" مذكرتي العزيزة , دفتر أبيض اللون مزين بورود حمراء كتب عليه اسمي بخط ذهبي أكتب فيه بالقلم الحبري اللذان أهداهما لي جين بعد أن انتهى كل شيء أو هكذا ظننت ...
ظاهريا يبدو أن الخطر انتهى , إيفان و دييغو في السجن , القصر عاد إلى جودي لكنها لم تنصب بعد كحاكمة فعلية هي و زوجها لأنها أرادت أن ترمم حطام أستيريا أولا ثم تقيم حفل التنصيب في وقت لاحق كي تعيد لأستيريا مجدها .
جين تعافى بشكل كلي من إصاباته و عاد إلى حياته الطبيعية , رغبت جودي في تنصيبه قائدا للحرس الملكي في القصر كمكافأة له على تضحيته لكنه رفض الأمر باحترام و فضل البقاء في منصبه كرجل أمن لأنه يحب عمله و فترات عمله تساعده على البقاء قريبا منا على عكس العمل في الحرس الملكي الذي يشغله عنا , كما فضل أن يؤثر أغلب وقته في العناية بي و بأندرو و ترميم أسرتنا الصغيرة التي أهلكتها مؤامرة إيفان "
أصبح عمر أندرو عشرة أشهر , بعد سنة و نصف من الاحتجاز داخل القصر و الأحداث الأخيرة بدأ هذا الصغير يستكشف أستيريا حوله , كان أندرو أكثر تعلقا بوالده من روز يميز وجهه عنها , يمد يديه نحوه بمجرد أن يراه , يجلس كثيرا معه و يفضل النوم و اللعب معه .
كان هذا الأمر طبيعيا لأي طفل أصبح يعرف والده و يميزه عن الغرباء أما ما لم يكن طبيعيا فهو ابتعاده عن أمه شيئا فشيئا , خلال هذه الفترة كانت روز تتعب كثيرا , ترى الكوابيس باستمرار , ترى أشياء لا يراها غيرها و الأسوأ أنها كانت تعيش وسط الأحداث الماضية باستمرار و لا ترى الواقع أمامها .
عندما بدأ الاضطراب عند روز قبل سنة كانت تلجأ إلى الكتابة في مذكراتها كي تفرغ الألم و الخوف اللذان كانت تشعر بهما أما الآن فمنذ أن كتبت عن الحوادث الأخيرة لم تضف حرفا آخر , في البداية ظن جين أنها متعبة مما حدث و اقترح عليها أكثر من مرة العودة إلى العلاج عند روبرتو لكنها كانت تؤجل الأمر في كل مرة لعدة حجج أهمها أنه ما زال بحاجة إلى فترة كي يتعافى بشكل كلي أو أنها غير مستعدة لتتحدث عما تشعر به لكن مع مرور الوقت بدأت بعض التغيرات تطرأ عليها و التي لم تكن تعجب جين مطلقا لكنه في كل مرة يسألها تجيب بأنها متعبة و تحتاج إلى راحة .
بعد مرور أسبوعين , قررت روز العودة إلى العلاج لكنها فضلت مناقشة هذا القرار مع جين أولا لأنه كان عليهما التفكير في من يعتني بأندرو في غيابهما .
