ما إن أُغلق باب غرفة العمليات خلف آدم حتى شعرت فريدة وكأن شيئًا انتُزع من داخلها،وقفت أمام الباب للحظات عاجزة عن استيعاب أن الرجل الذي كان منذ دقائق فقط يقف إلى جوارها فوق سطح المستشفى،يتحدث معها ويبتسم أصبح الآن خلف ذلك الباب بين أيدي الأطباء،بينما لا تملك هي سوى الانتظار.
تحركت خطوة ثم توقفت،رفعت يدها إلى وجهها ومسحت دموعًا لم تتوقف عن الانحدار ثم التفتت إلى هاني الذي يستعد للدخول،قالت بصوت مرتجف:أنا عايزة ادخل معاه
نظر إليها هاني بحزن،ثم قال:ما ينفعش يا فريدة
-ليه!
_دي غرفة عمليات ومحدش بيدخل العمليات مع المريض،أنا هبقى موجود معاه وهطمنك لما نخلص
هزت رأسها بعنف وكأنها ترفض حتى سماع الإجابة:بس أنا عايزة أطمن
اقترب منها هاني خطوة وقال:هطمنك عليه...أوعدك والله بس لازم تسيبينا نشوف شغلنا
نظرت إلى الباب المغلق،ثم عادت بعينيها إليه وقد امتلأت ملامحها برجاء لم تستطع إخفاءه.
-ما تسيبهوش يا هاني...أرجوك
ساد صمت قصير قبل أن يومئ هاني برأسه:حاضر
ثم دخل غرفة العمليات وأغلق الباب خلفه،وقفت فريدة في مكانها تحدق في الباب وكأن عينيها تستطيعان اختراقه.لكنها لم ترَ شيئًا فقط باب أبيض مغلق يفصل بينها وبين آدم.
عادت إليها الصورة كاملة،آدم وهو يلتفت نحوها في اللحظة التي لمح فيها الخطر،الذراعان اللتان أحاطتا بها قبل أن تفهم ما يحدث.
الصوت المكتوم للطلقة،ثم جسده وهو يترنح أمامها وسقوطه،أغمضت عينيها بقوة لكن المشهد لم يختفِ،بل ازداد وضوحًا.
فتحت عينيها ونظرت إلى يديها كان الدم قد جف فوق أصابعها واستقر في الخطوط الدقيقة لراحة يديها كأنه يرفض الرحيل،رفعت إحدى يديها أمام وجهها وظلت تحدق فيها للحظات.
-يارب
خرجت الكلمة من بين شفتيها مكسورة،ثم بدأت تسير خطوة إلى اليمين ثم تعود خطوة إلى اليسار،ثم تتوقف أمام الباب من جديد.
لم تكن تسمع ما يدور حولها،وماجد الواقف على مسافة قريبة يراقبها بعجز.
اقترب منها وقال:اهدي شوية يا فريدة..إن شاء الله هيبقى كويس
لم تجبه فقال:فريدة سمعاني؟
ظلت عيناها معلقتين بالباب وهي تقول بخوف:هو هيموت يا ماجد؟
تجمد ماجد للحظة،ثم قال بسرعة:لا إن شاء الله هيبقى كويس
لم تكن تبحث فريدة عن إجابة،بل تبحث عن شيء يطمئن قلبها،شيئًا يمنحها يقينًا واحدًا بأن آدم سيخرج من ذلك الباب واقفًا كما دخل يومًا إلى حياتها؛ لا محمولًا على سرير ولا محاطًا بالأجهزة.
وضعت يديها أمام صدرها وبدأت تتمتم بالدعاء:يارب...يارب خليه يقوم بالسلامة يارب
ومع مرور الوقت بدأت بقية المجموعة تتوافد إلى الممر والقلق ظاهرًا على وجوههم والأسئلة تتسابق في أعينهم قبل أن تخرج من أفواههم.
اقترب رامي من ماجد وسأله:آدم لسه جوه؟
هز ماجد رأسه:أيوة
-حصل ايه بالظبط!
نظر ماجد إلى فريدة أولًا،ثم قال:حد ضرب عليه نار
ساد الصمت قبل أن يقول مصطفى بصدمة:يا نهار أبيض ضرب عليه نار!
هز ماجد رأسه وقال:كان مستهدف فريدة...وآدم اتحرك في اللحظة الأخيرة وخد الرصاصة مكانها
خفض رامي عينيه للحظات،ثم نظر إلى باب العمليات:طب مين اللي عمل كده؟
-مش عارفين
اقتربت حنان من فريدة وجلست إلى جوارها،أما فريدة فلم تتحرك،كانت جالسة على طرف المقعد ويداها مازالتا أمام عينيها.
الدم لم يعد مجرد أثر على جلدها،كان بالنسبة لها دليلًا حيًا على أن آدم ينزف خلف ذلك الباب بسببها.
مرت ساعة...
ثم أخرى.
ثم الثالثة
وكان الممر يزداد صمتًا كلما طال الانتظار،حتى الأصوات القادمة من أروقة المستشفى بدت بعيدة كأن الجميع توقف عن الحركة احتراما لذلك القلق المعلق بين باب غرفة العمليات والوجوه الواقفة أمامه.
وأخيرًا انفتح الباب،رفعت فريدة رأسها بسرعة لتجد هاني خارجًا.
