بعد مرور عشرة أيام دخل الطبيب الغرفة و في يده ملف جين الطبي و على وجهه ابتسامة مبشرة , كان الجميع في زيارتهم المعتادة له عدا روز التي كانت جزء من الغرفة و رفضت العودة إلى المنزل بدونه , كانت تقول دائما أن المنزل ليس منزلا دون وجوده و أنها لن تعود إليه إلا و هي معه , فتح الطبيب الملف ثم سأله : " كيف حالك اليوم ؟ "
أجاب مبتسما : " أفضل من الأيام السابقة "
تفقد الطبيب نتائج الفحوصات و التحاليل ثم أغلق الملف و قال : " لم تعد هناك انتكاسات خطيرة لذا يمكنك متابعة فترة التعافي من المنزل مع الالتزام بالراحة التامة , و في حال تعرضت لأي انتكاسة خطيرة فعليك العودة إلى المستشفى "
تنهد جين تنهيدة طويلة و قال : " أخيرا , البيت "
أغلق الطبيب الملف و خرج من الغرفة عندها التفتت والدته و قالت : " ستتابع فترة التعافي عندي "
ابتسم جين و قال : " لا أشك في أنك ستحسنين الاهتمام بي لكنني أفضل متابعة فترة التعافي في منزلي , أشعر برغبة كبيرة في العودة إلى هدوء المنزل الذي أحن إليه "
سألت والدته باستغراب : " هل هذا ما تريده ؟ "
أومأ بإيجابية : " نعم و أعدك بأن أزورك بمجرد أن أستعيد قدرتي على الوقوف "
ردت والدته مبتسمة : " طالما أن هذا ما تريده فلك ذلك "
استعد الجميع لمغادرة المستشفى و العودة إلى حياتهم , روز كانت تحمل أندرو بين ذراعيها بينما والد جين كان يساعده على الوقوف و الذي أصبح أصعب مهمة مقارنة بما تعود عليه من مهمات خطيرة , و مع أول خطوة خطاها بعيدا عن السرير شعر بدوار حاد و رأى الغرفة تهوى فأسرعت
روز نحوه لكن والدته أوقفتها قائلة : " انتظري , دعيه يجب أن يقف بمفرده "
التفتت روز إليه و بقيت تنظر إلى والده و هو يسنده كأنه طفل صغير يتعلم المشي لأول مرة عندها قالت والدته مشجعة : " يجب أن تكون أقوى اليوم يسندك والدك و أنت تتعافى , و غدا تسند أندرو في خطواته الأولى بعد أن تتعافى "
رفع جين عينيه إلى والده عندها ابتسم والده قائلا : " إنها محقة , كل خطوة صعبة اليوم هي جزء من الطريق نحو ما هو أسهل غدا "
أومأ جين بصمت لأن تلك الكلمات كانت كافية لجعله يتحمل حتى يعود إلى ابنه و يرافقه في خطواته الأولى .
كانت جودي قد أرسلت لهما سيارة خاصة لتوصلهما إلى منزلهما , كانت تشعر بأنها مازالت مدينة له فحرصت على أن توفر له كل ما يحتاجه بالأخص خلال فترة تعافي جين من إصاباته .
تفرق الجميع من أمام باب المستشفى بعد أن أوصت والدة جين روز بأن تتصل بها في حال حدث شيء طارئ أو ساءت حالته .
خلال الطريق كان كل من جين و روز يشعر بأن الحياة تعود إليه تدريجيا و هما يبتعدان شيئا فشيئا عن القصر و أسراره , عن أستيريا و مشاكلها نحو منزلهما الصغير , نحو حياتهما البسيطة , نحو نفسيهما , أما أندرو فكان يكتشف أستيريا لأول مرة بعد أن قضى الأشهر الأولى من حياته خلف جدران القصر , وسط الخوف و المؤامرات لكنه اليوم يذهب في رحلة جديدة نحو منزل الصغير مع والديه بعيدا عن الخوف و المشاكل .
توقفت السيارة أمام المنزل و ساعد السائق جين على النزول , سبقته روز إلى المنزل و فتحت الباب ثم عادت إليه و أمسكت بيده بينما حملت أندرو بيدها الأخرى و قالت : " سأساعدك أنا "
مد يده إليها لكنها لم تمسكها بل أحاطت ذراعه بيديها و قالت : " هكذا أفضل , في حال شعرت بتعب أو دوار فأخبرني "
أومأ مبتسما و هو يرفض في داخله لأنه يعلم أنها ستقلق و ستكبر الأمر في رأسها من مجرد تعب و دوار إلى مستشفى و عملية جراحية .
