نُقل آدم من العناية المركزة إلى غرفة عادية بعد أن استقرت حالته نسبيًا،وإن ظل تحت المراقبة الطبية،لم يكن مسموحًا له بالحركة كثيرًا،وكان الألم لا يزال حاضرًا في كل محاولة للتنفس بعمق لكنه واعيًا وقادرًا على الحديث،وتلك وحدها كانت كافية لأن تُعيد إلى وجوه الجميع شيئًا من الطمأنينة.
دخلت فريدة وبمجرد أن وقعت عيناها عليه حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة لم تستطع منعها.
اقتربت منه وقالت:صباح الخير
رفع آدم عينيه إليها وابتسم ابتسامة هادئة وهو يرد:صباح النور
اقتربت فريدة أكثر ثم مدت إليه هاتفه وقالت:ريم اتصلت تاني....كلمها وطمنها عليك
نظر آدم إلى الهاتف لحظات،ثم أومأ برأسه:ماشي
وحين حاول أن يعدل من وضعه،أسرعت فريدة إلى مساعدته وضعت يدها خلف ظهره بحذر وأعانته على الجلوس دون أن يبذل مجهودًا زائدًا:على مهلك.....الدكتور قال ممنوع الحركة الكتير
نظر إليها بطرف عينه وقال:حاضر يا دكتورة
ابتسمت وهى تناولة الهاتف،فتح آدم مكالمة فيديو ولم تمر سوى لحظات حتى ظهرت ريم على الشاشة.
لكن ما إن رأته بملابس المستشفى حتى تغيرت ملامحها،اتسعت عيناها وارتفع صوتها بقلق:إنت لابس كده ليه! إنت كويس يا آدم
حاول آدم أن بتسم رغم التعب الواضح على وجهه:اهدي يا ريم...أنا بخير
-بخير إزاي بس...إنت لابس لبس العمليات
-اهدي بس
ظلت تنظر إليه عبر الشاشة وكأنها تحاول أن تتأكد بنفسها من أنه أمامها بالفعل،ثم قالت بقلق:كنت فين من امبارح! وليه ما كلمتنيش؟
تنفس آدم ببطء،ثم نظر إلى فريدة للحظة قبل أن يعيد عينيه إلى الشاشة:بصِ يا ريم....أنا هحكيلك بس توعديني ما تعيطيش وما تخافيش،ماشي؟
هزت رأسها موافقةً رغم أن القلق واضحًا في عينيها:ماشي أوعدك
بدأ آدم يقص لها ما حدث،لم يدخل في تفاصيل كثيرة لكنه أخبرها بالحقيقة التي لم يعد يستطيع إخفاءها... أنه تعرض لإصابة بطلق ناري وخضع لعملية جراحية لكنه الآن أفضل وحالته مستقرة.
بمجرد أن انتهى من كلامه امتلأت عينا ريم بالدموع وقالت:إنت إزاي تعمل في نفسك كده يا آدم؟
ابتسم رغمًا عنه:مش اتفقنا ما تعيطيش!
مسحت دموعها سريعًا وقالت:ما إنت اللي بتوجع قلبي عليك...إنت وضعك ايه دلوقتي!
هز آدم رأسه مطمئنًا:والله العظيم أنا بخير،ما تقلقيش بقى
ظل صوته هادئًا كأنه يحاول أن يحمل عنها الخوف أكثر مما يحاول أن يصف حالته هو،ثم قال:ريم خلي بالك من نفسك
وقبل أن يكمل حديثه،رن هاتف فريدة نظرت إلى الشاشة ثم اعتذرت له بإشارة بسيطة وخرجت من الغرفة بهدوء.
جلست على أحد مقاعد الاستراحة الموجودة في الممر،ثم أجابت على المكالمة.
جاءها صوت رانيا على الفور ممتزجًا بالعتاب:إنتِ مش بتردي على مكالماتي ليه؟
تنهدت فريدة:أنا....
قاطعتها رانيا بصوت ممتلئ بالقلق:من امبارح وأنا برن عليكِ مش بتردي،حتى رسالة ما بعتيش
قالت فريدة بسرعة:يا بنتي الدكتور اللي هنا اتصاب
ساد الصمت لثوانٍ،ثم جاء صوت رانيا مستنكرًا:أيوة برضو مش بتردي عليا ليه؟
رفعت فريدة حاجبيها بدهشة وقالت:بقولك اتصاب
ردت رانيا ببساطة:طب وإنتِ مالك! هو إنتِ اللي اتصبتي؟
تغيرت ملامح فريدة وخفضت عينيها وهي تقول بصوت أكثر حزنًا:ما هو اتصاب بسببي
تغير صوت رانيا فورًا:يعني ايه بسببك؟ وإزاي أصلًا!