في أمسية ذات اليوم كانت روز قد رتبت المنزل للمرة الثالثة في نفس اليوم , عدلت الأريكة في مكانها أكثر من مرة و غسلت الأواني نفسها ثلاث مرات و بعد أن أطعمت أندرو و حضرت العشاء توجهت لتغسل الملابس في الحمام لكنها لم تستعمل آلة الغسيل بل قررت أن تغسلها بيديها , بعد أن غسلت كل الملابس التفتت إلى السلة فوجدت سترة بيضاء انحنت و رفعتها , كانت شبيهة جدا بالسترة التي كان جين يرتديها أثناء أداء مهامه في الحرس الملكي لكن هذه لم تكن تعود للحرس الملكي , وضعت السترة في الحوض و بدأت تغسلها لكن أثناء ذلك لاحظت وجود شيء غريب أو تهيأت وجود شيء غريب , كان بقعة دم على السترة و كانت واضحة جدا للعين فرفعت السترة أمامها و قالت و هي تركز نظرها على البقعة : " لا أذكر أن جين قد ارتدى هذه السترة و أصيب "
فكرت قليلا و هي تنظر للسترة و بدأت تتساءل : " هل يعقل أن يكون قد أصيب و لم يخبرني ؟ ... من قد يفعل به هذا و التهديد لم يعد موجودا ؟ هل يعقل أن دييغو هرب من السجن و فعل ذلك أم أنهم لم يقبضوا عليه و أوهمونا بأنهم فعلوا ؟ "
في هذه اللحظة دخل جين الغرفة بعد أن عاد للبيت و وجد أندرو يبكي ثم ناداها و لم تجبه فبحث عنها و وجدها للحمام تنظر للسترة التي كانت ترفعها أمامها , تأملها قليلا ثم قال : " روز ماذا تفعلين ؟ "
عندها انتفضت بقوة حتى أسقطت السترة و التفتت إليه رافعة يديها اللتان غطت بهما وجهها فابتعد خطوة للوراء و قال : " آسف , لم أقصد أن أفزعك "
أومأت نافية و هي تبتسم لتطمئنه : " لا أنت لم تفعل , أنا من كنت شاردة "
لاحظ أنها تكرر نفس الجملة في كل مرة تنتفض فيها بذعر هكذا و هذا ما لم يكن طبيعيا بالنسبة له فهي ليست في خطر يجعلها تنتفض هكذا , نظر إلى السترة المبللة في يدها ثم إلى الصنبور المفتوح و سأل باستغراب :
" ماذا تفعلين ؟ "
أجابت و هي ترفع السترة أمامه : " أغسل هذه السترة "
ألقى نظرة إلى الخلف , خارج الحمام حيث كان أندرو يبكي في الغرفة ثم التفت إليها و قال : " أندرو يبكي منذ مدة , ألم تسمعيه ؟ "
نظرت إليه بعينين متسعتين من الاستغراب و قالت: " هل هو يبكي حقا ؟ أنا لم أسمعه "
أومأ بإيجابية : " نعم و أعتقد أنه كان يبكي قبل وصولي بمدة طويلة "
تركت روز السترة و خرجت من الحمام بسرعة نحو الغرفة ثم حملت أندرو الباكي بين ذراعيها و بدأت تهدئه , أغلق جين الصنبور و أخذ السترة المبللة ثم خرج من الحمام خلفها نحو الغرفة حيث كانت تهدئ أندرو ثم اقترب منها و سألها : " روز لماذا تغسلين هذه السترة ؟ "
ردت و هي تهز أندرو بين ذراعيها : " وجدتها بين الملابس و كانت ملطخة بالدماء فغسلتها و هذا ما كنت سأسألك عنه عندما تعود "
ظهر الاستغراب على وجهه و سألها : " تسألينني عن ماذا ؟ "
وضعت أندرو في مهده بعد أن هدأ ثم التفتت إليه و أشارت إلى السترة و سألته : " منذ متى تصاب و لا تخبرني ؟ "
ازداد استغرابه ثم نظر إلى السترة مطولا و بدأ يفكر , هذه السترة نظيفة أساسا و هو لم يرتديها منذ مدة ثم إن آخر إصابة تعرض لها كان يرتدي فيها ثيابا سوداء و هذه السترة لا علاقة لها بالأمر , هنا فهم أنها تخيلت الدماء على السترة و أن عليه مجاراتها فيم تقول و ألا ينكر الأمر لأن هذا ما يفرضه مرضها , تفقد السترة و هو يتظاهر بمحاولة تذكر ما حدث في حين أنه كان يفكر في كذبة يقنعها بها ثم أخذ نفسا عميقا و قال : " لقد سقطت "
عقدت ذراعيها باستغراب و سألت : " سقطت ؟ ... أين ؟ و متى ؟ "
أجاب و هو ينظر إلى النافذة لعل المنظر خارجا يعطيه أفكارا ليكمل كذبته : " حدث ذلك البارحة , سقطت و جرحتني قطعة زجاجية كانت على الأرض "