كان المنزل على حاله منذ تركاه قبل أشهر عدا الغبار المتراكم على الأثاث , نظفت روز الأريكة و قالت : " ابق هنا حتى أنظف الغرفة "
ثم أجلسته عليها و وضعت وسادة خلف ظهره , ثم وضعت أندرو على الأرض و قالت : " أما هو فسيكتفي بالزحف هنا "
نظر جين إلى ابنه مبتسما ثم رفع رأسه إليها و قال : " هناك شيء من أجلك في ذلك الكيس الأسود "
ثم أشار إلى الكيس الأسود الذي كان وسط الأغراض التي أتت بها روز معهما من المستشفى عندها اقتربت منه و فتحته لكن قبل أن تتفقد ما فيه قالت : " ظننت أننا تركنا كل شيء خلفنا في القصر و لم نحضر شيئا "
أومأ بإيجابية : " بلى فعلنا لكن هذا الشيء حرصت على أن يصل إليك مهما كلف الأمر من ثمن "
ابتسمت روز ابتسامة جانبية و قالت : " ألا ترى أنك تبالغ في الاهتمام بي يا جين ؟ "
استند جين إلى الوسادة و قال : " أحب ذلك كثيرا "
فتحت روز الكيس الأسود فوجدت فيه دفترا أبيض اللون مزينا بورود حمراء كتب عليه اسمها بخط ذهبي و معه قلم حبر , حملت روز الدفتر و القلم و تركت الكيس يسقط على الأرض ثم رفعت عينيها إليه و قالت بدهشة : " جين !! "
ابتسم جين قائلا : " أنا آسف حرقت دفترك القديم عندما أعلنت ولائي لإيفان , بعد أن حصلت عليه مع ملفك الطبي أعدتهما إلى روبرتو لكنني خشيت أن يحصل عليه مجددا فاستعدته من روبرتو و حرقته , أعلم أن ذلك الدفتر كان يعني لك الكثير و أنك تحبين الكتابة عن نفسك و أقرب الأشياء إلى قلبك و أنك اتخذت من الدفتر الذي سلمه الأمن لك مذكرة كي تفرغي فيها ما يثقل قلبك لذا فكرت في تعويضك عنه و اشتريت هذا قبل الانقلاب بأشهر "
سكت قليلا ليأخذ نفسا ثم أكمل : " ثم خبأته عند روبرتو كي تتسلميه لاحقا في حال حدث لي شيء و لم أتمكن من تسليمه لك , بعدها استعدته و عندما رأيت أن الأوضاع تؤول إلى الأسوأ يوم مغادرتنا للقصر أوصيت الأمن بإبقائه قريبا مني حتى تهدأ الأوضاع و يسلم لك "
ثم ابتسم مجددا و قال : " الآن يمكنك أن تكتبي أسرارك دون خوف , لم يعد هناك من يهددك بها "
ابتسمت روز لكل كلمة قالها و هي تدرك حجم ما فعله من أجلها و كل التفاصيل اللي كانت تظن أنها خيانة لها في الخفاء هي في الواقع كانت تضحيات من أجل سعادتها عندها تقلصت ابتسامتها شيئا فشيئا و قالت :
" أنا لم أكن أعلم أنك كنت تفكر فيً طوال ذلك الوقت , ظننت أنك تخونني و تخطط لتصفيتي معهم و أنك غدرت بي و لهذا كنت خائفة و عاملتك بقسوة فوق ما كنت تتعرض له من خطر , لم اقدم لك ما تستحقه وسط كل هذا "
نظر جين إلى أندرو الذي توقف عن الزحف و جلس على الأرض و قال : " من قال أنك لم تقدمي لي شيئا ؟ أنت قضيت على المسافة التي كانت بيننا بالحب , و أعطيتني أندرو , و أنتما كل ما أحتاجه "
سكت ليأخذ نفسا ثم أكمل قائلا : " لعبته في الكيس أيضا , حرصت على أن تصل إليه أيضا مع الدفتر "
رفعت روز اللعبة عاليا و قالت : " لمن هذه ؟ "
رفع أندرو رأسه مع صوتها و بمجرد أن رأى اللعبة مد يديه الصغيرتين إليها محاولا الوصول إليها فجلست روز على ركبتيها و بقيت ترفع اللعبة ثم قربتها منه و عندما حاول الإمساك بها أبعدتها مجددا عندها قوس شفتيه الصغيرتين استعدادا للبكاء عندها مال جين قليلا و قال مبتسما : " لا تفعلي به هذا سينزعج "
ثم قربتها منه و عندما حاول الإمساك بها أبعدتها مجددا عندها قوس شفتيه الصغيرتين استعدادا للبكاء عندها مال جين قليلا و قال مبتسما : " لا تفعلي به هذا سينزعج "