تنفست فريدة بعمق ثم بدأت تحكي لها ما حدث،حكت عن الطلقة وعز آدم الذي اندفع أمامها وكيف أُصيب بدلًا منها،استمعت رانيا حتى النهاية ثم لمعت ابتسامة صغيرة على وجهها:يعني عرض حياته للخطر عشانك؟
لم تجب فريدة فقط هزت رأسها قليلًا،فقالت رانيا بنبرة تعرفها فريدة جيدًا:ده حب بقى
رفعت فريدة عينيها إليها باعتراض واضح:حب ايه يا مجنونة إنتِ
ضحكت رانيا:طب والله حب...وشكلك إنتِ كمان حبتيه
سكتت فريدة لحظة،ثم ابتسمت بخجل وقالت بصوت منخفض:ممكن
اتسعت ابتسامة رانيا:شوقتيني أشوف الدكتور اللي قدر يوقع فريدة فيه
رفعت فريدة عينيها وقالت بثقة هادئة:إن شاء الله لما نرجع تبقي تشوفيه
-إن شاء الله يا حبيبتي
سكتتا لحظة قبل أن تقول رانيا بحنين:وحشتيني أوي يا فريدة
ابتسمت فريدة:وإنتِ كمان...طمنيني عليكِ
-أنا بخير...ناقصني أشوفك بس
_قريب إن شاء الله
نظرت فريدة إلى باب الغرفة،ثم قالت:هقفل دلوقتي وهكلمك تاني
هزت رانيا رأسها:ماشي...بس ابقي ردي على اتصالي
ضحكت فريدة:حاضر
انتهت المكالمة وظلت فريدة لحظة تنظر إلى شاشة الهاتف بعد أن أغلقتها،وكأن كلمات رانيا مازالت تتردد في رأسها،ثم نهضت وعادت إلى غرفة آدم.
وجدته قد أنهى مكالمته مع شقيقته،وكان ينظر نحو الباب لحظة دخولها.
اقتربت فريدة ثم جلست على الكرسي المجاور لسريره وقالت بإبتسامة:حاسس بإيه دلوقتي؟
ابتسم آدم:بتحسن الحمدلله
اطمأنت ملامحها قليلًا وقبل أن تجيبه انفتح الباب مرة أخرى.
دخل رامي كان يحمل ملفًا طبيًا بين يديه،وملامحه هذه المرة لم تكن تحمل هدوءه المعتاد.
توقف عند السرير وقال:عرفت حاجه جديدة ومحتاج أقولك عليها
رفع آدم عينيه إليه باهتمام وقال:قول يا رامي
اقترب رامي ومد يده بالملف:دي نتايج العينة الجديدة
أخذ آدم الملف وقلب عينيه بين الأوراق:تمام...فيها ايه النتايج دي؟
-النتايج بتقول إن 80٪ من المرضى موجود في جسمهم مواد إشعاعية وهي اللي أدت لتشابة الأعراض والأمراض اللي عندهم
توقفت عينا آدم عن الحركة فقط رفع رأسه ببطء وسأله:والـ 20٪ الباقيين؟
أجاب رامي:اتنقل لهم المرض
ظل آدم صامتًا للحظات،ثم قال:دي عدوى بقى
هز رامي رأسه:حاجه زي كده
ظل آدم شاردًا في الأوراق أمامه،وكأن عدة تفاصيل متفرقة بدأت فجأة تقترب من بعضها.
الكمامات...المرضى المصريون...العزل...القرار الذي فُرض عليهم والأعراض المتشابهة.
رفع عينيه إلي رامي وقال وهو يربط الأحداث ببعض:عشان كده طلع قرار رئاسي إن كل المصريين يلبسوا كمامات...خايفين يتنقل المرض للمواطنين
هز رامي رأسه ببطء:بالظبط
ساد الصمت داخل الغرفة،كانت فريدة تتابع الاثنين دون أن تدخل بينما ظل آدم ينظر إلى الملف وكأن الأرقام التي أمامه لم تعد مجرد نتائج تحاليل،إنما هي جزء من صورة أكبر لم تكتمل بعد.
