لم يكن السكون الذي أعقب توقف الطائرة سوى بدايةٍ لفوضى أخرى.
كانت سيارات الإسعاف تحيط بالطائرة من جهات عدة،بينما انتشر رجال الإنقاذ على المدرج،يتحركون بسرعة بين الركاب الذين بدأ إخراجهم تباعًا.
بعضهم كان قادرًا على السير،وبعضهم احتاج إلى المساعدة.
أما المصابون فقد بدأت فرق الإسعاف بنقلهم فورًا،كان آدم قد نزل من الطائرة بعد أن اطمأن على هاني ومصطفى.
وقف للحظة يتأمل المشهد أمامه،ثم تحرك لم يكن بحاجه إلى من يطلب منه ذلك.
كان يرى أشخاصًا يحتاجون إلى المساعدة، وهذا وحده كان كافيًا.
_آدم
التفت إلى مصدر الصوت كانت إحدى زملائه تشير إلى رجل يجلس على الأرض،وقد أصيب في رأسه اتجه إليه فورًا وجثا إلى جواره:حضرتك سامعني؟
فتح الرجل عينيه بصعوبة وقال:أيوة
_تمام ما تتحركش،في إسعاف جاية حالًا
بدأ آدم في تفقد حالته سريعًا،فيما كان زملاؤه ينتشرون في محيطه،يساعد كلٌّ منهم بحسب تخصصه.
كان الأطباء الذين اجتمعوا قبل ساعات استعدادًا للسفر إلى المؤتمر الطبي قد وجدوا أنفسهم فجأةً وسط حالة طوارئ حقيقية،ولم يتردد أحد منهم.
في مقدمة الطائرة كان ماجد لا يزال إلى جوار فريدة،دخل أحد أفراد الإنقاذ إلى قمرة القيادة محاولًا مساعدته على إخراجها.
-ساعدني نطلعها فورًا
تفاجئ ماجد من أن الرجل يتحدث اللغة العربية وبالأخص اللهجة "المصرية" في دولة ليست لغتها الأم هى العربية الفصحى،لكنه أومأ رأسه وقال:خلي بالك مصابة إصابات شديدة
اقترب المسعف من فريدة وبدأ يتفحص حالتها سريعًا،كانت فاقدةً الوعي.
أشار إلى موضع إصابتها فتبدلت ملامحه وهو يقول:هننقلها للمستشفى حالًا.
وقف ماجد إلى جوارهم،بينما بدأت عملية إخراجها من المقعد بحذر.
لم تكن تستجيب وكان وجهها شاحبًا على نحوٍ جعل القلق يتسلل إلى قلبه رغم محاولته السيطرة عليه.
حُمِلت فريدة خارج الطائرة،وحين نزلت إلى المدرج كانت سيارة الإسعاف تنتظرها بالفعل.
لم يبتعد آدم عن المكان طويلًا،كان يساعد في التعامل مع أحد المصابين حين اقترب منه أحد رجال الإنقاذ مسرعًا وقال له بلغةٍ متوترة:جراح؟
رفع آدم رأسه وقال:أيوة
أشار الرجل إلى سيارة الإسعاف وقال:في مصابة محتاجة تدخل جراحي سريع.
تبدلت ملامح آدم وقال وهو يركض لسيارة الإسعاف:حالتها ايه؟
_إصابات قوية تكاد تفقد حياتها
لم يحتج إلى سماع المزيد،ركض أسرع وهو يقول:خدوها للمستشفى.
بعد عدة دقائق وصلت سيارة الإسعاف إلى المستشفى،وكان آدم قد رافقها بعد أن أُبلغ بأن التدخل الجراحي قد يكون ضروريًا.
تحركت العربة الطبية بسرعة داخل الممرات،وبدأ الفريق الطبي المحلي في نقل فريدة بينما سار آدم إلى جوارها.
نظر إليها للمرة الأولى عن قرب،وفي تلك اللحظة توقف فهو يعرف هذا الوجه.
تلك هى المرأة التي رآها أمام باب الطائرة "كابتن الطائرة" لكن لم يكن هناك وقت للتفكير،اقترب منها وقال:العلامات الحيوية؟
بدأ أحد أفراد الفريق بإبلاغه،استمع آدم باهتمام بينما كان يتحرك إلى جوار العربة.
ثم وقف فجأة،نظر إلى الفريق وقال:جهزوا غرفة العمليات
تبادل بعضهم النظرات ليقول أحد فريق الإنقاذ:نستنى رأي الطبيب المسؤول!
قاطعه آدم بهدوء وقال:مش هستنى حد...أنا هتولى الجراحة
نظر إليه أحدهم للحظة وقال:لكن..
أكمل آدم وقد أصبحت نبرته أكثر حسمًا:أنا جراح وهى محتاجة تدخل سريع،كل دقيقة مهمة لإنقاذ حياتها
لم يكن في صوته أي انفعال،ولا رغبة في إثبات شيء.
