اصطفت الحافلات أمام بوابة المستشفى بعد انتهاء الإجراءات الخاصة بإقامة الأطباء وطاقم الضيافة.
بدأ الجميع في الخروج تباعًا يحمل بعضهم حقائب صغيرة،بينما بدا الإرهاق واضحًا على وجوه الآخرين.
كان يومهم قد بدأ برحلةٍ عادية.
رحلة إلى لندن،ثم مؤتمر طبي..كانت عدة ساعات يقضونها في الطائرة ثم يعود كل شخص إلى حياته الطبيعية. لكن لم يحدث شيئًا من ذلك.
فقد تحولت الرحلة إلى حادث،وتحولت وجهتهم إلى مدينةٍ لم يعرف معظمهم حتى اسمها.
صعد الأطباء إلى الحافلات،جلس مصطفى إلى جوار النافذة بينما جلس رامي بجانبه..أما بقية الأطباء فتوزعوا في المقاعد خلفهما وتحركت الحافلات ببطء.
ظهرت المدينة أمامهم شيئًا فشيئًا،كانت الشوارع مختلفة تمامًا عمّا اعتادوا عليه.
مبانٍ قديمة ذات طابعٍ أوروبي تقف إلى جوار مبانٍ أحدث،بينما امتدت الطرق أمامهم في هدوء.
كانت اللافتات المنتشرة على جانبي الطريق مكتوبة بحروفٍ لم يتمكن أحدٌ منهم من فهمها.
ظل مصطفى ينظر من النافذة،ثم قال:هو إحنا فين؟
التفت إليه رامي وقال:في الأتوبيس
نظر إليه مصطفى بملل وقال ساخرًا:ماشاء الله،ذكاء خارق
ابتسم رامي وقال:ما هو السؤال اللي إنت سألته يستاهل الإجابة دي
_قصدي إحنا في دولة ايه
نظر رامي حوله وقال:مش عارف
أعاد مصطفى رأسه إلى النافذة ليرى مرور الحافلة بعددٍ من المتاجر والمباني السكنية.
كان الناس يتحركون في الشوارع بصورة طبيعية،لكن عددًا ملحوظًا منهم يرتدي الكمامات.
رجلٌ يسير بمفرده.
امرأة تقف أمام أحد المتاجر.
شابان يعبران الطريق،كل هؤلاء لم يرتدوها لكنها موجودة بما يكفي لتظهر أمام أعينهم أكثر من مرة.
ومع ذلك...لم يتوقف أحد عند الأمر،ففي تلك اللحظة كانت المدينة بأكملها غريبة عنهم ولم يكن أي تفصيل فيها كافيًا ليجعلهم يتساءلون.
أكملت الحافلات طريقها وبعد فترة توقفت أمام مبنى كبير.
هبط الجميع أمام المبنى ليرفع عددٌ منهم رؤوسهم نحو الفندق،ثم بدأوا في الدخول.
كان البهو واسعًا،هادئًا وتوزع فيه عددٌ من الموظفين.
وما إن دخل الأطباء حتى بدأت أصواتهم تختلط بلغةٍ لم يألفوها.
توقف مصطفى ونظر إلى رامي:إنت فاهم حاجه من اللي بيقولوها؟
هز رامي رأسه وقال بإبتسامة خفيفة:ولا كلمة...عامل زي الأطرش في الزفة
تابع مصطفى حديث مجموعة من الأشخاص بالقرب منه،ثم عقد حاجبيه وقال:دي لغة ايه دي؟
_ما أنا لو عارف كنت قولت لك
اقتربوا من مكتب الاستقبال،كان رجل يقف خلفه ويتحدث إلى أحد الأشخاص باللغة المحلية.
انتظر الأطباء قليلًا،وما إن انتهى الرجل حتى التفت إليهم وقال:أهلا وسهلا، اتفضلوا
ساد الصمت لثانية،أما مصطفى فحدق فيه وقال:إنت بتتكلم مصري؟
ابتسم الرجل وقال:أيوة يا باشا
اقترب مصطفى منه وعانقه وقال:ده أنا كنت فقدت الأمل يا جدع
ضحك الموظف على رد فعل مصطفى لكنه قال بعملية:تحت أمرك يا فندم.