قال رامي:الموضوع شكله كبير يا آدم
أغلق آدم الملف بهدوء، ثم قال:كملوا في العلاج....وأنا هعمل أبحاثي وأشوف الموضوع ده
توقف لحظة،ثم رفع عينيه إلى رامي:بس عايز اللابتوب بتاعي
أومأ رامي:ماشي
استند آدم إلى الوسادة وعاد الصمت إلى الغرفة،لكن هذه المرة لم يكن صمت رجل يتعافى من رصاصة بل كان صمت طبيب بدأ يرى خيطًا جديدًا في قضية لم تعد تبدو مجرد مجموعة أمراض متشابهة.
ما إن خرج رامي من الغرفة حتى بقيت فريدة صامتة للحظات تراقب الباب الذي أغلق خلفه قبل أن تلتفت إلى آدم،كان وجهها قد فقد ابتسامته السابقة وحل محلها قلق واضح:هو ايه اللي بيحصل يا آدم؟
نظر إليها آدم لحظة ثم أخذ نفسًا هادئًا قبل أن يبدأ في شرح كل ما يعرفه.
-عزوز من أول ما وصلنا هنا كلفنا نعالج المصريين اللي موجودين في المستشفى،ومن أول يوم وأنا بلاحظ حاجات كتير غريبة
مالت فريدة بجسدها قليلًا وهي تستمع إليه باهتمام
-أغلب المرضى تقريبًا عندهم نفس الأعراض أو أعراض متشابهة جدًا...وفي حاجه تانية لفتت نظري المصريين اللي في الشارع وفي المستشفى كلهم تقريبًا بيلبسوا كمامات
سألته:فين المشكلة عادي بتحصل
-اللي مش عادي لما سألت واحد من المرضى قالي إن ده قرار رئاسي
عقدت فريدة حاجبيها فتابع آدم:قررت أبص على التاريخ المرضي للمرضى اللي عندنا...اكتشفت إن أغلبهم وهما في مصر ما كانوش بيعانوا من الأمراض الخطيرة دي،الأمراض دي ظهرت عليهم هنا وفي وقت قصير جدًا
سكت لحظة،ثم أضاف:والأغرب من كده...اكتشفت إن حوالي 90٪ من الجالية المصرية الموجودة هنا،وجودهم في صربيا مرتبط بحوادث الطيارات اللي حصلت وإن مصر ما تعرفش أي معلومات عنهم لحد دلوقتي
اتسعت عينا فريدة وهي تقول:يعني ايه!
-يعني أغلب المصريين اللي موجودين هنا جم بعد ما طياراتهم وقعت
ظلت فريدة تحدق فيه دون كلام حتى قال:عشان كده قررت آخد عينات من المرضى وأبعتها للمعمل والنتيجة ظهرت زي ما سمعتي من رامي....فيه مواد إشعاعية في أجسامهم بنسبة كبيرة
بدت الدهشة واضحة على فريدة:مواد إشعاعية!
هز آدم رأسه وقال:أيوة
ظل عقلها يستعيد الكلمات واحدة تلو الأخرى،كأنها تحاول أن تجد بينهما رابطًا منطقيًا،ثم سألت:طب الإشعاعات دي هتيجي منين؟
خفض آدم عينيه قليلًا وهو يقول:مش عارف
ثم أضاف بجدية:بس اللي أنا متأكد منه...إن الإشعاعات دي من الدولة هنا، مش من مصر
سادت الغرفة لحظة صمت ثقيلة قبل أن تتحدث فريدة:وهتعمل ايه!
-هبعت للمعمل أعرف نوع الإشعاعات دي بالظبط،ونشوف مصدرها ايه وإزاي وصلت لجسم المرضى
ظلت فريدة تنظر إليه،ثم قالت بقلق:الموضوع شكله فعلًا كبير
توقفت لحظة قبل أن تضيف بنبرة أخفض:هو إحنا في مؤامرة ولا ايه!
-الموضوع خطير فعلًا يا فريدة
نظرت إليه بعزم:وأنا هساعدك فيه
رفع عينيه إليها سريعًا:لا
-ليه!