كان يتحدث فقط بما تفرضه اللحظة،أما الفريق فقد تحرك فورًا.
داخل غرفة العمليات بدأ كل شيء يتحول إلى نظامٍ آخر.
نظامٍ يعرفه آدم جيدًا،لم يعد هناك صوت الفوضى القادمة من الخارج،ولا صوت سيارات الإسعاف.
ولا الطائرة التي تحطمت رحلتها قبل ساعات،لم يبقَّ سوى فريقه من حوله وفريدة.
تلك المرأة التي لم يعرف اسمها بعد،ولم يتبادل معها سوى كلمتين عابرتين قبل ساعات والآن...
حياتها بين يديه.
تحرك أفراد الطاقم في أماكنهم،وأُعدّت الأجهزة اللازمة،بينما كان آدم يقف إلى جوار فريدة يتابع تجهيزاتها الأخيرة.
كانت لا تزال فاقدة للوعي،وبدا وجهها أكثر شحوبًا تحت أضواء الغرفة البيضاء.
دخل هاني بعد لحظات وقد ارتدى ملابس العمليات،تقدم نحو المكان ثم وقعت عيناه على فريدة.
توقف وهو يحدق فيها لثوانٍ،ثم التفت إلى آدم وقال:استنى كده
رفع آدم عينيه إليه وقال:في ايه؟
أشار هاني إلى فريدة وقال:مش دي البنت اللي كانت بتسوق الطيارة؟
أجابه آدم بهدوء:أيوة
اتسعت عينا هاني واقترب منه خطوة وهو يقول:سيبها تموت..هي السبب في كل اللي إحنا فيه
رفع آدم رأسه نحوه،فأكمل هاني وقد بدا الغضب واضحًا في صوته:مش عارف الناس مهملة وما بتشوفش شغلها كويس ليه!
ظل آدم ينظر إليه لثوانٍ،ثم قال بهدوءٍ حازم:لو مش جاهز للعملية يا هاني،تقدر تتفضل وأنا هطلب دكتور تخدير من المستشفى.
ساد الصمت وتغيرت ملامح هاني قليلًا،أما آدم فأضاف:لكن طول ما إنت داخل الأوضة دي،فإنت طبيب والموجودة قدامك دي مريضة وبس
نظر هاني إلى فريدة،ظل صامتًا للحظات،ثم زفر ببطء:عندك حق
توقف آدم عن الحديث بينما ألقى هاني نظرة سريعة حوله.
كان عدد من أفراد الطاقم المحليين يستعدون في أماكنهم ثم قال:على فكره واضح إن أغلب الموجودين هنا مصريين.
نظر آدم حوله،ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:ما هو المصري مسيطر في كل الدول
ضحك هاني رغمًا عنه وقال:والله عندك حق
أعاد آدم نظره إليه وقال:هتشتغل معايا ولا أجيب غيرك؟
رفع هاني يديه قليلًا وقال:هشتغل.
ثم نظر إلى فريدة،وأضاف:مهما كان..هي برضو مريضة و واجبنا نساعدها
عاد كلٌّ منهما إلى مكانه،بدأ هاني في تجهيز ما يلزم للتخدير فيما وقف آدم يتابع حالة فريدة للمرة الأخيرة قبل أن يبدء العملية.
ساد الصمت داخل الغرفة،ذلك الصمت الذي يسبق اللحظات التي لا مجال فيها للخطأ.
تبادل آدم نظرة سريعة مع فريقه،ثم قال:نبدأ
وفي الخارج كانت مدينةٌ كاملة تستعد لاستقبال مجموعة من الغرباء الذين لم يعرفوا بعد أن إقامتهم فيها..لن تكون عابرة.
أُغلقت أبواب غرفة العمليات،وفي اللحظة التي استقر فيها كل فردٍ في مكانه تبدّل كل شيء.
لم يعد هناك مجالٌ للأحاديث الجانبية أو التفكير فيما حدث خارج تلك الغرفة.
كانت فريدة الآن أمامهم مريضة،وحياتها تتطلب منهم التركيز الكامل.
وقف آدم إلى جوارها وقد ارتدى قفازيه،بينما كان هاني يتابع تجهيزها للتخدير،نظر آدم إلى الفريق المحيط به وقال:جاهزين!
أومأ الجميع وتقدم هاني وبدأ إجراءاته بهدوء وتركيز،فيما ظل آدم يتابع حالة فريدة.
مرت الدقائق الأولى ثقيلة،كانت المؤشرات أمامهم تتحرك باستمرار،وكل رقم منها يحمل معنى لا يمكن تجاهله.
ألقى آدم نظرة على أحد أفراد الفريق وقال:كله تمام؟
_تمام يا دكتور
أومأ برأسه ثم بدأ.
