" مات الملك " ... هكذا أعلن عن وفاة الحاكم الخامس لمملكة أستيريا بلد روز بعد ثلاثين عاما من العطاء و العدل و الحفاظ على المملكة في أمان و ازدهار , خرج المقنعون في مقطع مسجل نشر في اليوم التالي على كل الشاشات العملاقة في البلاد و شاشات التلفاز في منازل السكان قالوا فيه : " أن عهد الضعف قد ولى بوفاة الحاكم الخامس شارل في سن الواحد و الستين بعد ثلاثين عاما من الحكم "
ثم أعلنوا الحداد مع حالة طوارئ قصوى لثلاثة أيام .
استيقظت روز على أصوات خطوات كثيرة خارج غرفتها و همهمات غير مفهومة , فتحت عينيها ثم قامت من مكانها فوجدت أنها بمفردها في الغرفة عندها توجهت إلى مهد أندرو الذي كان نائما يحتضن لعبته , بدأت ذاكرتها تعود تدريجيا إلى ليلة البارحة فتذكرت أنها كانت برفقة جين الذي أخبرها أن كل شيء معد ليبدأ الانقلاب و يغادروا القصر لكن الأصوات التي تصدر خارج غرفتها لا توحي إلى أن ما يحدث هو انقلاب بل شيء أكثر هدوء و أكثر رعبا , غيرت ثيابها ثم توجهت نحو الباب و بمجرد أن فتحته ظهر جين أمامها ففزعت من ظهوره المفاجئ لكنه أشار لها بالصمت و العودة إلى داخل الغرفة إلا أنها أصرت على أن تعرف ما يحدث خارجا فأغلق الباب خلفه و دفعها بلطف إلى داخل الغرفة ثم رفع يديه طالبا منها الهدوء و قال : " روز ... يجب أن أخبرك بشيء مهم لكن حافظي على هدوئك رجاء "
أشارت روز بيدها إلى الباب و سألته : " ماذا يحدث في الخارج ؟ ما كل هذه الهمهمات في الممر ؟ "
أخذ جين نفسا عميقا يخفي به ارتباكه ثم قال : " مات الملك "
أمسكت روز بثيابه من شدة الصدمة و صرخت : " ماذا ؟ !! ... كيف ؟ "
رد بصوت منخفض : " لا أعلم , خرج المقنعون قبل قليل من جناحه و قالوا أنه مات و ستبدأ مراسم الجنازة مع إعلان الحداد و حالة الطوارئ تحسبا لخروج الشعب في مظاهرات ضد إيفان "
أفلتت روز ثيابه ثم أخذت تضرب صدره بقوة فاقدة السيطرة على نفسها و هي تصرخ : " كيف سمحنا له بالموت ؟ ... كيف سمحنا لهم بقتله ؟ ... كان علينا حمايته من أولئك الوحوش "
ثم توقفت عن ضربه و فقدت القدرة على الوقوف فانهارت على الأرض ببطء و جين يجلس معها ليسندها و هو يمسك بيديها دون أن يقول كلمة , بينما بقيت روز جالسة تبكي على الأرض تتقطع شهقاتها مع كل سعال , رفع جين رأسه نحو مهد أندرو فوجد أنه نائم و لم يسمع صراخ والدته ثم التفت إلى روز و قال : " روز ... سينادوننا لنحضر مراسم الجنازة , يجب أن تتماسكي و لا تظهري ضعفك أمامهم "
ردت روز بصوت ضعيف و هي شاردة في الفراغ : " لقد قتله و أنا لم أتمكن من إنقاذه , أنا هنا منذ تسعة شهور و لم أنقذه , كان شارل يثق بي و يعدني بطلة مملكة أستيريا لكنني خذلته ... خذلته و خذلت أستيريا و خذلت نافين "
ثم رفعت رأسها و قالت : " كنت هنا في ليلة اغتيال نافين و لم أنقذه , كنت هنا عندما توجوا إيفان حاكما و لم أوقفه , كنت هنا حين كانوا يقتلون شارل و لم أنقذه .... أي نوع من البشر أنا ؟ كيف يعدني الناس بطلة و أنا دمرت كل شيء بضعفي "