_ما تدخليش نفسك في الموضوع ده...بلاش يحصلك مشاكل أنا هتصرف
ثم أضاف بنبرة حاسمة:إنتِ ركزي مع الطيارة،إحنا عايزين نرجع بلدنا في أسرع وقت،لأن قعدتنا هنا ممكن تكون خطر علينا
ترددت فريدة للحظات،ثم أومأت برأسها:تمام
ساد الصمت من جديد لكن هذه المرة كل واحد منهما يفكر في شيء مختلف،آدم يفكر في تلك المواد التي وُجدت داخل أجساد المرضى،وفريدة تفكر في الطائرات وكلاهما لم يكن يعرف أن الخيطين اللذين بدو منفصلين....قد يكونان متصلين أكثر مما يتخيلان.
في الوقت نفسه كان ماجد يقف في مطار نيش إلى جوار الطائرة،ارتدى ملابس الطيران وبدأ يفحص الطائرة بعناية قبل الاختبار الثاني،يراجع كل جزء كما فعلت فريدة من قبل،لم يكن يريد هذه المرة أن يترك شيئًا للصدفة.
تأكد من الأنظمة،وراجع الطائرة عدة مرات ثم صعد إلى قمرة القيادة استعدادًا للاختبار،وبعد دقائق تحركت الطائرة على المدرج ومن ثم ارتفعت في السماء.
أجرى ماجد الاختبارات التي أتفق عليها مع فريدة؛ التفافًا ودورانًا،ثم انقلابًا محسوبًا للطائرة،قبل أن تعود تدريجيًا إلى وضع الطيران الطبيعي.
وبعد أن اطمأن إلى استقرارها بدأ رحلة العودة،هبطت الطائرة بسلاسة على المدرج وبمجرد أن أوقفها نزل ماجد واتجه مباشرة إلى عزوز يقول بثقة:الطيارة سليمة
نظر إليه عزوز باهتمام:متأكد؟
-أيوة عملت كل الاختبارات ومفيش أي مشكلة ظهرت،ناقص ننسق يوم عشان نسافر بيه رحلة قصيرة
-تمام هنبلغكم في أسرع وقت باليوم اللي هتسافروا بيه
أومأ ماجد وهو يقول:تمام
ثم استدار وغادر المكان تاركًا عزوز واقفًا يتابع خطواته بعينين لم تفصحا عما يدور خلفهما،أما ماجد فلم يكن يعرف أن الاختبار الناجح للطائرة لم يكن نهاية المشكلة....بل ربما بداية اكتشافها.
كانت حنان جالسة وحدها في نهاية الممر،وقد أسندت ظهرها إلى المقعد بينما راحت عيناها تتبعان حركة الأطباء والممرضين من بعيد دون أن تكون منشغلة حقًا بما يحدث حولها.
تذكرت نظراتها إلى رامي أمام باب غرفة العناية المركزة،أطلقت زفرة طويلة أخفت بها شيئًا لم تجد له اسمًا واضحًا حتى الآن.
هي تعرف ما تشعر به،أو ربما بدأت تعرف...لكن المشكلة لم تكن في مشاعرها وإنما في السؤال الذي ظل يطاردها كلما وجدته أمامها منذ أن كانوا في المستشفى التي يعملون بها في مصر.
هل يشعر رامي بشيء نحوها أيضًا؟
لم تكن تملك شجاعة أن تسأله ولا كانت تريد أن تضع نفسها في موقف محرج،خصوصًا أنها تعرف ما مر به من قبل،تعرف أنه أحب فتاة وأن علاقته بها انتهت حين تزوجت أقرب أصدقائه،وتعرف أيضًا أنه منذ ذلك الوقت لم يدخل في علاقة أخرى.
لكن هل يعني ذلك أن قلبه مازال متعلقًا بها؟ أم أنه تجاوز الأمر تمامًا! وهل يمكن أن يكون قد بدأ ينظر إلى شخص آخر!؟
تنفست حنان ببطء ثم هزت رأسها كأنها تحاول أن توقف هذا السيل من الأسئلة
_إنتِ بتفكري في ايه؟
رفعت رأسها سريعًا،كان رامي واقفًا أمامها يحمل كوبًا من القهوة وينظر إليها بإبتسامة هادئة،ابتسمت حنان محاولةً أن تخفي ارتباكها:ولا حاجه
جلس إلى جوارها ورفع كوبه إلى فمه:ولا حاجه إزاي بس....بقالك خمس دقايق بتبصِ للحيطة
ضحكت بخفة وهي تقول:ده إنت مركز معايا أوي
رفع حاجبه وهو يبتسم:عادي...إنتِ اللي قعدتي قدامي
سكتت لحظة،كان ردًا عابرًا لكنه جعل قلبها يخفق بطريقة أزعجتها،أشاحت بوجهها عنه ثم قالت وكأنها تستكمل حديثًا عاديًا:ما خدتش بالي إنك قاعد...بقولك يا رامي
-هممم
ترددت كانت تستطيع أن تسأله ببساطة "إنت مرتبط" لكن السؤال بدا مباشرًا أكثر مما ينبغي فغيّرت صياغته:لو رجعنا مصر بكره ناوي تعمل ايه لما ترجع!