اقترب أحد الأطباء من مكتب الاستقبال وقال:معلش هو إحنا في دولة ايه؟
نظر إليه الرجل متبسمًا:صربيا يا فندم
تبادل الأطباء النظرات،ثم أضاف الرجل:تحديدًا في مدينة نيش
قال مصطفى مازحًا:نيش ولا سفرة
التفت إليه جميع الأطباء فخفض نظره وقال:آسف
أثناء حديثهم مرّ بجوارهم أحد المواطنين وهو يتحدث باللغة المحلية في هاتفه،التفت إليه مصطفى ثم عاد بنظره إلى موظف الاستقبال وقال:أنا مش فاهم حاجه حضرتك بتتكلم زينا...والراجل ده بيتكلم لغة إحنا مش فاهمينها والمفروض نتعامل معاكم عادي؟
_ده الوضع هنا يا فندم
-واضح إننا هنحتاج مترجم
رد رامي عليه:إنت محتاج مترجم حتى وإحنا في مصر
التفت إليه مصطفى وقال:شكرًا على الدعم
بدأ موظف الفندق في إنهاء إجراءات دخولهم،ثم تسلم كلٌّ منهم بطاقة غرفته وبدأت المجموعة تتفرق.
قال أحد الأطباء وهو ينتظر المصعد الكهربائي:أنا أول ما هدخل الأوضة هنام..صربيا بقى الفلبين هنام يعني هنام
رد مصطفى بإبتسامة:وأنا أول ما أدخل الأوضة هطلب أكل
نظر إليه رامي وقال:طبيعي مش مستغربين
_هقول تاني الإنسان لازم يرتب أولوياته يا جماعة
ضحك بعضهم ثم اتجهوا نحو المصاعد.
في دقائق كان الممر الطويل قد أصبح هادئًا بعدما دخل كل واحدٍ منهم غرفته وأُغلق بابٌ تلو الآخر.
لم يكن أحد منهم يعرف المدينة،ولا اللغة ولا يعرفون كم سيبقون فيها،لكنهم مرهقين إلى درجةٍ جعلت كل تلك الأسئلة تؤجل إلى وقتٍ لاحق.
أما الآن...فلم يكن هناك ما يريدونه أكثر من النوم.
وفي الخارج استمرت مدينة نيش في حياتها شبه الهادئة.
صباح اليوم التالي
القاهرة
انقطعت البرامج الصباحية للحظات وظهر شريطُ عادل أسفل الشاشة
"عاجل:سقوط طائرة ركاب متجهة إلى لندن بعد تعرضها لعطل أثناء الرحلة"
توقفت رانيا أمام التلفاز،لم تكن قد انتبهت في البداية إلى الخبر؛ مجرد حادث طائرة آخر يمر في نشرات الأخبار،خبرٌ مؤلم لكنه بعيد عنها...إلى أن ظهر رقم الرحلة على الشاشة.
تجمدت عيناها،ظلت تحدق في الشاشة كأنها تحاول أن تقرأ الرقم مرة أخرى رغم أنها قرأته بوضوح.
اتسعت عيناها وسقط الهاتف من يدها على الأريكة بعدما راجعت محادثتها مع فريدة ليلة أمس وظهر نفس رقم الرحلة.
_لا..لا لا لا
خرجت الكلمة هامسة مرتجفة،اقتربت من التلفاز بسرعة حتى كادت تلتصق بالشاشة.
كان المذيع يتحدث بصوتٍ جاد:مازالت التفاصيل غير مكتملة بشأن الحادث،إلا أن المعلومات الأولية تشير إلى أن الطائرة كانت في طريقها إلى لندن قبل أن تضطر إلى الهبوط اضطراريًا في أحد مطارات صربيا..
لم تسمع رانيا بقية الجملة،بل تحدق في الشاشة وفي رقم الرحلة فقط.
بعد ثوانٍ عادت عيناها إلى الشريط الإخبار "لا توجد حتى الآن معلومات كاملة عن حالة جميع الركاب وأفراد طاقم الطائرة"
ابتلعت ريقها بصعوبه قبل أن تلتقط هاتفها وتقوم بالاتصال بفريدة.
مرة
مرتين
ثلاثًا..لا إجابة.
نظرت إلى الشاشة وهى لا تزال تسمع صوت المذيع من بعيد:وتؤكد المصادر أن السلطات المحلية تواصل عمليات الإنقاذ والتحقيق،بينما لم تعلن حتى الآن أسماء المصابين أو تفاصيل حالتهم الصحية
ارتعشت يد رانيا وهى تحاول الاتصال مرة أخري لكن دون رد.
