوليان من الرحلة في هدوءٍ كامل. كانت الطائرة تشق طريقها وسط السماء باستقرار،بينما ظلت المؤشرات أمام فريدة تتحرك داخل حدودها الطبيعية. لم تظهر أي علامة تستدعي القلق. وكانت السماء أمامهما صافية على امتداد النظر،ألقت فريدة نظرة سريعة على إحدى الشاشات ثم انتقلت بعينيها إلى بقية الأجهزة. لاحظ ماجد حركتها فنظر إليها وقال:فريدة التفتت إليه وقالت:نعم تأمل ملامحها للحظة قبل أن يقول:إنتِ تعبانة؟ عقدت حاجبيها قليلًا وقالت مستنكرة:لا ابتسم ماجد ابتسامة خفيفة وهو يقول:متأكدة؟ أدارت وجهها نحوه:أيوة متأكدة ظل ينظر إليها للحظات قبل أن يقول:أنا شايف إننا نبدل نظرت إليه فريدة وقالت بتساؤل:دلوقتي؟ _أيوة خدي راحتك شوية وأنا هكمل تنهدت فريدة،ثم ألقت نظرة أمامها قبل أن تقول:تمام بدأت إجراءات التبديل بينهما،ثم تولى ماجد القيادة..أما فريدة فاستدارت لتغادر مكانها،لكنه قال قبل أن تتحرك:شكلك ما نمتيش كويس يا كابتن التفتت إليه:لا نمت...بس مش عارفة مرهقة كده ليه نظر إليها ماجد بجدية:نامي شوية ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:ده اقتراح ولا أمر؟ _أمر -حاضر يا فندم ضحك ماجد،بينما غادرت فريدة. مرّت الساعة الأولى التي ابتعدت فيها فريدة عن مقعدها دون أن يحدث ما يستدعي للقلق. كانت الطائرة تواصل طريقها في استقرار،وماجد يتابع الأجهزة أمامه بين الحين والآخر. بينما امتدت السماء خلف الزجاج الواسع في هدوءٍ لا يوحي بشيء. بعد عدة دقائق.. استيقظت فريدة على صوت تنبيهٍ متقطع،فتحت عينيها ببطءٍ في البداية،ثم ما لبثت أن اعتدلت فورًا. لم يكن الصوت صادرًا من هاتفها،توقفت للحظة وقد انتبهت إلى تكراره وقبل أن تتساءل عن مصدره وصلها صوت ماجد عبر جهاز الاتصال يقول:فريدة أمسكت جهاز الاتصال وقالت:أيوة يا ماجد جاء صوته هذه المرة أكثر جدية:تعالي قمرة القيادة انعقد حاجباها وهى تتساءل:في ايه؟ تأخر للحظة قبل أن يجيب:تعالي بس لم تنتظر أكثر نهضت من مكانها واتجهت سريعًا إلى قمرة القيادة. وما إن دخلت حتى وقعت عيناها على ماجد الذي كان يتابع إحدي الشاشات أمامه. اقتربت منه وهى تقول:ايه اللي حصل؟ أشار إلى الشاشة:شوفي ده انحنت قليلًا وتفحصت القراءات،تبدلت ملامحها في لحظة وهى تقول:ضغط المقصورة؟ أومأ ماجد برأسه:أيوة اقتربت أكثر وانتقلت بعينيها بين المؤشرات،كانت إحدى القراءات تتغير بصورة غير طبيعية. جلست في مقعدها فورًا وقالت:امتي ظهر التنبيه؟ _من دقايق رفعت عينيها إليه:وعملت ايه؟ _اتبعت الإجراءات وحاولت أعيد ضبط النظام _والنتيجة؟ أشار إلى الشاشة وقال بخيبة أمل:لسه مش مستقر ساد الصمت للحظة قبل أن تعود فريدة لمتابعة الأجهزة:إنت مش قولت لي إن كل حاجه جوه سليمة؟ التفت إليها ماجد وقال:كانت سليمة فعلاً يا فريدة رفعت عينيها نحوه وقالت متسائلة:كانت؟ تنهد،ثم قال:أنا راجعت كل حاجه عادت ببصرها إلى الشاشة وقالت وأصابعها بدأت تتحرك بين الأزرار والمفاتيح:اللي قدامي يثبت إن مفيش أي حاجه تمت مراجعتها يا كابتن...العطل ده جه منين لو راجعت الطيارة من الداخل؟ هز ماجد رأسه وقال:مش عارف قالتها وهى لا تزال تنظر إلى المؤشرات:مش عارف دي مش إجابة...اومال مين اللي يعرف لم يستطع الرد،أما فريدة بدأت تتبع الإجراءات اللازمة بينما كان ماجد يراقب معها. مرّت لحظات ثقيلة،ثم بدا أن القراءة بدأت في الاستقرار. زفر ماجد ببطء وقال:وأخيرًا لكن فريدة لم تبدُ مرتاحة،ظلت عيناها معلقتين بالشاشة وهى تقول:استنى نظر إليها وقال:في ايه؟ أشارت إلى أحد المؤشرات فأقترب ماجد وقبل أن يقول شيئًا تغيرت القراءة من جديد. وانطلق صوت تنبيه آخر،هذه المرة أعلى من سابقه. ثبتت فريدة نظرها أمامها وقالت:الضغط بيقل تاني بدأ ماجد يراجع المؤشرات بسرعة وهو يقول:واخد بالي حاولت فريدة إجراءً آخر وانتظرت ثوانٍ قليلة. ليظهر تنبيه جديد،نظرت في تلك اللحظة إلى ماجد وقالت:الوضع بيسوء ساد الصمت داخل قمرة القيادة.وفي الخارج كان الركاب لا يزالون في أماكنهم. كان بعضهم نائمًا،ويتبادل آخرون الأحاديث بهدوء. لم يكن أحد يعلم أن شيئًا بدأ يتغير فوق رؤوسهم. في تلك اللحظة داخل قمرة القيادة ثبتت فريدة يديها أمامها وأخذت نفسًا هادئًا ولم تسمح للتوتر بأن يظهر على صوتها:هنتابع الإجراءات لحد ما نعرف نثبت النظام أومأ ماجد وبدآ معًا،كانت فريدة تراجع وماجد يتابع،كل واحد منهما يعرف أن الخطأ في تلك اللحظة لا يحتمل. مرّت دقائق لكن المؤشرات لم تعد إلى وضعها الطبيعي،بل على العكس كانت المشكلة تتقدم ببطء. وبدا واضحًا أن الرحلة التي بدأت قبل ساعات في هدوء كامل... لن تستمر بالطريقة نفسها. تنفست فريدة ببطء،بينما بدأ القلق واضحًا على وجه ماجد للمرة الأولى:مش طبيعي التفتت إليه وقالت:ايه اللي مش طبيعي؟ تردد لحظة قبل أن يجاوبها:النظام مش بيستجيب بالشكل اللي المفروض يستجيب بيه ثبتت عيناها عليه وقالت:يعني؟ نظر إليها،ثم إلى الأجهزة وقال:يعني المشكلة أكبر مما كنت متخيل عادت فريدة إلى متابعة المؤشرات،لم تكن بحاجه إلى مزيد من التفسيرات كانت ترى ذلك أمامها،لتقول بعد لحظة:كلم برج المراقبة نظر إليها وقال:دلوقتي؟ _أيوة -هنقول ايه؟ التفتت إليه وقالت:هنبلغهم باللي حصل..عندنا مشكلة فنية في نظام ضغط المقصورة ونطلب أقرب مطار مناسب للهبوط ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يقول:بس أنا كده هيحصلي مشكلة -يحصلك مشكلة ولا نفقد حياتنا وحياة الركاب،وتبقى أرواحهم في رقبتنا؟ أومأ برأسه،ثم مد يده إلى جهاز الاتصال وبدأ يتواصل مع برج المراقبة. أما فريدة فظلت تراقب الطريق أمامها،لم تكن متوترة..أو على الأقل لم تسمح للتوتر بأن يظهر. وصلت إليهما التعليمات تباعًا،وبدأ ماجد يتابع البيانات الخاصة بالمطارات القريبة. وبعد لحظات التفت إليها وقال:ده أقرب مطار مناسب قدامنا سألته:الوقت قد ايه؟ _مش بعيد حوالي ربع ساعة أومأت فريدة ثم قالت بحسم:تمام نغير المسار أومأ ماجد برأسه وبدأ فورًا في تنفيذ الإجراءات اللازمة،أما فريدة فمدّت يدها إلى الميكروفون. ساد الصمت داخل قمرة القيادة للحظة،قبل أن يصل صوتها إلى جميع أنحاء الطائرة _حضرات السادة والسيدات الركاب،نود أن نبلغكم أن الطائرة تعرضت لعطلٍ فني وبناءً عليه سنضطر إلى الهبوط الاضطراري في أقرب مطار مناسب. توقفت للحظة قصيرة،ثم تابعت بنبرة ثابتة وهادئة:نرجو من حضراتكم الالتزام بمقاعدكم وربط أحزمة الأمان،واتباع تعليمات طاقم الضيافة...كما نود أن نطمئنكم أن الإجراءات اللازمة يتم اتخاذها للتعامل مع الأمر،وبمجرد حل المشكلة سنستكمل رحلتنا إلى وجهتنا. أنهت حديثها،وأعادت الميكروفون إلى مكانه. وفي المقصورة بدأ الهدوء الذي كان يملأ المكان قبل دقائق يتبدل. تبادل بعض الركاب النظرات،بينما بدأ آخرون يلتفتون نحو النوافذ. قال مصطفى وقد اختفت ابتسامته السابقة:عطل فني؟ نظر إليه هاني وقال بهدوء:ما تقلقش _أنا مش قلقان رفع آدم عينيه إليه وقال:أيوة طبعًا نظر مصطفى إليه وقال بتساؤل:هو أنا شكلي قلقان؟ أراح آدم ظهره إلى المقعد وقال:جدًا زفر مصطفى،ثم شبك أصابعه ببعضها وقال:أنا بس بحاول أفهم قالي هاني:مفيش حاجه تفهمها...استنى نشوف اللي هيحصل ظل مصطفى صامتًا للحظة،ثم قال:طب هو الهبوط الاضطراري ده عادي؟ التفت إليه آدم:مصطفى _نعم؟ -اسكت نظر إليه مصطفى باستنكار:ده تشجيع؟ لم يرد آدم،فأدار وجهه نحو النافذة. في قمرة القيادة كانت فريدة تتابع المؤشرات أمامها،فيما كان ماجد يتواصل مع برج المراقبة. تتابعت التعليمات عبر جهاز الاتصال،ثم أنهى ماجد الحديث والتفت إليها:المدرج جاهز أومأت فريدة وهى تقول:تمام بدأت الطائرة في تغيير مسارها تدريجيًا،لم تعد متجهةً إلى لندن. انحرفت عن الخط الذي كان من المفترض أن تسلكه قبل ساعات،كانت الآن تتجه نحو مطارٍ لم يكن أيٌّ من ركابها قد خطط للوصول إليه. قال ماجد:بدأنا في النزول تابعت فريدة القراءات أمامها:تمام كمل تحركت الطائرة تدريجيًا نحو الأسفل. وفي المقصورة شد معظم الركاب أحزمة الأمان،بينما كان طاقم الضيافة يتأكد من التزام الجميع بتعليماتهم. لم يعد أحد يتحدث بصوت مرتفع،حتى مصطفى الذي لم يصمت منذ بداية الرحلة تقريباً،جلس هذه المرة هادئًا. نظر آدم إليه وقال:مالك؟ لم يلتفت إليه مصطفى وقال:مركز ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه آدم الذي قال:مركز في ايه؟ أجاب بصوت منخفض:في الدعاء لم يستطع هاني منع ابتسامته،بينما أغمض آدم عينيه للحظة. بدأ المطار يظهر في المسافة،ثبتت فريدة نظرها أمامها بينما كانت يداها تتحركان بين الأجهزة. أخذت نفسًا عميقًا،ليقول ماجد:جاهزة؟ لم تلتف إليه بل قالت وهى تنظر أمامها:جاهزة استمرت الطائرة في الهبوط. كان المدرج يقترب شيئًا فشيئًا،وفي تلك اللحظة بدا كل شيء يسير كما ينبغي. لم تكن فريدة تعلم أن الهبوط نفسه...لن يمر بسلام. اقتربت الطائرة من المدرج،كانت الأرض ترتفع في مجال الرؤية أمام فريدة شيئًا فشيئًا،بينما انخفضت المسافة التي تفصلهم عن لحظة الهبوط. ساد صمتٌ ثقيل داخل قمرة القيادة،لم يكن هناك ما يحتاج إلى قوله،كل كلمة في تلك اللحظة كانت قد تصبح عبئًا زائدًا. ثبتت فريدة نظراتها أمامها،فيما جلس ماجد إلى جوارها يتابع الأجهزة. كان المدرج يمتد أمامهما.. قريبًا..أقرب مما بدت قبل لحظات سألها ماجد دون أن يحوّل نظره عنها:جاهزة؟ أجابته بصوت ثابت:جاهزة وفي اللحظة التالية لامست عجلات الطائرة الأرض. انطلقت شهقات متفرقة داخل المقصورة،تشبث بعض الركاب بمقاعدهم،فيما أغمض آخرون أعينهم انتظارًا لانتهاء اللحظة. بدأت الطائرة تتحرك فوق المدرج. في البداية بدا كل شيء طبيعيًا،لكن شيئًا ما لم يكن كذلك. شعرت فريدة بالتغير قبل أن تدرك مصدره،اهتزت الطائرة اهتزازًا عنيفًا،رفعت رأسها فجأة وقالت:ماجد لم يكد يلتفت إليها حتى دوّى صوتٌ هائل،كان قويًا إلى الحد الذي جعل الكلمات تختفي من الوجود،اهتزت الطائرة بقوة شديدة واندفع كل ما بداخلها للحظةٍ خارج نظامه. وفي الخارج وقع الاصطدام،اصطدم أحد جانبي الطائرة أثناء الهبوط،فارتج الهيكل كله بقوةٍ هائلة. تحولت مقصورة الركاب إلى لحظةٍ من الفوضى. صرخات. أصوات ارتطام. حقائب سقطت من أماكنها. وأجساد اندفعت بقوةٍ داخل أحزمة الأمان. فتح آدم عينيه في اللحظة نفسها التي اهتز فيها جسده بقوة،توقفت أنفاسه للحظة. سمع صوتًا قريبًا منه،كانت صرخة،ثم أخرى. التفت بسرعة كان مصطفى قد انحنى فوق مقعده ممسكًا بذراعه،بينما حاول هاني أن يستعيد توازنه. صرخ آدم:إنتوا كويسين؟ رفع هاني رأسه بصعوبة وقال:أيوة لكن صوته لم يكن واثقًا،التفت آدم حوله لم يكن الأمر كما كان قبل لحظات. لم تعد المقصورة الهادئة التي كان الركاب ينامون فيها ويتحدثون،بل كان هناك بكاء،وصراخ،وأشخاص يحاولون استيعاب ما حدث وشخص ينادي باسم أحدهم. كانت لحظة واحدة فقط،لكنها كانت كافيةً لتغيير كل شيء. أما في قمرة القيادة،فقد كان الأمر أقرب من اللازم حيث شعرت فريدة بالاصطدام في جانبها. جاء الألم مفاجئًا وعنيفًا،حتى أن أنفاسه انقطعت لحظة،اصطدم جسدها بقوة واندفعت رأسها إلى الجانب. شهقت و وضعت يدها على موضع إصابتها،محاولةً التقاط أنفاسها.كان الألم يزداد مع كل حركة،أغمضت عينيها للحظة. لحظة واحدة فقط،ثم فتحتها ورفعت رأسها بصعوبة. كانت الأصوات من حولها متداخلة. الأجهزة... صوت ماجد.. وضجيج لا تستطيع تمييز مصدره. _فريدة! وصلها صوته بعيدًا في البداية،ثم أصبح أوضح _فريدة إنتِ سمعاني؟ حاولت أن تدير رأسها نحوه،كان الألم حادًا:أنا... توقفت،حاولت التقاط أنفاسها،ثم قالت:أنا كويسة نظر إليها ماجد بصدمة:كويسة ايه...إنتِ مصابة خفضت فريدة نظرها للحظة،كانت تشعر بأن جسدها لم يعد يستجيب لها كما ينبغي،رأسها ثقيل،وأنفاسها أصعب. والألم يمتد في جسدها مع كل محاولة للحركة،لكنها لم تلتفت إلى نفسها، بل رفعت عينيها نحوه وقالت:الركاب عقد ماجد حاجبيه وقال:ايه؟ قالت بصعوبة أكبر:الركاب لازم نوصلهم _إحنا بالفعل يا فريدة.. قاطعته وقالت:ماجد نظر إليها كانت ملامحها شاحبة،لكن نظرتها لم تتغير. جاء صوتها متقطعًا:هنكمل لحد ما نقف في مكان آمن ساد الصمت للحظة،كان يعرف أنها تتألم فهو يرى ذلك بوضوح. لكنه رأى أيضًا أنها لن تسمح لنفسها بالاستلام الآن،فأومأ برأسه وعادت فريدة إلى التركيز أمامها. كانت الثواني التالية تمر ببطءٍ قاسٍ،كل حركةٍ أصبحت تؤلمها،كل نفسٍ تحتاج إلى مجهود. شعرت بالدوار يقترب منها تدريجيًا،لكنها قاومته،كانت تسمع ماجد يتحدث.ترد عليه ثم تعود إلى التركيز. لم تكن تفكر في إصابتها،لم تفكر في الألم،كان كل ما يشغلها في تلك اللحظة هو الأشخاص الموجودون خلف الباب. الركاب وطاقم الطائرة. الأشخاص الذين صعدوا إلى الطائرة وهم يثقون بأنها ستوصلهم إلى وجهتهم، وكان عليها الآن أن تصل بهم إلى النهاية. توقفت الطائرة أخيراً وحين ساد السكون للمرة الأولى،بدا الصمت نفسه غريبًا. أغمضت فريدة عينيها،خرجت منها أنفاس مرتجفة. لقد وصلوا أخيراً. في الخارج بدأت سيارات الطوارئ تقترب من الطائرة،وخلال دقائق كان العاملون يحيطون بها من كل جانب. بدأت الأبواب تُفتح واندفع أفراد الإنقاذ وفرق المساعدة إلى الداخل،كان المشهد في المقصورة مؤلمًا. عدد من الركاب تعرضوا لإصابات مختلفة،كما لم يسلم طاقم الضيافة من آثار ما حدث. كانت بعض المضيفات تحاولن رغم إصابتهن مساعدة الركاب،قبل أن يطلب منهن العاملون التوقف لتلقي المساعدة. وفي وسط ذلك كله،بدأ الأطباء الموجودون على متن الطائرة يستعيدون دورهم. كان آدم قد وقف بالفعل،تحرك بين المقاعد يتفقد المصابين ويساعد من يستطيع فيما تعاون زملاؤه معه. أما مصطفى وهاني فرغم ما تعرضا له،لم يترددا في مساعدة الآخرين. وفي مقدمة الطائرة،فتح الباب المؤدي إلى قمرة القيادة،دخل عدد من العاملين. كان ماجد أول من حاول التحرك،التفت إلى فريدة كانت لا تزال في مقعدها،رأسها مائل إلى الجانب،وأنفاسها أصبحت أبطأ. اقترب منها بسرعة:فريدة لم يجد رد. _فريدة! حاول مساعدتها على النهوض،لكن جسدها لم يتحرك بسهولة،كانت الإصابة قد أنهكتها أكثر مما أظهرت. _لازم نطلع يا فريدة. فتحت فريدة عينيها بصعوبة،بدت نظراتها غير مستقرة،تمتمت بصوتٍ ضعيف:الركاب! انحنى نحوها وقال:كلهم بيخرجوا،وإنتِ كمان لازم تطلعي دلوقتي حاولت أن تتحرك،لكنها لم تستطع. وضعت يدها للحظة على مقود الطائرة ثم توقفت فجأة،شعرت بكل شيء يدور من حولها. تداخلت الأصوات،وأصبح وجه ماجد أمامها ضباييًا. _فريدة! سمعته يناديها،لكن صوته بدأ يبتعد،حاولت أن تفتح عينيها أكثر،أن تقاوم كما فعلت طوال الدقائق الماضية،لكن جسدها لم يعد قادرًا على المقاومة. _فريدة أغمضت عينيها وأنطفأ كل شيء،تجمد ماجد للحظة ثم هتف بصوتٍ مرتفع:حد يجيب مساعدة بسرعة. وخارج قمرة القيادة،كان آدم يتحرك بين المصابين. لم يكن يعلم أن الفتاة التي رآها قبل ساعات وصعدت أمامه الطائرة بزيها الرسمي...