نظر إليها باستغراب بسيط:هعمل ايه يعني...هرجع شغلي
-قصدي حياتك
ابتسم رامي وقال بسخرية:حياتي! هي فين حياتي دي
-ايه البؤس ده...اللي يسمعك يقول إنك عايش لوحدك في الدنيا
ابتسم ابتسامة صغيرة لكنها حملت شيئًا من المرارة:تقدري تقولي كده
نظرت إليه حنان لحظة،ثم قالت بهدوء:أكيد في حاجه ممكن تغير لك الروتين ده
التفت إليها وسألها:زي ايه؟
ارتبكت فهي لم تتوقع أن يعيد السؤال إليها بهذه السرعة فقالت:مش عارفة...أي حاجه
ظل ينظر إليها لثوانٍ،ثم قال:إنتِ بتسألي ليه!
خفضت عينيها إلى يديها وقالت:بسأل عادي
ابتسم وقال:أيوة...واضح
رفعت عينيها إليه بضيق:ايه اللي واضح؟
-إنك بتسألي عادي...مع إني عارف إنه مش عادي
اتسعت عيناها قليلًا،ولم تجد ردًا مناسبًا فضحك رامي بخفة،ثم أنقذها من ارتباكها قليلًا:بس معنديش مشكلة تسألي
تنفست ببطء،كانت الفرصة أمامها لكنها لم تستطع فاكتفت بأن تقول:ميرسي يا رامي
هز رأسه ثم عاد إلى قهوته،بينما ابتسمت حنان رغمًا عنها،لم تعرف إن كان قد فهم شيئًا ولم تعرف إن كانت قد أخفت شيئًا بالفعل...لكنها للمرة الأولى شعرت أن الباب لم يكن مغلقًا تمامًا وأن لم يكن عليها سوى أن تعرف كيف تطرقه.
كان اليوم قد أقترب من نهايته حين اجتمعت المجموعة في إحدى القاعات الصغيرة بالمستشفى بعد انتهاء عملهم،يتبادلون الحديث حول بعض الحالات التي مرّت عليهم خلال الأيام الماضية.
لم يكن الاجتماع رسميًا ولذلك كان الجو أكثر هدوءًا من المعتاد،جلس مصطفى بينهم مستمعًا في أغلب الوقت،يشارك أحيانًا بتعليق قصير أو نكتة عابرة حتى دخل طبيب مصري كان قد شاركهم في متابعة إحدى الحالات وجلس معهم لبعض الوقت.
دار الحديث حول مريض تدهورت حالته خلال الساعات الماضية وبدأ كل طبيب يذكر وجهة نظره،تحدث هاني أولًا،ثم أضاف رامي بعض الملاحظات وبعدها تكلم الطبيب المصري عن الأعراض التي ظهرت على المريض.
ظل مصطفى صامتًا يستمع حتى قال فجأة:أنا شايف إن الأعراض دي مش كلها مرتبطة بالمرض الأساسي
التفت إليه عدة وجوه فتابع مصطفى وقد بدا أكثر ثقة وهو يستند إلى ما لاحظه بنفسه:التوقيت مختلف وكمان في عرض ظهر عنده قبل باقي الأعراض،لو ربطنا الحاجات دي ببعض ممكن نلاقي إن فيه سبب تاني
توقف لحظة يبحث عن الكلمة المناسبة،ثم أكمل:أو عامل مصاحب هو اللي أدى للتدهور السريع
كان كلامه منطقيًا،و واضح أنه يتحدث عن شيء درسه جيدًا،لكن الطبيب نظر إليه قليلًا ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من السخرية:متأكد من الكلام ده؟
رفع مصطفى عينيه إليه وقال:آه لأن....