اندفعت نحوه وهي تقول بلهفة:طمني...هو كويس صح؟
نظر إليها هاني ولم يجب فورًا،وكان ذلك الصمت وحده كافيًا ليجمد الدم في عروقها.
قالت بصوت أصعف:رد عليا يا هاني
هز رأسه ببطء وقال:لا مش كويس
تجمدت ملامح فريدة:يعني ايه لا؟
اقترب ماجد منه وسأله:حصله ايه؟
لكن مصطفى سبق الجميع بالسؤال الذي لم يجرؤ أحد على نطقه:ساكت ليه يا هاني...مات؟
التفتت إليه فريدة وقالت بغضب:لا
قالتها كأنها ترفض الفكرة نفسها وأكملت:مستحيل آدم يموت...آدم قوي
ثم عادت إلى هاني وقد بدأت أنفاسها تتسارع:قول حاجه بقى
تنهد هاني وقال:قدرنا نشيل الرصاصة
تنفست فريدة بارتياح للمرة الأولى،لكن أكمل هاني:بس الرصاصة جت في منطقة خطرة،وحالته حاليًا مش مستقرة...هننقله العناية المركزة ونحطه تحت الملاحظة الـ 24 ساعة الجايين وإن شاء الله خير
لم تنتظر فريدة بقية كلامه،استدارت نحو باب العمليات وقالت:أنا عايزة اشوفه
واسرعت نحوه لكن هاني أمسك بذراعها وقال:مش دلوقتي يا فريدة
-سيبني اشوفه
_مينفعش
-أنا عايزة اشوفه يا هاني
-فريدة ما تصعبيهاش علينا
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع وقالت ببكاء:إنت اللي ما تصعبش الدنيا عليا
وأشارت إلى باب غرفة العمليات وتابعت:هو في العمليات بسببي...كل ده بسببي أنا، إزاي مش عايزني أطمن عليه وهو اللي أنقذ حياتي
انكسر صوتها عند آخر كلمة:أرجوك...خليني أشوفه
لان وجه هاني وقال:هخليكِ تشوفيه بس مش دلوقتي...أول ما يدخل العناية المركزة هتشوفيه
حدقت فيه للحظات،ثم أومأت باستسلام:ماشي
جلست على المقعد ومدت يديها أمامها مرة أخرى،كانت تحدق في ذلك الدم الذي لم تستطع أن تغسله بعد،حين جلست حنان جوارها و وضعت يدها على كتفها وقالت:هيبقى كويس والله...بس اهدي
رفعت فريدة عينيها إليها وقالت ببكاء:أنا السبب يا حنان
-لا
_ياريتني ما طلعت له...ياريته ما شافني
تبادلت المجموعة النظرات،أما حنان فقالت بهدوء:إنتِ مش السبب يا فريدة...أنا عارفة مين السبب
توجهت كل الأنظار إليها،بينما مسحت فريدة دموعها وقالت بلهفة:مين!
نظرت حنان إلى رامي، ففهم ما تقصده قبل أن تنطق فقال:عزوز
-عزوز!
أومأت حنان:أيوة يا فريدة
-طب ليه!
ترددت حنان لحظة،ثم قالت:أكيد مش هو اللي ضرب النار بنفسه...بس اللي ضرب النار كان بأمر منه ويقصدك إنتِ
-طب ليه...أنا عملت له ايه؟
قصت لهم ما سمعته أمام مكتب عزوز،المكالمة،ارتباك،اعتراضه على فكرة القتل ثم موافقته في النهاية،والجملة التي أكدت لها أن هناك شخصًا يريد التخلص من فتاة.
ظل الجميع صامتين،أما فريدة فكانت تستمع وكأن كل كلمة تسحب منها قطعة أخرى من قدرتها على الاستيعاب،وفجأة تذكرت آدم وكلماته،وتحذيره لها "لو عزوز طلب منك تقابليه لوحدك ارفضي" ثم تذكرت وجود آدم معهم في المطار،وضعت يدها على فمها:كل ده يطلع من عزوز؟
قالت حنان بجدية:أنا متأكدة إن في حاجه أكبر من اللي إحنا شايفينها
وقفت فريدة هذه المرة لم تكن الدموع هي التي تحركها،كان الغضب:والله لأخلص عليه
أمسك بها ماجد قبل أن تتحرك وقال:رايحة فين
-هجيب حق آدم
_بلاش تسرع يا فريدة
-هو أصلًا عايز يخلص مني...استنى ايه؟
أجابها ماجد بحزم:تفضلي عايشة مثلًا
تدخل رامي وقال بهدوء:ماجد معاه حق،إحنا الأول نطمن على آدم وبعدها نفكر في عزوز ده براحتنا
قالت فريدة بانفعال:ولحد ما نطمن على آدم هنسيبه حر؟
ماجد:مضطرين
ثم أضاف رامي:لازم نتعامل طبيعي مش عايزين نحسسه إننا عرفنا حاجه...لو عرف إننا كشفناه ممكن يتصرف أسرع وإحنا عايزين نسبقه بخطوة
نظر ماجد إلى الجميع وقال:متفقين يا جماعة؟
جاءت الإجابة واحدة،مترددة لكنها واضحة:متفقين
ثم نظر إلى فريدة وقال:وإنتِ يا فريدة؟
خفضت عينيها للحظة،كانت تريد أن ترفض،أن تركض خلف عزوز،أن تفعل أي شيء بدلًا من الجلوس وانتظار مصير آدم،لكنها أدركت أن تهورها قد يكون بالضبط ما ينتظره هذا الرجل الذي يقف خلف كل ذلك فأومأت ببطء وقالت:ماشي
وبعد دقائق تحركت عجلات سرير من داخل غرفة العمليات،التفت الجميع كان آدم مستلقيًا فوق السرير ساكنًا، وجهه شاحب،وعيناه مغمضتان تحيط به الأجهزة والاسلاك.