هذه المرة لم تستطع أن تبقى واقفة،جلست على طرف الأريكة وأسندت الهاتف إلى أذنها كأنها تنتظر أن يحدث شيء خارق...أن يأتي صوت فريدة فجأة ويضحك من خوفها،لكن الاتصال قد انقطع.
فتحت محادثتهما كانت آخر رسالة من فريدة قبل الرحلة،رسالة عادية جدًا لا شيء فيها يمكن أن يفسر هذا الرعب الذي يجتاحها الآن.
كتبت لها رانيا بسرعة:فريدة ردي عليا بالله عليكِ
ثم أرسلتها.
كان المذيع قد بدأ يعرض صورًا للطائرة من أرشيف الشركة،ثم ظهرت خريطة لمسار الرحلة:وتفيد المعلومات بأن على متن الطائرة عددًا من الركاب من بينهم مجموعة من الأطباء المصريين الذي كانوا متجهين إلى لندن لحضور مؤتمر طبي.
شهقت رانيا وقالت:الأطباء
وضعت يدها على صدرها فهي تعرف أن فريدة تقود طائرة تحمل مجموعة من أكفئ الأطباء في مصر.
والآن ولأول مرة أصبح الأمر حقيقيًا أمامها،ليست طائرة مجهولة،ليست رحلة لا تعرف عنها شيئًا،بل إنها رحلة فريدة.
شعرت ببرودة تسري في أطرافها،وبدأت أنفاسها تتسارع.
لم تعد تسمع المذيع بوضوح،صوته أصبح بعيدًا متقطعًا،بينما كانت عيناها معلقتين بالشاشة.
ظهر سطر جديد "لم يتم الإعلان عن أسماء أفراد طاقم الطائرة أو الأطباء المصريين الموجودين على متنها"
هنا انهارت آخر ذرة من تماسكها،جلست على الأرض بجوار الأريكة دون أن تشعر وضمت ركبتيها إلى صدرها.
كانت تحاول أن تقنع نفسها بأن عدم وجود اسم فريدة في الأخبار يعني أنها بخير،لكن عقلها لم يكن يطاوعها.
ربما لم يعلنوا الأسماء بعد لأنها مصابة!
لم تستطع إكمال الفكرة،أغمضت عينيها بقوة وبدأت الدموع تنزل رغمًا عنها،قالت بصوت مبحوح:يارب تكون كويسة.
لندن
كانت تقف في المطبخ منذ الصباح تنتقل بين الأطباق وهى تبتسم.
وضعت آخر طبق على المائدة ثم ابتعدت خطوة تتأمل ما أعدته،كان كل شيء حاضرًا.
الأطباق التي يحبها آدم،الطعام الذي اعتاد أن يطلبه كلما جاء إلى المنزل وحتى الحلوى التي تعرف أنه لا يستطيع مقاومتها.
ابتسمت برضا ثم عادت لتتأكد من شيء في المطبخ قبل أن تسمع صوت زوجها خلفها يقول:صباح الخير...ايه الوليمة دي كلها
التفتت إليه وكانت ابتسامتها أكبر من أن تخفيها:آدم جاي
توقف للحظة،ثم ابتسم وقال:آدم؟
_أيوة
قالتها بفرحة طفولية لم تستطع إخفاءها،ثم مسحت يديها في طرف مئزرها واقتربت من المائدة وقالت:إنت عارف أنا مستنية اللحظة من 3 سنين فطبيعي أعمله كل اللي بيحبه
جلست إلى جوار المائدة وأخذت ترتب أحد الأطباق رغم أنه مرتبًا بالفعل.
_وحشني اوي..إنت مش متخيل أنا مستنية اليوم ده قد ايه،من وقت ما جيت هنا وأنا...
انقطع صوتها،لم تكن قد أنهت جملتها حين جاء صوت المذيع يقول:سقوط طائرة ركاب كانت في طريقها إلى لندن
توقفت يدها وهى ترفع رأسها ببطء وتبادلت النظرات مع زوجها.
كانت شاشة التلفاز تعرض صورًا للطائرة،بينما ظهر شريط أحمر أسفل الشاشة.