قاطعه الرجل:لأن ايه
توقف مصطفى لحظة،لم يكن السؤال نفسه مشكلة لكنه شعر فجأة بأن كل الأنظار اتجهت إليه،حاول أن يستعيد أفكاره وقال:لأن...لأن
انتظر الطبيب ثوانٍ قليلة،ثم قال بإبتسامة جانبية:إنت بتقطع في الكلام والواحد مش عارف إنت واثق من كلامك ولا لا
ضحك أحد الأطباء الموجودين ضحكة قصيرة ثم توقف سريعًا حين لاحظ صمت الآخرين،شعر مصطفى بأن الحرارة صعدت إلى وجهه فقال بصوت منخفض:أنا واثق من كلامي
-مش قادر أقتنع أصل دكتور نفسي هيتكلم في تخصص غيره ليه
ابتلع مصطفى ريقه،تعلقت عيناه بنقطة على الطاولة أمامه بينما بدأت أصابعه تتحرك ببطء فوق ركبته.
لاحظ رامي ما يحدث وفتح فمه ليتدخل لكن مصطفى رفع عينيه إليه للحظة وكأنه يطلب منه ألا يفعل ذلك،فهو يريد أن يرد بنفسه.
رفع رأسه وقال:أنا..
لكن صوته خرج ضعيفًا،توقف قليلًا تنفس ببطء وحاول مرة أخرى:مش معنى إني طبيب نفسي إني مش فاهم ولا عارف أنا بقول ايه
ابتسم الطبيب وقال:بس أنا ما قولتش إنك مش عارف
ثم أضاف وكأنه يلقي جملة عابرة:بس واضح إنك محتاج تتعلم تتكلم قدام الناس الأول ولا الرهاب الاجتماعي عامل عاميله
ساد الصمت...
لم يعد مصطفى يرى أحدًا بوضوح،يسمع الكلمات لكن صوته الداخلي كان أعلى من كل شيء.
"محتاج تتعلم تتكلم" تلك الجملة لم تكن جديدة،لم تكن المرة الأولى التي يسمع فيها شيئًا يشبهها.
حاول أن يأخذ نفسًا عميقًا،شعر بأن أطراف أصابعه بدأت تبرد وأن قلبه يخفق بسرعة مؤلمة.
نهض فجأة وهو يقول:عن إذنكم
لم ينتظر ردًا غادر القاعة وأغلق الباب خلفه بهدوء كأنه يخشى أن يصدر منه أي صوت إضافي،أما فريدة فنظرت إلى الطبيب بغضب وألقت عليه زجاجة مياة قائلة بنبرة تحمل غضبًا شديدًا:إنت بني آدم ما بتفهمش الكلام اللي بتقوله...وعلى فكره بقى إنت اللي محتاج تتعلم تتكلم مع الناس مش هو
وغادرت الغرفة تبحث عن مصطفى الذي يسير في الممر دون أن يعرف إلى أين يتجه،كل ما يريده أن يبتعد عن القاعة،عن العيون،عن الصوت الذي مازال يتردد داخل رأسه.
وصل إلى سُلم جانبي بعيد عن حركة المرضى وجلس على إحدى درجاته،وأسند ظهره إلى الحائط وأغمض عينيه.
كان غاضبًا،لكن غضبه لم يكن من الطبيب وحده،بل كان غاضبًا من نفسه أكثر،ضغط على يديه بقوة.
-ليه!
خرجت الكلمة منه هامسه:ليه كل مرة برجع لنقطة الصفر من تاني
لم يجد إجابة وبدأت الصور القديمة تتسلل إلى ذاكرته دون استئذان.
وهو صغيرًا كان يجلس وسط أفراد عائلته بينما أحد الأقارب يتحدث معه ويطلب منه أن يجيب،كان يعرف الإجابة لكنه ظل صامتًا،وحين طال صمته سمع صوت والدته:اتكلم يا مصطفى...الناس مستنياك يا حبيبي
لكن والده قال:ولا هيتكلم...ده عيل لبخة ما بينطقش كلمتين على بعض
قال شقيقه الأكبر بسخرية:هو دايماً كده،أول ما يبقى وسط ناس يتحول لصنم
نظر حينها إلى الأرض،لم يفهم لماذا الكلام سهلًا في رأسه ومستحيلًا على لسانه.