ردت روز و هي ترفع اللعبة : " هكذا سيتعلم السعي نحو ما يريد بدل الحصول عليه جاهزا "
عقدت جين ذراعيه و قال : " سنعلمه ... بعد أن أشفى "
حملت روز أندرو من الأرض و وضعته بجانبه و ابتعدت قائلة : " سأذهب الآن لأعد العشاء , هل تريد شيئا مني قبل أن أغادر ؟ "
أومأ نافيا : " سلامتك ... لا تفكري في شيء و لا تضخمي الأمور في رأسك فنحن الآن بخير , سنبقى هنا في المنزل لفترة بعيدا عن الضغط و مشاكل أستيريا حتى نرمم أنفسنا "
أومأت روز بإيجابية و خرجت من الغرفة , أخذت حماما ثم ذهبت إلى المطبخ لتعد العشاء , تفقدت المطبخ كما لو أنها تدخله لأول مرة و تذكرت تلك الليالي الأولى من زواجها بعد أن بدأت تخرج من صدمة موت جاسمين , تذكرت كيف بدأت الطبخ لأول مرة في مطبخها و أعدت أول طبق طبخته مع جين منذ زواجهما كي تخرج قليلا من الضغط الذي تشعر به .
تركت روز الطبخة تنضج على النار و وقفت أمام النافذة المفتوحة و التي تطل على القصر الذي شردت فيه لدقائق طويلة تتذكر كل ما حدث فيه ثم أخذت نفسا عميقا و قالت : " انتهى كل شيء و خرجنا من هناك ... هيا يا روز , صدقي الأمر "
فجأة شمت رائحة تشبه رائحة الاحتراق فعادت إلى الواقع و أطفأت النار ثم تفقدتها فوجدت أنها لم تحترق عندها تنهدت و قالت : " لم يحترق , من الجيد أنني انتبهت , لست مستعدة لأحرق العشاء في أول يوم عدت فيه إلى منزلي "
ثم وضعت الوجبة في الصحن و وضعته في الصينية مع كأس ماء و أدوية و صحن صغير فيه وجبة لأندرو و حملت الصينية و ذهبت باتجاه الغرفة .
عندما دخلت روز الغرفة وجدت جين جالسا و أندرو مستلق بجانبه يلعب بلعبته و يضعها في فمه عندها ابتسمت روز و هي تنظر إليه
ثم اقتربت و هي تقول : " يبدو أنه جائع "
ابتسم جين قائلا : " لقد أكلها من شدة الجوع "
جلست روز و وضعت الصينية على السرير و قالت : " سأطعمك "
ضحك جين ضحكة طويلة أخفت الألم الذي كان يشعر به و قال : " أطعميه هو و أنا سأتدبر أمري بنفسي "
اقتربت منه كي تمنعه لكنه قرب الصينية منه و قال : " روز , ثقي بي أستطيع فعل ذلك "
ثم بدأ يأكل ببطء و أشار لها بأن تطعم أندرو ففعلت و عيناها لا تفارقانه حتى تأكدت من أنه أكل جيدا و بعد أن أنهت إطعام أندرو أعادته إلى جانبه و خرجت من الغرفة ثم عادت بعد لحظات تحمل أدويته و جلست بجانبه مجددا و أخذت كأس الماء الذي تركته بجانبه على الطاولة ثم قدمته له و قالت : " خذ "
استلم جين الدواء و كأس الماء و قال مبتسما : " كدت أنسى أمره "
وضعت يدها أسفل كأس الماء الذي كان يحمله كي تسنده و قالت : " أنا لن أنسى "
بعد أن شرب الدواء ساعدته على الاستلقاء و قالت : " سأبقى هنا تحسبا لأي طارئ "
قطب حاجبيه و قال : " روز ؟ ماذا قلنا عن تحميل نفسك ما لا تطيقه "
ابتسمت ابتسامة جميلة ظهرت لأول مرة على محياها و قالت : " أنا لا أحمل نفسي إطلاقا لكنني أحب الاهتمام بك فدعني أفعل ذلك "
ارتخت ملامحه عندها و ظهرت ابتسامة على محياه هو الآخر و قال : " إن كان الأمر كذلك فلا بأس "
اقتربت منه ثم طبعت قبلة على جبينه و قالت : " ما كان المنزل ليكون منزلا بدونك "
ثم ابتعدت عندها اكتشفت أنه نام فعدلت الغطاء عليه و اقتربت من أندرو لتبعده عنه لكنه تمسك به و قال أثناء نومه : " دعيه "
ابتسمت روز و قالت : " حتى في نومك تتمسك به "
ثم تركته على ما هو عليه و جلست تراقبه و هو نائم دون أن تنام هي لأنها كلما أغمضت عينيها رأت الأحداث الأخيرة تعاد أمامها و كأنها تعيشها .