تقدمت فريدة نحوه دون تفكير،أمسكت يده لحظة ثم سارت إلى جوار السرير إلى أن حاول الطاقم منعها عند باب العناية.
قال هاني وهو يدخل للغرفة:مش هينفع تدخلي دلوقتي...هطمن عليه وننقله لسريره وهدخلك
هزت رأسها،دخل هاني وأغلق الباب خلفه.
وقفت خلف الزجاج رأته من بعيد،كان جسده ساكنًا وسط الأجهزة التي بدأت ترصد كل نبضة فيه،اقتربت من الزجاج وضعت كفها عليه،كانت تفصلها عنه بضعه سنتيمترات فقط لكنها شعرت وكأن المسافة بينهما أصبحت أكبر من أي مسافة قطعتها في حياتها.
اقتربت أكثر وأسندت جبهتها على الزجاج وانهمرت دموعها من جديد وهي تقول:يارب يتحسن
ظلت تنظر إليه،ثم همست بصوت لم يسمعه أحد:أنا آسفة يا آدم..
أغمضت عينيها وتابعت:مكنتش أعرف إن وجودي جنبك هيكون خطر عليك.
في مكتب عزوز كان الصمت لا يقطعه سوى صوته الخافت وهو يتحدث عبر الهاتف،بينما استند بجسده إلى ظهر المقعد وعيناه معلقتان بالنافذة.
يتحدث بالصربية مع أحد ثم يستمع إلى الطرف الآخر دون أن يقاطعه،حتى تغيرت ملامحه فجأة وأعتدل في جلسته،جاءه صوت القناص من الطرف الآخر يخبره بما حدث.
الطلقة لم تصب فريدة،أصابت شابًا كان يقف إلى جوارها،ظل عزوز صامتًا للحظات وكأن الكلمات احتاجت إلى وقت حتى تصل إليه كاملة.
استمع إلى باقي الحديث وهو يقبض على يده فوق سطح المكتب،ثم أنهى المكالمة بعصبية وألقى الهاتف أمامه وهو يقول بغضب:غبي
في اللحظة نفسها تقريبًا انفتح باب مكتبه ودخل أحد الأطباء الصرب فتراجع عزوز في مقعده قليلًا وهو يحاول أن يستعيد هدوء ملامحه.
أخبره الطبيب أن آدم قد اتصاب بطلق ناري،وأنه قد خرج للتو من العمليات وهو الآن في العناية المركزة،ظل ينظر إلى الطبيب للحظات وكأن اسم آدم وحده كان كافيًا ليربط بين المكالمة التي انتهت منذ ثوانٍ والخبر الذي سمعه الآن.
نهض من مقعده على الفور واتجه نحو الباب،خرج من مكتبه بخطوات سريعة وكلما اقترب من العناية المركزة كلما ازدادت ملامحه توترًا حتى وصل إلى الممر فوجد المجموعة بأكملها هناك.
كانت فريدة تقف أمام باب العناية وحنان إلى جوارها،بينما وقف ماجد ورامي ومصطفى في أماكن متفرقة،توقف عزوز للحظة قبل أن يقترب منهم،ثم قال بصوت حاول أن يجعله طبيعيًا:آدم كويس؟
رفعت فريدة عينيها إليه،في اللحظة التي التقت فيها عيناها بعينيه تغير كل شيء داخلها،اشتعل الغضب في نظرتها دفعة واحدة وكأن وجوده أمامها أعاد إلى ذاكرتها كل ما حدث وكل ما عرفته عنه.
تحركت خطوة نحوه،لكنها لم تكد تفتح فمها حتى وقف ماجد ورامي أمامها حاجبين عنه رؤيتها.
قال رامي بهدوء:حالته مش مستقرة والدكاترة قالت إنه هيفضل تحت الملاحظة الـ 24 ساعة الجايين
هز عزوز رأسه ببطء وقال:إن شاء الله يقوم بالسلامة
لم تستطع الصمت أكثر من ذلك،قالت من خلف ماجد ورامي:هيقوم وهنجيب حقه من اللي كان السبب
تغيرت ملامح عزوز للحظة:إنتوا تعرفوا مين السبب؟
استدارت فريدة نحوه ثم نظرت إلى وجهه مباشرةً:مالك يا دكتور ارتبكت ليه!
أسرع عزوز في الرد:لا مفيش...أنا بس قلقان عليه
كانت حنان تقف إلى جوار فريدة، توخزها بخفة في محاولة لأن تهدئها،لكن فريدة لم تعد قادرة على إخفاء ما بداخلها،قالت:حقك تقلق
ثم تقدمت نحوه حتى أصبحت أمامه مباشرةً،وقالت بنبرة تحمل تهديدًا واضحًا:عارف ليه يا دكتور؟
نظر إليها عزوز بحذر وقال:ليه يا كابتن!
