33%
لم تكن صدفة

لم تكن الأولى

الفصل 5

بقلم: Nermeen Reda · 2026/09/16 20:36
الفصل 5 من 12 33%
الفصل 5 1 مشاهدة آخر تحديث: 2026/09/16 20:36
خرج آدم من غرفة فريدة فوجد هاني واقفًا أمام الباب، لا يزال ينظر إلى زجاجة المياة التي سقطت على الأرض وكأنها ارتكبت في حقه جريمة. سأله آدم:إنت هتفضل باصص لها كتير رفع هاني عينيه وقال بجدية:بحاول أفهم إزاي واحدة خارجة من عملية تقدر ترمي إزازة بالدقة دي -واضح إن إصابتها مش مأثرة على إيديها رد هاني بغيظ:ولا على لسانها ابتسم آدم لكنه لم يرد،وفي تلك اللحظة ظهر ذلك الرجل المصري الذي قد أستقبل المجموعة عند وصولهم إلى هنا وتولى إبلاغهم بإجراءات الإقامة والتنقل. -دكتور آدم،دكتور هاني...ممكن دقيقة سأله آدم بهدوء:خير يا فندم لم يجب الرجل فورًا،إذ كان برفقته طبيب صربي يرتدي معطفًا أبيض ويتحدث إليه بسرعة باللغة الصربية. استمع الرجل إلى الطبيب،ثم أومأ برأسه قبل أن يلتفت إلى آدم وهاني:الدكتور بيقول إن فيه موضوع مهم بخصوص المصابين والمرضى المصريين عقد آدم حاجبيه وقال:موضوع ايه؟ عاد الطبيب الصربي إلى الحديث وكانت نبرته أكثر جدية هذه المرة،ظل الرجل المصري يستمع إليه باهتمام ثم قال:هو بيقول إن المستشفى قادرة تكمل علاج المصابين لكن لازم يبقى فيه تنسيق رسمي معاكم باعتباركم الفريق الطبي اللي كان موجود على الطيارة سأله هاني:تنسيق من أي ناحية؟ ترجم الرجل السؤال،فأجاب الطبيب الصربي بجملة طويلة فبدا على وجه الرجل شيء من التردد قبل أن يقول:فيه إجراءات لازم تتعمل...وبيطلبوا إن حد منكم يتولى التواصل مع المستشفى ومع السلطات بخصوص الحالات الطبية نظر آدم إلى الطبيب مباشرةً وقال:يعني محتاجين مسؤول طبي عن المجموعات؟ ترجم الرجل كلامه،فأجاب الطبيب بالايجاب:تقريبًا أيوة خصوصا إن بعض المصابين محتاجين متابعة،وفيه تقارير طبية لازم تتراجع وتتسلم للجهات المختصة سكت آدم لحظة،ثم سأل:وايه المشكلة ما إحنا موجودين وبنعالج المرضى تبادل الطبيب الصربي والمترجم نظرة قصيرة،ثم قال الرجل:المشكلة إن المستشفى مش عايزة تعتمد على معلومات شفوية،محتاجين بيانات رسمية عن كل مريض وأسماء الأطباء المسؤولين عنه،وكمان موافقة على استمرار بعض الإجراءات قال هاني:ورق يعني _ورق وإجراءات تنهد هاني ثم قال:إحنا لسه خارجين من حادث طيارة،هنبدأ في الورق من دلوقتي؟ نظر إليه آدم وقال:الورق جزء من العلاج يا هاني ثم عاد إلى الرجل المصري وقال:طيب ايه المطلوب مننا دلوقتي؟ ترجم الرجل السؤال،فبدأ الطبيب يشرح من جديد. كان يتحدث بهدوء لكن ملامحه لم تكن تحمل أي مساحة للمجاملة،فتح ملفًا موجود في يده ثم أشار إلى بعض الخانات،فقال الرجل:محتاجين نحدد مين هيكون المسؤول عن متابعة الحالات،ومين يقدر يوقّع على التقارير الطبية وكمان لازم نراجع بيانات كل المصابين قبل ما يتم نقل أي حد أو خروجه من المستشفى. سأل هاني:طب واللي كانوا مصابين وراحوا الفندق؟ _هيحتاجوا هما كمان مراجعة طبية قبل ما يرجعوا أو يتحركوا من مكانهم نظر هاني إلى آدم وقال:لا مش فاهم يعني حتى اللي خرجوا من المستشفى مش هيتحركوا براحتهم؟ أجاب آدم:مش قبل ما يتأكدوا إن حالتهم تسمح ثم التفت إلى الطبيب وقال من خلال المترجم:أنا هتابع الحالات الطبية،لكن لازم اعرف كل التفاصيل..مين المسؤول عن الإجراءات غير الطبية ترجم الرجل كلامه،فأجاب الطبيب ثم أشار على المترجم نفسه:هو بيقول إن أنا حلقة الوصل بينكم وبين الإدارة،لكن فيه مسؤول تاني هينضم لنا بعد شوية. أغلق الطبيب الملف،ثم قال شيئًا قصيرًا أدى إلى تغير ملامح الرجل قليلًا:فيه حاجه كمان سأله هاني:ايه! _الإدراة عايزة تعرف إذا كان فيه حد منكم بيتكلم صربي أو إنجليزي كويس ويقدر يتعامل مع الجهات الرسمية،لأن التواصل هيبقى صعب من غير مترجم طول الوقت ابتسم هاني ابتسامة جانبية،وقال وهو يضع يده على كتف آدم:إحنا عندنا دكتور آدم بيتكلم إنجليزي كويس وبيفهم في كل حاجه نطر إليه آدم ببرود وقال:أنا بفهم في الطب مش في اللغة الصربية ضحك هاني وقال وهو ينظر للرجل:هيفهمهم بالإشارة -هاني _خلاص خلاص نظر آدم للرجل وسأله:ايه المطلوب مني دلوقتي تحديدًا أجابه الرجل:تيجي معانا الإدراة هنراجع الملفات ونحدد المسؤوليات وبعدها تقدر ترجع للمصابين نظر آدم إلى غرفة فريدة وقال:أنا لازم أتابع حالة فريدة _طبعاً،وهى تحت متابعة الفريق هنا لكن الإدارة محتاجة وجودك شوية سكت آدم قليلًا قبل أن يومئ برأسه:تمام نخلص الإجراءات ونرجع تحرك الطبيب أولًا وتبعه المترجم،بينما سار هاني إلى جوار آدم. وبعد خطوات قليلة مال عليه وقال بصوت منخفض:على فكره أنا لسه شايف إن فريدة دي خطر على المجتمع نظر إليه آدم وقال:هى لسه مصابة يا هاني _ما هى دي المصيبة،إصابتها مش مانعاها من الاعتداء على الأطباء -إنت اللي استفزيتها _أنا؟ أنا كنت بطمن عليها نظر إليه آدم وقال بجدية:لا إنت كنت بتتهمها بقتل الناس _ما أنا كنت متضايق توقف آدم لحظة،ثم قال:تمام خليك متضايق براحتك بقى بس لو اتكلمت في حاجه زي دي قدام الإدارة هزعلك...إحنا قدام الإدارة هنتكلم كأطباء مسؤولة رفع هاني يديه باستسلام وقال:حاضر يا دكتور آدم،هنمثل إننا ناس محترمة تابعا السير خلف الطبيب الصربي،بينما بقي باب غرفة فريدة مغلقًا خلفهما،وبدأت أولى الإجراءات الرسمية التي ستحدد شكل إقامتهم الحقيقية في صربيا خلال الأيام القادمة. كانت غرفة الإدراة أكثر هدوءًا من بقية أرجاء المستشفى،جلس آدم أمام مكتب خشبي واسع وإلى جواره هاني،بينما جلس الرجل المصري المسؤول عن الترجمة في الجهة المقابلة وبجانبه الطبيب الصربي الذي ظل يتصفح مجموعة من الملفات الموضوعة أمامه. كان الحديث يجري بالصربية،وكلما تحدث الطبيب تولى المصري ترجمته إلى العربية _الدكتور بيقول إن الإدراة محتاجة تعرف عدد الأطباء الموجودين معاكم،وتخصصاتهم ومين هيكون مسؤول عن الحالات المصابة أجاب آدم بهدوء:إحنا مجموعة كبيرة حوالي 25 شخص وكل واحد فينا متخصص في مجال مختلف،ممكن أجيبلك أسماءهم وتخصصاتهم كلها ترجم الرجل كلامه،ثم أضاف الطبيب شيئًا آخر:وعايز يعرف مين صاحب القرار الطبي في الحالات الحرجة نظر آدم إلى هاني،ثم عاد ببصره إلى الرجل وقال:لحد ما نرجع مصر...إحنا كلنا مسؤولين عن بعض،لكن لو محتاجين اسم واحد للتنسيق ممكن يكون اسمي ترجم الرجل كلامه،فأومأ الطبيب وبدأ يكتب شيئـا في الملفات. وفي تلك اللحظة طرق أحدهم الباب،التفت الجميع إليه. فُتح الباب ودخل رجل مصري في منتصف الخمسينات،يرتدي معطفًا أبيض ويحمل ملفًا طبيًا سميكًا تحت ذراعه،توقف لحظة عند الباب ثم قال:السلام عليكم رد آدم وهاني في الوقت نفسه:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ابتسم الرجل واقترب منهم وهو يعرفهم على نفسه:أنا الدكتور عزوز مد يده إلى آدم،صافحه آدم وهو يقول:آدم ثم صافح هاني الذي قال بإبتسامة:هاني جلس عزوز إلى جوارهما،و وضع الملف أمامه وقال:أنا عرفت باللي حصل من بدري،وطلبوا مني أكون المسؤول وحلقة الوصل الطبية بينكم وبين المستشفى نظر إليه آدم باهتمام وقال:هو حضرتك شغال هنا؟ _أيوة بقالي سنين تدخل الطبيب الصربي وتحدث إليه بالصربية فاستمع عزوز باهتمام ثم أجابه بالصربية بطلاقة،رفع هاني حاجبيه بدهشة وقال:إنت بتتكلم صربي ضحك عزوز وقال:اومال كنت هعيش هنا السنين دي كلها إزاي ابتسم هاني وقال:اه صحيح ايه السؤال الغبي ده...