"سقوط طائرة ركاب بعد تعرضها لعطل أثناء الرحلة... ولا معلومات حتى الآن عن مصير جميع الركاب وأفراد الطاقم"
تغير وجهها في لحظة وهي تقول بصوت خافت:لا لا
كان زوجها قد اقترب منها وهو يقول:اهدي خلينا نسمع التفاصيل
لكنها لم تكن تسمع إلا كلمة واحدة "طائرة"
ثم ظهرت خريطة لمسار الرحلة وفي تلك اللحظة خرج صوتها مرتجفًا:هو..هو كان مسافر النهارده
_مين؟
التفتت إليه وقالت:آدم
سكت زوجها لحظة،ثم قال بسرعة:ما نعرفش إذا كان على الطيارة دي ولا لا
_طيب ما تتأكد يا مازن
اقتربت منه وامسكت بذراعه:بالله عليك اتأكد،شوف الرحلة دي مين كان عليها...شوف آدم كان مسافر على انهي رحلة
-حاضر بس ممكن تهدي
أخرج هاتفه واتصل بأحد معارفه،بينما وقفت هي أمام التلفاز لا تتحرك،عيناها معلقتين بالشاشة والمذيع يكرر أن المعلومات لا تزال غير مكتملة:السلطات لم تعلن حتى الآن اسماء الركاب أو أفراد طاقم الطائرة
وضعت يدها على صدرها وهى تقول بدعاء:يارب
كان زوجها قد أنهى المكالمة الأولى واتصل بشخص آخر:أيوة محتاج منك تتأكدلي من رحلة رايحة لندن النهارده...اه رحلة الصبح....طب رقمها ايه؟ ماشي شوفلي قايمة الركاب لو تقدر
أنهى المكالمة وانتظر لدقائق،ثم قام بالاتصال بشخص آخر.
وهي لم تتحرك من مكانها،كانت كل ثانية تمر تجعل الخوف أثقل.
نظرت إلى المائدة التي أعدتها منذ قليل،كل شيء مازال في مكانه.
الطعام الذي يحبه آدم،الأطباق التي اختارتها من أجله،الحلوى التي كانت تنتظر أن تضعها أمامه وهي تضحك عليه لأنه دائمًا يقول إنه لن يأكل كثيرًا ثم ينتهي به الأمر بطلب المزيد.
قبل دقائق كانت تبستم وهي تتخيل لحظة دخوله،والآن لم تعد قادرة حتى علي تخيلها.
عاد زوجها إليها بعد أن أنهى عدة إتصالات،كانت تنظر إليه وكأنها تنتظر منه كلمة واحدة
_عرفت حاجه؟
هز رأسه ببطء:لسه
_طب حاول تاني
-ما أنا بحاول يا ريم
_أسأل حد تاني..أي حد يا مازن
-حاضر
اتصل مرة أخرى،هذه المرة ابتعد خطوات قليلة بينما بقيت هي أمام التلفاز،كانت تحاول أن تبدو هادئة لكن أصابعها كانت ترتجف.
ظهر المذيع من جديد:لا تزال عمليات البحث والإنقاذ جارية،ولم تصدر قوائم رسمية بأسماء الركاب أو المصابين أو الضحايا إن وجدت
شعرت بقلبها يهبط في صدرها،لم تعد تريد أن تعرف شيئًا آخر تريد فقط أن تسمع صوته،أن يقول لها كما اعتاد:ازيك
التفتت إلى زوجها كان لا يزال يجري اتصالاته،قالت بقلق:طمني
نظر إليها ولم يجد ما يطمئنها به:والله يا حبيبتي حاولت أعرف لكن مفيش أي معلومة مؤكدة
عادت بعينيها إلى الشاشة،كانت واقفة أمامها عاجزة عن فعل أي شيء،كل ما استطاعت فعله هو أن تكرر بصوت يكاد لا يُسمع:يارب آدم ما يكونش معاهم
ثم وضعت يدها على فمها وحاولت حبس دموعها،لكنها لم تستطع فقد كانت تنتظر تلك اللحظة منذ ثلاث سنوات،والآن للمرة الأولى منذ أن سافرت لم تكن تعرف أين هو ولا إن كان سيعود إليها.
أشرقت الشمس على مدينة نيش بهدوء،وأنسكبت أشعتها بين المباني القديمة والواجهات الحديثة بينما بدأت الشوراع تستعيد حركتها تدريجيًا.
في الفندق كان الهدوء الذي خيّم على المكان طوال الليل قد بدأ ينحسر.
تُفتح الأبواب واحدًا تلو الآخر،وتتعالى أصوات خطوات متعبة في الممرات قبل أن يتجه الأطباء إلى المطعم لتناول الإفطار.