كان ماجد يراقب فريدة بقلق،بينما تبادل رامي معه نظرة سريعة وكلاهما يخشى أن يدفعها الغضب إلى قول ما اتفقوا على إخفاءه
أما فريدة فظلت تنظر إلى عزوز بثباث،ثم قالت:عشان الجاي سواد على الكل
ضحك مصطفى ضحكة قصيرة متوترة وقال:بتهزر...أصلها بتحب تتفرج على العتاولة كتير
التفتت إليه فريدة واختفت من وجهها أي ابتسامة وقالت:لا مش بهزر
ثم عادت بنظرها إلى عزوز وتابعت:إحنا هنجيب حق آدم من اللي كان السبب...وهتبقى سواد على الكل وإنت هتساعدنا طبعًا يا دكتور،مش كده؟
تنفس عزوز بارتياح لم تستطع فريدة ان تخطئه،كان قد خشى للحظة أن تكون قد عرفت،أما الآن فقد شعر أن كلماتها لم تكن أكثر من تهديد عام لشخص لا تعرف مصدره.
ابتسم وقال:طبعًا يا فريدة...أنا معاكم في أي حاجه
هزت رأسها ببطء وقالت:أنا قولت كده برضو
ثم استدارت وعادت إلى مكانها أمام باب العناية،أما عزوز فقال وهو يتراجع خطوة:أنا هكمل شغلي...ولما أخلص هاجي أطمن عليه
أومأ رامي برأسه:ماشي
تحرك عزوز مبتعدًا عنهم ولم يكد يختفي عند نهاية الممر حتى التفت رامي إلى فريدة وقال بصوت منخفض:بتهدديه يا فريدة؟ كان ناقص تقولي له الحقيقة
ظلت فريدة أمام باب العناية وقالت بهدوء لم يكن يشبه الغضب الذي كان يملأ صوتها منذ لحظات:هقولها...وقريب
نظر ماجد إلى المكان الذي اختفى فيه عزوز،ثم قال:جماعة فريدة عملت حركة ذكية جدًا...أثبتت لنا إنه فعلًا ورا اللي حصل،شوفتوه وهو خايف؟
قال مصطفى:صح..أنا خدت بالي إنه اتوتر جدًا
أضافت حنان:سره هيتكشف...سواء دلوقتي أو بعدين
وقبل أن يكمل أحدهم حديثه،خرج هاني من غرفة العناية،بحث بعينيه عن فريدة ثم قال:هتدخلي خمس دقايق بس يا فريدة
لم تسأله لماذا خمس دقائق،ولم تجبه فورًا فقط نظرت إلى الباب،ثم عادت بعينيها إليه وكأنها تخشى أن تكون سمعت خطأ.
أومأ هاني مطمئنًا:لازم الأول تلبسي لبس العناية
هزت رأسها وقالت وهي تتحرك خلفه:ماشي يلا.
كانت خطواتها بطيئة مترددة،وكأن كل خطوة تقربها من شيء تخشاه أكثر مما تتمناه.
دخلت الغرفة المخصصة لملابس الزوار و وقفت أمامها للحظات قبل أن تبدأ في ارتداء الملابس الطبية،كانت يداها ترتجفان حاولت أن تغلق الأزرار أكثر من مرة،لكن أصابعها لم تكن تستجيب بسهولة.
نظرت إلى يديها الدم لم يعد عليها الآن لكنها لا تزال تراه في ذاكرتها،في عينيها وفي كل مكان حولها.
أغلقت عينيها لحظة فعادت إليها صورة آدم وهو يسقط،فتحت عينيها سريعًا وتنفست بعمق قبل أن تقول لنفسها بصوت خافت:هو لسه هنا يا فريدة...آدم هيبقى بخير
أنهت ارتداء ملابسها وخرجت خلف هاني،وكلما اقتربت من باب العناية شعرت بأن قلبها يزداد ثقلًا.
عندما فتح هاني الباب توقفت فريدة لحظة فللمرة الأولى منذ وقوع الحادث أصبحت المسافة بينها وبين آدم صفرًا تقريبًا، لم يعد هناك زجاج يفصلها عنه.
دخلت ثم أغلقت الباب خلفها،وساد المكان هدوء مختلف،أصوات الأجهزة منخفضة لكنها واضحة،منتظمة،تملأ الفراغ المحيط بآدم.
تقدمت فريدة خطوة،ثم أخرى لكنها لم تتحدث بل وقفت إلى جوار سريره وظلت تنظر إليه طويلًا كأنها تحاول حفظ ملامحه من جديد.
كان وجهه شاحبًا على نحو لم تعتده،وهادئًا أكثر من اللازم، عيناه مغمضتان وملامحه التي اعتادت أن تراها متماسكة وقوية بدت الآن ساكنة،بينما كانت الأجهزة من حوله تقوم بما لا يستطيع جسده القيام به وحده.
تحركت عيناها ببطء من وجهه إلى صدره،ثم إلى ذراعه،ثم عادت إلى وجهه،ثم عادت تراقب حركة صدره ارتفع قليلًا ثم انخفض،ارتفع مرة أخرى فتنفست هي معه دون أن تشعر وكأنها تنتظر كل حركة من صدره لتتأكد أنه لا يزال حيًا.