وفي مرة أخرى كان والده يقف أمامه بعد أن انتهى موقف مشابه،يقول بصوت مرتفع:إنت لازم تتغير
ظل مصطفى صامتًا،ليتابع والده:إنت فاكر إن الناس هتفضل مستنياك لحد ما تعرف تتكلم
كانت الكلمات أقسى من أن يفهمها طفل،لكنه فهم شيئًا واحدًا منها...أنه يسبب الإحراج،وأنه مختلف وأن الآخرين يستطيعون فعل ما يعجز هو عن فعله.
كبر مصطفى وهو يحمل ذلك الشعور معه،كل مرة يدخل فيها مكانًا جديدًا،أول ما يفكر فيه هو نظرات الناس.
كلما أراد أن يتحدث كان يفكر في الطريقة التي سيبدو بها صوته،وكلما أخطأ في كلمة ظل يتذكرها لساعات حتى أصبح الصمت أحيانًا أكثر أمانًا من الكلام.
فتح عينيه،كانت عيناه ممتلئتين بالدموع مسح وجهه بغضب ثم ضحك ضحكة قصيرة مكسورة:أنا تعبت
خفض رأسه بين يديه وأكمل:تعبت من نفسي
ظل على حاله دقائق طويلة حتى سمع خطوات أقدام تقترب،لم يرفع رأسه..توقفت الخطوات أمامه،ثم جاءه صوت فريدة تناديه:مصطفى
لم يجب فجلست إلى جواره على الدرجة نفسها دون أن تقترب منه أكثر مما ينبغي،وظل الصمت بينهما لحظات
قال مصطفى بصوت خافت:لو جاية تقولي لي ما تزعلش...فأنا مش ناقص
نظرت إليه فريدة:مش جاية أقولك كده
رفع رأسه قليلًا وسألها:اومال جاية ليه!
-جاية أقعد معاك عادي
قال بحزن:أنا اتبهدلت يا فريدة
-مين بهدلك؟
ضحك بسخرية مريرة:أنا
نظرت إليه دون أن تقاطعه،فقال:هو قال كلمتين...وأنا عجزت حتى أرد عليه
-لأنك اتوترت
هز رأسه وقال بحزن:لا عشان أنا كده...أنا حاولت كتير يا فريدة،وكل مرة أقول خلاص المرة الجاية هتكلم وهبقى طبيعي...وبعدين يحصل موقف زي ده وأرجع لنقطة الصفر من تاني
سكت لحظة،ثم قال:أنا كان في دماغي الرد والله...بس أول ما بصوا عليا حسيت إني مش قادر اتنفس
لم تجبه فريدة فورًا،كانت تعرف أن أي كلام سريع قد يجعله يشعر بأنها تحاول إصلاح شيء لا يمكن إصلاحه بكلمتين لذلك صمتت لعدة دقائق،ثم قالت:طيب بص لي
رفع عينيه إليها وقال:نعم!
-شايفني؟
هز رأسه وقال:أيوة
-طب قولي...شايف في عيوني إني ببص لواحد فاشل؟
صمت فتابعت:ولا ببص لواحد اتعرض لموقف صعب وأتغلب على الخوف
لم يرد فقالت بهدوء:إنت مش نفس الشخص اللي قال عليه
انخفض عيناه وهو يقول:بس أنا صدقته
كانت الجملة أثقل من كل ما سبقها،نظرت إليه فريدة طويلًا وقالت:يبقى المشكلة مش إنك ضعيف يا مصطفى...المشكلة إنك بقالك سنين بتسمع كلام خلّاك تصدق إنك ضعيف
رفع مصطفى عينيه إليها،لم تسأله عما حدث في طفولته،ولم تطلب منه أن يحكي،ولم تقل إن كل شيء سيكون بخير...فقط قالت:بس أنا مش شايفة ده
ظل ينظر إليها وكأن الجملة وصلت إلى مكان لم يستطع أحد الوصول إليه من قبل.
أشاح وجهه سريعًا ومسح عينيه،أما فريدة فظلت جالسة إلى جواره دون أن تتكلم،ولأول مرة منذ خروجه من القاعة لم يشعر مصطفى بأنه مضطر لأن يخفي ارتباكه أو يعتذر عن ضعفه.
بل جلس وترك الخوف يهدأ قليلًا.
يُتبع...
التعليقات
0 تعليق