إحنا كده وقعنا في ايد حد جامد بقى ضحك عزوز،بينما نظر آدم إلى الملفات أمامه وقال بعملية:طيب إحنا محتاجين نعرف بالظبط ايه اللي مطلوب مننا فتح عزوز الملف وقال:الموضوع بسيط من ناحية ومعقد من ناحية تانية _إزاي! -المستشفى هنا وافقت تستمر في علاج المصابين،لكن بما إن عددكم كبير وفيه أطباء من تخصصات مختلفة،فالإدارة عايزة تستفيد من وجودكم في متابعة الحالات بدل ما كل حاجه تبقى من خلال أطباء المستشفى بس قال هاني:يعني عايزينا نشترك في علاج المصابين؟ _بالظبط نظر آدم إلى عزوز وقال:وده مش هيعمل مشكلة قانونية؟ هز عزوز رأسه وقال:عشان كده أنا موجود،أي إجراء هيتعمل لازم يكون بالتنسيق مع المستشفى ومحدش فيكم هيتصرف بشكل منفرد _منطقي برضو أغلق عزوز الملف للحظات،ثم قال:وفيه نقطة تانية _ايه هي! -الطيارة ساد الصمت للحظة قبل أن يرفع آدم عينيه إليه وسأله:مالها؟ _حسب المعلومات اللي وصلتني،الأضرار أكبر مما كانوا متوقعين قال هاني:يعني؟ _يعني إصلاحها مش هيخلص بسرعة زي ما الأستاذ مختار قالكم تنهد هاني وقال:كنا متوقعين ده نظر عزوز إلى آدم وقال:بس فيه حاجه أهم..لحد ما الطيارة تتصلح إقامتكم هنا مش هتبقى مجرد إنتظار في الفندق رفع آدم حاجبه وقال:تقصد ايه ابتسم عزوز ابتسامة صغيرة وقال:هتعرفوا نظر هاني إليه باستغراب وقال:دي إجابة تقلق ضحك عزوز:ما تقلقش يا دكتور..محدش هيطلب منكم تبنوا مستشفى جديدة ابتسم هاني وقال:طيب نشتغل على المرضى يعني؟ أومأ عزوز:ده اللي كنت جاي أقوله وقف الطبيب الصربي وتحدث مع عزوز للحظات،ثم غادر الغرفة. أغلق عزوز الملف ونهض:يلا بينا؟ سأله هاني:رايحين فين؟ قال عزوز بابتسامته الهادئة:نشوف الناس اللي محتاجينكم نهض آدم وهاني خلفه وغادروا الغرفة معه،بينما بقيت الملفات مفتوحة فوق المكتب تحمل أسماء الحالات التي ستصبح أول مهمة حقيقية للفريق الطبي داخل المدينة. قبل أن يبدأوا في التحرك،أمسك عزوز هاتفه واتصل بإدارة الفندق،تحدث معهم لعدة دقائق ثم أغلق الهاتف وقال:كده تمام...طلبت يبلغوا باقي الدكاترة إننا محتاجينهم في المستشفى سأله هاني:كلهم؟ هز رأسه وقال:كلهم وبعد أقل من ساعة بدأت مجموعة الأطباء تتوافد إلى المستشفى. كان بعضهم لا يزال يرتدي ملابسه التي خرج بها من الفندق،بينما بدا الإرهاق واضحًا على وجوه آخرين لكن الفضول كان أقوى من تعبهم جميعًا. قادهم عزوز إلى قاعة اجتماعات واسعة داخل المستشفى،دخل الجميع وجلسوا حول الطاولة الطويلة. وقف عزوز في مقدمة القاعة،ثم أغلق الباب خلف آخر طبيب دخل وقال:أحب أعرفكم عن نفسي...أنا دكتور عزوز دكتور ورئيس قسم الجراحة هنا،قبل ما نبدأ حابب أطمنكم إن المصابين اللي كانوا معاكم في الطيارة حالتهم مستقرة والمستشفى بتتابعهم كويس. تنفس الجميع براحة،ثم تابع:لكن وجودكم هنا مش هيقتصر على مصابي الحادث فقط ساد الصمت قبل أن يرفع مصطفى حاجبه ويقول:يعني ايه؟ نظر عزوز إلى الجميع وقال:إحنا هنشتغل على الحالات الموجودة في المستشفى...مش بس المصابين تبادل الأطباء النظرات وقام أحدهم بسؤاله:تقصد مرضى المستشفى؟ _أيوة سألته حنان بذهول:يعني إحنا هنشتغل هنا؟ _بالظبط تدخل طبيب آخر باستغراب:إنتوا جايبنا نشتغل في مستشفى؟ قبل أن يجيب عزوز،قال طبيب آخر:استنى بس أنا مش فاهم إحنا اصلا موجودين هنا بسبب حادثة الطيارة...ايه علاقتنا بباقي المرضى؟ أخذ عزوز نفسًا عميقًا ثم قال:علاقتكم إن المستشفى محتاجاكم ثم أضاف:عدد المصريين في المدينة كبير جدًا تحدث طبيب آخر وقال:آه ده استغلال بقى...انتوا بتستغلونا؟ نظر إليه عزوز وقال:لا مش استغلال يا دكتور...في فرق بين الاستغلال والاحتياج تحدث الطبيب وقال:مفيش إختلاف انتوا ما صدقتوا تلاقوا عدد دكاترة كبير فقولتوا بدل ما نريحهم من اللي شافوه نشقيهم بقى تحدث عزوز بهدوء وقال:عيب يا دكتور اللي بتقوله ده...أنا بقولك محتاجينكم لأن عدد المصريين هنا كتير،إحنا بنطلب منكم مساعدة اخواتكم المصريين مش كل المرضى ضحك مصطفى وقال:عمال يا دكتور تقول عددهم كبير..كبير كام يعني؟ عشرين واحد! هز عزوز رأسه وقال:لا...نص المدينة مصريين ساد الصمت لثوانٍ قبل أن تنفجر عدة أصوات في الوقت نفسه -نص المدينة؟ _إزاي؟ *هو إحنا في صربيا ولا في العتبة ضحك أحدهم وقال:هى دي القاهرة وإنتوا عاملين فينا مقلب؟ أكيد ورا كل ده رامز جلال بس فين الكاميرات ضحك مصطفى وقال:اقسم بالله ما خدنا فلوس يا جمهور ولا نعرف إنه مقلب ابتسم عزوز وقال:لا إحنا في صربيا فعلاً مش في القاهرة وده مش مقلب...بس المدينة دي فيها جالية مصرية كبيرة جدًا قال رامي:بصراحة من كتر ما قابلنا مصريين من أول ما وصلنا،وأنا بدأت أشك فيكم كلكم ضحك البعض،لكن آدم ظل صامتًا ينتظر بقية الكلام..لاحظ عزوز ذلك فأكمل:بصوا يا دكاترة المستشفى هنا بتواجه ضغط كبير،الحادث لوحده تسبب في عدد كبير من الإصابات والأطباء الصرب الموجودين هنا مش ملاحقين على كل الحالات قال أحد الأطباء:يعني نفهم من كده إننا هنشتغل هنا غصب عننا عشان الضغط كبير؟ رد عزوز بهدوء:لا طبعًا -اومال ايه؟ _إحنا هنساعدهم زي ما هما بيساعدونا سكت الطبيب لحظة قبل أن يقول:يعني في النهاية هتستغلونا زي ما قولنا رفع عزوز حاجبه وقال:استغلال؟ إنتوا شايفين إن ده استغلال! ردت حنان وقالت:أيوة طبعًا...إحنا كنا في مهمة طبية محددة وفجأة مطلوب مننا نشتغل في مستشفى في بلد تانية إحنا مش عارفين فيها حد..ده مش استغلال؟ أجابها عزوز بهدوء:أنا فاهم وجهة نظرك،بس مش شايفه استغلال يا دكتورة على قد ما هو استفادة لينا كلنا ثم أشار إلى الخارج وقال:المدينة مش كبيرة اوي،وعدد المرضى اللي وصلوا بعد الحادث كبير وده عمل عجز في الطاقم الطبي هنا فطلبوا مساعدتنا بس وأضاف:وفي النهاية إحنا أطباء والناس دي محتاجة علاج ورعاية نظرت حنان حولها،ثم تنهدت وقالت:طيب تحدث طبيب آخر:وأنا موافق وتوالت الموافقات،أما آدم فقال ببساطة:نبدأ قال عزوز متبسمًا:تمام خرجوا من قاعة الاجتماعات برفقة عزوز واتجهوا إلى القسم الذي يوجد فيه المصابون. لكن بعد دقائق بدأ شيء غريب يلفت انتباههم،لم تكن كل المرضى في الأقسام الرئيسية. لاحظت حنان أن بعض المرضى يُنقلون عبر ممر جانبي بعيد عن باقي الأقسام فقالت:هو ليه الناس دي بتروح هناك؟ توقف عزوز ونظر إلى الممر ثم قال:تعالوا قادهم عبر الممر حتى وصلوا إلى باب معدني كبير،فتح أحد العاملين الباب ودخلوا. وهنا تغيرت ملامح الجميع،كان المكان أشبه بجناح منفصل تمامًا عن بقية المستشفى وعدد كبير من المرضى المصريين موجودين هناك. بعضهم يجلس على الأسرة وبعضهم مستلقٍ،وآخرون ينتظرون دورهم في الفحص تقدم أحد الأطباء نحو مريض وقال:مالك! أجابه الرجل بالعربية:تعبان بقالي كام يوم _بتشتكي من ايه؟ بدأ الرجل يشرح أعراضه،وفي الجهة الأخرى كانت حنان تتحدث مع سيدة مصرية،بينما بدأ طبيب آخر يفحص مريضًا مسنًا. أما آدم فلاحظ شيئًا،كان عدد كبير من المرضى يرتدون الكمامات،رفع عينيه إلى عزوز وقال:هو ليه تقريبًا كل الناس هنا لابسين كمامات قبل أن يجيب،قالت إحدى الطبيبات:وأنا لاحظت إن معظم الحالات عندها أعراض متشابهة نظر الجميع إليها،ثم بدأوا يتبادلون الملاحظات. الأعراض متكررة،طريقة العزل مختلفة والمكان نفسه منفصل عن المستشفى. قال هاني:هما المرضى دول ليه متجمعين هنا أصلا أجاب عزوز:دي الطريقة اللي المستشفى بتتعامل بيها معاهم سأله آدم:ليه طيب! هل هما عندهم أمراض مُعدية مثلًا؟ صمت عزوز للحظة،ثم قال:لا...لكن دي حاجه لسه بنحاول نفهمها نظر آدم حوله مرة أخرى،كانت الوجوه المصرية في كل اتجاه. مرضى ينتظرون،أطباء يحاولون اللحاق بالحالات وجناح كامل منفصل عن بقية المستشفى. وفي تلك اللحظة لم يعد وجود المصريين الكثيف في المدينة مجرد معلومة غريبة بالنسبة لهم. بدأ يتحول إلى سؤال...