كان التعب واضحًا على وجوه الجميع،ليلة واحدة فقط مرّت منذ الحادث لكنها بدت لهم كأنها أسبوع كامل.
جلس مصطفى إلى الطاولة وأسند ظهره إلى المقعد وهو يتنهد:أنا مش مصدق إننا لسه عايشين بعد اللي مرينا بيه امبارح
نظر إليه أحد الأطباء بجواره وقال:كان يوم صعب أوي..تقريبًا ده أصعب يوم في حياتي
طبيب آخر:الله يجازي اللي كان السبب
ضحك طبيب آخر وقال:هيجازيها أكتر من كده ايه
ضحك بعضهم،بينما تفحص بعضهم قائمة الطعام الموضوعة أمامهم.
تحدث طبيب ثالث وقال:هو إحنا هنفطر ايه هنا؟
اقترب منه مصطفى ونظر إلى القائمة وقال:هنشوف يمكن نفهم حاجه
قلب الورقة من الأمام إلى الخلف وقال:ولا كلمة عربي
قال طبيب آخر:ولا حتى إنجليزي يا شباب
رفع مصطفى عينيه عن القائمة وقال:طب إحنا كنا بنقول إن الفندق فيه حد بيتكلم مصري فعادي كان بيساعدنا...دلوقتي نعمل ايه نروح ننادي عليه
ضحك الطبيب وقال بسخرية:وإنت فاكر إنه هيشتغل جارسون يعني
_مش مهم،المهم ينقذنا..الجوع كافر يا ناس
-إحنا نختار بالصور وخلاص...الصورة اللي تعجبنا نطلبها
قال مصطفى:فكرة حلوة بس يارب يطلع حلال
وبالفعل قاموا بطلب الطعام بناءً عن الصور وبعد دقائق وصل الإفطار.
بدأ الجميع يتناولون الطعام في صمت نسبي،بينما راحت أعينهم تتجول في المكان،لم يكن المطعم يشبه أي مكان اعتادوا تناول الإفطار فيه في القاهرة.
اللغة من حولهم مختلفة،الوجوه مختلفة،وحتى طريقة تقديم الطعام كانت تحمل شيئًا من خصوصية المكان.
رفع مصطفى كوب القهوة،ارتشف منه رشفة ثم وضعه على الطاولة وقال:القهوة دي مش حلوة زي اللي بتتعمل عندنا في مصر
ثم أراح ظهره وقال وهو يستعيد ذكرياته:يا سلااااااام كان الواد حسين عليه شوية قهوة،فين أيامك يا حسين
تعالت الضحكات حول الطاولة للمرة الأولى منذ الحادث.
نظر إلى حنان وقال:فاكرة حسين يا دكتورة حنان
هزت رأسها وقالت:وهو حسين يتنسي.
ظلوا يتحدثون جميعهم إلى أن انتهوا من الإفطار وخرجوا من المطعم إلى الشارع.
توقفوا للحظات أمام المدخل،كان الهواء الصباحي باردًا ومنعشًا والمدينة أمامهم تتحرك بوتيرة هادئة.
سيارات تمر في الشارع،أشخاص يتجهون إلى أعمالهم وآخرون يجلسون في المقاهي المنتشرة على الأرصفة.
نظر أحد الأطباء حوله وقال:غريبة
سأله مصطفى:ايه؟
_حاسس إننا بعيد اوي
ابتسم رامي وقال:ما إحنا فعلاً بعيد
بدأوا في السير معًا،كانت اللافتات المكتوبة بالصربية تملأ الشوارع،حروفها تبدو لهم مألوفة في شكلها لكنها بلا معنى في أذهانهم.
كلما مروا بجانب أحد المحال توقف أحدهم للحظات يحاول قراءة الاسم
رامي:حد فاهم حاجه؟
جاءه الرد من الخلف:ولا حرف
_طب ليه واقف بتقرأ
-بحاول أدي نفسي فرصة
ضحكوا مجددًا ثم أكملوا سيرهم،كان خروجهم من الفندق أشبه بمحاولة لإستعادة شيء طبيعي افتقدوه منذ لحظة سقوط الطائرة.