عاد الهدوء إلى حياة روز و جين تدريجيا و قضى الاثنان أول يومين في المنزل في هدوء , روز كانت تهتم بجين و بأندرو بينما جين كان يحاول تعويض الأيام التي عاشها في الخوف عليهما مع ابنهما .
حتى جاء ذلك اليوم الذي كانت روز تغسل الأواني بعد وجبة الغداء أما جين فقد كان في الغرفة مع أندرو , بعد أن أنهت مسحت يديها بمنشفة ثم عادت إلى الغرفة فوجدت أندرو يبكي و جين مستلقيا بجانبه دون حركة فشعرت بأن الأرض تهوى بها و أسرعت نحوه ثم انحنت نحوه فوجدته مغمض العينين عندها شعرت بانقباض في قلبها و مدت يدها و ضربة بخفة على خده ففتح عينيه ببطء و قال بضعف : " روز ... أنا بخير "
أومأت نافية و قالت بقلق : " لا أنت لست كذلك "
حاول النهوض لكن جسده خذله عندها ساعدته على الاعتدال في وضعيته و وضعت يدها على جبينه و قالت : " أنت لست محموما "
ثم نظرت حولها بتوتر و قالت : " أنا لا أعرف ما أفعل ... لا أعرف ما أفعل "
ثم التفتت إليه و سألته : " هل تتألم ؟ "
أومأ بإيجابية : " كتفي و ذراعي يؤلمانني , يبدو أنني تحركت كثيرا "
نهضت روز فورا نحو المطبخ و عادت و هي تحمل الكثير من المسكنات و الأدوية ثم جلست بجانبه و قالت : " جين ... يجب أن تجلس الآن , أحضرت لك مسكنا "
فتح جين عينيه بصعوبة و رأى كمية الأدوية التي كانت في حجرها فالتفت إليها و قال : " روز ... هل أحضرت صيدلية إلى المنزل ؟ "
كانت تعلم أنه يحاول المزاح كي يخفف ضغط الجو و الخوف عليها لكنها لم تبتسم بل قالت بصرامة : " لو اضطررت إلى فعل ذلك الآن فسأفعله دون تردد "
ضحك جين رغم ألمه ثم جلس بصعوبة و شرب الدواء ثم استلقى مجددا و قال : " هذا كاف , سأكون بخير "
لكن روز لم تصدق الأمر بل ظلت تراقبه لساعات حتى نام فشعرت بالاطمئنان و نامت هي الأخرى .
كانت فترة التعافي أكثر فترة متقلبة مرت على روز في حياتها , يوم يستطيع فيه جين السير لفترة طويلة و يوم لا يغادر فيه السرير , يوم يأكل فيه جيدا و يوم يفقد فيه شهيته من التعب , يوم يلعب فيه مع أندرو و يوم يقضيه في سريره من الألم و التعب .
مر أسبوع آخر و في ظاهره كان جين يتحسن و أصبح يستطيع السير لمسافات أطول و اللعب مع أندرو لأوقات طويلة و أحيانا يساعد روز في أعمال المنزل ما جعلها تصدق أنه شفي بشكل كلي رغم آثار الإصابات الظاهرة على جسده .
حتى جاء ذلك اليوم الذي أعاد روز إلى نقطة الصفر , استيقظ جين قبل الفجر على ألم في صدره و بالرغم من أنه لم يكن حادا مثل الأيام الأولى
إلا أنه أشعره بالضعف و لم يستطع حتى أن يرفع رأسه عن الوسادة .