سؤال لم يكن أيًٌ منهم يعرف إجابته بعد. كان الخبر قد انتشر في وسائل الإعلام المصرية والبريطانية في أنٍ واحد. ظهرت المذيعة على الشاشة بملامح جادة وخلفها صورة للطائرة ومسار الرحلة وقالت:وردتنا منذ قليل معلومات جديدة بشأن الطائرة التي تعرضت لحادث أثناء رحلتها المتجهة إلى لندن..وقد تمكنت السلطات من الحصول على قائمة بأسماء الركاب وأفراد طاقم الطائرة ظهرت الأسماء تباعًا على الشاشة بالصور. كان أول اسم في القائمة "الكابتن فريدة نور الدين" ثم ظهر اسم مساعد الطيار "كابتن ماجد أبو العزم" وبدأت أسماء أفراد طاقم الضيافة في الظهور تباعًا،ثم انتقلت الشاشة إلى قائمة الأطباء الذي كانوا على متن الطائرة. د/آدم منصور د/هاني حجازي د/مصطفى أبو العلا د/رامي المصري وتوالت الأسماء. في القاهرة كانت رانيا جالسة أمام التلفاز تحدق في الشاشة دون أن ترمش تقريبًا،حين ظهر اسم فريدة شعرت بقبضة باردة تعتصر صدرها. اقتربت من الشاشة وكأنها تحاول التأكد بنفسها بأن الاسم حقيقي،ظهرت صورتها وهنا لم تستطع رانيا منع دموعها وهى تقول:يارب تكون عايشة. لم تنتظر أكثر،أمسكت هاتفها ثم غادرت المنزل متجهة إلى قسم الشرطة. دخلت رانيا إلى القسم مسرعة وتوجهت إلى مكتب الاستقبال:لو سمحت...أنا جاية أسأل عن حادث الطيارة رفع الضابط عينيه إليها وقال:حضرتك من أقارب حد من الركاب؟ _أيوة صاحبتي اسمها فريدة نور الدين...هى كابتن الطيار بحث الضابط في بعض الأوراق أمامه،ثم قال:لسه مفيش معلومات تفصيلية وصلت لنا -بس الأسماء وصلت أجابها بهدوء:اه الأسماء وصلت..بس لحد دلوقتي مش عارفين مين اتصاب ومين توفى ومين حالته ايه اقتربت منه أكثر وقالت:طب فريدة هز رأسه وقال:معرفش _يعني مش عارفين هى عايشة ولا لا؟ ساد الصمت للحظة،وقبل أن يجيب الضابط تدخل ضابط آخر كان يجلس بالقرب منه وقال:لو صاحبتك هي كابتن الطيارة فغالبًا هي من أول المصابين التفتت إليه رانيا بسرعة وقالت:ليه؟ _لأن حسب المعلومات الأولية،الطيارة حصل فيها أضرار كبيرة والجزء الخاص بالكابتن كان هو المتضرر بشكل واضح شعرت رانيا بأن قدميها لم تعودا تحملانها:يعني ايه؟ هي عايشة ولا لا! نظر إليها الضابط وقال:لسه ما وصلناش أي معلومات _طب بالله عليك طمني..ايه اللي وصلكم! -الطيارة هبطت اضطراري في صربيا والركاب والطاقم كله اتنقلوا هناك،لكن تفاصيل الإصابات لسه مش معروفة وضعت رانيا يدها على فمها وقالت بدعاء:يارب جلست على أحد المقاعد وعيناها امتلأتا بالدموع،كانت تعرف فريدة جيدًا وتعرف أنها لا تخاف بسهولة..لكنها للمرة الأولى لم تستطع أن تتخيل أين تكون صديقتها الآن ولا ماذا حدث لها. وفي لندن كانت ريم أمام التلفاز أيضًا،لكنها لم تكن تتابع الخبر كغيرها،بل كانت تنتظر فقط أن يظهر اسم واحد. وحين ظهر اسم أخيها على الشاشة وتبعته صورته تجمدت في مكانها. ظلت تحدق في الصورة طويلًا،ثم التفتت إلى زوجها وقالت وهى تُشير للشاشة:آدم لم يجب فاقتربت من الشاشة،ثم عادت تنظر إليه وقالت ببكاء:اسمه موجود يا مازن...اسم آدم موجود قال مازن بحزن:شايف يا حبيبتي _وصورته كمان موجودة جلس زوجها صامتًا،بينما قالت ريم بصوت مرتجف:أنا عايزة أنزل مصر نظر إليها وقال:دلوقتي؟ _أيوة دلوقتي -ريم إحنا مش عارفين حالته ايه قالت ببكاء:عشان كده عايزة أنزل اقتربت منه وقالت وهى تمسك يده:أنا مش هقدر أفضل هنا وأستنى الأخبار توصلني من التلفزيون...ده أخويا يا مازن وأنا لازم أكون هناك ظل ينظر إليها للحظات،ثم أومأ برأسه:حاضر تنفست ريم بارتياح ممزوج بالخوف:بجد؟ هز رأسه وقال:بجد يا حبيبتي أخرج هاتفه وبدأ يبحث عن أقرب رحلة إلى القاهرة، وبعد دقائق قال:فيه طيارة بعد 3 ساعات..احجز فيها؟ هزت ريم رأسها فورًا وقالت:احجز وبينما بدأ يحجز التذاكر،عادت ريم تنظر إلى شاشة التلفاز،كانت صورة آدم لا تزال ظاهرة بجوار اسمه. وصعت يدها على صدرها وهمست:أنا جاية يا حبيبي وهطمن عليك بنفسي. خرج آدم من الجناح الذي وُضع فيه المرضى المصريون وأغلق الباب خلفه،ثم اتجه بخطوات سريعة نحو غرفة فريدة. كان ذهنه لا يزال مشغولًا بما رآه هناك؛ المرضى،الأعراض المتشابهة وطريقة عزلهم عن بقية المستشفى. لكنه ما إن وصل إلى غرفة فريدة حتى ترك كل ذلك جانبًا،فتح الباب ودخل. كانت فريدة مستلقية على السرير تحدق في السقف بملل واضح،وما إن رأته حتى رفعت رأسها بسرعة وقالت بلهفة:ها هخرج؟ توقف آدم للحظة،تذكر فجأة أنه كان قد وعدها في الصباح أن يتحدث مع الأطباء بشأن خروجها. ضرب جبهته بخفة وقال:أنا آسف نسيت حدقت فيه فريدة باستنكار:نسيت؟ _معلش حصلت حاجات كتير من الصبح ونسيت ردت بهدوء وقالت:مش مشكلة إحنا فيها..ممكن تكلمهم دلوقتي وتقولهم أخرج ابتسم آدم رغمًا عنه،ثم سحب الكرسي وجلس بجوار سريرها:بصِ يا كابتن فريدة..إنتِ مش هينفع تخرجي من هنا دلوقتي ظهر الضيف على وجهها فورًا وقالت:ليه؟ _لأنك لسه خارجة من عملية،ولسه عندك إصابات محتاجة متابعة وما تقلقيش إحنا كلنا معاكِ هنا رفعت حاجبها:لا محدش معايا نظر إليها باستغراب:إزاي يعني -إنت مش عارفني...بص يا دكتور أنا واحدة ما بتحبش القاعدة فالراقدة دي مش جاية معايا خالص ضحك آدم وقال:واضح ثم أشار بيده إلى الغرفة:بس حتى لو خرجتي من الأوضة دي،هترجعي الفندق وتقعدي لوحدك برضو لأن كل الدكاترة تقريبًا بيشتغلوا في المستشفى هنا ونص طاقم الضيافة إن لم يكن كله مصاب هنا -بس الاسم هروح الفندق...مش هقعد في اوضة كلها ريحة بنج _طب هتعملي ايه هناك؟ -ولا حاجه ابتسم آدم وقال:بطلي نشفان دماغ بقى نظرت إليه بضيق:أنا دماغي مش ناشفة _اومال ده اسمه ايه؟ تنهدت وقالت:أنا بس مش هقدر أقعد بين أربع حيطان كتير هز آدم رأسه وقد بدا عليه أنه تفهم مقصدها:فاهمك عمومًا...بس جسمك محتاج راحة دلوقتي أكتر من أي وقت ثم قال بعد لحظة:بصِ ارتاحي النهارده وبكره إن شاء الله لما جرحك يطيب شوية هخليكِ تخرجي كل فترة تتمشي في المستشفى وترجعي تاني نظرت إليه وقالت:بجد؟ _بجد -يعني مش هفضل محبوسة هنا؟ _لا بس واحدة واحدة،لحد ما نبقى مطمنين إنك قادرة تتحركي من غير ما تأذي نفسك ظلت صامتة للحظات،ثم تنهدت وقالت:ماشي ابتسم آدم وقال:اتفقنا نهض من مكانه وقال:هسيبك أنا ترتاحي وأرجع لشغلي -ماشي _حمدالله على السلامة -الله يسلمك اتجه إلى الباب،ثم التفت إليها وقال:لو احتاجتِ أي حاجه نادي على الممرضة هزت رأسها وقالت بإبتسامة:ماشي خرج آدم وأغلق الباب خلفه،وعادت فريدة تنظر حولها. نظرت إلى الساعة،ثم إلى النافذة،ثم إلى الباب،لا شيء... لا أصوات تعرفها،لا عمل يشغلها ولا حتى كتاب أو هاتف تتسلى به. تنهدت بضيق،ثم عادت برأسها إلى الوسادة وقالت:النهارده بس يا فريدة...النهارده وبكره هتخرجي أغمضت عينيها لكنها لم تستطع مقاومة الإرهاق طويلًا،بعد دقائق قليلة غلبها النوم. استيقظت المدينة على صباح هادئ،بينما كانت أشعة الشمس تتسلل من بين ستائر غرف الفندق. في إحدى الغرف كان هاني لا يزال غارقًا في نومه،متشبثًا بوسادته وكأنها آخر شيء يربطه بالحياة. فُتح الباب فجأة وقال أحدهم:هاني لم يتحرك فقال:يا هاني اصحى فتح عينًا واحدة بصعوبة وقال بنعاس:في ايه كان مصطفى يقول:الساعة 10 أغلق هاني عينه مرة أخرى:طيب حدق فيه مصطفى باستغراب:هو ايه اللي طيب -ايوة الساعة 10 اعملها ايه _إحنا نازلين نفطر من ساعة وانت نايم فتح هاني عينيه بالكامل وقال:وإنت مالك؟ -أنا مالي! الحق عليا مستنيك _ما تنزل هو أنا طلبت منك تستناني -ما أنا نزلت كتير _معلش انزل تاني رمقه مصطفى للحظات،ثم قال:طب قوم عشان أنا لو نزلت لوحدي هطلبلك الفطار بس هأكله أنا جلس هاني على السرير بتثاقل وقال:إنت بني آدم رخم ضحك مصطفى وقال:وإنت بني آدم نايم دخل مصطفى الغرفة وألقى عليه قطعة ملابس كانت فوق الكرسي وقال:يلا بقى أمسك هاني القطعة ونظر إليها وقال:ايه دي -هدومك _متأكد؟ _والله ما اعرف مش مكتوب عليها اسمك -طب اطلع بره _ليه؟ قال هاني بانفعال:اطلع بره يا ابني عايز أغير -ماشي يا هنون خرج مصطفى وأغلق الباب خلفه. بعد دقائق اجتمع الأطباء حول إحدى طاولات المطعم،كان رامي أول من بدأ في تناول الطعام بينما كان أحد الأطباء يقلب في قائمة الطعام بحيرة:هو مفيش فول؟ قال مصطفى:إنت لسه بتدور على الفول! -ما هو فطار _إحنا في صربيا يا حبيبي _طب والبيض؟ رد رامي:موجود تحبه أومليت ولا عيون _أي حاجه مش هنختلف ضرب كفيه ببعض وقال:صبرني يارب جلس هاني أخيراً إلى الطاولة وأسند رأسه إلى يده،فقال مصطفى:مالك؟ _مصدع -من كتر النوم _لا منكم ضحك رامي وقال:هو إحنا عملنا لك ايه؟ _صحيتوني -الساعة 10 _بالنسبة لي بدري رد مصطفى:يا جماعة إحنا دكاترة ولا طلبة جامعة؟ أجابه هاني:دكاترة..بس دكاترة تعبانين ضحك الجميع وبعد لحظات جاء آدم وجلس معهم،نظر إليه مصطفى وقال:صباح الخير يا دكتور -صباح النور _نمت كويس؟ -يعني إلى حد ما قال هاني:يعني ايه إلى حد ما -يعني نمت يا هاني ثم بدأ بتناول إفطاره بهدوء بينما ظل الجميع يتحدثون في أمور متفرقة،حتى قال رامي:حد عارف الطيارة هتخلص امتى؟ تبادلوا النظرات فقال مصطفى:اخر حاجه قالوها إن الموضوع هياخد وقت _قد ايه -محدش عارف ضرب هاني يده على الطاولة وقال بانفعال:يعني إحنا هنفضل هنا لحد ما الطيارة تفتكر إنها طيارة وتشتغل؟ ضحك آدم وقال:تفتكر اه قال مصطفى:والله الرحلة دي بدأت بمؤتمر وانتهت بإقامة إجبارية في صربيا رد رامي:مؤتمر ايه بقى...هو عاد فيها مؤتمر انفجروا بالضحك وجلسوا يتناولون إفطارهم وهم يتبادلون المزاح،وكأنهم يحاولون سرقة بعض اللحظات العادية من رحلة لم تعد عادية على الإطلاق. ظهر ماجد أمامهم،توقف مصطفى عن الأكل وأشار إلى المقعد الخالي بجوار:تعالى افطر معانا يا كابتن ابتسم ماجد وقال:تسلم يا مصطفى،أنا لسه واكل ثم التفت إلى آدم وسأله:مفيش أخبار عن فريدة؟ ما إن سمع هاني اسمها حتى قطّب حاجبيه وقال بضيق:متنيلة في المستشفى...الله يخرب بيتها نظر ماجد باستغراب:هو ايه اللي حصل؟ انفجر آدم ضاحكًا وهو يقول:ولا حاجه...حدفت عليه الإزازة توقف ماجد لحظة،ثم ضحك وانفجر باقي الأطباء بالضحك هم الآخرون. قال مصطفى وهو يهز رأسه:أنا لحد دلوقتي مش مستوعب إن أول ما فاقت بدل ما تقول أنا فين حدفته بالإزازة ضحك رامي وقال:دي مش إفاقة من عملية،دي إفاقة من معركة رد مصطفى:أنا شايف إن المستشفى لازم تحط تحذير على باب أوضتها "الدخول على مسؤوليتك الشخصية ما تعملش زي هاني" رد هاني ببرود:خلصتوا؟ قال رامي:لسه إحنا بنسخن بس _طب سخنوا بعيد عني ضحك الجميع مرة أخرى،أما ماجد فظل متبسمًا قبل أن يسأل:يعني هي كويسة يا دكتور؟ رد هاني فورًا:دي فيها صحة أكتر مني ومنك...ربنا على القوي ارتفعت الضحكات حول الطاولة من جديد،حتى ماجد لم يستطع منع ضحكته،أما آدم فقال:ما تقلقش عليها حالتها بتتحسن..وتقدر تيجي معانا تشوفها نظر إليه ماجد بامتنان:ربنا يطمنك...شكرًا يا دكتور -العفو أومأ ماجد للجميع،ثم قال:أنا هطلع أغير هدومي واجهز وبعدين أنزلكم تحرك مبتعدًا عن الطاولة،وما إن اختفى عن أنظارهم حتى التفت آدم إلى هاني وعلى وجهه ابتسامة واسعة وقال:ايه يا دكتور رفع هاني حاجبه:في ايه؟ -كنت عايز تفصل عنها الأجهزة وتموتها...أهي أول ما فاقت رمت عليك إزازة ضحك مصطفى:والله يا آدم أنا لو مكانك كنت سجلت الواقعة في التقرير الطبي رد رامي بسخرية:الحالة مستقرة...والطبيب المعالج حالته النفسية تحتاج متابعة ضحك آدم بينما ضرب هاني كفًا بكف وقال:يا جماعة كفاية بقى قال مصطفى:لا والله إحنا لسه هنبدأ نظر هاني إليهم بضيق مصطنع:ربنا يوقعكم في واحدة زيها ساد الصمت لحظة قبل أن يقول رامي:ليه عشان ترمي علينا إزازة رد هاني:لا عشان تعرفوا أنا كنت حاسس بإيه مصطفى:ليه يا دكتور الإزازة وجعتك...يبقى الصداع اللي عندك مش مننا من الإزازة انفجر الجميع بالضحك مرة أخرى،بينما هو آدم رأسه وهو يبتسم:بصراحة تستاهل يا هاني...إنت اللي استفزتها -حتى إنت يا آدم! ضحك آدم وقال:ده أنا لسه بسخن زيهم. فتح آدم باب غرفة فريدة ودخل يتبعه ماجد. كانت فريدة مستلقية على سريرها وما إن وقع بصرها على ماجد حتى ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها،اقترب ماجد منها وجلس على الكرسي المجاور للسرير وقال:إنتِ كويسة يا فريدة؟ هزت رأسها:أنا كويسة يا ماجد...إنت كويس؟ والناس كويسة! ابتسم ماجد ليطمئنها:كلهم بخير الحمدلله ناقص بس وجودك تنفست فريدة براحة وقالت:أنا بخير ثم نظرت إلى آدم:ودكتور آدم وعدني إني أخرج نظر آدم إليها،ثم قال:أنا وعدتك إن لما حالتك تسمح تخرجي تتمشي شوية في المستشفى لكن ده مش معناه إنك تخرجي من المستشفى تدخل ماحد مبتسمًا:هو حاول يفهمك ده! ضحك آدم وقال:حاولت كتير والله نظرت إليه فريدة باعتراض:بس أنا مش هفضل قاعدة هنا طول اليوم قال ماجد:بس ده الأفضل لحالتك -بس أنا عايزة أتحرك رد آدم:هتتحركي _امتى؟ _لما أكون مطمن إن جسمك قادر يستحمل سكتت لحظة،ثم قالت:ما إنت وعدتني إني أقدر اتمشى في المستشفى ابتسم آدم:وأنا قد وعدي ثم أضاف:هسيبكم وأروح أشوف باقي الحالات أومأت فريدة وقالت:ماشي نظر آدم إلى ماجد وقال بابتسامة:خلي بالك منها ضحك ماجد:حاضر خرج آدم من الغرفة وبقي ماجد إلى جوار فريدة. ساد صمت قصير قبل أن تسأله:الطيارة أخبارها ايه؟ اختفت الابتسامة من وجه ماجد وقال بجدية:الطيارة فيها أضرار كتير يا فريدة نظرت إليه باهتمام وسألته:يعني هتتصلح؟ _اه بتتصلح دلوقتي...بس مش عارفين هتاخد وقت قد ايه سكتت قليلًا قبل أن تقول:يعني هنقعد هنا كتير؟ هز ماجد رأسه:مش عارف بدا القلق على وجه فريدة وهى تنظر إلى ماجد للحظات قبل أن تقول:أنا كنت فاكرة إننا هننزل ونكمل الرحلة وخلاص _كلنا كنا فاكرين كده وقبل أن يستمر الحديث فُتح باب الغرفة ودخل عزوز وما إن وقعت عيناه على ماجد حتى توقف مكانه:ماجد؟ التفت ماجد إليه وقال:دكتور عزوز؟ اقترب عزوز منه وصافحه بحرارة:إنت بتعمل ايه هنا ابتسم ماجد وقال:أنا كنت الطيار المساعد على الطيارة نظر عزوز إليه بدهشة:طيار مساعد؟ -أيوة ضحك عزوز وقال:ماشاء الله اخر مرة شوفتك كنت لسه بتقول لأبوك عايز تدخل طيران ابتسم ماجد:وبقيت طيار فعلاً ثم صافحه مرة أخرى وقال:إنت هنا من امتى -من وقت ما الطيارة وقعت هنا سكت ماجد لحظة،ثم سأل:يعني ايه؟ عزوز:مش وقته جلست فريدة تستمع إلى حديثهما،لكن جملة عزوز الأخيرة جعلتها تلتفت إليه. ماجد:إزاي مش وقته...حضرتك هنا من قبل ما إحنا نوصل؟ -أيوة يا ماجد ثم أضاف بهدوء:دي مش أول طيارة تقع هنا تغيرت ملامح ماجد:ايه؟ أما فريدة فرفعت عينيها إليه:يعني حصلت حوادث قبل كده؟ -مش اول مرة يا شباب في ايه؟ سألته فريدة:يعني حصلت حوادث كتير؟ نظر عزوز إليها،ثم إلى ماجد وقال:آه حصلت أكتر من مرة تبادل الاثنان النظرات،ثم قال ماجد:طب والناس؟ لم يجب عزوز فورًا وهنا شعرت فريدة بقلق أكبر. قال عزوز:الموضوع مش بسيط زي ما إحنا فاكرين..مش سهل طيارة تقع هنا وتقدر ترجع لمسارها من تاني ظل ماجد صامتًا،أما فريدة فبدأت الأسئلة تتزاحم في ذهنها. إذا كانت طائرتهم ليست الأولى..فكم طائرة سبقتها؟ ولماذا كانت هذه الحوادث تحدث هنا؟ ولماذا لم تعد تلك الطائرات إلى بلادها؟ ولما لم يعد ركابها أيضًا؟ . نظرت فريدة إلى عزوز لكن الرجل لم يضف شيئًا وبقيت الأسئلة معلقة في الغرفة أثقل من أي إجابة. يُتبع...