اقتربت أكثر مدت يدها نحوه لكنها توقفت قبل أن تلمسه،ترددت للحظات ثم حسمت أمرها وأمسكت يده،كانت يده باردة وهذه المرة لم تستطع فريدة منع دموعها،أغلقت أصابعها حول يده برفق وكأنها تخشى أن تؤلمه حتى وهي تمسكها.
خفضت رأسها،ثم خرج صوتها ضعيفًا،مكسورًا:أنا آسفة يا آدم
ارتعشت شفتاها وهي تنظر إليه وتقول:أنا السبب إنك هنا
لم يجبها أحد فقط استمر صوت الأجهزة في الخلفية، اقتربت أكثر من السرير وقالت:الرصاصة كانت ليا...إنت مكنتش المفروض تكون مكاني
انحدرت دمعة على خدها وأكملت:إنت أنقذتني ليه...كنت سيبتني اتصاب،إنت عندك أختك تخاف عليك وإبن اختك اللي بيحبك لكن أنا معنديش غير صاحبة واحدة وهتزعل عليا شوية بس هتتأقلم
شدت على يده قليلًا:عايزة أقولك حاجه
سكتت لحظة وكأنها تجمع ما تبقى من قوتها:عرفنا مين اللي كان عايز يخلص مني...وهناخد حقك يا آدم
مررت إبهامها على ظهر يده بحنان:مش هسيب حقك يضيع
ثم صمتت وبقيت جالسة إلى جواره وهي ممسكة بيده،لا تفعل شيئًا سوى النظر إليه.
وبعد وقت قصير جاء صوت هاني من خلفها:فريدة..
رفعت رأسها إليه فقال:لازم يرتاح
نظرت إلى آدم ثم أومأت وقالت:حاضر
أفلتت يده ببطء شديد وحين رفعت يدها،شعرت للحظة وكأنها تترك جزءًا منها خلفها.
وقفت لكنها لم تتحرك نحو الباب،بل بقيت تنظر إليه وعيناها ممتلئتين بالدموع لكنها لم تسمح لها بالسقوط هذه المرة.
مرت الدقائق الأولى بعد خروج فريدة من العناية ببطءٍ ثقيل كأن عقارب الساعة فقدت قدرتها على الحركة،خرجت إلى الممر وأُغلق الباب خلفها لكنها لم تبتعد.
بقيت واقفة أمامه تحدّق في الزجاج الذي يفصلها عن آدم،بينما صورتها تنعكس عليه باهتة؛وجه شاحب،عينان متورمتان من البكاء وملامح لم تعد تشبه فريدة التي اعتاد الجميع رؤيتها.
اقترب ماجد منها وقال بهدوء:فريدة
لم تلتفت فقال ماجد:تعالي اقعدي شوية
هزت رأسها دون أن تنظر إليه:مش عايزة
-لازم ترتاحي
_مش هرتاح غير لما أجيب حقه
تنهد ماجد ثم وقف جوارها دون أن يجادلها،فهو لا يملك ما يقوله فكل كلمة في تلك اللحظة بدت عاجزة أمام خوفها.
جلس رامي على أحد المقاعد القريبة،بينما بقيت حنان إلى جوار فريدة أما مصطفى فكان يتحرك بين الحين والآخر في الممر يحاول أن يخفي توتره،وفي كل مرة يعود بعينيه إلى باب العناية يزداد توتره.
أربعة وعشرون ساعة تفصلهم عن معرفة ما إذا كان آدم سيخرج من هذه الأزمة أم لا.
مرّت ساعة،ثم أخرى وكل مرة كان أحدهم يفتح الباب تلتفت إليه الرؤوس جميعًا في اللحظة نفسها.
وضعت فريدة يدها على الزجاج مرة أخرى،كان آدم في الداخل لا يشعر بالوقت،بينما هي تشعر بكل ثانية تمر وكأنها تُنتزع من أعصابها.
قالت حنان بهدوء:اقعدي يا فريدة
استجابت هذه المرة وجلست ببطء وأسندت ظهرها إلى المقعد،لكن عينيها ظلتا معلقتين بالباب.
بعد قليل مدت يدها نحو حقيبتها وأخرجت هاتفها.
ظهرت أمامها عشرات الإشعارات والرسائل،لم تفتح شيئًا بل اعادت الهاتف إلى مكانه
قال ماجد:أكيد رانيا قلقانة عليكِ
خفضت فريدة عينيها وقالت:أكيد
-طب كلميها
هزت رأسها وقالت:مش دلوقتي
صمت قليلًا ثم قال:لما آدم يفوق
نظرت إليه وقالت:أيوة
كانت الكلمة بسيطة لكنها خرجت منها بيقين غريب، لم تقل "لو" بل كانت تتحدث وكأنها اتخذت قرارًا لا يقبل النقاش.
وبعد وقت قصير عاد هاني إلى الممر،انتفضت فريدة من مكانها وهي تقول:هاني
اقترب منها وقال:لسه مفيش تغيير كبير
نظرت إليه بقلق:يعني ايه؟
-حالته مستقرة بالقدر اللي يسمح لنا نتابعه،بس لسه تحت الملاحظة....إحنا محتاجين وقت يا فريدة
-يعني هو بخير؟
_لحد دلوقتي بخير
أغمضت عينيها لحظة وأخرجت نفسًا طويلًا وقالت:الحمدلله
-روحي ارتاحي بقى
ابتسمت ابتسامة صغيرة بلا حياة وقالت:صدقني مش هعرف
ثم عادت وجلست.