في تلك اللحظة تصارع الموت في مقدمة الطائرة. يُتبع...لم يكن الفجر قد أطلّ بعد حين غادرت فريدة منزلها. كانت السماء لا تزال غارقةً في زرقتها الداكنة،بينما أخذت المدينة تستعد ببطءٍ ليومٍ جديد لم يبدأ بعد. توقفت السيارة التي خُصصت لنقلها أمام البناية،فخرجت فريدة وهى تحمل حقيبتها ليأخذها السائق منها ويضعها في صندوق الأمتعة قبل أن تستقر في المقعد الخلفي. ألقى السائق عليها التحية فردّت بإبتسامة هادئة،ثم تحركت السيارة في الشارع. أسندت رأسها إلى المقعد وأدارت وجهها نحو النافذة،كانت الشوارع مختلفة في تلك الساعة. أقل ازدحامًا،وأكثر هدوءًا،كأن المدينة قد احتفظت لنفسها بساعاتٍ لا يشاركها فيها إلا القليلون. امتدت الطرق أمامها شبه خالية،وتتابعت أضواء المصابيح على جانبي الطريق،بينما كانت بعض المتاجر لا تزال معلقة تنتظر بداية النهار. ظلت تتأمل كل ما يمر أمامها بصمت. رغم رحلاتها الكثيرة والمدن التي هبطت فيها وعبرت شوارعها،ظل في قلبها حب تلك المدينة. تحب صخبها حين تمتلئ بالحياة،كما تحب هدوءها النادر في مثل تلك الساعات،تحب شوارعها المزدحمة،وضجيجها الذي قد يثير ضيقها أحيانًا،ثم تجد نفسها تفتقده كلما ابتعدت عنها. ابتسمت لنفسها وهى تتابع الطريق. ربما ترى مدنًا أجمل،وربما كانت تزور أماكن أكثر هدوءًا وتنظيمًا. لكنها في كل مرة كانت تعرف أن العودة إلى هنا لها شعور مختلف. رفعت عينيها نحو السماء التي بدأت ألوانها تتبدل ببطء وقالت في سرها أن الرحلة لن تطول. وفي الجانب الآخر من المدينة،كان آدم يقف خارج البناية التي يسكن فيها وقد وضع حقيبته إلى جواره. نظر إلى شاشة هاتفه للمرة التي لم يعد يعرف عددها ليرى رسالة مكتوب بها «السائق على بُعد دقيقتين» تنهد،ثم رفع عينيه إلى الطريق. مرت سيارة.. ثم أخرى.. فعاد إلى هاتفه ليرى رسالة أخرى «السائق على بُعد دقيقة واحدة» أعاد الهاتف إلى جيبه حين ظهرت سيارة في نهاية الشارع،فتأملها قليلًا قبل أن يضئ هاتفه من جديد معلن عن وصول السائق. اتجه نحو السيارة و وضع حقيبته في الخلف ثم جلس. لم يكن الناس قد استيقظوا بعد،جلس آدم في المقعد الخلفي يتابع الطريق بصمت،بينما كان ذهنه منشغلًا بما ينتظره في الساعات القادمة. مؤتمر... أطباء من تخصصات مختلفة.. رحلة إلى دولة أخرى.. ثم إن سمح الوقت لقاء شقيقته كانت خطة بسيطة،و واضحة. وصلت فريدة إلى المطار قبل الموعد بوقتٍ كافٍ. ما إن توقفت السيارة حتى ترجلت منها وأخرج السائق حقيبتها من صندوق الأمتعة،شكرته فريدة ثم أمسكت بمقبض الحقيبة واتجهت نحو بوابة الدخول. كان المطار قد بدأ يمتلئ بالمسافرين،واصطفت مجموعات منهم أمام نقاط التفتيش. وقفت فريدة للحظة،ثم عدّلت سترتها الرسمية،كان زيها أنيقًا يحمل شارة عملها بوضوح،أخرجت بطاقتها التعريفية ورفعتها أمام الموظف المسؤول. ألقى الرجل نظرة سريعة عليها ثم ابتسم:اتفضلي يا كابتن أومأت له فريدة شاكرة ومضت مباشرةً إلى الداخل. وبعد دقائق وصل آدم إلى المطار.ترجل من السيارة وسحب حقيبته خلفه قبل أن يدخل إلى المبنى. توقف أمام الطابور الطويل المخصص للتفتيش وأخذ مكانه بين المسافرين. تحرك الصف ببطء.. تقدم خطوة.. ثم أخرى. وبينما كان ينتظر دوره،كان في مكان آخر من المطار وعلى مسافة ليست بعيدة عنه،كانت قد وصلت فريدة إلى الداخل بالفعل. لم تلتفت خلفها. أما آدم فبقي في مكانه ينتظر دوره بصبر. وقفت فريدة أمام الطائرة وقد بدأت أشعة الصباح الأولى تنعكس فوق هيكلها الضخم. كان المطار قد استيقظ تمامًا وامتلأت ساحته بالحركة المنتظمة؛سيارات الخدمة تمر في مساراتها المحددة،والعمال ينتقلون بين الطائرات،بينما كانت أصوات المحركات البعيدة تختلط بإعلانات الرحلة المتتابعة. اقترب أحد العاملين منها وأخذ حقيبتها بعد أن تبادل معها تحية الصباح،أما فريدة فراقبت الرجل وهو يتجه بها نحو المكان المخصص للأمتعة،ثم استدارت في اللحظة نفسها لتجد مساعدها يقترب منها. ابتسمت له وقالت:صباح الخير بادلها ابتسامة ودودة وقال:صباح النور..إنتِ هنا من امتى يا كابتن؟ نظرت إلى ساعتها وقالت:من 6 الصبح عقد حاجبيه باستغراب:6 ليه؟ ده حتى الرحلة هتبدأ الساعة 8 رفعت كتفيها في هدوء وقالت:عادي..أنا بحب أوصل بدري وأطمن على كل حاجه بنفسي أومأ برأسه،ثم مد إليها ورقة كان يحملها:دي معلومات الطيارة والركاب والخط اللي هنمشي فيه تناولت فريدة الورقة وأخذت تتفحص ما كُتب فيها سريعًا،ثم قالت:تمام رفعت عينيها إليه:هعمل Check up للطيارة وبعدها نبدأ استقبال الركاب _تمام ابتعدت عنه،ثم بدأت جولتها حول الطائرة. سارت بمحاذاة هيكلها تتفقد محركاتها بعينٍ يقظة،ثم انتقلت إلى العجلات قبل أن تراجع مستوى الوقود وبقية التفاصيل اللازمة. لم تكن تؤدي الأمر على عجل،رغم أنها قامت بالمهمة ذاتها عشرات المرات من قبل،كانت تعرف أن الاعتياد لا يعني التهاون. انتقلت من جزء إلى جزء،تراجع وتتفقد حتى انتهت أخيرًا من جولتها. رفعت عينيها نحو الطائرة،ثم أخرجت جهاز الاتصال الخاص بها وقالت:كل حاجه سليمة...