التفت إلى يمينه فرأى روز نائمة بجانبه , أراد إيقاظها في البداية لكنه تذكر أنها قضت اليوم كله في تنظيف البيت فتراجع عن الأمر لكن الألم اشتد فجأة حتى شعر بدوار فمد يده إلى كتفها و هزها بضعف مستنجدا بها : " روز ... "
استيقظت روز فورا و هبت جالسة فلاحظت التعب على وجهه , مدت يدها إلى جبينه و سألته : " هل تتألم ؟ "
لاحظت أن حرارته غير مرتفعة لكنه أشار إلى موضع الإصابة أيسر صدره و قال : " يؤلمني أكثر من المعتاد "
كانت الغرفة مضاءة أساسا لأن روز لا تنام في الظلام خصوصا بعد الحادثة فلم تضطر لإضاءة المصباح , أبعدت يدها عن جبينه و سألته و هي تراقب تنفسه : " هل تشعر بدوار ؟ "
استغرق دقيقة كاملة قبل أن يجيب : " قليلا "
ابتعدت عنه ثم قامت من السرير باحثة عن هاتفها و قالت : " سأتصل بالطبيب "
لم يعترض و هذا ما أخافها , لم يكن من عادته أن يخبرها عن ألمه لأنه لا يحب أن يقلقها حتى عندما أصب ظل يكرر أمامها : " أنا بخير "
لكنه الآن يخبرها عن ألمه و يستنجد بها في ضعفه و الأسوأ أنه لا يعترض على اتصالها بالطبيب , اتصلت روز بالطبيب و طلبت حضوره لأن جين لا يقوى على الحركة أو النهوض فوافق الطبيب و حضر بأسرع ما يستطيع , و خلال فترة الانتظار بقيت روز بجانب جين تتفقد حرارته و تحاول إبقاءه واعيا و مستيقظا حتى وصل الطبيب و بدأ فحصه بينما بقيت روز قريبة منه تنتظر النتائج و تأمل ألا يضطر لنقله إلى المستشفى .
بعد الفحص , أكد الطبيب أنه لا توجد علامة تشير إلى أي مضاعفات خطيرة و لا ضرورة لنقله إلى المستشفى لكنه أوصى بالراحة لأنه استعجل التحسن و فرض على جسده مجهودا لا يستطيع تحمله و هو في هذه الحالة ثم غادر بعد أن أوصى روز بمراقبته و منعه من الحركة لمدة مع مراجعة الطبيب في حال التعرض لانتكاسة خطيرة .
بعد مغادرة الطبيب حل صمت رهيب على المنزل و لم تناقش روز أي شيء مما حدث معه عندها شعر بالذنب تجاهها , كانت تقف أمام النافذة و تراقب شارعهما الهادئ و القصر الذي يطل عليه البيت بينما كان جين مستلقيا على السرير بعد أن أرغمته على ذلك و منعته من الجلوس .
مرت دقائق طويلة كانت روز تراقب فيها الشارع الهادئ الذي حل عليه الصباح بينما كان جين يراقبها من السرير قبل أن يأخذ نفسا عميقا و يناديها من الخلف : " روز ... "
لم يكن صوته مرتفعا لكن روز انتفضت بقوة و التفتت إليه و عيناها متسعتين من الذعر و يداها مرفوعتان أمامها استعدادا للدفاع عن نفسها عندها ظهر عليه الشعور بالذنب و قال بصوت منخفض : " آسف , لم أقصد أن أفزعك "
أومأت نافية : " أنت لم تفعل , أنا من كنت شاردة "
نظر إليها مطولا و هو يفكر , هذه لم تكن مجرد حالة خوف عادية من شخص أفزعها بل حالة شخص يدافع عن نفسه من شيء خطر يهاجمه
لم يشأ النهوض و الاقتراب منها لأنه يعلم أنه لا يجب الاقتراب منها أو لمسها و هي في هذه الحالة من نوبات الهلع لأنها ستهاجمه و لن يتمكن من السيطرة عليها .
التفتت روز إليه مجددا ثم اقتربت منه و جلست بجانبه تتفقد حرارته و التي بدا أنها انخفضت فتنهدت براحة أخيرا ثم قالت : " حرارتك انخفضت أخيرا , هل أنت بخير ؟ "
سكت قليلا ثم قال : " روز "
ردت : " ماذا ؟ "
التفت إليها و قال مبتسما : " شكرا "
بادلته روز ذات الابتسامة و قالت : " لا تشكرني و كأننا غريبان فأنت فعلت معي ذات الشيء حين مرضت أكثر من مرة "
التفت أكثر و قال : " هل هذا يعني أننا لم نعد غريبين ؟ قضينا على حدود الغربة ؟ "
أومأت و هي تبتسم أكثر : " نعم , أنت كسرت كل حدودي و دخلت حياتي و غيرتها إلى الأفضل "
أمال رأسه إلى الجانب و سأل مبتسما : " و الآن ؟ "
اقتربت منه حتى قابلت وجهه و قالت : " مستعدة لتقديمها لك "
ضحك قليلا و قال : " يكفي أن تكوني موجودة في حياتي "
التعليقات
0 تعليق