داخل غرفة العمليات فقد الزمن معناه،لم يعد أحد يعرف كم ساعة مرّت،كان كل ما يملأ المكان هو أصوات الأجهزة المنتظمة،وحركة الفريق المتناسقة والتعليمات القصيرة التي كان آدم يوجهها بهدوء.
لم يرفع صوته،لم يفقد تركيزه،وكلما واجههم أمرٌ احتاج إلى التعامل معه،كان ينظر إلى الفريق من حوله ويتابع معهم حتى يعود كل شيء إلى مساره.
وقف هاني بالقرب منه يراقب حالتها باستمرار،وبين الحين والآخر ينقل إليه ما يحتاج إلى معرفته:العلامات مستقرة
أومأ آدم دون أن يرفع عينيه.
مرّت ساعة أخرى ليقول أحد أفراد الفريق:دكتور
رفع آدم نظره وقال:في ايه؟
أشار إلى أحد الأجهزة،فقد تغيرت إحدى القراءات.
تحرك آدم فورًا وهو ينادي على هاني:هاني
كان هاني قد لاحظ الأمر بالفعل وقال:خدت بالي..ما تقلقش انا هسيطر على الوضع
ساد التوتر للحظات،تحرك الفريق بسرعة لكن من دون فوضى.
كان كل شخص يعرف ما عليه فعله،وبعد دقائق بدت أطول مما هي عليه،بدأت المؤشرات تعود إلى استقرارها.
ألقى هاني نظرة على آدم وقال:رجعت
زفر آدم ببطء،لكنه لم يتوقف بل قال:نكمل
بعد مرور الساعة الثالثة
كان التعب قد بدأ يتسلل إلى الجميع،لكن لم يكن أحد منهم يسمح له بأن يؤثر في تركيزه.
كان آدم يقف ثابتًا في مكانه،لم يفكر في الطائرة..
ولا في الحادث.
ولا في الرحلة التي تحولت خلال ساعات إلى ما لم يتوقعه أحد.
كل ما كان أمامه الآن هو فريدة،المريضة الموجودة على طاولة العمليات.
وبعد وقتٍ طويل..
توقف ورفع عينيه إلى الفريق وقال:خلصنا
تبادل الفريق النظرات،أما هاني فاقترب وراجع حالتها بعناية..انتظر ثوانٍ،ثم رفع رأسه وقال:العملية نجحت
ساد ارتياح واضح في الغرفة،أطلق أحد أفراد الفريق أنفاسه التي كان يحبسها،بينما أراح الآخر كتفيه.
أما آدم فظل ينظر إلى فريدة لحظات،كان وجهها لا يزال شاحبًا لكنها تجاوزت أخطر ما في الأمر.
تنهد وقال:انقلوها للعناية
بدأ الفريق في تنفيذ التعليمات،بينما خلع آدم قفازيه ونزع ملابس العمليات وفتح باب غرفة العمليات وخرج.
كان الإرهاق ظاهرًا على ملامحه،لكن خطواته بقيت ثابتة.
رفع عينيه فوجد ماجد واقفًا في الممر منتظرًا خروجه،ما إن رآه حتى تقدم نحوه وقال:هي عاملة ايه؟
توقف آدم أمامه وقال وهو ينظر إليه للحظة:العملية نجحت الحمدلله
انخفض التوتر عن ملامح ماجد،الذي أغمض عينيه لثانية وكأنه كان ينتظر تلك الجملة منذ وقتٍ طويل،ثم قال:الحمدلله..ما كنتش هسامح نفسي لو حصلها حاجه
آدم:هى هتتنقل للعناية المركزة محتاجة تفضل تحت الملاحظة
_أقدر أشوفها؟
هز آدم رأسه وقال:مش دلوقتي..لما تخرج من العناية وتبقى حالتها مستقرة.
أومأ ماجد موافقًا وقال:تمام
تردد لحظة ثم قال:شكرًا يا دكتور
نظر إليه آدم وقال بهدوء:ده شغلي...زي ما كنت أتمنى تشوفوا شغلكم
_فريدة مالهاش ذنب...هى كانت مهمتها تفحص هيكل الطيارة الخارجي،وأنا أفحص الهيكل الداخلي...وأنا قولت إنها رحلة زي باقي الرحلات وكل حاجه هتكون سليمة فتهاونت بالفحص
طأطأ رأسه لأسفل بحزن وقال:الغلط عليا مش عليها
في تلك اللحظة أدرك آدم أن تلك الطيارة ما هي إلا ضحية إهمال مثلهم،لذلك قال:عشان كده خايف عليها..عمومًا ادعي لها هي محتاجة دعوات الكل.
هز ماجد رأسه وتحرك ببطء مبتعدًا،بينما بقي آدم في مكانه للحظات،ثم أدار وجهه نحو نهاية الممر.