ومع مرور الساعات أصبح الممر أشبه بمكان مغلق خارج الزمن،لم يغادر أحد منهم.
لاحظت فريدة كلما حاولت الوقوف والابتعاد قليلًا كان ماجد يتبعها،وكلما قالت أنها ستذهب وحدها لتشرب شيئًا كان رامي يقول ببساطة:هاجي معاكِ
وحين حاولت أن تخرج إلى ساحة المستشفى لتستنشق بعض الهواء،لحقت بها حنان:هاجي معاكِ
نظرت إليها فريدة وقالت:هو في ايه أنا مش ههرب يا حنان
ابتسمت حنان وقالت:عارفة....بس إحنا متفقين محدش يبعد عن التاني
سكتت فريدة،ثم أومأت:ماشي
كان الاتفاق بينهم بسيطًا لكن الجميع يعرف سببه،فريدة هي الهدف والشخص الذي حاول الوصول إليها مرة قد يحاول مرة أخرى،لذلك لم تعد تتحرك وحدها...ليس خوفًا من الطريق،بل خوفًا مما قد ينتظرها فيه.
ومع اقتراب الليل عاد الجميع إلى الممر مرة أخرى،كانت فريدة جالسة رأسها مسند على الحائط وعيناها مغمضتين.
لم تكن نائمة كانت فقط تحاول أن تمنح جسدها دقائق من الراحة،بينما عقلها لا يتوقف عن إعادة اللحظة نفسها.
الطلقة،آدم،الدم،يده في يدها. فتحت عينيها فجأة ونظرت إلى باب العناية وهمست:لسه فاضل كتير يا آدم!
ثم مسحت دمعة سقطت على خدها:أنا مستنياك
وظلت تنتظر،أما الساعات الاربع والعشرون فلم تكن قد انتهت بعد.
كان الصباح قد بدأ يتسلل ببطء إلى أروقة المستشفى حين استيقظت فريدة على صوت امرأة تتحدث بلغة لم تفهم منها سوى نبرتها القلقة،فتحت عينيها ببطء وقد استغرق الأمر منها لحظات حتى تذكرت أين هي.
كانت لا تزال على المقعد أمام العناية المركزة،رفعت رأسها إلى الحائط ونظرت حولها كان الممر هادئًا وأغلب أفراد المجموعة غارقين في نوم متقطع على المقاعد القريبة،أما هاني كان واقفًا أمام ممرضة يحاول فهم ما تقوله لكنها كانت تتحدث بسرعة جعلت كلماتها تتقاطع دون أن يصل أحدهما إلى ما يريده الآخر.
نهضت فريدة واتجهت إليها وبدأت تتحدث معها فالتفتت إليها الممرضة وشرحت لها ما حدث،استمعت فريدة إليها باهتمام ثم أخذت منها الهاتف و التفتت إلى هاني وقالت:بتقول إن من امبارح تليفون آدم بيرن وحاليًا نفس الشخص رجع يتصل تاني
ما إن رآى الاسم حتى تغيرت ملامحه وقال:دي ريم
رفعت فريدة عينيها إليه وقالت بتوتر:أخته؟
أومأ وقال:أيوة...أنا مش هقدر أبلغها الخبر
نظرت فريدة إلى الهاتف الذي لا يزال يرن في يدها،ثم قالت بهدوء:أنا هكلمها
-متأكدة؟
-أيوة
ابتعدت عدة خطوات عن المجموعة،ثم أخذت نفسًا عميقًا وفتحت المكالمة،وبمجرد أن ظهرت صورتها على شاشة الهاتف تغير وجه ريم..كان القلق واضحًا في عينيها:إنتِ مين؟
ابتسمت فريدة ابتسامة هادئة رغم الثقل الذي يضغط على صدرها:أنا فريدة...كابتن الطيارة
بدت الراحة على وجه ريم فجأة وابتسمت:حمدالله على سلامتك،آدم قالي إن حالتك كانت خطيرة
ابتسمت فريدة وقالت بهدوء:الله يسلمك..الحمدلله بقيت أحسن بفضل آدم
-الحمدلله
ثم سألتها بسرعة:هو آدم فين! بحاول أكلمه من امبارح ومش بيرد
توقفت ابتسامة فريدة،نظرت إلى الأرض للحظة،ثم رفعت عينيها إليها:بصِ يا ريم آدم مش هيعرف يكلمك دلوقتي
-ليه!
_تعبان شوية
سكتت ريم،كانت تلك الجملة البسيطة كافية لتوقظ كل مخاوفها:تعبان إزاي! ماله؟
حاولت فريدة أن تحافظ على ثبات صوتها:مفيش حاجه ما تقلقيش...هو بس مرهق شوية فنام وساب التليفون معانا
حدقت ريم فيها لحظة وبدأت دموعها تتجمع في عينيها:إنتِ مخبية عني حاجه
-لا يا ريم..