خرج آدم من غرفة فريدة فوجد هاني واقفًا أمام الباب، لا يزال ينظر إلى زجاجة المياة التي سقطت على الأرض وكأنها ارتكبت في حقه جريمة. سأله آدم:إنت هتفضل باصص لها كتير رفع هاني عينيه وقال بجدية:بحاول أفهم إزاي واحدة خارجة من عملية تقدر ترمي إزازة بالدقة دي -واضح إن إصابتها مش مأثرة على إيديها رد هاني بغيظ:ولا على لسانها ابتسم آدم لكنه لم يرد،وفي تلك اللحظة ظهر ذلك الرجل المصري الذي قد أستقبل المجموعة عند وصولهم إلى هنا وتولى إبلاغهم بإجراءات الإقامة والتنقل. -دكتور آدم،دكتور هاني...ممكن دقيقة سأله آدم بهدوء:خير يا فندم لم يجب الرجل فورًا،إذ كان برفقته طبيب صربي يرتدي معطفًا أبيض ويتحدث إليه بسرعة باللغة الصربية. استمع الرجل إلى الطبيب،ثم أومأ برأسه قبل أن يلتفت إلى آدم وهاني:الدكتور بيقول إن فيه موضوع مهم بخصوص المصابين والمرضى المصريين عقد آدم حاجبيه وقال:موضوع ايه؟ عاد الطبيب الصربي إلى الحديث وكانت نبرته أكثر جدية هذه المرة،ظل الرجل المصري يستمع إليه باهتمام ثم قال:هو بيقول إن المستشفى قادرة تكمل علاج المصابين لكن لازم يبقى فيه تنسيق رسمي معاكم باعتباركم الفريق الطبي اللي كان موجود على الطيارة سأله هاني:تنسيق من أي ناحية؟ ترجم الرجل السؤال،فأجاب الطبيب الصربي بجملة طويلة فبدا على وجه الرجل شيء من التردد قبل أن يقول:فيه إجراءات لازم تتعمل...وبيطلبوا إن حد منكم يتولى التواصل مع المستشفى ومع السلطات بخصوص الحالات الطبية نظر آدم إلى الطبيب مباشرةً وقال:يعني محتاجين مسؤول طبي عن المجموعات؟ ترجم الرجل كلامه،فأجاب الطبيب بالايجاب:تقريبًا أيوة خصوصا إن بعض المصابين محتاجين متابعة،وفيه تقارير طبية لازم تتراجع وتتسلم للجهات المختصة سكت آدم لحظة،ثم سأل:وايه المشكلة ما إحنا موجودين وبنعالج المرضى تبادل الطبيب الصربي والمترجم نظرة قصيرة،ثم قال الرجل:المشكلة إن المستشفى مش عايزة تعتمد على معلومات شفوية،محتاجين بيانات رسمية عن كل مريض وأسماء الأطباء المسؤولين عنه،وكمان موافقة على استمرار بعض الإجراءات قال هاني:ورق يعني _ورق وإجراءات تنهد هاني ثم قال:إحنا لسه خارجين من حادث طيارة،هنبدأ في الورق من دلوقتي؟ نظر إليه آدم وقال:الورق جزء من العلاج يا هاني ثم عاد إلى الرجل المصري وقال:طيب ايه المطلوب مننا دلوقتي؟ ترجم الرجل السؤال،فبدأ الطبيب يشرح من جديد. كان يتحدث بهدوء لكن ملامحه لم تكن تحمل أي مساحة للمجاملة،فتح ملفًا موجود في يده ثم أشار إلى بعض الخانات،فقال الرجل:محتاجين نحدد مين هيكون المسؤول عن متابعة الحالات،ومين يقدر يوقّع على التقارير الطبية وكمان لازم نراجع بيانات كل المصابين قبل ما يتم نقل أي حد أو خروجه من المستشفى. سأل هاني:طب واللي كانوا مصابين وراحوا الفندق؟ _هيحتاجوا هما كمان مراجعة طبية قبل ما يرجعوا أو يتحركوا من مكانهم نظر هاني إلى آدم وقال:لا مش فاهم يعني حتى اللي خرجوا من المستشفى مش هيتحركوا براحتهم؟ أجاب آدم:مش قبل ما يتأكدوا إن حالتهم تسمح ثم التفت إلى الطبيب وقال من خلال المترجم:أنا هتابع الحالات الطبية،لكن لازم اعرف كل التفاصيل..مين المسؤول عن الإجراءات غير الطبية ترجم الرجل كلامه،فأجاب الطبيب ثم أشار على المترجم نفسه:هو بيقول إن أنا حلقة الوصل بينكم وبين الإدارة،لكن فيه مسؤول تاني هينضم لنا بعد شوية. أغلق الطبيب الملف،ثم قال شيئًا قصيرًا أدى إلى تغير ملامح الرجل قليلًا:فيه حاجه كمان سأله هاني:ايه! _الإدراة عايزة تعرف إذا كان فيه حد منكم بيتكلم صربي أو إنجليزي كويس ويقدر يتعامل مع الجهات الرسمية،لأن التواصل هيبقى صعب من غير مترجم طول الوقت ابتسم هاني ابتسامة جانبية،وقال وهو يضع يده على كتف آدم:إحنا عندنا دكتور آدم بيتكلم إنجليزي كويس وبيفهم في كل حاجه نطر إليه آدم ببرود وقال:أنا بفهم في الطب مش في اللغة الصربية ضحك هاني وقال وهو ينظر للرجل:هيفهمهم بالإشارة -هاني _خلاص خلاص نظر آدم للرجل وسأله:ايه المطلوب مني دلوقتي تحديدًا أجابه الرجل:تيجي معانا الإدراة هنراجع الملفات ونحدد المسؤوليات وبعدها تقدر ترجع للمصابين نظر آدم إلى غرفة فريدة وقال:أنا لازم أتابع حالة فريدة _طبعاً،وهى تحت متابعة الفريق هنا لكن الإدارة محتاجة وجودك شوية سكت آدم قليلًا قبل أن يومئ برأسه:تمام نخلص الإجراءات ونرجع تحرك الطبيب أولًا وتبعه المترجم،بينما سار هاني إلى جوار آدم. وبعد خطوات قليلة مال عليه وقال بصوت منخفض:على فكره أنا لسه شايف إن فريدة دي خطر على المجتمع نظر إليه آدم وقال:هى لسه مصابة يا هاني _ما هى دي المصيبة،إصابتها مش مانعاها من الاعتداء على الأطباء -إنت اللي استفزيتها _أنا؟ أنا كنت بطمن عليها نظر إليه آدم وقال بجدية:لا إنت كنت بتتهمها بقتل الناس _ما أنا كنت متضايق توقف آدم لحظة،ثم قال:تمام خليك متضايق براحتك بقى بس لو اتكلمت في حاجه زي دي قدام الإدارة هزعلك...إحنا قدام الإدارة هنتكلم كأطباء مسؤولة رفع هاني يديه باستسلام وقال:حاضر يا دكتور آدم،هنمثل إننا ناس محترمة تابعا السير خلف الطبيب الصربي،بينما بقي باب غرفة فريدة مغلقًا خلفهما،وبدأت أولى الإجراءات الرسمية التي ستحدد شكل إقامتهم الحقيقية في صربيا خلال الأيام القادمة. كانت غرفة الإدراة أكثر هدوءًا من بقية أرجاء المستشفى،جلس آدم أمام مكتب خشبي واسع وإلى جواره هاني،بينما جلس الرجل المصري المسؤول عن الترجمة في الجهة المقابلة وبجانبه الطبيب الصربي الذي ظل يتصفح مجموعة من الملفات الموضوعة أمامه. كان الحديث يجري بالصربية،وكلما تحدث الطبيب تولى المصري ترجمته إلى العربية _الدكتور بيقول إن الإدراة محتاجة تعرف عدد الأطباء الموجودين معاكم،وتخصصاتهم ومين هيكون مسؤول عن الحالات المصابة أجاب آدم بهدوء:إحنا مجموعة كبيرة حوالي 25 شخص وكل واحد فينا متخصص في مجال مختلف،ممكن أجيبلك أسماءهم وتخصصاتهم كلها ترجم الرجل كلامه،ثم أضاف الطبيب شيئًا آخر:وعايز يعرف مين صاحب القرار الطبي في الحالات الحرجة نظر آدم إلى هاني،ثم عاد ببصره إلى الرجل وقال:لحد ما نرجع مصر...إحنا كلنا مسؤولين عن بعض،لكن لو محتاجين اسم واحد للتنسيق ممكن يكون اسمي ترجم الرجل كلامه،فأومأ الطبيب وبدأ يكتب شيئـا في الملفات. وفي تلك اللحظة طرق أحدهم الباب،التفت الجميع إليه. فُتح الباب ودخل رجل مصري في منتصف الخمسينات،يرتدي معطفًا أبيض ويحمل ملفًا طبيًا سميكًا تحت ذراعه،توقف لحظة عند الباب ثم قال:السلام عليكم رد آدم وهاني في الوقت نفسه:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ابتسم الرجل واقترب منهم وهو يعرفهم على نفسه:أنا الدكتور عزوز مد يده إلى آدم،صافحه آدم وهو يقول:آدم ثم صافح هاني الذي قال بإبتسامة:هاني جلس عزوز إلى جوارهما،و وضع الملف أمامه وقال:أنا عرفت باللي حصل من بدري،وطلبوا مني أكون المسؤول وحلقة الوصل الطبية بينكم وبين المستشفى نظر إليه آدم باهتمام وقال:هو حضرتك شغال هنا؟ _أيوة بقالي سنين تدخل الطبيب الصربي وتحدث إليه بالصربية فاستمع عزوز باهتمام ثم أجابه بالصربية بطلاقة،رفع هاني حاجبيه بدهشة وقال:إنت بتتكلم صربي ضحك عزوز وقال:اومال كنت هعيش هنا السنين دي كلها إزاي ابتسم هاني وقال:اه صحيح ايه السؤال الغبي ده...إحنا كده وقعنا في ايد حد جامد بقى ضحك عزوز،بينما نظر آدم إلى الملفات أمامه وقال بعملية:طيب إحنا محتاجين نعرف بالظبط ايه اللي مطلوب مننا فتح عزوز الملف وقال:الموضوع بسيط من ناحية ومعقد من ناحية تانية _إزاي! -المستشفى هنا وافقت تستمر في علاج المصابين،لكن بما إن عددكم كبير وفيه أطباء من تخصصات مختلفة،فالإدارة عايزة تستفيد من وجودكم في متابعة الحالات بدل ما كل حاجه تبقى من خلال أطباء المستشفى بس قال هاني:يعني عايزينا نشترك في علاج المصابين؟ _بالظبط نظر آدم إلى عزوز وقال:وده مش هيعمل مشكلة قانونية؟ هز عزوز رأسه وقال:عشان كده أنا موجود،أي إجراء هيتعمل لازم يكون بالتنسيق مع المستشفى ومحدش فيكم هيتصرف بشكل منفرد _منطقي برضو أغلق عزوز الملف للحظات،ثم قال:وفيه نقطة تانية _ايه هي! -الطيارة ساد الصمت للحظة قبل أن يرفع آدم عينيه إليه وسأله:مالها؟ _حسب المعلومات اللي وصلتني،الأضرار أكبر مما كانوا متوقعين قال هاني:يعني؟ _يعني إصلاحها مش هيخلص بسرعة زي ما الأستاذ مختار قالكم تنهد هاني وقال:كنا متوقعين ده نظر عزوز إلى آدم وقال:بس فيه حاجه أهم..لحد ما الطيارة تتصلح إقامتكم هنا مش هتبقى مجرد إنتظار في الفندق رفع آدم حاجبه وقال:تقصد ايه ابتسم عزوز ابتسامة صغيرة وقال:هتعرفوا نظر هاني إليه باستغراب وقال:دي إجابة تقلق ضحك عزوز:ما تقلقش يا دكتور..محدش هيطلب منكم تبنوا مستشفى جديدة ابتسم هاني وقال:طيب نشتغل على المرضى يعني؟ أومأ عزوز:ده اللي كنت جاي أقوله وقف الطبيب الصربي وتحدث مع عزوز للحظات،ثم غادر الغرفة. أغلق عزوز الملف ونهض:يلا بينا؟ سأله هاني:رايحين فين؟ قال عزوز بابتسامته الهادئة:نشوف الناس اللي محتاجينكم نهض آدم وهاني خلفه وغادروا الغرفة معه،بينما بقيت الملفات مفتوحة فوق المكتب تحمل أسماء الحالات التي ستصبح أول مهمة حقيقية للفريق الطبي داخل المدينة. قبل أن يبدأوا في التحرك،أمسك عزوز هاتفه واتصل بإدارة الفندق،تحدث معهم لعدة دقائق ثم أغلق الهاتف وقال:كده تمام...طلبت يبلغوا باقي الدكاترة إننا محتاجينهم في المستشفى سأله هاني:كلهم؟ هز رأسه وقال:كلهم وبعد أقل من ساعة بدأت مجموعة الأطباء تتوافد إلى المستشفى. كان بعضهم لا يزال يرتدي ملابسه التي خرج بها من الفندق،بينما بدا الإرهاق واضحًا على وجوه آخرين لكن الفضول كان أقوى من تعبهم جميعًا. قادهم عزوز إلى قاعة اجتماعات واسعة داخل المستشفى،دخل الجميع وجلسوا حول الطاولة الطويلة. وقف عزوز في مقدمة القاعة،ثم أغلق الباب خلف آخر طبيب دخل وقال:أحب أعرفكم عن نفسي...أنا دكتور عزوز دكتور ورئيس قسم الجراحة هنا،قبل ما نبدأ حابب أطمنكم إن المصابين اللي كانوا معاكم في الطيارة حالتهم مستقرة والمستشفى بتتابعهم كويس. تنفس الجميع براحة،ثم تابع:لكن وجودكم هنا مش هيقتصر على مصابي الحادث فقط ساد الصمت قبل أن يرفع مصطفى حاجبه ويقول:يعني ايه؟ نظر عزوز إلى الجميع وقال:إحنا هنشتغل على الحالات الموجودة في المستشفى...مش بس المصابين تبادل الأطباء النظرات وقام أحدهم بسؤاله:تقصد مرضى المستشفى؟ _أيوة سألته حنان بذهول:يعني إحنا هنشتغل هنا؟ _بالظبط تدخل طبيب آخر باستغراب:إنتوا جايبنا نشتغل في مستشفى؟ قبل أن يجيب عزوز،قال طبيب آخر:استنى بس أنا مش فاهم إحنا اصلا موجودين هنا بسبب حادثة الطيارة...ايه علاقتنا بباقي المرضى؟ أخذ عزوز نفسًا عميقًا ثم قال:علاقتكم إن المستشفى محتاجاكم ثم أضاف:عدد المصريين في المدينة كبير جدًا تحدث طبيب آخر وقال:آه ده استغلال بقى...انتوا بتستغلونا؟ نظر إليه عزوز وقال:لا مش استغلال يا دكتور...في فرق بين الاستغلال والاحتياج تحدث الطبيب وقال:مفيش إختلاف انتوا ما صدقتوا تلاقوا عدد دكاترة كبير فقولتوا بدل ما نريحهم من اللي شافوه نشقيهم بقى تحدث عزوز بهدوء وقال:عيب يا دكتور اللي بتقوله ده...أنا بقولك محتاجينكم لأن عدد المصريين هنا كتير،إحنا بنطلب منكم مساعدة اخواتكم المصريين مش كل المرضى ضحك مصطفى وقال:عمال يا دكتور تقول عددهم كبير..كبير كام يعني؟ عشرين واحد! هز عزوز رأسه وقال:لا...نص المدينة مصريين ساد الصمت لثوانٍ قبل أن تنفجر عدة أصوات في الوقت نفسه -نص المدينة؟ _إزاي؟ *هو إحنا في صربيا ولا في العتبة ضحك أحدهم وقال:هى دي القاهرة وإنتوا عاملين فينا مقلب؟ أكيد ورا كل ده رامز جلال بس فين الكاميرات ضحك مصطفى وقال:اقسم بالله ما خدنا فلوس يا جمهور ولا نعرف إنه مقلب ابتسم عزوز وقال:لا إحنا في صربيا فعلاً مش في القاهرة وده مش مقلب...بس المدينة دي فيها جالية مصرية كبيرة جدًا قال رامي:بصراحة من كتر ما قابلنا مصريين من أول ما وصلنا،وأنا بدأت أشك فيكم كلكم ضحك البعض،لكن آدم ظل صامتًا ينتظر بقية الكلام..لاحظ عزوز ذلك فأكمل:بصوا يا دكاترة المستشفى هنا بتواجه ضغط كبير،الحادث لوحده تسبب في عدد كبير من الإصابات والأطباء الصرب الموجودين هنا مش ملاحقين على كل الحالات قال أحد الأطباء:يعني نفهم من كده إننا هنشتغل هنا غصب عننا عشان الضغط كبير؟ رد عزوز بهدوء:لا طبعًا -اومال ايه؟ _إحنا هنساعدهم زي ما هما بيساعدونا سكت الطبيب لحظة قبل أن يقول:يعني في النهاية هتستغلونا زي ما قولنا رفع عزوز حاجبه وقال:استغلال؟ إنتوا شايفين إن ده استغلال! ردت حنان وقالت:أيوة طبعًا...إحنا كنا في مهمة طبية محددة وفجأة مطلوب مننا نشتغل في مستشفى في بلد تانية إحنا مش عارفين فيها حد..ده مش استغلال؟ أجابها عزوز بهدوء:أنا فاهم وجهة نظرك،بس مش شايفه استغلال يا دكتورة على قد ما هو استفادة لينا كلنا ثم أشار إلى الخارج وقال:المدينة مش كبيرة اوي،وعدد المرضى اللي وصلوا بعد الحادث كبير وده عمل عجز في الطاقم الطبي هنا فطلبوا مساعدتنا بس وأضاف:وفي النهاية إحنا أطباء والناس دي محتاجة علاج ورعاية نظرت حنان حولها،ثم تنهدت وقالت:طيب تحدث طبيب آخر:وأنا موافق وتوالت الموافقات،أما آدم فقال ببساطة:نبدأ قال عزوز متبسمًا:تمام خرجوا من قاعة الاجتماعات برفقة عزوز واتجهوا إلى القسم الذي يوجد فيه المصابون. لكن بعد دقائق بدأ شيء غريب يلفت انتباههم،لم تكن كل المرضى في الأقسام الرئيسية. لاحظت حنان أن بعض المرضى يُنقلون عبر ممر جانبي بعيد عن باقي الأقسام فقالت:هو ليه الناس دي بتروح هناك؟ توقف عزوز ونظر إلى الممر ثم قال:تعالوا قادهم عبر الممر حتى وصلوا إلى باب معدني كبير،فتح أحد العاملين الباب ودخلوا. وهنا تغيرت ملامح الجميع،كان المكان أشبه بجناح منفصل تمامًا عن بقية المستشفى وعدد كبير من المرضى المصريين موجودين هناك. بعضهم يجلس على الأسرة وبعضهم مستلقٍ،وآخرون ينتظرون دورهم في الفحص تقدم أحد الأطباء نحو مريض وقال:مالك! أجابه الرجل بالعربية:تعبان بقالي كام يوم _بتشتكي من ايه؟ بدأ الرجل يشرح أعراضه،وفي الجهة الأخرى كانت حنان تتحدث مع سيدة مصرية،بينما بدأ طبيب آخر يفحص مريضًا مسنًا. أما آدم فلاحظ شيئًا،كان عدد كبير من المرضى يرتدون الكمامات،رفع عينيه إلى عزوز وقال:هو ليه تقريبًا كل الناس هنا لابسين كمامات قبل أن يجيب،قالت إحدى الطبيبات:وأنا لاحظت إن معظم الحالات عندها أعراض متشابهة نظر الجميع إليها،ثم بدأوا يتبادلون الملاحظات. الأعراض متكررة،طريقة العزل مختلفة والمكان نفسه منفصل عن المستشفى. قال هاني:هما المرضى دول ليه متجمعين هنا أصلا أجاب عزوز:دي الطريقة اللي المستشفى بتتعامل بيها معاهم سأله آدم:ليه طيب! هل هما عندهم أمراض مُعدية مثلًا؟ صمت عزوز للحظة،ثم قال:لا...لكن دي حاجه لسه بنحاول نفهمها نظر آدم حوله مرة أخرى،كانت الوجوه المصرية في كل اتجاه. مرضى ينتظرون،أطباء يحاولون اللحاق بالحالات وجناح كامل منفصل عن بقية المستشفى. وفي تلك اللحظة لم يعد وجود المصريين الكثيف في المدينة مجرد معلومة غريبة بالنسبة لهم. بدأ يتحول إلى سؤال...سؤال لم يكن أيًٌ منهم يعرف إجابته بعد. كان الخبر قد انتشر في وسائل الإعلام المصرية والبريطانية في أنٍ واحد. ظهرت المذيعة على الشاشة بملامح جادة وخلفها صورة للطائرة ومسار الرحلة وقالت:وردتنا منذ قليل معلومات جديدة بشأن الطائرة التي تعرضت لحادث أثناء رحلتها المتجهة إلى لندن..