أما فريدة فخلف أبواب العناية كانت تخوض أولى ساعاتها بعد العملية.
كان المساء قد زحف ببطء فوق المدينة،حين اجتمع عددٌ من الأطباء في إحدى القاعات الصغيرة التابعة للمستشفى.
لم يكن أحدٌ منهم في حالةٍ تسمح له باستيعاب ما حدث خلال الساعات الماضية.
قبل وقتٍ قصير،كانوا على متن الطائرة متجهين إلى لندن..والآن في مدينةٍ لم تكن ضمن خططهم.
جلس مصطفى على أحد المقاعد،وقد وضع ذراعه المصابة داخل رباطٍ طبي،بينما جلس هاني إلى جواره صامتًا على غير عادته.
أما آدم فكان يقف بالقرب من النافذة ينظر إلى الخارج دون أن يرى شيئًا حقًّا.
قال مصطفى بعد فترة من الصمت:حد فاهم إحنا هنقعد هنا قد ايه؟
التفت إليه هاني وقال:لو حد فاهم كان قال
زفر مصطفى وقال:أنا بسأل سؤال عادي
أجابه هاني:وأنا برد عليك رد عادي
نظر مصطفى إلى آدم وقال:إنت ساكت ليه؟
لم يلتفت إليه،ولكنه أجاب:أنا لو اتكلمت..إنت هتسكت؟
ابتسم مصطفى وقال:لا
هز آدم رأسه وقال:أهو
وقبل أن يرد مصطفى،فُتح باب القاعة ودخل ماجد.
ما إن وقع بصر بعض الموجودين عليه حتى تبدلت ملامحهم وتوقفت الأحاديث.
ثم قال أحد الأطباء بحدة:هو داخل هنا ليه؟
نظر ماجد إليه لكنه لم يرد.
قال طبيب آخر:المفروض إحنا قاعدين نتكلم في اللي هيحصلنا بعد كده، وهو والطيارة دي السبب إننا موجودين هنا.
بدأت الأصوات ترتفع،ليقول مصطفى وقد بدا الغضب واضحًا عليه:أنا بصراحة مش فاهم هو جاي يعمل ايه هنا
أضاف هاني:وإحنا المفروض نتصرف معاه عادي بعد اللي حصل؟
ظل ماجد واقفًا عند الباب،لم يحاول الدفاع عن نفسه بل قال بهدوء:لو وجودي مش مرحب بيه،أنا ممكن أمشي.
وقبل أن يتحرك تدخل آدم:استنى يا ماجد
التفت الجميع إليه،أما آدم فابتعد عن النافذة وتقدم نحوهم وهو ينظر إلي مجموعة الأطباء وقال:أنا مقدر إن كلنا متضايقين
قال مصطفى:متضايقين؟
نظر إليه آدم:أيوة يا مصطفى متضايقين،وكمان اتصاب مننا ناس واللي حصل ما كانش بسيط.
ساد الصمت للحظات ثم تابع:بس ده مش معناه إننا نبدأ نحاكم بعض وإحنا لسه مش عارفين اصلا ايه اللي حصل
نظر إلى ماجد،ثم عاد إلى الجميع وقال:وبعدين سواء اللي حصل عاجبنا أو لا إحنا كلنا في نفس المركب دلوقتي.
قال هاني:بس
قاطعه آدم بهدوء:بس ايه؟ ماجد وفريدة مسؤولين عن الطيارة،ومن غيرهم إحنا مش هنعرف نرجع مصر...الطيارة دي محتاجة ناس فاهمه فيها،ومهما حصل إحنا محتاجين نعرف منهم كل حاجه تخصها.
نظر عدد من الموجودين إلى بعضهم،ليتابع آدم:إحنا دكاترة وعارفين كويس إن أول حاجه بنعملها وقت الأزمة إننا نفهم اللي حصل قبل ما نحكم على حد
ساد الصمت وخفض هاني عينيه للحظة قبل أن ينظر إلى ماجد ويقول:أقعد
رفع ماجد عينيه إليه،لم يتفوه هاني بشيء آخر، لكن زفر مصطفى وقال:خلاص يا عم أقعد
ابتسم ماجد ابتسامة خفيفة وقال:شكرًا
اتجه إلى أحد المقاعد وجلس،وبعد لحظات
فُتح الباب من جديد ودخل رجل وبرفقته اثنين من العاملين،فتوقفت الأحاديث.
كان يحمل بعض الأوراق بين يديه،وبدا واضحًا أنه جاء ليخبرهم بشيء.
تقدم نحوهم وقال بوقار:مساء الخير
رد عليه الجميع بتحية مقتضبة.