ثم أكمل و هو يشير إلى ذراعه : " هنا لكنه كان مجرد خدش بسيط , لهذا الأثر غير واضح و النزيف لم يكن غزيرا "
نظرت روز إلى ذراعه ثم قالت : " أصبت و لم تخبرني ؟ "
ابتسم بتكلف : " لم أرغب في أن أقلقك على مجرد خدش بسيط "
وضعت روز يدها على كتفه و قالت بجدية : " حسنا سأسامحك هذه المرة , لكن المرة القادمة عليك أن تخبرني حتى لو كان الأمر مجرد شوكة صغيرة "
ثم نظرت إلى أندرو بين ذراعيها و قالت : " الآن سأذهب لأطعم أندرو فهو جائع "
رد فورا : " لقد فعلت , أعتقد أنه يبكي لأنه يريد أن ينام و ليس لأنه جائع "
سألت باستغراب : " أنت لم تكن هنا فكيف تعلم أنني أطعمته ؟ "
أجاب و هو يضع السترة جانبا دون أن يبعد عينيه عنها : " رأيت صحنه الصغير فارغا عندما دخلت قبل قليل "
ثم اقترب خطوة منها و قال : " روز سلميني إياه و اذهبي لتأكلي شيئا "
أبعدت روز أندرو عنه و قالت : " لا سآخذه لينام أولا "
و قبل أن يرد أكملت : " سنأكل معا , هناك أشياء كثيرة أريد التحدث معك عنها "
أومأ بإيجابية : " حسنا كما تريدين "
ثم عاد إلى الحمام و أغلق الباب , غسل وجهه ثم وقف أمام الباب يفكر فيم حدث قبل قليل و في كل ما لاحظه على روز من شرود , رؤية ما لا يراه أحد , التخيلات وتضخيم الأمور بشكل سلبي , ربط كل هذا في عقله بالحوادث الأخيرة ثم قال : " لا بد أن الاضطراب عاد بشكل أقوى بعد أن تغذى على الحوادث الأخيرة و الضغط "
في هذه اللحظة فتحت روز الباب بعنف و دخلت , كان أمرا غريبا جعله يتجمد في مكانه من الصدمة قبل أن تسأله : " هل أنت بخير ؟ "
أومأ مستغربا : " نعم , ما بك ؟ "
نظرت روز إلى الباب ثم إليه و قالت : " تأخرت , ناديتك كثيرا و لم تجبني فقلقت عليك , ظننت أن شيئا خطيرا حدث لك "
هز رأسه يمينا و يسارا ليستوعب ما حدث ثم قال : " أنا بخير "
تفحصته روز بسرعة , تفقدت يديه و كتفيه , صدره و حرارته ثم تنهدت براحة و قالت : " أنت لست مصابا و لست محموما , ظننت أنك مصاب أو مريض و تخفي الأمر عني "
أومأ نافيا : " لا أنا لست كذلك , لكن إذا حدث و مرضت فسأخبرك "
ابتسمت روز باطمئنان و قالت : " هكذا أفضل , هل نذهب الآن لنأكل ؟ "
أشار إلى الباب و قال : " تفضلي "
خرجت روز أولا و هي تلفت إلى الخلف أكثر من مرة كي تتأكد من وجوده و بعد دخولهما المطبخ وضعت العشاء أمامه ثم جلست بجانبه و سألته : " كيف الأوضاع في الخارج ؟ كل شيء بأمان ؟ "
أجاب و هو يأكل : " نعم بخير , سيقيمون بعد قليل عرضا للألعاب النارية من القصر و سيتمكن الجميع من مشاهدته "
ظهرت في عينيها لمعة من شدة السعادة و قالت : " ألعاب نارية ؟ مثل تلك التي أطلقت في اليوم الذي تقدمت فيه إلي ؟ "
أجاب مبتسما : " نعم و سنتمكن من رؤيتها من الشرفة "
ظهرت السعادة على وجهها و هي تأكل أخيرا و كان ذلك ما يسعده , بعد لحظات من الصمت أخذت روز نفسا عميقا و بدت كأنها اتخذت قرارا ما ثم قالت : " جين هناك ما يجب أن نتحدث عنه "
رفع رأسه نحوها و قال : " سننهي العشاء أولا ثم نتحدث بعد عرض الألعاب النارية , اتفقنا ؟ "
أومأت بإيجابية : " اتفقنا "
بعد العشاء تعاون جين و روز على غسل الأواني معا , كان جين يحاول إخراجها من جو الاكتئاب الذي كانت فيه فكلما رآها شاردة بلل وجهها بكمية من الماء فيفزعها ذلك لكنه كان يهدئها و يسيطر على الوضع قبل أن تفقد شعورها بالعالم حولها و تخاف , بعدها حرص جين على ترتيب الأواني بنفسه كي لا تكسر روز شيئا و تخاف ثم أطفآ الضوء و خرجا من المطبخ نحو الشرفة .