رد جين و هو يمسك بكتفيها : " أنت لم تدمري كل شيء , كنت أكثر من عاند إيفان في حكمه و دعم نافين و أباه .... لو لم تفعلي شيئا لما استهدفك إيفان منذ البداية , أنت من ساعد الانقلاب ليكون جاهزا للتنفيذ و خاطرت بحياتك لتجمعي المعلومات عن القصر , بفضلك الجميع جاهز لاقتحام القصر , يجب أن تقفي الآن في وجه إيفان و تثبتي أن هذا العائق لن يوقفك , خسرنا شارل و نافين لكن لن نخسر جودي وعائلتها , سننهي مراسم دفن شارل و ننتقم للجميع "
ردت و هي شاردة في الفراغ : " أنا قصرت في واجبي , كنت ضعيفة جدا , إلى درجة أنني أصبحت لا شيء ... لم يكن لدي فائدة و لم يعد لدي فائدة "
انحنى جين قرب أذنها و قال بصوت منخفض : " أنت بطلة الجميع يا روز , أستيريا بحاجة إليك الآن أكثر من أي وقت مضى , يجب أن نحميها و نحمي الجميع من إيفان قبل أن يتوسع نفوذه بعد وفاة أخيه "
التفتت إليه أخيرا عندها رفع رأسها و قال : " سنحرر جودي و نخرج إيفان من القصر و نسلمه لها و بعد أن نعيد أستيريا إلى أهلها نعود إلى المنزل و نعوض الوقت الذي خسرناه هنا "
فجأة سمع الاثنان صوت دق على الباب فالتفتا إليه معا لكن لم ينهض أي منهما بل سأل جين بصوت مسموع : " من الطارق ؟ "
ردت السيدة جاسمين من خلف الباب : " هذه أنا جاسمين , جين ستبدأ مراسيم توديع الملك شارل بعد دقائق و يجب أن تكونا هنا "
أخذ جين نفسا عميقا ثم قال : " سنكون هناك حالا "
ثم التفت إلى روز و قال : " هيا يا روز , انهضي الآن , يمكنك أن تنهاري حين نعود "
ثم ساعدها على الوقوف فجالت ببصرها في الغرفة و قالت : " أندرو ؟ "
نظر إلى المهد و قال : " إنه نائم ... سأحضره "
ثم تركها و اتجه إلى المهد و لف الطفل النائم البالغ من العمر ثلاثة أشهر و نصف في بطانيته الزرقاء و حمله ثم خلع سترته البيضاء و وضعها على كتفي روز و حمل الطفل النائم بذراعه اليسرى ثم أمسك بذراع روز كي لا تقع و خرجا من الغرفة .
كان الرواق يعج بالخدم المتجهين إلى القاعة الكبرى التي امتلأت بأهل القصر من حرس و خدم جاؤوا من أجل مراسيم توديع الملك , دخلت روز القاعة مع جين و جلسا في المقاعد الأولى أمام التابوت الذي يحمل جثة شارل بداخله و الذي تمت تغطيته بغطاء أسود عليه مشبك يحمل شعار المملكة الأصلي , لم تبعد روز عينيها عن التابوت الأسود الذي وقف أمامه إيفان فجأة ثم قال بصوت ثابت خال من أي مشاعر : " هذا اليوم هو يوم حزين على أستيريا لأننا سنودع أحد أهم أفراد عائلتها الملكية و أحد ورثة العرش , أنا لن أودع وارثا مر على أرض أستيريا فقط بل سأودع أخي و ضلعي الثابت "
نظرت روز إليه بعينين خاليتين من المشاعر ثم إلى التابوت المغطى أمامه كأنها تتهمه بموت شقيقه بشكل مباشر أمام الجميع , كانت ترى بقايا أستيريا في التابوت الموضوع على المنصة و الذي تقدم الحراس و حملوه بأمر من إيفان ثم استعدوا لمغادرة القصر , عندها فقدت روز الشعور بالعالم حولها و رفعت رأسها إلى جين الواقف خلفها و قالت بصوت منخفض : " جين , أخرجني من هنا "
أومأ موافقا ثم وضع يده خلف ظهرها ليسندها و خرجا من القاعة لكن عندما أغلقا الباب خلفهما نظرت إليه مجددا و قالت : " جين اسندني , أنا غير قادرة على الوقوف "