نظر الرجل إلى الأوراق التي يحملها،ثم قال:أنا المسؤول عن متابعة أوضاع الركاب بعد الحادث
تبادلت المجموعة النظرات،تابع الرجل:أولًا أحب أطمنكم إن معظم المصابين حالتهم مستقرة،واللي احتاجوا تدخلات طبية بيتلقوا الرعاية اللازمة
تنفس بعض الموجودين براحة،ثم أضاف:بالنسبة للطيارة
توقفت الأنظار عنده ليقول مصطفى:أيوة مالها الطيارة
نظر الرجل إلى أوراقه وقال:بعد الفحص المبدئي،اتضح إن الأضرار اللي لحقت بالطائرة كبيرة وخصوصًا في الجزء المتضرر.
سأل أحد الأطباء:يعني ايه؟
_يعني الطيارة مش هتقدر تستكمل رحلتها في الوقت الحالي.
ساد الصمت قبل أن يقول هاني:طب وإصلاحها
أجاب الرجل:الشركة بدأت بالفعل تتواصل مع فرق الصيانة،لكن الأضرار محتاجة فحص شامل وبعض الأجزاء ممكن تحتاج إلى الاستبدال
سأل مصطفى:يعني هنقعد هنا قد ايه؟
_لسه ما نقدرش نحدد
توقف لحظة،ثم قال:لكن أكيد مش ساعات
ظهرت علامات الضيق على الوجوه
أما مصطفى فقال:يعني ايه مش ساعات؟
أجاب الرجل بهدوء:ممكن تكون أيام
تبادل الأطباء النظرات،أما آدم رفع عينيه إلى ماجد وقال:ايه رأيك؟
التفت إليه الجميع،فقام ماجد بدوره بالنظر إلى الرجل وقال بعد لحظة:اللي بيقوله منطقي
سأله آدم:ليه؟
أجابه ماجد:الضرر اللي حصل للطيارة مش حاجه ينفع تتصلح بسرعة،لازم تتفحص بالكامل الأول..ويتحدد بالظبط ايه الأجزاء اللي أتأثرت وايه اللي محتاج يتغير
ساد الصمت،قبل أن يتابع ماجد:وبعدين دي طيارة مفيش حاجه اسمها نصلحها بسرعة وخلاص،لازم بعد الإصلاح يتعملها اختبارات وتتأكد الشركة إن كل حاجه رجعت آمنة قبل ما تطير تاني
أومأ آدم برأسه
_يعني إحنا هنقعد هنا أيام؟
هز ماجد رأسه وقال:غالبًا
زفر مصطفى بقوة،وأرجع رأسه إلى الخلف وهو يقول:يا سلام
نظر إليه هاني وقال:اهدى شوية
_أنا هادي
رفع هاني حاجبه وقال:واضح
وقبل أن يرد مصطفى،أكمل الرجل حديثه:بالنسبة لإقامتكم،شركة الطيران هتتكفل بكل حاجه خلال الفترة دي
سأل أحد الأطباء:هنقعد فين
_تم تجهيز أماكن إقامة لكم في فندق قريب من هنا،وهيتم نقلكم بعد ما تخلص الإجراءات الخاصة بالمستشفى
سأل آدم:والرحلة؟
_بمجرد ما الطيارة تبقى جاهزة،أو الشركة تتخذ قرار بخصوص طريقة استكمال الرحلة سواء بإرسال طيارة تانية أو إخبار السفارة المصرية هنا بالتصرف هيتم إبلاغكم
قال آدم:يعني لحد دلوقتي مفيش موعد محدد
_للأسف لا
ساد الصمت من جديد وأصبحت الحقيقة تستقر الآن أمام الجميع،لقد أصبحوا عالقين في هذه المدينة.
لم يعرف أحد كم سيبقون،ولا كيف ستسير الأيام القادمة.
وقف الرجل بعد أن انتهى من حديثه وقال:لو في أي معلومات جديدة،هتوصلكم فورًا
غادر القاعة وظل الجميع في أماكنهم لثوانٍ.
قال مصطفى أخيرًا:عندي سؤال
اغمض هاني عينيه وقال:خير
_الفندق ده فيه أكل محترم؟
نظر إليه هاني بضيق:انت بتهزر؟
رفع مصطفى كتفيه وقال:يا ابني إحنا ممكن نقعد أيام...الواحد لازم يعرف أولوياته.
ضحك عدد من الأطباء رغمًا عنهم،حتى ماجد الذي كان يجلس صامتًا منذ دخوله ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.
نظر آدم إلى ماجد وقال:بتضحك! كويس على الأقل عرفنا إنك طبيعي
ابتسم ماجد وقال:بحاول
وبدأ التوتر الذي ملأ القاعة قبل دقائق ينخفض تدريجيًا.
لم تختفِ الأسئلة.
ولم ينتهِ الغضب.