لا حديث عن الطائرة
لا حديث عن التحقيق
ولا حتى عن تفاصيل الساعات الماضية، فقط مجموعة من الأطباء يمشون في مدينة لا يعرفون عنها شيئًا،يحاولون أن يتعاملوا مع يوم جديد كما لو أن حياتهم لم تنقلب رأسًا على عقب بالأمس.
وفي مكان آخر من المدينة خلف أبواب المستشفى،كان هناك من لم يبدأ يومه بعد.
فريدة مازالت راقدة تحت المراقبة، وآدم لم يغادر مكانه.
ظل آدم جالسًا على الكرسي إلى جوار سرير فريدة طوال الليل،لم يغيّر مكانه إلا بالقدر الذي يسمح له بمتابعة شاشات المراقبة والتأكد من استقرار حالتها. كان الضوء الخافت المنبعث من الأجهزة ينعكس على وجهه،بينما بقيت عيناه معلقتين بها بين الحين والآخر.
كانت الساعات تمر ببطء حتى بدأ ضوء الصباح يتسلل من خلف الستائر.
انفتح باب الغرفة ودخل هاني وهو يتثاءب،ثم توقف عندما رآى آدم مازال في مكانه.
_إنت لسه قاعد؟ النهار طلع
رفع آدم عينيه إليه وقال:ما كانش ينفع أمشي واسيبها..حالتها طول الليل كانت تستقر شوية وترجع تتدهور لحد ما الحمدلله الوضع استقر من 3 ساعات
نظر إليه هاني للحظات،ثم سأله باستغراب:يعني إنت ما نمتش؟
هز آدم رأسه بهدوء وقال:ولا غمضلي جفن
_طب ما تروح تنام كفاية كده...هما هيهتموا بيها
هز آدم رأسه رافضًا،وكان على وشك أن يرد لكنه توقف فجأة...فقد تحركت يد فريدة.
نظر الاثنان إليها في اللحظة نفسها،كانت أصابعها تتحرك ببطء فوق الغطاء،ثم ارتعشت يدها مرة أخرى.
اقترب آدم من السرير، وبعد لحظات فتحت فريدة عينيها.
في البداية لم ترَ شيئًا بوضوح،كانت الصورة أمامها ضبابية والأضواء تبدو كأنها بقع متداخلة،والأصوات تصل إليها من مسافة بعيدة.
رمشت عدة مرات،ثم بدأت الأشياء تستعيد حدودها تدريجيًا.
رأت شخصين يقفان أمامها،رجلًا هادئ الملامح ينظر إليها باهتمام،وآخر يقف إلى جواره ويراقبها.
عقدت حاجبيها في ارتباك،ثم قالت بصوت ضعيف:إنتوا مين...وأنا فين؟
اقترب آدم قليلًا وقال بهدوء:أنا دكتور آدم،وده دكتور هاني...كنا معاكِ على الطيارة،وإنتِ دلوقتي في المستشفى حمدالله على سلامتك
نظرت فريدة حولها،رأت الجدران البيضاء،والأجهزة،والسرير وأيضًا المحاليل،ثم عادت بعينيها إليه وقالت:مستشفى! هو ايه اللي حصل؟
لم ينتظر هاني أكثر قال بحدة:المفروض إحنا اللي نسألك ايه اللي حصل مش إنتِ اللي تسألينا
التفتت إليه فريدة وقالت:إنت بتزعق ليه
تجمد هاني للحظة وكأنه لم يتوقع منها أن تجيبه بهذه السرعة وبهذه الشدة،لكنه قال بانفعال:إنتِ كمان ليكِ عين تتكلمي...إنتِ السبب في كل اللي إحنا فيه
لم تهتم فريدة بكلامه،أدارت وجهها نحو آدم وقالت:إنت شكلك طيب وبتفهم...قولي في حد اتوفى أو اتصاب؟
ضحك هاني بسخرية:حد! قولي حدود...دي نص الناس مصابة بسببكم،ربنا ينتقم منكم
رمقه آدم بغضب:ما خلاص يا هاني
ثم عاد إلى فريدة وقال بهدوء:ما تقلقيش مفيش وفيات،لكن في مصابين وحالتهم مستقرة وبيتلقوا الرعاية...إنتِ الوحيدة اللي إصابتها كانت قوية،بس الحمدلله بقيتِ أحسن دلوقتي
تنفست فريدة براحة،ثم قالت ببساطة:مش مهم أنا...المهم الناس تكون كويسة
ضحك هاني ساخرًا مرة أخرى وقال:قد ايه إنتِ حنينة...ما شاء الله عليكِ بتقتلي القتيل وتمشي في جنازته
التفتت إليه فريدة ببطء،ورغم الإرهاق الواضح على وجهها إلا أن ظهر في عينيها لمعة تحدٍّ
_بقولك ايه يا جدع إنت..لو ما اتكلمتش كويس،أنا هقوم أعلمك تتكلم إزاي
أشار هاني إليها بيده وقال بلا مبالاة:اتنيلي إنتِ قادرة تقومي أصلا
مدت فريدة يدها ناحية الطاولة الصغيرة بجوار السرير،وقبل أن يدرك هاني ما تنوي فعله،أمسكت بزجاجة المياة وقذفتها نحوه.