والطيارة جاهزة لاستقبال الركاب في الجانب الاخر من المطار كان آدم قد أنهى إجراءات السفر و وقعت عيناه على عدد من زملائه فاتجه نحوهم،وتبادلوا التحية. ومع اقتراب موعد الصعود،تحركت المجموعة باتجاه بوابة الطائرة. كان مساعد فريدة قد صعد إلى الطائرة وبدأ في إجراء الفحوص الداخلية المعتادة.تنقل بين الأجهزة،راجع ما يلزم مراجعته حتى اطمأن إلى سلامة كل شئ. وقّع باسمه بعد أن انتهى،ثم التفت إلى فريدة وقال:تمام يا كابتن اتفضلي أومأت برأسها واتجهت نحو باب الطائرة. وضعت قدمها على الدرج،ثم شعرت فجأةً بمن اصطدم بها من الخلف. استدارت،كان آدم الذي تراجع خطوة فورًا وقال:آسف هزت فريدة رأسها في هدوء وقالت:ولا يهمك ثم استدارت من جديد وصعدت درجات الطائرة،توقف آدم للحظة قبل أن يتابع طريقه إلى الداخل وخلفه كان الدكتور مصطفى يتابع المشهد قبل أن يقول وهو ينظر إلى باب الطائرة:هي اللي هتسوق الطيارة واحدة ست؟ التفت إليه آدم وقال:إنت شايف ايه؟ ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه مصطفى قبل أن يقول:أنا شايف صاروخ ضربه هاني على كتفه سريعًا وقال:اطلع وانت ساكت..هتفضحنا انفجر مصطفى ضاحكًا،بينما هز آدم رأسه بإبتسامة صغيرة ثم تابع طريقه إلى الطائرة. وخلال دقائق كان الجميع قد استقر في مقاعدهم،وفي مقدمة الطائرة دخلت فريدة إلى قمرة القيادة. جلست في مقعدها وألقت نظرة أخيرة على لوحة التحكم أمامها،بينما جلس مساعدها إلى جوارها. بدأت أصابعها تتحرك بين الأزرار والأجهزة في هدوءٍ معتاد. كانت الطائرة تستعد للرحلة،وكان الركاب يستعدون لمغادرة الأرض. بدأت الطائرة تتحرك ببطءٍ فوق مدرج المطار،فيما كانت فريدة تتابع المؤشرات أمامها بعينين لا تفوتهما أدق التفاصيل. ساد الهدوء قمرة القيادة،ولم يقطعه سوى صوت الأجهزة وتعليمات برج المراقبة المتتابعة. كانت فريدة وماجد يتبادلان النظرات السريعة والإشارات اللازمة،حتى جاءت اللحظة التي انتظراها. ازدادت سرعة الطائرة تدريجيًا،تسارعت العجلات فوق المدرج وامتد الطريق أمامهما سريعًا قبل أن تنفصل الطائرة عن الأرض وتبدأ في الارتفاع. راقبت فريدة المشهد أمامها بثبات،حتى استقرت الطائرة في مسارها. التقطت الميكروفون وقالت بهدوء:حضرات السادة والسيدات الركاب،أسعد الله أوقاتكم بكل خير..قائد الطائرة كابتن فريدة نور الدين ترحب بكم على متن خطوط «Star Lines» رحلة رقم 847،والمتجهة إلى مطار هيثرو. زمن الرحلة ست ساعات،سنطير على ارتفاع ثلاثة وثلاثين ألف قدم،بسرعة سبعمائة كيلومتر في الساعة...يُمنع نهائيًا التدخين على متن الطائرة واستخدام الهاتف الجوال،برجاء الإلتزام بمقاعدكم لحين انطفاء شارة حزام الأمان، نتمنى لكم رحلة سعيدة. ما إن انتهى صوتها حتى عاد الهدوء إلى المقصورة إلا أن مصطفى لم يترك الفرصة تمر. مال نحو آدم قليلًا وقال بصوتٍ خافت:يعني هي صاروخ وصوتها تحفة..تفتكروا متجوزة؟ التفت إليه آدم بنظرة جانبية وقال:ده إنت فاضي بقى..ركز في المؤتمر اللي رايحين عليه مش في كابتن الطيارة لوّح مصطفى بيده وقال:يا سيدي سيبني أتبسط شوية،هو كله شغل شغل لم يرد آدم بل أراح ظهره إلى المقعد وأغمض عينيه وبعد لحظات استسلم للنوم. نظر مصطفى إليه،ثم التفت إلى هاني وقال:ما تشوف اللي جاي ينام ده لم يكد ينهي جملته حتى أراح هاني ظهره هو الآخر وأغمض عينيه،حدّق مصطفى فيهما لثوانٍ قبل أن يقول باستنكار:والله العظيم إنتوا عيال فقرية بعد وقت قصير،طرقت إحدى مضيفات الطائرة باب قمرة القيادة،ثم دخلت بعد أن سمح لها ماجد. نظرت إلى فريدة وقالت:تحبوا تأكلوا ايه يا كابتن؟ التفتت فريدة إلى ماجد وقالت:أنا مش جعانة...تأكل ايه يا ماجد؟ هز ماجد رأسه وقال:وأنا كمان مش جعان دلوقتي..شوية كده سألتها المضيفة:طب تحبوا تشربوا حاجه؟ أجابت فريدة:ممكن قهوة مظبوط وقال ماجد:وأنا قهوة سادة _تمام ثم غادرت قمرة القيادة وأغلقت الباب خلفها.أما ماجد فجلس في مقعده ثم بدأ يتحدث مع فريدة عن بعض الرحلات التي عملا فيها معًا،وعن مواقف مرت بهما أثناء العمل. كانت تجيبه بين الحين والآخر وتشاركه الحديث بابتسامة هادئة،لكن تركيزها لم يغادر الطريق أمامها. كانت تسمع.. وتتحدث.. وتراقب الأجهزة في الوقت ذاته. كانت معتادة على القيام بأكثر من أمر،دون أن تسمح لأي شيء بأن يشتت انتباهها عن مسؤوليتها الأولى. وخارج الزجاج الأمامي،كانت السماء تمتد أمامهما بلا نهاية. مرّت الساعتان الأوليان من الرحلة في هدوءٍ كامل. كانت الطائرة تشق طريقها وسط السماء باستقرار،بينما ظلت المؤشرات أمام فريدة تتحرك داخل حدودها الطبيعية. لم تظهر أي علامة تستدعي القلق. وكانت السماء أمامهما صافية على امتداد النظر،ألقت فريدة نظرة سريعة على إحدى الشاشات ثم انتقلت بعينيها إلى بقية الأجهزة. لاحظ ماجد حركتها فنظر إليها وقال:فريدة التفتت إليه وقالت:نعم تأمل ملامحها للحظة قبل أن يقول:إنتِ تعبانة؟ عقدت حاجبيها قليلًا وقالت مستنكرة:لا ابتسم ماجد ابتسامة خفيفة وهو يقول:متأكدة؟ أدارت وجهها نحوه:أيوة متأكدة ظل ينظر إليها للحظات قبل أن يقول:أنا شايف إننا نبدل نظرت إليه فريدة وقالت بتساؤل:دلوقتي؟ _أيوة خدي راحتك شوية وأنا هكمل تنهدت فريدة،ثم ألقت نظرة أمامها قبل أن تقول:تمام بدأت إجراءات التبديل بينهما،ثم تولى ماجد القيادة..أما فريدة فاستدارت لتغادر مكانها،لكنه قال قبل أن تتحرك:شكلك ما نمتيش كويس يا كابتن التفتت إليه:لا نمت...بس مش عارفة مرهقة كده ليه نظر إليها ماجد بجدية:نامي شوية ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:ده اقتراح ولا أمر؟ _أمر -حاضر يا فندم ضحك ماجد،بينما غادرت فريدة. مرّت الساعة الأولى التي ابتعدت فيها فريدة عن مقعدها دون أن يحدث ما يستدعي للقلق. كانت الطائرة تواصل طريقها في استقرار،وماجد يتابع الأجهزة أمامه بين الحين والآخر. بينما امتدت السماء خلف الزجاج الواسع في هدوءٍ لا يوحي بشيء. بعد عدة دقائق.. استيقظت فريدة على صوت تنبيهٍ متقطع،فتحت عينيها ببطءٍ في البداية،ثم ما لبثت أن اعتدلت فورًا. لم يكن الصوت صادرًا من هاتفها،توقفت للحظة وقد انتبهت إلى تكراره وقبل أن تتساءل عن مصدره وصلها صوت ماجد عبر جهاز الاتصال يقول:فريدة أمسكت جهاز الاتصال وقالت:أيوة يا ماجد جاء صوته هذه المرة أكثر جدية:تعالي قمرة القيادة انعقد حاجباها وهى تتساءل:في ايه؟ تأخر للحظة قبل أن يجيب:تعالي بس لم تنتظر أكثر نهضت من مكانها واتجهت سريعًا إلى قمرة القيادة. وما إن دخلت حتى وقعت عيناها على ماجد الذي كان يتابع إحدي الشاشات أمامه. اقتربت منه وهى تقول:ايه اللي حصل؟ أشار إلى الشاشة:شوفي ده انحنت قليلًا وتفحصت القراءات،تبدلت ملامحها في لحظة وهى تقول:ضغط المقصورة؟ أومأ ماجد برأسه:أيوة اقتربت أكثر وانتقلت بعينيها بين المؤشرات،كانت إحدى القراءات تتغير بصورة غير طبيعية. جلست في مقعدها فورًا وقالت:امتي ظهر التنبيه؟ _من دقايق رفعت عينيها إليه:وعملت ايه؟ _اتبعت الإجراءات وحاولت أعيد ضبط النظام _والنتيجة؟ أشار إلى الشاشة وقال بخيبة أمل:لسه مش مستقر ساد الصمت للحظة قبل أن تعود فريدة لمتابعة الأجهزة:إنت مش قولت لي إن كل حاجه جوه سليمة؟ التفت إليها ماجد وقال:كانت سليمة فعلاً يا فريدة رفعت عينيها نحوه وقالت متسائلة:كانت؟ تنهد،ثم قال:أنا راجعت كل حاجه عادت ببصرها إلى الشاشة وقالت وأصابعها بدأت تتحرك بين الأزرار والمفاتيح:اللي قدامي يثبت إن مفيش أي حاجه تمت مراجعتها يا كابتن...العطل ده جه منين لو راجعت الطيارة من الداخل؟ هز ماجد رأسه وقال:مش عارف قالتها وهى لا تزال تنظر إلى المؤشرات:مش عارف دي مش إجابة...اومال مين اللي يعرف لم يستطع الرد،أما فريدة بدأت تتبع الإجراءات اللازمة بينما كان ماجد يراقب معها. مرّت لحظات ثقيلة،ثم بدا أن القراءة بدأت في الاستقرار. زفر ماجد ببطء وقال:وأخيرًا لكن فريدة لم تبدُ مرتاحة،ظلت عيناها معلقتين بالشاشة وهى تقول:استنى نظر إليها وقال:في ايه؟ أشارت إلى أحد المؤشرات فأقترب ماجد وقبل أن يقول شيئًا تغيرت القراءة من جديد. وانطلق صوت تنبيه آخر،هذه المرة أعلى من سابقه. ثبتت فريدة نظرها أمامها وقالت:الضغط بيقل تاني بدأ ماجد يراجع المؤشرات بسرعة وهو يقول:واخد بالي حاولت فريدة إجراءً آخر وانتظرت ثوانٍ قليلة. ليظهر تنبيه جديد،نظرت في تلك اللحظة إلى ماجد وقالت:الوضع بيسوء ساد الصمت داخل قمرة القيادة.وفي الخارج كان الركاب لا يزالون في أماكنهم. كان بعضهم نائمًا،ويتبادل آخرون الأحاديث بهدوء. لم يكن أحد يعلم أن شيئًا بدأ يتغير فوق رؤوسهم. في تلك اللحظة داخل قمرة القيادة ثبتت فريدة يديها أمامها وأخذت نفسًا هادئًا ولم تسمح للتوتر بأن يظهر على صوتها:هنتابع الإجراءات لحد ما نعرف نثبت النظام أومأ ماجد وبدآ معًا،كانت فريدة تراجع وماجد يتابع،كل واحد منهما يعرف أن الخطأ في تلك اللحظة لا يحتمل. مرّت دقائق لكن المؤشرات لم تعد إلى وضعها الطبيعي،بل على العكس كانت المشكلة تتقدم ببطء. وبدا واضحًا أن الرحلة التي بدأت قبل ساعات في هدوء كامل... لن تستمر بالطريقة نفسها. تنفست فريدة ببطء،بينما بدأ القلق واضحًا على وجه ماجد للمرة الأولى:مش طبيعي التفتت إليه وقالت:ايه اللي مش طبيعي؟ تردد لحظة قبل أن يجاوبها:النظام مش بيستجيب بالشكل اللي المفروض يستجيب بيه ثبتت عيناها عليه وقالت:يعني؟ نظر إليها،ثم إلى الأجهزة وقال:يعني المشكلة أكبر مما كنت متخيل عادت فريدة إلى متابعة المؤشرات،لم تكن بحاجه إلى مزيد من التفسيرات كانت ترى ذلك أمامها،لتقول بعد لحظة:كلم برج المراقبة نظر إليها وقال:دلوقتي؟ _أيوة -هنقول ايه؟ التفتت إليه وقالت:هنبلغهم باللي حصل..