لكنهم للمرة الأولى منذ وقوع الحادث،بدأوا يدركون حقيقةً واحدة "أن رحلتهم لم تنتهِ" بل توقفت فقط..
في مكانٍ لم يكن أيٌّ منهم يعرف أن حياته ستتغير فيه.
مرّت ساعات أخرى داخل المستشفى.
خلالها بدأ الأطباء يتوزعون بين قاعات الانتظار والممرات،بينما ظل عددٌ منهم يتابع حالة المصابين.
عاد الرجل المسؤول عنهم من جديد،ما إن دخل القاعة حتى التفتت إليه الأنظار.
_الإجراءات خلصت وتقدروا دلوقتي تروحوا الفندق وترتاحوا.
ساد ارتياحٌ واضح بين الموجودين.
وقفت حنان وكانت تجلس بالقرب من مجموعة من الأطباء وقالت:طب والدكاترة المصابة؟
نظر إليها الرجل وقال:هيكملوا علاجهم هنا في المستشفى،وأول ما حالتهم تتحسن ويسمح وضعهم الصحي بالخروج هينضموا ليكم
أومأت حنان وهى تقول:تمام
بدأ الجميع في الاستعداد للمغادرة،اقترب مصطفى منه وقال:يلا يا آدم
_روحوا إنتوا، أنا هاجي وراكم
تبادل مصطفى وهاني النظرات، وقبل أن يسأله أيٌّ منهما اقترب رامي وهو أحد الأطباء القادمين من مستشفى أخرى غير التي يعمل بها آدم وقال:أنا عارفك كويس يا آدم
نظر إليه آدم،فتابع رامي:طالما قولت كده،تبقى حاسس بحاجه
هز آدم رأسه بالايجاب وقال:حاسس إن في حد هيحتاجني...روحوا إنتوا وأنا هاجي بعدكم
لم يناقشه رامي بل أومأ برأسه فقط وقال:ماشي
اقترب هاني من آدم وقال:خلاص روحوا إنتوا، وأنا هاجي مع آدم
التفت إليه آدم وقال:لا روح ارتاح إنت...إنت تعبت النهارده في العملية وقبلها في الطيارة
هز هاني رأسه وقال:عادي يا صاحبي،أنا مش هسيبك
نظر إليه آدم للحظة،ثم ابتسم:اللي يريحك
بدأ الآخرون في مغادرة القاعة. وبعد دقائق لم يبقَّ في المكان سوى عددٍ قليل من الأشخاص.
لفت انتباه آدم وجود ماجد،كان يقف في نهاية القاعة وكأنه ينتظر شيئًا،اقترب منه آدم وقال:خير يا كابتن ماجد؟
رفع ماجد رأسه وقال برجاء:ممكن تطمّن على فريدة قبل ما تمشي من المستشفى؟
أومأ آدم فورًا وقال:أكيد..وهطمنك
بدا الارتياح على وجه ماجد للحظة،لكنه لم يستمر طويلًا،فقد خفض نظره إلى الأرض ثم قال بصوتٍ منخفض:أنا عارف إني خذلتكم...وكنت سبب في كل اللي حصلنا ده،لكن والله فريدة مالهاش ذنب
نظر إليه هاني وقال بحدة:يعني ايه مالهاش ذنب! ما هي اللي كانت بتسوق
رفع ماجد عينيه إليه وقال:يا دكتور إنتوا فاهمين الطيران غلط
اقترب هاني قليلًا وقال بتساؤل:إزاي يعني؟
_أنا وفريدة مسؤولين عن الطيارة،ولو الرحلة طويلة شخص مننا بيرتاح شوية والتاني بيكمل مكانه عادي
اتسعت عينا هاني:يعني إنت كمان تقدر تسوق طيارة؟
هز ماجد رأسه وقال:أيوة أنا طيار زيي زيها،وأقدر اسوق طيارة عادي لكن الطبيعي يكون في طيار وطيار مساعد ومش معنى إن الطيار هى فريدة إن كفاءتي أقل منها...إحنا بنظبط جدول مواعيدنا مع بعض بس
ظل هاني ينظر إليه لثوانٍ،ثم قال:طيب ما هي برضو اللي كانت بتسوق مش إنت...يبقى الذنب كله عليها هي اللي ما بتشوفش شغلها
نظر ماجد إليه بثبات وقال:أنا اشتغلت مع فريدة في حوالي عشر رحلات والله ما شوفت واحدة متقنة شغلها قدها
صمت لحظة،ثم تابع:بتهتم بكل التفاصيل لأنها عارفة إن كل تفصيلة ممكن تفرق في سلامة الركاب
ابتسم هاني بسخرية:ما هو واضح الاهتمام
لم ينفعل ماجد،بل قال بهدوءٍ بدا أكثر إيلامًا:اللي حصل النهارده بسببي أنا
تغيرت ملامح هاني،أما آدم فظل صامتًا ليتابع ماجد:أنا اللي كنت مسؤول عن فحص الهيكل الداخلي للطيارة،وفريدة مسؤولة عن فحص الهيكل الخارجي.