تفاداها بصعوبة فاصطدمت الزجاجة بالحائط،اتسعت عيناه في صدمة بينما انفجر آدم ضاحكًا.
التفت هاني إليه وقال بذهول:شايف عملت ايه؟ دي واحدة عنيفة حتى وهي تعبانة،ما بتتعظش والله...أنا قولتلك بلاش ننقذها،كنت سيبتها تموت
رفعت فريدة صوتها رغم ضعفها وقالت:هي مين دي اللي تموت يا بني آدم إنت
ثم أشارت إليه بإصبعها:إنت دكتور اه..بس ما تعرفش حاجه عن الاحترام،فعلاً التعليم مش كل حاجه
اتسعت عينا هاني الذي قال:يا بت اسكتي...والله أفصل عنك الأجهزة وأموتك
ابتسمت فريدة بسخرية:ما تقدرش...ويلا اطلع بره مش عايزة أشوف وشك
نظر هاني إلى آدم،ثم أشار بيده:شايف بتعاملني إزاي
لم تجبه فريدة،بل قالت:إنت لسه هنا؟ قولتلك أطلع بره
رفع هاني يديه في استسلام وقال:تصدقي بالله أنا غلطان إني أنقذتك...كانت أيدي دي اتقطعت قبل ما أنقذ واحدة باردة زيك
ردت فورًا:مش بمزاجك تنقذني ولا لا...ده غصب عنك أصلا
التفت هاني إلى آدم،فوجده مازال يضحك فقال:ما تقول حاجه ولا إنت واقف تضحك بس
حاول آدم أن يستعيد جديته وقال:اهدي يا استاذة...هاني ما يقصدش والله،وبعدين هو اللي أنقذ حياتك
نظرت فريدة إلى هاني وقالت:متشكرين يا سيدي...أخرج بقى
ابتسم آدم وقال:ممكن طيب تهدي
ثم التفت إلى هاني:معلش يا هاني أخرج إنت دلوقتي
تأفف هاني بضيق وقال:ماشي
استدار وغادر الغرفة وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة،أغلق آدم الباب خلفه ثم عاد إلى فريدة.
اقترب من السرير وبدأ يفحصها ويتابع علاماتها الحيوية ويطمئن على مواضع الإصابة،بينما كانت هي تراقبه في صمت.
وبعد دقائق قال:الحمدلله علاماتك الحيوية أحسن بكتير..حمدالله ع السلامة
ابتسمت فريدة ابتسامة خفيفة وقالت:الله يسلمك يا دكتور...هي الناس فين؟
_ما تقلقيش الناس في الفندق..والمصابين معاكِ هنا في المستشفى ووضعهم أفضل بكتير
هزت رأسها،ثم قالت فجأة:طب أنا عايزة أمشي
نظر إليها باستغراب:ما ينفعش...ده إنتِ لسه عاملة عملية امبارح،وكمان دراعك مكسور فمش هينفع تخرجي دلوقتي
_معلش...أنا هبقى مرتاحة لما أخرج
تأملها آدم للحظات،ثم قال:طيب أنا هكلم الدكاترة وأشوف الموضوع ده
هزت رأسها:شكرًا
ابتسم آدم وقال:العفو...حمدالله على سلامتك
_الله يسلمك
اتجه إلى الباب وخرج وبقيت فريدة وحدها تتأمل المكان الذي وجدت نفسها فيه،والأجهزة المحيطة بها والسرير الذي لم تعرف كيف وصلت إليه.
كانت تحاول أن تستعيد آخر ما تتذكره،لكن ذاكرتها لم تمنحها سوى صورٍ متقطعة من الرحلة..ثم فراغ.
يُتبع...
التعليقات
0 تعليق