أخذ نفسا ثم انحنى قليلا و حملها بين ذراعيه و اتجها نحو جناحها , كان جناح روز هو المكان الوحيد الهادئ في القصر لأن كل الخدم غادروا للمشاركة في مراسيم توديع الحاكم شارل , دفع جين باب الغرفة بقدمه و دخل ثم وضع روز على السرير و أغلق الباب ثم عاد إليها و جلس بجانبها بعد أن عدل الوسادة خلف ظهرها و الغطاء عليها عندها نظرت إلى الغرفة حولها ثم إليه و علامات الذعر بادية على وجهها فمد يده نحو وجهها و أبعد خصلات شعرها الذهبية و سألها : " ما بك ؟ "
أجابت بصوت منخفض : " أندرو ... أين هو ؟ كان معك قبل أن ندخل القاعة "
رد بابتسامة مطمئنة : " تركته مع السيدة جوانا قبل أن ندخل القاعة كي تأخذه بعيدا عما يحدث , لم تتمكن السيدة جاسمين من فعل ذلك لأن المقنعين أمروها بأن تشرف على خدمة الحاضرين في الجنازة "
تنهدت روز براحة لأنها كانت تثق في خدم جناحها و قالت : "هذا أفضل ليتسلى بعيدا عن هذا الألم "
لكنها رمت بثقل رأسها على الوسادة فلاحظ جين ذلك و أنها شردت فجأة فمد يده نحو وجهها و أداره إليه ثم قال بقلق : " روز ... أنظري إلي"
لكنها استمرت في النظر إلى الفراغ و هي تتمتم : " أنا متعبة ... متعبة جدا "
كان وجهها شاحبا إلى حد مخيف و الضعف يسري في جسدها عندها وقف جين و انحنى نحوها ثم وضع يده على وجهها , كان باردا بصورة مخيفة و عيناها فقدتا التركيز و بقيتا شاردتان في الفراغ كأنها ترى شيئا لا أحد غيرها يراه عندها أدرك جين أن الوضع يؤول إلى ما هو أخطر فالتفت حوله بحيرة ثم وقف و قال : " سأحضر طبيبا ... لن أتأخر "
خرج جين من الغرفة ثم عاد مع الطبيب و خادمتين , انحنى الطبيب نحوها و فحصها ثم التفت إلى جين و قال : " الضغط منخفض و يحتاج إلى فحص دوري "
ثم ركب خطا وريديا و بقي يراقب علاماتها الحيوية باستمرار لبعض الوقت , كان الهدوء ظاهرا على وجهها قبل أن ترفع رأسها فجأة و تتنقل عيناها في زوايا الغرفة كأنها تبحث عن شيء ما , لاحظ جين الأمر فاقترب منها و سألها : " عم تبحثين ؟ "
رفعت عينيها نحوه و أجابت : " أندرو "
فهم جين أنها تريده معها فأومأ بإيجابية ثم خرج من الغرفة و عاد بعد لحظات و هو يحمل أندرو بين ذراعيه , بمجرد أن رأته روز ظهرت ابتسامة ضعيفة على وجهها فاقترب منها و وضعه بجانبها لكن حالتها لم تتحسن .
بعد ثلاث ساعات عاد الصمت إلى القصر , انتهت مراسيم الجنازة بدفن شارل و مغادرة السفراء إلى أماكن إقامتهم أما إيفان فقد جمع مساعديه في قاعة الاجتماعات الكبرى حيث وقف أمام النافذة ينظر إلى أستيريا ثم أخذ نفسا عميقا و قال : " أخيرا ... أستيريا لنا "
ثم التفت إليهم و أكمل كلامه قائلا : " الآن ننتقل إلى الخطوة التالية , نقضي على الجذور الباقية من شارل , ستعدمون قادة الأمن كي نعين قادة جددا منا بعدها نعدم جودي و من معها "
سأل أحد المقنعين : " ماذا سيكون مصير روز إذا ؟ "
أجاب إيفان و هو ينظر إلى مساعده : " سأترك أمرها لك , أما بالنسبة إلى الطفل فليسلم إلي "
لكن ما لم يكن في حسبانهم هو أن جين الذي غادر غرفة روز ليتفقد أوضاع القصر بعد مغادرة السفراء و انتهاء المراسيم قد سمع كل شيء فابتعد عن القاعة و أخذ هاتفه ثم اتصل بمركز الأمن و قال : " لن ننتظر أكثر سيبدؤون التصفية حالا "
مرت ثلاثة أيام سادها هدوء مخيف في نواحي أستيريا , لم يصدر إيفان أي قرار يخصها أو يخص مصيرها بعد وفاة أخيه لكن الشيء الإيجابي الوحيد هو أن روز استعادت صحتها بفضل دعم جين و استطاعت الوقوف على قدميها مجددا .