قاطعتها ريم وقالت بخوف:أنا من امبارح حاسة إنه مش بخير
بدأ صوتها يرتجف وهي تقول:أرجوكِ لو في حاجه قولي لي
شعرت فريدة بأن قلبها ينقبض،كانت تعرف أن الحقيقة ستكسرها لذلك لم تستطع أن تقول لها أن أخاها يرقد خلف باب العناية،وأن تلك الرصاصة استقرت في جسده لأنه وقف بينها وبين الموت لذلك ابتسمت ابتسامة حاولت أن تجعلها مطمئنة رغم أن قلبها يرتجف:والله العظيم هو بخير ما تقلقيش عليه...زي ما قولت لك هو بس مرهق شوية،الضغوطات هنا كتير أوي ومهما قولت مش هقدر أوصفلك الضغط النفسي والجسدي اللي إحنا فيه،عشان كده صممنا نخليه يرتاح في الفندق ويسيب التليفون معانا
ظلت ريم تنظر إليها للحظات،ثم تنفست براحة تدريجيًا:خلاص لما يجي المستشفى عرفيه يكلمني
أومأت فريدة:حاضر
ابتسمت ريم وقالت:فرصة سعيدة يا فريدة
ردت فريدة بإبتسامة:أنا أسعد
انتهت المكالمة،خفضت الهاتف وظلت تنظر إلى شاشته لثوانٍ ثم أخذت نفسًا طويلًا وعادت إلى هاني،سألها:قولتي لها!
-قولت لها إنه تعبان شوية...بس ما وضحتش
_ماشي أنا هدخل أطمن عليه من الدكاترة
هزت رأسها ودخل هاني إلى العناية،وقبل أن تستعيد فريدة هدوءها جاءها صوت من خلفها:صباح الخير
استدارت، كان عزوز حبست أنفاسها للحظة ثم أخفت ما شعرت به تحت ملامح هادئة:صباح النور
اقترب منها وقال:آدم أخباره ايه؟
-مفيش جديد
_إن شاء الله يقوم بالسلامة
-إن شاء الله
توقف لحظة،ثم سألها:عرفتوا مين اللي عمل كده؟
نظرت إليه فريدة،كانت عيناها هادئتين لكن شيئًا مظلمًا كان يتحرك خلفهما:لا...بس هنعرفه
ابتسم عزوز ابتسامة متوترة:إن شاء الله،ولو احتاجتوا مساعدة بلغوني
ابتسمت فريدة ابتسامة غامضة وقالت:أكيد يا دكتور
أومأ عزوز ثم ابتعد،أما الشيء المظلم الذي يتحرك خلفهما كان ماجد يراقب عزوز بعينيه حتى ابتعد،ثم اقترب من فريدة وقال:عملك حاجه؟
هزت رأسها،فمد لها كوبًا من القهوة وقال:طيب خدي قهوتك
أخذتها منه وقالت:متشكرة يا ماجد
اقترب رامي وقال:ايه الأخبار! في جديد؟
قالت فريدة:هاني بيطمن عليه...وهيطمنا إن شاء الله
جاء صوت هاني فجأة من الداخل واضحًا رغم المسافة:آدم فاق
تغير كل شيء في اللحظة نفسها،نهض الجميع دفعة واحدة واختلطت الفرحة بالقلق وتحركوا نحو الباب بسرعة...أما فريدة فبقيت في مكانها،تجمدت للحظة كان من المفترض أن تكون تلك أسعد جملة سمعتها منذ ساعات وبالفعل كانت سعيدة،سعيدة لدرجة أن قلبها كاد يقفز من صدرها...لكن فرحتها لم تكن وحدها، كان معها خوف آخر خوف من اللحظة التي ستراه فيها.
كيف ستنظر في عينيه،كيف ستقف أمام الرجل الذي أُصيب بسببها؟ هل سيستطيع أن يرى في عينيها كل هذا الذنب؟ ظلت واقفة عند الباب مترددة.
لاحظ ماجد ترددها فنظر إليها،ثم أشار لها بيده وقال بصوت خافت:تعالي
ترددت ثانية ثم تحركت، دخلت من الباب ببطء وفي اللحظة التي خطت فيها إلى الداخل سمعت صوتًا متعبًا يأتي من السرير:فين فريدة يا هاني؟
شعرت بشيء دافئ يغمر قلبها رغم خوفها،فأول شيء سأل عنه حين فتح عينيه...كان هي.
نظر هاني إليها وابتسم:تعالي يا فريدة
تحركت نحوه كانت خطواتها بطيئة وعيناها لا تفارقان وجهه،اقتربت أكثر ورآته وهو مستلقيًا على السرير،ملامحه لا تزال شاحبة والتعب واضحًا في عينيه،لكن بمجرد أن وقعت عيناه عليها...ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهه.
توقفت أمامه لم تعرف ماذا تقول فقط نظرت إليه،نظر لها آدم وكأنه يطمئن بوجودها أكثر مما يطمئن بأي شيء آخر،لاحظ ماجد تلك النظرات المتبادلة فالتفت إلى الجميع وأشار لهم بعينيه،فهم الجميع وبدأت المجموعة على الفور في الانسحاب بهدوء.خرجوا واحدًا تلو الآخر حتى بقي الاثنان وحدهما.
ظل آدم ينظر إليها، ثم قال بصوت خافت متعب:اقعدي
سحبت الكرسي وجلست جواره،مد يده ببطء و وضعها فوق يدها وقال:الحمدلله إنك بخير
ارتعشت عيناها بالدموع وقالت بنبرة أشبه بالعتاب:إنت ليه عرضت حياتك للخطر عشاني!