وقد تمكنت السلطات من الحصول على قائمة بأسماء الركاب وأفراد طاقم الطائرة ظهرت الأسماء تباعًا على الشاشة بالصور. كان أول اسم في القائمة "الكابتن فريدة نور الدين" ثم ظهر اسم مساعد الطيار "كابتن ماجد أبو العزم" وبدأت أسماء أفراد طاقم الضيافة في الظهور تباعًا،ثم انتقلت الشاشة إلى قائمة الأطباء الذي كانوا على متن الطائرة. د/آدم منصور د/هاني حجازي د/مصطفى أبو العلا د/رامي المصري وتوالت الأسماء. في القاهرة كانت رانيا جالسة أمام التلفاز تحدق في الشاشة دون أن ترمش تقريبًا،حين ظهر اسم فريدة شعرت بقبضة باردة تعتصر صدرها. اقتربت من الشاشة وكأنها تحاول التأكد بنفسها بأن الاسم حقيقي،ظهرت صورتها وهنا لم تستطع رانيا منع دموعها وهى تقول:يارب تكون عايشة. لم تنتظر أكثر،أمسكت هاتفها ثم غادرت المنزل متجهة إلى قسم الشرطة. دخلت رانيا إلى القسم مسرعة وتوجهت إلى مكتب الاستقبال:لو سمحت...أنا جاية أسأل عن حادث الطيارة رفع الضابط عينيه إليها وقال:حضرتك من أقارب حد من الركاب؟ _أيوة صاحبتي اسمها فريدة نور الدين...هى كابتن الطيار بحث الضابط في بعض الأوراق أمامه،ثم قال:لسه مفيش معلومات تفصيلية وصلت لنا -بس الأسماء وصلت أجابها بهدوء:اه الأسماء وصلت..بس لحد دلوقتي مش عارفين مين اتصاب ومين توفى ومين حالته ايه اقتربت منه أكثر وقالت:طب فريدة هز رأسه وقال:معرفش _يعني مش عارفين هى عايشة ولا لا؟ ساد الصمت للحظة،وقبل أن يجيب الضابط تدخل ضابط آخر كان يجلس بالقرب منه وقال:لو صاحبتك هي كابتن الطيارة فغالبًا هي من أول المصابين التفتت إليه رانيا بسرعة وقالت:ليه؟ _لأن حسب المعلومات الأولية،الطيارة حصل فيها أضرار كبيرة والجزء الخاص بالكابتن كان هو المتضرر بشكل واضح شعرت رانيا بأن قدميها لم تعودا تحملانها:يعني ايه؟ هي عايشة ولا لا! نظر إليها الضابط وقال:لسه ما وصلناش أي معلومات _طب بالله عليك طمني..ايه اللي وصلكم! -الطيارة هبطت اضطراري في صربيا والركاب والطاقم كله اتنقلوا هناك،لكن تفاصيل الإصابات لسه مش معروفة وضعت رانيا يدها على فمها وقالت بدعاء:يارب جلست على أحد المقاعد وعيناها امتلأتا بالدموع،كانت تعرف فريدة جيدًا وتعرف أنها لا تخاف بسهولة..لكنها للمرة الأولى لم تستطع أن تتخيل أين تكون صديقتها الآن ولا ماذا حدث لها. وفي لندن كانت ريم أمام التلفاز أيضًا،لكنها لم تكن تتابع الخبر كغيرها،بل كانت تنتظر فقط أن يظهر اسم واحد. وحين ظهر اسم أخيها على الشاشة وتبعته صورته تجمدت في مكانها. ظلت تحدق في الصورة طويلًا،ثم التفتت إلى زوجها وقالت وهى تُشير للشاشة:آدم لم يجب فاقتربت من الشاشة،ثم عادت تنظر إليه وقالت ببكاء:اسمه موجود يا مازن...اسم آدم موجود قال مازن بحزن:شايف يا حبيبتي _وصورته كمان موجودة جلس زوجها صامتًا،بينما قالت ريم بصوت مرتجف:أنا عايزة أنزل مصر نظر إليها وقال:دلوقتي؟ _أيوة دلوقتي -ريم إحنا مش عارفين حالته ايه قالت ببكاء:عشان كده عايزة أنزل اقتربت منه وقالت وهى تمسك يده:أنا مش هقدر أفضل هنا وأستنى الأخبار توصلني من التلفزيون...ده أخويا يا مازن وأنا لازم أكون هناك ظل ينظر إليها للحظات،ثم أومأ برأسه:حاضر تنفست ريم بارتياح ممزوج بالخوف:بجد؟ هز رأسه وقال:بجد يا حبيبتي أخرج هاتفه وبدأ يبحث عن أقرب رحلة إلى القاهرة، وبعد دقائق قال:فيه طيارة بعد 3 ساعات..احجز فيها؟ هزت ريم رأسها فورًا وقالت:احجز وبينما بدأ يحجز التذاكر،عادت ريم تنظر إلى شاشة التلفاز،كانت صورة آدم لا تزال ظاهرة بجوار اسمه. وصعت يدها على صدرها وهمست:أنا جاية يا حبيبي وهطمن عليك بنفسي. خرج آدم من الجناح الذي وُضع فيه المرضى المصريون وأغلق الباب خلفه،ثم اتجه بخطوات سريعة نحو غرفة فريدة. كان ذهنه لا يزال مشغولًا بما رآه هناك؛ المرضى،الأعراض المتشابهة وطريقة عزلهم عن بقية المستشفى. لكنه ما إن وصل إلى غرفة فريدة حتى ترك كل ذلك جانبًا،فتح الباب ودخل. كانت فريدة مستلقية على السرير تحدق في السقف بملل واضح،وما إن رأته حتى رفعت رأسها بسرعة وقالت بلهفة:ها هخرج؟ توقف آدم للحظة،تذكر فجأة أنه كان قد وعدها في الصباح أن يتحدث مع الأطباء بشأن خروجها. ضرب جبهته بخفة وقال:أنا آسف نسيت حدقت فيه فريدة باستنكار:نسيت؟ _معلش حصلت حاجات كتير من الصبح ونسيت ردت بهدوء وقالت:مش مشكلة إحنا فيها..ممكن تكلمهم دلوقتي وتقولهم أخرج ابتسم آدم رغمًا عنه،ثم سحب الكرسي وجلس بجوار سريرها:بصِ يا كابتن فريدة..إنتِ مش هينفع تخرجي من هنا دلوقتي ظهر الضيف على وجهها فورًا وقالت:ليه؟ _لأنك لسه خارجة من عملية،ولسه عندك إصابات محتاجة متابعة وما تقلقيش إحنا كلنا معاكِ هنا رفعت حاجبها:لا محدش معايا نظر إليها باستغراب:إزاي يعني -إنت مش عارفني...بص يا دكتور أنا واحدة ما بتحبش القاعدة فالراقدة دي مش جاية معايا خالص ضحك آدم وقال:واضح ثم أشار بيده إلى الغرفة:بس حتى لو خرجتي من الأوضة دي،هترجعي الفندق وتقعدي لوحدك برضو لأن كل الدكاترة تقريبًا بيشتغلوا في المستشفى هنا ونص طاقم الضيافة إن لم يكن كله مصاب هنا -بس الاسم هروح الفندق...مش هقعد في اوضة كلها ريحة بنج _طب هتعملي ايه هناك؟ -ولا حاجه ابتسم آدم وقال:بطلي نشفان دماغ بقى نظرت إليه بضيق:أنا دماغي مش ناشفة _اومال ده اسمه ايه؟ تنهدت وقالت:أنا بس مش هقدر أقعد بين أربع حيطان كتير هز آدم رأسه وقد بدا عليه أنه تفهم مقصدها:فاهمك عمومًا...بس جسمك محتاج راحة دلوقتي أكتر من أي وقت ثم قال بعد لحظة:بصِ ارتاحي النهارده وبكره إن شاء الله لما جرحك يطيب شوية هخليكِ تخرجي كل فترة تتمشي في المستشفى وترجعي تاني نظرت إليه وقالت:بجد؟ _بجد -يعني مش هفضل محبوسة هنا؟ _لا بس واحدة واحدة،لحد ما نبقى مطمنين إنك قادرة تتحركي من غير ما تأذي نفسك ظلت صامتة للحظات،ثم تنهدت وقالت:ماشي ابتسم آدم وقال:اتفقنا نهض من مكانه وقال:هسيبك أنا ترتاحي وأرجع لشغلي -ماشي _حمدالله على السلامة -الله يسلمك اتجه إلى الباب،ثم التفت إليها وقال:لو احتاجتِ أي حاجه نادي على الممرضة هزت رأسها وقالت بإبتسامة:ماشي خرج آدم وأغلق الباب خلفه،وعادت فريدة تنظر حولها. نظرت إلى الساعة،ثم إلى النافذة،ثم إلى الباب،لا شيء... لا أصوات تعرفها،لا عمل يشغلها ولا حتى كتاب أو هاتف تتسلى به. تنهدت بضيق،ثم عادت برأسها إلى الوسادة وقالت:النهارده بس يا فريدة...النهارده وبكره هتخرجي أغمضت عينيها لكنها لم تستطع مقاومة الإرهاق طويلًا،بعد دقائق قليلة غلبها النوم. استيقظت المدينة على صباح هادئ،بينما كانت أشعة الشمس تتسلل من بين ستائر غرف الفندق. في إحدى الغرف كان هاني لا يزال غارقًا في نومه،متشبثًا بوسادته وكأنها آخر شيء يربطه بالحياة. فُتح الباب فجأة وقال أحدهم:هاني لم يتحرك فقال:يا هاني اصحى فتح عينًا واحدة بصعوبة وقال بنعاس:في ايه كان مصطفى يقول:الساعة 10 أغلق هاني عينه مرة أخرى:طيب حدق فيه مصطفى باستغراب:هو ايه اللي طيب -ايوة الساعة 10 اعملها ايه _إحنا نازلين نفطر من ساعة وانت نايم فتح هاني عينيه بالكامل وقال:وإنت مالك؟ -أنا مالي! الحق عليا مستنيك _ما تنزل هو أنا طلبت منك تستناني -ما أنا نزلت كتير _معلش انزل تاني رمقه مصطفى للحظات،ثم قال:طب قوم عشان أنا لو نزلت لوحدي هطلبلك الفطار بس هأكله أنا جلس هاني على السرير بتثاقل وقال:إنت بني آدم رخم ضحك مصطفى وقال:وإنت بني آدم نايم دخل مصطفى الغرفة وألقى عليه قطعة ملابس كانت فوق الكرسي وقال:يلا بقى أمسك هاني القطعة ونظر إليها وقال:ايه دي -هدومك _متأكد؟ _والله ما اعرف مش مكتوب عليها اسمك -طب اطلع بره _ليه؟ قال هاني بانفعال:اطلع بره يا ابني عايز أغير -ماشي يا هنون خرج مصطفى وأغلق الباب خلفه. بعد دقائق اجتمع الأطباء حول إحدى طاولات المطعم،كان رامي أول من بدأ في تناول الطعام بينما كان أحد الأطباء يقلب في قائمة الطعام بحيرة:هو مفيش فول؟ قال مصطفى:إنت لسه بتدور على الفول! -ما هو فطار _إحنا في صربيا يا حبيبي _طب والبيض؟ رد رامي:موجود تحبه أومليت ولا عيون _أي حاجه مش هنختلف ضرب كفيه ببعض وقال:صبرني يارب جلس هاني أخيراً إلى الطاولة وأسند رأسه إلى يده،فقال مصطفى:مالك؟ _مصدع -من كتر النوم _لا منكم ضحك رامي وقال:هو إحنا عملنا لك ايه؟ _صحيتوني -الساعة 10 _بالنسبة لي بدري رد مصطفى:يا جماعة إحنا دكاترة ولا طلبة جامعة؟ أجابه هاني:دكاترة..بس دكاترة تعبانين ضحك الجميع وبعد لحظات جاء آدم وجلس معهم،نظر إليه مصطفى وقال:صباح الخير يا دكتور -صباح النور _نمت كويس؟ -يعني إلى حد ما قال هاني:يعني ايه إلى حد ما -يعني نمت يا هاني ثم بدأ بتناول إفطاره بهدوء بينما ظل الجميع يتحدثون في أمور متفرقة،حتى قال رامي:حد عارف الطيارة هتخلص امتى؟ تبادلوا النظرات فقال مصطفى:اخر حاجه قالوها إن الموضوع هياخد وقت _قد ايه -محدش عارف ضرب هاني يده على الطاولة وقال بانفعال:يعني إحنا هنفضل هنا لحد ما الطيارة تفتكر إنها طيارة وتشتغل؟ ضحك آدم وقال:تفتكر اه قال مصطفى:والله الرحلة دي بدأت بمؤتمر وانتهت بإقامة إجبارية في صربيا رد رامي:مؤتمر ايه بقى...هو عاد فيها مؤتمر انفجروا بالضحك وجلسوا يتناولون إفطارهم وهم يتبادلون المزاح،وكأنهم يحاولون سرقة بعض اللحظات العادية من رحلة لم تعد عادية على الإطلاق. ظهر ماجد أمامهم،توقف مصطفى عن الأكل وأشار إلى المقعد الخالي بجوار:تعالى افطر معانا يا كابتن ابتسم ماجد وقال:تسلم يا مصطفى،أنا لسه واكل ثم التفت إلى آدم وسأله:مفيش أخبار عن فريدة؟ ما إن سمع هاني اسمها حتى قطّب حاجبيه وقال بضيق:متنيلة في المستشفى...الله يخرب بيتها نظر ماجد باستغراب:هو ايه اللي حصل؟ انفجر آدم ضاحكًا وهو يقول:ولا حاجه...حدفت عليه الإزازة توقف ماجد لحظة،ثم ضحك وانفجر باقي الأطباء بالضحك هم الآخرون. قال مصطفى وهو يهز رأسه:أنا لحد دلوقتي مش مستوعب إن أول ما فاقت بدل ما تقول أنا فين حدفته بالإزازة ضحك رامي وقال:دي مش إفاقة من عملية،دي إفاقة من معركة رد مصطفى:أنا شايف إن المستشفى لازم تحط تحذير على باب أوضتها "الدخول على مسؤوليتك الشخصية ما تعملش زي هاني" رد هاني ببرود:خلصتوا؟ قال رامي:لسه إحنا بنسخن بس _طب سخنوا بعيد عني ضحك الجميع مرة أخرى،أما ماجد فظل متبسمًا قبل أن يسأل:يعني هي كويسة يا دكتور؟ رد هاني فورًا:دي فيها صحة أكتر مني ومنك...ربنا على القوي ارتفعت الضحكات حول الطاولة من جديد،حتى ماجد لم يستطع منع ضحكته،أما آدم فقال:ما تقلقش عليها حالتها بتتحسن..وتقدر تيجي معانا تشوفها نظر إليه ماجد بامتنان:ربنا يطمنك...شكرًا يا دكتور -العفو أومأ ماجد للجميع،ثم قال:أنا هطلع أغير هدومي واجهز وبعدين أنزلكم تحرك مبتعدًا عن الطاولة،وما إن اختفى عن أنظارهم حتى التفت آدم إلى هاني وعلى وجهه ابتسامة واسعة وقال:ايه يا دكتور رفع هاني حاجبه:في ايه؟ -كنت عايز تفصل عنها الأجهزة وتموتها...أهي أول ما فاقت رمت عليك إزازة ضحك مصطفى:والله يا آدم أنا لو مكانك كنت سجلت الواقعة في التقرير الطبي رد رامي بسخرية:الحالة مستقرة...والطبيب المعالج حالته النفسية تحتاج متابعة ضحك آدم بينما ضرب هاني كفًا بكف وقال:يا جماعة كفاية بقى قال مصطفى:لا والله إحنا لسه هنبدأ نظر هاني إليهم بضيق مصطنع:ربنا يوقعكم في واحدة زيها ساد الصمت لحظة قبل أن يقول رامي:ليه عشان ترمي علينا إزازة رد هاني:لا عشان تعرفوا أنا كنت حاسس بإيه مصطفى:ليه يا دكتور الإزازة وجعتك...يبقى الصداع اللي عندك مش مننا من الإزازة انفجر الجميع بالضحك مرة أخرى،بينما هو آدم رأسه وهو يبتسم:بصراحة تستاهل يا هاني...إنت اللي استفزتها -حتى إنت يا آدم! ضحك آدم وقال:ده أنا لسه بسخن زيهم. فتح آدم باب غرفة فريدة ودخل يتبعه ماجد. كانت فريدة مستلقية على سريرها وما إن وقع بصرها على ماجد حتى ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها،اقترب ماجد منها وجلس على الكرسي المجاور للسرير وقال:إنتِ كويسة يا فريدة؟ هزت رأسها:أنا كويسة يا ماجد...إنت كويس؟ والناس كويسة! ابتسم ماجد ليطمئنها:كلهم بخير الحمدلله ناقص بس وجودك تنفست فريدة براحة وقالت:أنا بخير ثم نظرت إلى آدم:ودكتور آدم وعدني إني أخرج نظر آدم إليها،ثم قال:أنا وعدتك إن لما حالتك تسمح تخرجي تتمشي شوية في المستشفى لكن ده مش معناه إنك تخرجي من المستشفى تدخل ماحد مبتسمًا:هو حاول يفهمك ده! ضحك آدم وقال:حاولت كتير والله نظرت إليه فريدة باعتراض:بس أنا مش هفضل قاعدة هنا طول اليوم قال ماجد:بس ده الأفضل لحالتك -بس أنا عايزة أتحرك رد آدم:هتتحركي _امتى؟ _لما أكون مطمن إن جسمك قادر يستحمل سكتت لحظة،ثم قالت:ما إنت وعدتني إني أقدر اتمشى في المستشفى ابتسم آدم:وأنا قد وعدي ثم أضاف:هسيبكم وأروح أشوف باقي الحالات أومأت فريدة وقالت:ماشي نظر آدم إلى ماجد وقال بابتسامة:خلي بالك منها ضحك ماجد:حاضر خرج آدم من الغرفة وبقي ماجد إلى جوار فريدة. ساد صمت قصير قبل أن تسأله:الطيارة أخبارها ايه؟ اختفت الابتسامة من وجه ماجد وقال بجدية:الطيارة فيها أضرار كتير يا فريدة نظرت إليه باهتمام وسألته:يعني هتتصلح؟ _اه بتتصلح دلوقتي...بس مش عارفين هتاخد وقت قد ايه سكتت قليلًا قبل أن تقول:يعني هنقعد هنا كتير؟ هز ماجد رأسه:مش عارف بدا القلق على وجه فريدة وهى تنظر إلى ماجد للحظات قبل أن تقول:أنا كنت فاكرة إننا هننزل ونكمل الرحلة وخلاص _كلنا كنا فاكرين كده وقبل أن يستمر الحديث فُتح باب الغرفة ودخل عزوز وما إن وقعت عيناه على ماجد حتى توقف مكانه:ماجد؟ التفت ماجد إليه وقال:دكتور عزوز؟ اقترب عزوز منه وصافحه بحرارة:إنت بتعمل ايه هنا ابتسم ماجد وقال:أنا كنت الطيار المساعد على الطيارة نظر عزوز إليه بدهشة:طيار مساعد؟ -أيوة ضحك عزوز وقال:ماشاء الله اخر مرة شوفتك كنت لسه بتقول لأبوك عايز تدخل طيران ابتسم ماجد:وبقيت طيار فعلاً ثم صافحه مرة أخرى وقال:إنت هنا من امتى -من وقت ما الطيارة وقعت هنا سكت ماجد لحظة،ثم سأل:يعني ايه؟ عزوز:مش وقته جلست فريدة تستمع إلى حديثهما،لكن جملة عزوز الأخيرة جعلتها تلتفت إليه. ماجد:إزاي مش وقته...حضرتك هنا من قبل ما إحنا نوصل؟ -أيوة يا ماجد ثم أضاف بهدوء:دي مش أول طيارة تقع هنا تغيرت ملامح ماجد:ايه؟ أما فريدة فرفعت عينيها إليه:يعني حصلت حوادث قبل كده؟ -مش اول مرة يا شباب في ايه؟ سألته فريدة:يعني حصلت حوادث كتير؟ نظر عزوز إليها،ثم إلى ماجد وقال:آه حصلت أكتر من مرة تبادل الاثنان النظرات،ثم قال ماجد:طب والناس؟ لم يجب عزوز فورًا وهنا شعرت فريدة بقلق أكبر. قال عزوز:الموضوع مش بسيط زي ما إحنا فاكرين..مش سهل طيارة تقع هنا وتقدر ترجع لمسارها من تاني ظل ماجد صامتًا،أما فريدة فبدأت الأسئلة تتزاحم في ذهنها. إذا كانت طائرتهم ليست الأولى..فكم طائرة سبقتها؟ ولماذا كانت هذه الحوادث تحدث هنا؟ ولماذا لم تعد تلك الطائرات إلى بلادها؟ ولما لم يعد ركابها أيضًا؟ . نظرت فريدة إلى عزوز لكن الرجل لم يضف شيئًا وبقيت الأسئلة معلقة في الغرفة أثقل من أي إجابة. يُتبع...

أكملت هذا الفصل

تابع إلى الفصل التالي.

تفاعل مع الفصل
2 تفاعل
قيّم هذا الفصل
5.00 / 5 · 2 تقييم

التعليقات

0 تعليق
لا توجد تعليقات على هذا الفصل حتى الآن.

فصول الرواية

12 فصل