كانت أمسية هادئة حظي بها القصر دون أي مشاكل لكن الضجيج الحقيقي كان داخل روز التي كانت تشعر بالذنب طوال الوقت لأنها لم تستطع حماية شارل و أنها كانت تعلم كيف مات . فجأة دخل جين الغرفة و في يده ملف أسود اللون و آخر أصفر , عندما رأته روز اقتربت منه ثم قالت بصوت منخفض : " ظننت أن كل شيء انتهى و أننا سنخرج لكن ها نحن هنا نقضي ثلاثة أيام أخرى , من يعلم كم سنقضي أكثر ؟ "
رفع الملفين أمامها و قال : " أغلب الظن لن نقضي أكثر من الليلة "
سألت باستغراب : " ما هذا أيضا ؟ ألن تنتهي هذه الملفات ؟ "
أجاب و هو ينظر للملف الأسود : " إنه الأهم بينهم , هذا الملف يحمل اسم المادة التي تم تسميم شارل بها "
ردت باستغراب : " ظننت أننا سجلنا الأمر في الملفات التي أرسلناها للأمن "
أومأ نافيا : " لا لم نفعل , سجلنا تعرض الحاكم للتسميم بمادة مجهولة و حجم الجرعات بناء على ملاحظات أولئك المقنعين لكننا لم نسجل اسم المادة و تأثيرها "
نظرت روز إلى الملف و سألته : " ما هي ؟ ما تأثيرها ؟ كيف قتلوا شارل ؟ "
أجاب و هو يفتح الملف و يقرأ منه : " اسمها الثاليوم , مادة سامة تسبب اضطرابات صحية تتطور إلى اضطرابات عصبية تصل في الحالات الشديدة إلى فشل التنفس أو انهيار القلب و الدورة الدموية , كما أنهم ذكروا تطور هذه الأعراض بناء على الجرعات المقدمة "
رفعت روز رأسها إليه و قالت : " إذا هكذا قتلوه ثم فسروا الأمر على أنه المرض و الكبر "
أخذت نفسا عميقا ثم نظرت إلى الملف الأصفر باستغراب و سألته : " و ما هذا أيضا ؟ "
لكن جين سكت فجأة و هو ينظر إلى الملف ثم إليها فكررت سؤالها : " جين ما هذا ؟ "
نظر جين إلى الملف و أخذ نفسا عميقا ثم قال : " هل تذكرين حين وعدتك قبل سنة بأنني سأحل قضية موت جاسمين ؟ "
ردت مستغربة : " نعم و قد عرفنا أن سامر هو من سممها فقتلته , أين الجديد في القضية ؟ "
فتح جين الملف و قال : " موت جاسمين لم يكن حادثا عرضيا ولا طلقة أخطأت هدفها بل جريمة مدبرة استهدفتها هي بالذات و في حفل الزفاف بالضبط , كانت عائلتك مراقبة و تم اختيار جاسمين دون بقية أفراد عائلتك لأنها أكثر شخص تعلقت به , لم تصب بأزمة قلبية كما قال التقرير الطبي آنذاك بل تم تسميمها بمادة السيانيد التي أحدثت موتا فوريا "
كانت روز مصدومة من كل كلمة قالها جين حول تفاصيل موت جاسمين لأنها لم تتوقع أن يكون الأمر بهذه الفظاعة , لطالما ظنت أن موت جاسمين هو عقاب من إيفان لها على ولائها لشقيقه و لم تتوقع أن يكون موت جاسمين هو الخطوة الأولى من المؤامرة , أغلق جين الملف ثم أخذ نفسا عميقا و قال : " الأوضاع تزداد سوء يا روز , الأمن قادم و أنت تعلمين ما يعنيه هذا "