ابتسم وأجاب:هعرضها لمين لو مش عشانك
دخلت كلماته قلبها مباشرةً، خفضت عينيها وقالت بحزن:ما تعرضش حياتك للخطر عشان حد...حتى لو أنا
-براحتي على فكره
رفعت عينيها إليه بدهشة وقالت:براحتك!
أومأ ثم أنكمشت ملامحه قليلًا من الألم:أيوة
-لا طبعًا ما ينفعش كده
نظر إليها وقال:ما كنتش خايف على فكره عارفة ليه؟ عشان عارف إنك مش هتسيبيني وهتنقذيني
نظرت إلى يده التي تمسك يدها،ثم قالت بحزن:أنا كنت خايفة...كنت خايفة عليك
ابتسم ابتسامته المشاكسة وقال جملته المعتادة:وبعدين بقى في اللي عايزة تخطف قلبي دي
ضحكت فريدة من بين دموعها وقالت بتحذير:ما تعملش كده تاني
هز رأسه وقال بهدوء:حاضر
ثم أضاف:أنا سمعتك امبارح...بس ما كنتش قادر أرد عليكِ
ضغط قليلًا على يدها وأكمل:إوعي تعتذري تاني...مفهوم!!
اهتز صوتها وهي تقول:إنت هنا بسببي يا آدم
ابتسم وقال:يا بختي والله
نظرت إليه باستغراب وسألته:يا بختك إنك أتصبت!
-يا بختي إن واحدة زي القمر خافت عليا أنا
سحبت يدها بخجل وقالت:ايه اللي بتقوله ده
لكنه أمسك يدها من جديد وقال:أنا لسه قولت حاجه! أنا لسه هكمل اللي كنت عايز أقوله امبارح
سألته بفضول:تقول ايه!
-أسألك السؤال اللي كنت هسأله قبل ما اتصاب
تذكرت فريدة اللحظة التي أمسك فيها يدها فوق سطح المستشفى،وتذكرت أيضًا سؤاله الذي لم يكتمل.
ابتسمت بخجل:افتكرت...أسأل
صمت لحظة قبل أن يقول:إنتِ مرتبطة؟
اتسعت عيناها قليلًا،ارتبكت وهي تهز رأسها بالنفي:لا
ظهرت ابتسامة على وجه آدم وقال:طب مش عايزة ترتبطي؟
ضحكت وهي تقول:عندك عريس؟
-آه...بس مصاب دلوقتي
اتسعت ابتسامتها:خلاص..لما إصابته تخف نبقى نشوف الموضوع ده
ابتسم وهو يهز رأسه:ماشي
وفجأة جاء صوت هاني عند الباب:ايه يا روميو! إنت ما صدقت عايزين نطمن عليك إحنا كمان
-تصدق إنك رخم امشي بدل ما أحدفك بإزازة
تعالت ضحكة فريدة وهي تتذكر المشهد القديم حين ألقت زجاجة الماء عليه،فضحكت أكثر.
رفع هاني حاجبه وهو يقول مازحًا:هو إنت وجوليت عليا ولا ايه!
قال آدم:امشي اطلع بره
ضحك هاني وقال وهو يغلق الباب:خارج يا عم ما تزقش
خرج هاني بينما بقيت ضحكة فريدة معلقة في المكان،نظر آدم إليها طويلًا ثم قال بهدوء:ضحكتك حلوة أوي
توقفت ضحكتها قليلًا،ثم تذكرت شيئًا فقال بسرعة:قبل ما أنسى...أختك اتصلت
-ريم!
_أيوة هو إنت عندك أخت غيرها...أنا كلمتها وقولت لها إنك مرهق شوية ونايم في الفندق وسيبت التليفون معانا،وبلغتني أقولك تكلمها
أومأ وقال:ماشي
ثم بقيت فريدة جواره تتحدث معه،تضحك معه ويتبادلان الكلمات البسيطة التي لم يكن لأي منها أهمية حقيقية إذا سمعها شخص غريب،لكنها بالنسبة إليهما كانت تعني الكثير.
خارج الغرفة كانت المجموعة تراقبهما من خلال الزجاج،ابتسم رامي وقال:واضح إن آدم وقع يا شباب
ابتسم ماجد وهو يتابعهم:معاك حق...الحب باين في عيونهم
ابتسم مصطفى:ماشاء الله...حب من أول صدفة،تفتكروا قصتهم هتكمل؟
نظر رامي إلى الاثنين من خلف الزجاج،ثم قال بهدوء:دي مش صدفة يا مصطفى...دي تدابير ربنا،وإن شاء الله تكمل
قال هاني:أول مرة أشوف آدم مبسوط أوي كده
ظلت حنان صامتة وهي تنظر إلى فريدة وآدم للحظات ثم تحولت عيناها إلى رامي،وخرجت من صدرها تنهيدة قصيرة تحمل شيئًا لم تستطع أن تقوله، سمع ماجد تنهيدتها ولاحظ نظراتها المتجهة إلى رامي وفهم على الفور لكنه لم يقل شيئًا.
اكتفى بإبتسامة صغيرة،ثم أبقى الأمر لنفسه.
أما خلف الزجاج...كانت فريدة لا تزال إلى جوار آدم تضحك معه بينما كان هو ينظر إليها وكأن الساعات الطويلة التي قضاها بين الخطر والألم لن تعد تعني شيئًا أمام حقيقة واحدة "أنها بخير ومازالت إلى جواره".
يُتبع...
التعليقات
0 تعليق