عندنا مشكلة فنية في نظام ضغط المقصورة ونطلب أقرب مطار مناسب للهبوط ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يقول:بس أنا كده هيحصلي مشكلة -يحصلك مشكلة ولا نفقد حياتنا وحياة الركاب،وتبقى أرواحهم في رقبتنا؟ أومأ برأسه،ثم مد يده إلى جهاز الاتصال وبدأ يتواصل مع برج المراقبة. أما فريدة فظلت تراقب الطريق أمامها،لم تكن متوترة..أو على الأقل لم تسمح للتوتر بأن يظهر. وصلت إليهما التعليمات تباعًا،وبدأ ماجد يتابع البيانات الخاصة بالمطارات القريبة. وبعد لحظات التفت إليها وقال:ده أقرب مطار مناسب قدامنا سألته:الوقت قد ايه؟ _مش بعيد حوالي ربع ساعة أومأت فريدة ثم قالت بحسم:تمام نغير المسار أومأ ماجد برأسه وبدأ فورًا في تنفيذ الإجراءات اللازمة،أما فريدة فمدّت يدها إلى الميكروفون. ساد الصمت داخل قمرة القيادة للحظة،قبل أن يصل صوتها إلى جميع أنحاء الطائرة _حضرات السادة والسيدات الركاب،نود أن نبلغكم أن الطائرة تعرضت لعطلٍ فني وبناءً عليه سنضطر إلى الهبوط الاضطراري في أقرب مطار مناسب. توقفت للحظة قصيرة،ثم تابعت بنبرة ثابتة وهادئة:نرجو من حضراتكم الالتزام بمقاعدكم وربط أحزمة الأمان،واتباع تعليمات طاقم الضيافة...كما نود أن نطمئنكم أن الإجراءات اللازمة يتم اتخاذها للتعامل مع الأمر،وبمجرد حل المشكلة سنستكمل رحلتنا إلى وجهتنا. أنهت حديثها،وأعادت الميكروفون إلى مكانه. وفي المقصورة بدأ الهدوء الذي كان يملأ المكان قبل دقائق يتبدل. تبادل بعض الركاب النظرات،بينما بدأ آخرون يلتفتون نحو النوافذ. قال مصطفى وقد اختفت ابتسامته السابقة:عطل فني؟ نظر إليه هاني وقال بهدوء:ما تقلقش _أنا مش قلقان رفع آدم عينيه إليه وقال:أيوة طبعًا نظر مصطفى إليه وقال بتساؤل:هو أنا شكلي قلقان؟ أراح آدم ظهره إلى المقعد وقال:جدًا زفر مصطفى،ثم شبك أصابعه ببعضها وقال:أنا بس بحاول أفهم قالي هاني:مفيش حاجه تفهمها...استنى نشوف اللي هيحصل ظل مصطفى صامتًا للحظة،ثم قال:طب هو الهبوط الاضطراري ده عادي؟ التفت إليه آدم:مصطفى _نعم؟ -اسكت نظر إليه مصطفى باستنكار:ده تشجيع؟ لم يرد آدم،فأدار وجهه نحو النافذة. في قمرة القيادة كانت فريدة تتابع المؤشرات أمامها،فيما كان ماجد يتواصل مع برج المراقبة. تتابعت التعليمات عبر جهاز الاتصال،ثم أنهى ماجد الحديث والتفت إليها:المدرج جاهز أومأت فريدة وهى تقول:تمام بدأت الطائرة في تغيير مسارها تدريجيًا،لم تعد متجهةً إلى لندن. انحرفت عن الخط الذي كان من المفترض أن تسلكه قبل ساعات،كانت الآن تتجه نحو مطارٍ لم يكن أيٌّ من ركابها قد خطط للوصول إليه. قال ماجد:بدأنا في النزول تابعت فريدة القراءات أمامها:تمام كمل تحركت الطائرة تدريجيًا نحو الأسفل. وفي المقصورة شد معظم الركاب أحزمة الأمان،بينما كان طاقم الضيافة يتأكد من التزام الجميع بتعليماتهم. لم يعد أحد يتحدث بصوت مرتفع،حتى مصطفى الذي لم يصمت منذ بداية الرحلة تقريباً،جلس هذه المرة هادئًا. نظر آدم إليه وقال:مالك؟ لم يلتفت إليه مصطفى وقال:مركز ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه آدم الذي قال:مركز في ايه؟ أجاب بصوت منخفض:في الدعاء لم يستطع هاني منع ابتسامته،بينما أغمض آدم عينيه للحظة. بدأ المطار يظهر في المسافة،ثبتت فريدة نظرها أمامها بينما كانت يداها تتحركان بين الأجهزة. أخذت نفسًا عميقًا،ليقول ماجد:جاهزة؟ لم تلتف إليه بل قالت وهى تنظر أمامها:جاهزة استمرت الطائرة في الهبوط. كان المدرج يقترب شيئًا فشيئًا،وفي تلك اللحظة بدا كل شيء يسير كما ينبغي. لم تكن فريدة تعلم أن الهبوط نفسه...لن يمر بسلام. اقتربت الطائرة من المدرج،كانت الأرض ترتفع في مجال الرؤية أمام فريدة شيئًا فشيئًا،بينما انخفضت المسافة التي تفصلهم عن لحظة الهبوط. ساد صمتٌ ثقيل داخل قمرة القيادة،لم يكن هناك ما يحتاج إلى قوله،كل كلمة في تلك اللحظة كانت قد تصبح عبئًا زائدًا. ثبتت فريدة نظراتها أمامها،فيما جلس ماجد إلى جوارها يتابع الأجهزة. كان المدرج يمتد أمامهما.. قريبًا..أقرب مما بدت قبل لحظات سألها ماجد دون أن يحوّل نظره عنها:جاهزة؟ أجابته بصوت ثابت:جاهزة وفي اللحظة التالية لامست عجلات الطائرة الأرض. انطلقت شهقات متفرقة داخل المقصورة،تشبث بعض الركاب بمقاعدهم،فيما أغمض آخرون أعينهم انتظارًا لانتهاء اللحظة. بدأت الطائرة تتحرك فوق المدرج. في البداية بدا كل شيء طبيعيًا،لكن شيئًا ما لم يكن كذلك. شعرت فريدة بالتغير قبل أن تدرك مصدره،اهتزت الطائرة اهتزازًا عنيفًا،رفعت رأسها فجأة وقالت:ماجد لم يكد يلتفت إليها حتى دوّى صوتٌ هائل،كان قويًا إلى الحد الذي جعل الكلمات تختفي من الوجود،اهتزت الطائرة بقوة شديدة واندفع كل ما بداخلها للحظةٍ خارج نظامه. وفي الخارج وقع الاصطدام،اصطدم أحد جانبي الطائرة أثناء الهبوط،فارتج الهيكل كله بقوةٍ هائلة. تحولت مقصورة الركاب إلى لحظةٍ من الفوضى. صرخات. أصوات ارتطام. حقائب سقطت من أماكنها. وأجساد اندفعت بقوةٍ داخل أحزمة الأمان. فتح آدم عينيه في اللحظة نفسها التي اهتز فيها جسده بقوة،توقفت أنفاسه للحظة. سمع صوتًا قريبًا منه،كانت صرخة،ثم أخرى. التفت بسرعة كان مصطفى قد انحنى فوق مقعده ممسكًا بذراعه،بينما حاول هاني أن يستعيد توازنه. صرخ آدم:إنتوا كويسين؟ رفع هاني رأسه بصعوبة وقال:أيوة لكن صوته لم يكن واثقًا،التفت آدم حوله لم يكن الأمر كما كان قبل لحظات. لم تعد المقصورة الهادئة التي كان الركاب ينامون فيها ويتحدثون،بل كان هناك بكاء،وصراخ،وأشخاص يحاولون استيعاب ما حدث وشخص ينادي باسم أحدهم. كانت لحظة واحدة فقط،لكنها كانت كافيةً لتغيير كل شيء. أما في قمرة القيادة،فقد كان الأمر أقرب من اللازم حيث شعرت فريدة بالاصطدام في جانبها. جاء الألم مفاجئًا وعنيفًا،حتى أن أنفاسه انقطعت لحظة،اصطدم جسدها بقوة واندفعت رأسها إلى الجانب. شهقت و وضعت يدها على موضع إصابتها،محاولةً التقاط أنفاسها.كان الألم يزداد مع كل حركة،أغمضت عينيها للحظة. لحظة واحدة فقط،ثم فتحتها ورفعت رأسها بصعوبة. كانت الأصوات من حولها متداخلة. الأجهزة... صوت ماجد.. وضجيج لا تستطيع تمييز مصدره. _فريدة! وصلها صوته بعيدًا في البداية،ثم أصبح أوضح _فريدة إنتِ سمعاني؟ حاولت أن تدير رأسها نحوه،كان الألم حادًا:أنا... توقفت،حاولت التقاط أنفاسها،ثم قالت:أنا كويسة نظر إليها ماجد بصدمة:كويسة ايه...إنتِ مصابة خفضت فريدة نظرها للحظة،كانت تشعر بأن جسدها لم يعد يستجيب لها كما ينبغي،رأسها ثقيل،وأنفاسها أصعب. والألم يمتد في جسدها مع كل محاولة للحركة،لكنها لم تلتفت إلى نفسها، بل رفعت عينيها نحوه وقالت:الركاب عقد ماجد حاجبيه وقال:ايه؟ قالت بصعوبة أكبر:الركاب لازم نوصلهم _إحنا بالفعل يا فريدة.. قاطعته وقالت:ماجد نظر إليها كانت ملامحها شاحبة،لكن نظرتها لم تتغير. جاء صوتها متقطعًا:هنكمل لحد ما نقف في مكان آمن ساد الصمت للحظة،كان يعرف أنها تتألم فهو يرى ذلك بوضوح. لكنه رأى أيضًا أنها لن تسمح لنفسها بالاستلام الآن،فأومأ برأسه وعادت فريدة إلى التركيز أمامها. كانت الثواني التالية تمر ببطءٍ قاسٍ،كل حركةٍ أصبحت تؤلمها،كل نفسٍ تحتاج إلى مجهود. شعرت بالدوار يقترب منها تدريجيًا،لكنها قاومته،كانت تسمع ماجد يتحدث.ترد عليه ثم تعود إلى التركيز. لم تكن تفكر في إصابتها،لم تفكر في الألم،كان كل ما يشغلها في تلك اللحظة هو الأشخاص الموجودون خلف الباب. الركاب وطاقم الطائرة. الأشخاص الذين صعدوا إلى الطائرة وهم يثقون بأنها ستوصلهم إلى وجهتهم، وكان عليها الآن أن تصل بهم إلى النهاية. توقفت الطائرة أخيراً وحين ساد السكون للمرة الأولى،بدا الصمت نفسه غريبًا. أغمضت فريدة عينيها،خرجت منها أنفاس مرتجفة. لقد وصلوا أخيراً. في الخارج بدأت سيارات الطوارئ تقترب من الطائرة،وخلال دقائق كان العاملون يحيطون بها من كل جانب. بدأت الأبواب تُفتح واندفع أفراد الإنقاذ وفرق المساعدة إلى الداخل،كان المشهد في المقصورة مؤلمًا. عدد من الركاب تعرضوا لإصابات مختلفة،كما لم يسلم طاقم الضيافة من آثار ما حدث. كانت بعض المضيفات تحاولن رغم إصابتهن مساعدة الركاب،قبل أن يطلب منهن العاملون التوقف لتلقي المساعدة. وفي وسط ذلك كله،بدأ الأطباء الموجودون على متن الطائرة يستعيدون دورهم. كان آدم قد وقف بالفعل،تحرك بين المقاعد يتفقد المصابين ويساعد من يستطيع فيما تعاون زملاؤه معه. أما مصطفى وهاني فرغم ما تعرضا له،لم يترددا في مساعدة الآخرين. وفي مقدمة الطائرة،فتح الباب المؤدي إلى قمرة القيادة،دخل عدد من العاملين. كان ماجد أول من حاول التحرك،التفت إلى فريدة كانت لا تزال في مقعدها،رأسها مائل إلى الجانب،وأنفاسها أصبحت أبطأ. اقترب منها بسرعة:فريدة لم يجد رد. _فريدة! حاول مساعدتها على النهوض،لكن جسدها لم يتحرك بسهولة،كانت الإصابة قد أنهكتها أكثر مما أظهرت. _لازم نطلع يا فريدة. فتحت فريدة عينيها بصعوبة،بدت نظراتها غير مستقرة،تمتمت بصوتٍ ضعيف:الركاب! انحنى نحوها وقال:كلهم بيخرجوا،وإنتِ كمان لازم تطلعي دلوقتي حاولت أن تتحرك،لكنها لم تستطع. وضعت يدها للحظة على مقود الطائرة ثم توقفت فجأة،شعرت بكل شيء يدور من حولها. تداخلت الأصوات،وأصبح وجه ماجد أمامها ضباييًا. _فريدة! سمعته يناديها،لكن صوته بدأ يبتعد،حاولت أن تفتح عينيها أكثر،أن تقاوم كما فعلت طوال الدقائق الماضية،لكن جسدها لم يعد قادرًا على المقاومة. _فريدة أغمضت عينيها وأنطفأ كل شيء،تجمد ماجد للحظة ثم هتف بصوتٍ مرتفع:حد يجيب مساعدة بسرعة. وخارج قمرة القيادة،كان آدم يتحرك بين المصابين. لم يكن يعلم أن الفتاة التي رآها قبل ساعات وصعدت أمامه الطائرة بزيها الرسمي...في تلك اللحظة تصارع الموت في مقدمة الطائرة. يُتبع...

أكملت هذا الفصل

تابع إلى الفصل التالي.

تفاعل مع الفصل
2 تفاعل
قيّم هذا الفصل
5.00 / 5 · 2 تقييم

التعليقات

0 تعليق
لا توجد تعليقات على هذا الفصل حتى الآن.

فصول الرواية

12 فصل