فجأة أمسكت بقميصه بعنف و قالت : " لا, لن أغادر بمفردي , إما أن نخرج معا و إما أن نبقى معا "
نظر جين إلى أندرو النائم في مهده ثم قال : " عليك أن تأخذي أندرو و تغادري قبل أن تسوء الأمور , إذا بقيتي فسيتأذى أندرو "
التفتت إلى أندرو للحظة ثم إليه و قالت : " حسنا إليك الأمر , سيأتي الأمن و نرسل معه أندرو إلى عائلتي أو عائلتك و نبقى هنا حتى نستعيد القصر و نخرج معا "
أومأ نافيا : " لا ... لست موافقا , لن أخاطر بك "
ردت روز برجاء : " أرجوك , وعدتني بأن نكمل الطريق و نستعيد القصر معا "
وضع يديه على ذراعيها و قال مشجعا : " سنفعل يا روز لكنني لا أستطيع المخاطرة بك أو بأندرو , سأرسلك مع الأمن إلى المنزل لأضمن سلامتك و أعود إليك لاحقا "
أومأت نافية : " لا , أنا أعلم أن دييغو يستهدفك في هذه المؤامرة و سيؤذيك , لن أحتمل تركك هنا و الذهاب و جزء من قلبي يتألم معك "
عندها ابتسم جين قائلا : " هل سيبقى جزء من قلبك معي حقا ؟ "
امتلأت عيناها بالدموع و ضربت كتفه بعنف قائلة : " هذا ليس وقت المزاح "
فجأة دق الباب و دخل الحارس الشاب الذي كان مسؤولا عن حراسة زنزانة جودي فرفع الاثنان رأسيهما متفاجئين و وقف جين أمام روز و سأله : " ماذا حدث ؟ "
أجاب الحارس بنبرة يتخللها الخوف : " الأمن هنا أمام باب القصر و إيفان نشر الأمن الملكي و الحرس لإغلاق القصر أمامهم , سيرسل إيفان حراسا للقبض عليكما و تهديد الأمن بكما , كما أنه أرسل حراسا لإعدام جودي و عائلتها "
نظر جين حوله ثم أخذ أندرو من مهده و لفه في بطانيته ثم قال : " خذه و غادر القصر عبر الباب الخلفي فقد أمنته بنفسي , نحن سنحاول الخروج من طريق آخر "
أمسكت روز بذراعه و قالت برجاء : " جين أرجوك , دعنا نخرج معا "
أومأ نافيا : " هذا غير ممكن الآن "
ثم قال موجها كلامه للحارس : " خذه إلى منزل عائلة روز و سنلحق به نحن "
تسلم الحارس الطفل و قبل أن يخرج أوقفه جين و سلمه الملفين قائلا : " سلم هذين الملفين في طريقك إلى مركز الأمن , قد لا أتمكن من إيصالهما لهم "
أخذ الحارس الملفين و هم بالخروج لكن فجأة قالت روز : " انتظر !! "
ثم اقتربت من أندرو و قبلت جبينه ثم قالت : " حافظ عليه , أرجوك "
أومأ الحارس : " سأحرص على أن يصل إلى والديك سالما مهما كلف الأمر من ثمن "
لف الحارس البطانية جيدا على أندرو ثم أخذه و غادر القصر عبر الطريق الذي أمنه له جين , بينما بقي جين و روز في الغرفة يستعدان للذهاب إلى قسم السجون , فتح جين باب الغرفة و خرج إلى الرواق أولا و بعد أن تأكد من خلو الجناح أشار إلى روز التي خرجت بعده تتبعه بذات الخطوات الثابتة نحو قسم السجون .