أخفض رأسه وقال:هى اهتمت بكل تفصيلة في الهيكل الخارجي وفعلًا العطل الفني كان من الهيكل الداخلي اللي أنا تهاونت في فحصه،قولت عادي..كله أكيد تمام زي كل مرة
ساد الصمت،قبل أن يرفع ماجد عينيه من جديد وأكمل:لكن المرة دي ما كانش تمام
لم يرد أحد،أكمل ماجد وقال:فريدة مالهاش ذنب ولا حتى كانت تعرف ومستعد اقول ده قدام الكل
تدخل آدم أخيرًا وقال:مالوش لزوم..إحنا ما صدقنا إن الناس بدأت تتقبل الوضع الجديد،مش لازم ننبش في القديم دلوقتي
هز ماجد رأسه وقال:ماشي
ثم نظر إليه للمرة الأخيرة وقال:بس بعد إذنك ابقى طمني عليها
_حاضر
ابتسم ماجد ابتسامة صغيرة،ثم استدار وغادر المكان..أما هاني فظل واقفًا صامتًا للحظات،ثم التفت إلى آدم:يعني أنا ظلمت البنت دي؟
نطر إليه آدم بهدوء:قولتلك مليون مرة ما تحكمش على حد غير لما تعرف الحقيقة الكاملة
خفض هاني رأسه وقال:ربنا يسامحني بقى
ابتسم آدم ابتسامة خفيفة وقال:امين
بعد فترة اتجه آدم وهاني إلى الكافتيريا التابعة للمستشفى.
كان المكان هادئًا في تلك الساعة ولم يكن فيه سوى عدد قليل من العاملين.
جلسا إلى إحدى الطاولات،وبعد دقائق وصلت القهوة أمامهما.
رفع هاني الكوب بين يديه،وظل ينظر إليه للحظات.
قال آدم:مالك؟
_ولا حاجه
أخذ رشفة من قهوته وأكمل:بس يوم غريب
ابتسم آدم وقال:ده أقل وصف
أراح هاني ظهره إلى المقعد وقال:الصبح كنت راكب طيارة رايح لندن،وبعدها الطيارة حصل فيها حادث...وبعدين دخلت عملية في بلد معرفهاش
نظر إلى آدم وقال:وحاليًا قاعد في كافتيريا مستشفى في بلد معرفش حتى اسمها ولا اسم شوارعها
أخذ آدم كوبه وقال:ولسه ما تعرفش ايه اللي مستنيك
نظر إليه هاني وقال:إنت بتخوفني؟
_لا أنا بشرب قهوة والله
ضحك هاني وأخذ رشفة أخرى من كوبه وللمرة الأولى منذ ساعات طويلة جلس الاثنان في هدوء.
بعيدًا عن الطائرة.
وبعيدًا عن غرفة العمليات.
جلس آدم صامتًا للحظات،يقلب كوب القهوة بين يديه.
كانت كلمات رامي لا تزال تتردد في رأسه «طالما قولت كده، تبقى حاسس بحاجة»
لم يعرف وقتها كيف يشرح ذلك الإحساس،لم يكن لديه سبب واضح للبقاء.
انتهت العملية،وحالتها مستقرة،وكان بإمكانه أن يذهب مع الآخرين إلى الفندق ويتركها تحت رعاية فريق العناية.
لكنه لم يفعل.
قال هاني وقد لاحظ شروده:سرحت في ايه؟
رفع آدم عينيه إليه وقال:ولا حاجه
_أنا عارفك
ابتسم آدم وقال:عارف ايه؟
_لما تقول ولا حاجه،يبقى في حاجه
وقبل أن يرد آدم ظهر أحد الممرضين عند مدخل الكافتيريا،كان ينظر في أرجاء المكان وكأنه يبحث عن شخص بعينه.
ما إن وقع بصره على آدم حتى اتجه نحوه بسرعة وقال:دكتور آدم
نهض آدم فورًا وقال:أيوة
توقف الممرض أمامه وبدا التوتر واضحًا على وجهه:حالة الكابتن بدأت تدهور
تغير وجه آدم وهو يقول:ايه اللي حصل؟
_مؤشرات الحالة بدأت تتغير فجأة،والفريق بيحاول يسيطر على الوضع
لم ينتظر آدم المزيد،قال بسرعة:هي فين!
_في العناية المركزة
ترك كوب القهوة كما هو على الطاولة،واتجه بخطواتٍ سريعة نحو الخارج.
كان الممر طويلًا،لكن آدم لم يشعر بالمسافة.
وصل إلى قسم العناية،ثم توقف أمام المكان المخصص للتعقيم.