فتح جين باب الشرفة ثم أشار إلى الكرسيين الموضوعين فيها , كانا متقابلين بحيث يستطيعان رؤية القصر معا فابتسمت روز و قالت :
" أنت من وضعهما هنا ؟ "
أومأ بإيجابية و هو يسحب الكرسي لها كي تجلس قائلا : " نعم , حرصت على أن يكون مكانا تشعرين فيه بالراحة , يمكننا الجلوس هنا وقت ما تشائين معي و نتحدث عما يخيفك , لن نخرج من هنا حتى تشعري بالتحسن "
جلست روز و هي تنظر إليه و هو يجلس أمامها ثم قالت : " أنت تفكر في الكثير من التفاصيل مؤخرا "
ابتسم و هو ينظر إلى المنظر المقابل لهما : " أحاول تعويض ما ضاع منا في الأشهر الأخيرة , يمكنك رؤية أستيريا من هنا "
التفتت روز إلى المنظر أيضا و قالت : " تبدو أجمل من هنا "
أنزل جين رأسه إلى الساعة في معصمه ثم بدأ يعد : " ثلاثة ... اثنان ... واحد "
في هذه اللحظة انطلقت الألعاب النارية من القصر و مراكز الأمن لكن بدل أن تفرح روز بها تجمدت في مكانها للحظات ثم قامت بسرعة و أخذت تبحث عن مكان تحتمي فيه , انتبه جين للأمر ففتح باب الشرفة و أدخلها إلى المنزل ثم أغلق الباب و أسدل الستائر ثم جلس قريبا منها يهدئها دون أن يلمسها , استغرق الأمر دقائق طويلة قبل أن تهدأ روز أخيرا على كلماته و هو يقول : " اهدئي .... نحن في البيت و أنت في أمان ... إنها مجرد ألعاب نارية و ليس هناك خطر "
أبعدت روز يديها عن أذنيها ثم رفعت رأسها ببطء تتفقد المكان حولها بحذر حتى أدركت أنها في منزلها و في غرفتها ثم نظرت إليه و قالت :
" أنا آسفة ... حين سمعت الصوت لم أر نفسي في الشرفة "
اعتدل جين في جلسته ثم طلب منها أن تجلس مقابلة له على الأرض ففعلت عندها قال : " سنتحدث الآن جيدا "
نظرت روز إلى الفراغ أمامها و قالت : " أنا مازلت أعيش وسط الركام الذي كنا فيه , أرى نفسي مجددا في القصر و وسط المؤامرات , تيفاني تطاردني و تخنقني ثم تأخذ أندرو , أرى جاسمين تحاسبني لأنني لم أحميها في الحفل و شارل و نافين يتهمانني بالتقصير لأنني هربت "
سكتت قليلا ثم أوضحت : " أصوات الألعاب النارية و أصوات التكسير تعيدني إلى كل الحوادث السابقة , تجعلني أعيش الحادثة مجددا بذات الخوف , ما تراه أنت كأسا مكسورا أراه طلقة موجهة نحوك , ما تسمعه أنت على أنه صوت كأس يتكسر هو عندي صدى الرصاصة "
سأل باهتمام : " ماذا عنك ؟ ... ماذا تريدين أنت ؟ "
رفعت رأسها فورا و أجابت : " أريد أن أخرج من الركام ... أنت الوحيد القادر على إنقاذي ... لا أريد أن يجعلني المرض غريبة "
سأل مجددا : " كيف يجعلك المرض غريبة ؟ "
أوضحت : " الناس يسمعون صوت تحطم الكأس كصوت تحطم كأس عادي أما أنا فأسمع صوت طلقة ... الناس يرون الألعاب النارية على أنها أضواء جميلة و أنا أراها نارا تحرقني ... أنت ترى البيت و أندرو و أستيريا أما أنا فأرى الركام و القصر و المؤامرات , كل الحوادث تعاد مثل فلم في كوابيسي و تخرج معي إلى الواقع و أنا أعيشها بكل جوارحي و كأنني ما زلت هناك "
ثم تابعت برجاء : " أخرجني من ذلك الركام و أعدني إلى منزلي "
نظر مطولا إليها ثم فتح ذراعيه قائلا : " هل تسمحين لي بمعانقتك ؟ "
بادلته روز ذات النظرة المطولة ثم اقتربت منه بسرعة و عانقته كأنها تختبئ فيه من صدى خوفها و ألمها .
التعليقات
0 تعليق