أمام ساحة مركز الأمن وقف رئيس المركز مع بقية مسؤولي الأمن أمام المجندين ينظر إليهم بتركيز ثم أخذ نفسا عميقا و قال و هو يرفع الملفين اللذين وصلا قبل دقائق إليه : " اليوم هو يوم مهم لأستيريا , استغرقنا سنة كاملة لنجهز لهذا اليوم و قد استلزم الأمر مخاطرة كبرى كي نقف اليوم أمام الخطوة الأخيرة , كما تعلمون اضطر اثنين منا للمخاطرة بنفسيهما و الدخول وسط الأعداء من أجل هذا اليوم و لن ندع تضحيتهما تذهب هباء , سنستعيد القصر و جين و روز و السيدة جودي و ننتقم لشارل , سنقدم كل ما لدينا و لن نتراجع لأنها فرصتنا الوحيدة و إذا خسرنا فلن نستعيد أستيريا مجددا مهما حاولنا "
أومأ المجندون بفهم فأكمل الرئيس : " لطالما كانت أستيريا لنا كما جعلها شارل موطنا للأمن و السلام ... نحن هنا اليوم لنتخلص من الرعب الذي تعيشه أستيريا و نعيد لها الأمان .... نحن لأستيريا و أستيريا لنا "
هتف المجندون بصوت واحد : " نحن لأستيريا و أستيريا لنا ! "
كان الأمن قد جهز أكثر من ألفي مجند من رجال الأمن و متطوعين من شباب من أجل إسقاط إيفان و اتجهوا نحو القصر الذي كان بابه مؤمنا بالحراس و هناك بدأت الاشتباكات بينهم و استطاع أغلبهم دخول القصر
و استمروا في الاشتباك مع الأمن الملكي و الحرس الملكي الذين خانوا شارل و أستيريا و اختاروا طريق الجشع مع إيفان .
أما إيفان و مساعده فقد جلسا أمام شاشات المراقبة يتفقدان الأوضاع التي لم تكن في صالحهما و أكثر ما فاجأهما هو أن الأمن كان يعرف المداخل و المخارج التي غيراها بنفسيهما عندها ضرب إيفان الطاولة بيده بقوة و قال : " جين السبب في كل هذا , هو من سرب كل ما يتعلق بالقصر لهم "
رد دييغو و هو ينظر للشاشات : " علينا تصفيته و روز , سأبحث عنهما و أنهي أمرهما "
التفت إيفان إليه و قال غاضبا بصوت مرتفع : " جدهما و أحضرهما إلي حالا "
خرج دييغو و هو يتفقد هاتفه الذي وصله بأنظمة المراقبة و تفقد كل مباني القصر فلمح رجلا و امرأة يركضان نحو مبنى السجون فسحب سلاحه قائلا : " عرفت أن كل هذا من تدبيركما و ستدفعان ثمنه "
ثم اتصل بالمسؤولين عن المراقبة و قال : " أعطوا أمرا للتقنيين بتدمير ذلك المبنى حالا "
رد المسؤولون بالموافقة و نفذوا الأمر كما طلب .
آنذاك كان جين و روز يشقان طريقهما نحو جودي و أسرتها و كارن لتحريرهم قبل وصول الأمن الملكي و الحرس الملكي في مبنى السجون الملكية و الذي كان مقابلا للقصر في نفس الساحة , عندما وصل الاثنان إلى الدرج المؤدي إلى زنزانة جودي قالت روز بعد دقائق من التفكير : " جين لدي ما أقوله لك "
رد جين و هو ينزل الدرج بحذر : " سنتحدث عن الأمر حين نعود إلى البيت , الآن علينا أن ننهي ما بدأناه "
لكنها أصرت على أن تقول ما بداخلها فبدأت تفرك يديها و هي تقول : " أنا آسفة جدا على كل لحظة شككت بك فيها , آسفة على كل كلمة قلتها و آذتك , آسفة لأنني لم أصدقك و جعلتك تضطر للمخاطرة بنفسك كي تثبت صدقك , آسفة على كل اتهام باطل وجهته لك و كان طلقة خاطئة آذتك "
ثم سكتت قليلا و قالت بابتسامة جميلة : " أريدك أن تعرف أنك جزء من قلبي "
لكن جين لم يرد بل توقف فجأة عند الباب المفتوح أمامه متفاجئا فاصطدمت روز به من الخلف ثم توقفت و سألته : " ما بك ؟ "
رد و هو ينظر للمكان مندهشا : " الباب مفتوح ... أنا لم أتركه مفتوحا , أغلقته كي لا يدخل أحد سرا عنا "
ثم التفت إليها و قال : " هناك من ينتظرنا هنا ... نصبوا لنا فخا ... روز غادري حالا "
لم تكد روز ترد على كلامه حتى سمع الاثنان صوتا غريبا يبدو كنقرات متتالية قبل أن تتسع عينا جين الذي فهم ما يحدث ثم اندفع نحو روز و سحبها إليها ثم استدار بظهره للباب في اللحظة التي انفجر فيها الممر المؤدي إلى السجون محدثا هزة كبيرة تحطم جزء من سقف الممر بسببها و سقط الحطام على جين الذي غطى روز بالكامل بجسده قبل أن يسقطا معا على الأرض تحت شيء ثقيل شعر به جين و هو يرتطم بظهره تلاه صمت مخيف ساد المكان .