غسل يديه بعناية،واتبع إجراءات التعقيم الكاملة،ارتدى الزي المخصص للعناية،ثم القفازات والكمامة.
لم يكن هناك وقت للارتباك،لكن شيئًا في داخله لم يكن مستقرًا.
كانت فريدة على سريرها محاطة بالأجهزة،أصوات الإنذارات المتقطعة ملأت المكان،اقترب آدم بسرعة وقال:ايه اللي حصل
بدأ أحد أفراد الفريق في شرح التغيرات التي طرأت على حالتها.
استمع آدم دون أن يقاطعه،ثم نظر إلى الأجهزة.
كان عقله يعمل بسرعة.
يقرأ،يربط ويبحث عن سبب.
_امتي بدأت المؤشرات تتغير
-ما تخطتش العشر دقايق
_تمام
أشار إلى أحد الممرضين:هاتوا نتايج التحاليل الأخيرة
ثم انتقل إلى الجانب الآخر من السرير،تفحص حالتها بعناية،وتابع العلامات الحيوية بنفسه.
أما هاني قد وصل إلى باب العناية،لكنه توقف عند إجراءات الدخول.
نظر من خلف الباب الزجاجي،رآى آدم واقفًا إلى جوار السرير هادئًا..
هادئًا أكثر مما ينبغي أن يكون عليه شخصٌ في هذا الوضع،لكنه يعرفه جيدًا كان ذلك الهدوء الذي يظهر على آدم حين يكون الوضع خطيرًا.
داخل الغرفة أصدر أحد الأجهزة صوتًا جديدًا،رفع آدم رأسه فورًا وقال بصوت مرتفع:هاني
وصل صوته إلى الخارج، وبعد دقائق كان هاني قد دخل إلى الغرفة وهو يقول:ايه الوضع؟
أشار آدم إلى الأجهزة:حصل تدهور مفاجئ..محتاجين نثبت حالتها
اقترب هاني وبدأ في متابعة حالتها معه.
عمل الاثنين إلى جوار الفريق.
كان كل شيء يتم بسرعة،لكن دون فوضى.
أصدر آدم تعليماته وبدأ الفريق في تنفيذها،تابع بنفسه كل استجابة،وكل تغير،وكل رقم يظهر أمامه.
مرت الدقائق ببطءٍ شديد وهو يراقب فريدة ينتظر استجابة جسدها.
ظلت تظهر استجابة صغيرة يليها تغير أخير.
إلى أن قال هاني:آدم
لم يلتفت إليه لكنه قال:نعم
_المؤشرات بدأت تتحسن
رفع آدم عينيه إلى الشاشة،ظل ينظر إليها ثوانٍ،ثم دقائق ليرى المؤشرات أكثر استقرارًا.
قال أحد أفراد الفريق:رجعت تستجيب يا دكتور
زفر آدم ببطء،لكنه لم يتحرك بعيدًا عنها،ظل واقفًا إلى جوار سريرها.
يراقبها وكأن عقله لم يصدق بعد أن الخطر بدأ يتراجع.
أفراد الفريق بدأوا يتراجعون تدريجيًا،أما آدم فبقي في مكانه ينظر إلى وجهها،كانت ساكنة.
لم تكن تعلم شيئًا عمّا حدث قبل قليل.أما هو فخفض نظره للحظة ثم رفعه إليها من جديد.
كان يشعر بشيء غريب،ليس لأنه طبيبها فقد تعامل مع مئات المرضى من قبل،ولم يكن هذا أول موقفٍ حرج يمر به.
لكن هذه المرة...حين أخبره الممرض بتدهور حالتها،شعر بشيء يهبط داخل صدره.
ذلك الإحساس الذي جعله يرفض الذهاب إلى الفندق،وكأنه كان ينتظر أن يحدث شيء.
هز رأسه وكأنه يطرد الفكرة،فقال هاني الذي يقف إلى جواره:هى استقرت مش هنمشي بقى!
لم يرد آدم فقال هاني:آدم
التفت إليه وقال:نعم
نظر هاني إلى فريدة،ثم عاد بصره إليه وقال:إنت كويس؟
أجابه آدم بعد لحظة:أيوة
لكن هاني لم يبدُ مقتنعًا،أما آدم فنظر مرة أخرى إلى فريدة وقال بصوتٍ منخفض كأنه يُحدث نفسه:غريبة
عقد هاني حاجبيه:ايه؟
هز آدم رأسه وقال:ولا حاجه
لكن الأمر لم يكن «ولا شيء»،كان هناك سبب جعله يبقى،سبب لم يستطع فهمه.
وكل ما يعرفه الآن...أنه شعر قبل أن يأتي الممرض إليه بأن أحدًا سيحتاجه.
وكان ذلك الشخص....فريدة.
يُتبع..
التعليقات
0 تعليق