بعد لحظات فتحت روز عينيها و بدأت تستوعب المكان شيئا فشيئا و الذي كان يغرق في حطام الجدران و الغبار المتصاعد ثم شعرت بشيء ثقيل فوقها فرفعت يدها نحو كتف جين و هزته برفق لكنه لم يجب فهزته بقوة و عيناها تتسعان لكنه تحرك أخيرا و رفع رأسه بصعوبة ثم سألها : " هل أنت بخير ؟ "
حدقت فيه للحظات ثم قالت : " تسأل عني ؟ ... أنت من تلقى الضربة "
حاول أن يرفع جسده لكن الألم منعه فتوقف فورا عندها لاحظت روز الدماء على ثيابه البيضاء , كانت هناك بقعة كبيرة دم على كتفه و أخرى على ذراعه اليسرى و جرح آخر امتد على جانبه الأيسر فاتسعت عيناها و قالت بفزع : " أنت مصاب "
وقف بصعوبة كبيرة ليفسح لها المجال ثم قال : " إصابات سطحية , يجب أن نخرج من هنا "
وقفت روز بعده و أخذت تنظر حولها للمكان الذي أصبح حطاما ثم سألته : " هل تتوقع أن تكون جودي و عائلتها قد تأذوا من الانفجار ؟ "
رد و هو يضع يده على جانبه الأيسر : " لا أتمنى ذلك , سأذهب لأتفقدهم و أنت غادري "
لكنها هزت رأسها نافية : " لا لن أتركك في هذه الحالة هنا "
فجأة سمع الاثنان أصوات رجال يقتربون من المكان فعلم جين أن الأمن الملكي قادم عندها أمسك بيدها و ركضا عائدين إلى القصر لكن الشيء الوحيد الذي كان يشغل تفكير روز هو إصابات جين التي لم تبعد عينيها عنها , عندما وصل الاثنان إلى الباب المؤدي إلى الساحة الكبرى الفاصلة بين القصر و مبنى السجون توقف جين و توقفت روز خلفه أمام منظر جعل غضب جين يتصاعد .
كان دييغو يقف مقاطعا طريقهما بعد أن علم أن خطة جين قد نجحت و أنه استطاع إيصال الأمن إلى القصر , مد جين يده إلى روز و جعلها تقف أمامه و قال : " ابقي بعيدة "
مدت روز يدها إلى كتفه و قالت بصوت مرتجف : " جين ... لا تخاطر ... لقد وعدتني "
سحب دييغو سلاحه و وجهه نحو جين و قال : " هل اعتقدت أن الأمر نجح ؟ هل تعتقد الآن أنك البطل الذي أنقذ القصر ؟ "
هز رأسه نافيا و قال : " لن أدعك تستمتع بالنصر "
ثم وجه السلاح نحو روز الواقفة خلفه و قال : " بدأ الأمر بها ... و سينتهي بها "
اتسعت عينا روز الواقفة خلفه و قالت و هي تضع يدها على كتفه : " جين ابتعد , الأمر بدأ بي لأنني أنا من أعلنت عدائي عليه و على إيفان و يجب أن ينتهي بي "
لكنه حافظ على يده التي كان يمدها نحوها كي لا تتحرك قائلا : " لا تتحركي , لن أسمح بأن تصيبك أي طلقة خاطئة "
ضحك دييغو بسخرية و قال : " من قال أنك ستفعل ؟ كنت أخطط منذ البداية لقتلك لكنني فكرت في الأمر و وجدت أنه لن يكون مسليا , لن أستفيد من ذلك بل سأجعلك مجنونا تهوم في الشوارع صارخا باسمها دون أن تجدها .... ستبدو مضحكا جدا "
ثم أطلق النار دون تردد .
التعليقات
0 تعليق